×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

العبادات بين المذاهب والحكام / الصفحات: ٦١ - ٨٠

وقال غيرهم هى الصبح .

وآخرون قالوا هى الجمعة .

وشذ البعض فقال أنها الصبح والعصر .

وشـذ آخـرون أكثر فقالوا أنها الصلوات الخمس وهذا الخلاف نابع من الروايات ..(١)

إلا أن هذا الخلاف ومعه كم من الروايات التى تتأرجح بين الصلوات لا ينفى الإشارة الواضحة من خلال النص القرآنى والتى تؤكد أن الأوقات ثلاثة ..

وهو ما يؤكده النص التالى الذى يأمر بإقامة الصـلاة طرفـى النهار وزلفاً من الليل فهى ثلاثة أوقات أيضاً ..

٦١
واختلف الفقهاء أيضاً فى تحديد هذه الأوقات فقال البعض الطرفان الصبح والمغرب . وقيل الطرفان الظهر والعصر والزلف المغرب والعشاء والصبح .

وقيل الزلفة هى صلاة الليل . وقيل أن الطرف الأول الصبح باتفاق .

أى أن الخلاف فى تحديد الطرف الثانى ..(٢)

كذلك النص الثالث يؤدى لنفس النتيجة وهى الإشارة إلى الأوقات الثلاثة حيث يأمر بإقامة الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل ثم قرآن الفجر ، أى وقت الظهيرة ثم العشاء ثم الفجر .

والنص الذى يليه يشير إلى وقتين : العشى والإبكار إذا اعتبرنا أن التسبيح يقصد به الصلاة كما أشار المفسرون ، وفى هذه الحالة يمكن اعتبار أن العشى يجمع المغرب والعشاء والإبكار يعنى الفجر ، ثم الظهر والعصر معاً وهو أمر محل نظر ..

أما الآية الخامسة فهى تشير إلى الأربعة أوقات على اعتبار أن التسبيح هو الصلاة أيضاً ، وهذا بالطبع يتناقض مع الآيات السابقة كما يتناقض مع الأوقات الخمسة التى أشارت إليها الروايات ..

إلا المفسرين نقلوا عن ابن عباس قوله : الصلوات الخمس فى القرآن . فسبحان الله حين تمسون . صلاة المغرب والعشاء . وحين تصبحون صلاة الفجر . وعشيا العصر . وحين تظهرون الظهر .

وقال آخرون أن الآية تنبيه على أربع صلوات المغرب والصبح والعصر والظهر والعشاء فى آية أخرى فى (زلفا من الليل) ..(٣)

٦٢
وخروجاً من هذه المتاهات سوف نعتمد النصوص الثلاثة الأولى التى جاء فيها ذكر الصلاة والتى تحدد أوقات الصلاة بثلاثة أوقات . وسوف نستبعد النصين الآخرين الذين ألصقتهما الفقهاء والمفسرين بالصلاة ..

يتبقى بعد ذلك مناقشة الروايات التى تشير إلى الأوقات الخمسة..

روى عن الرسول (ص) قوله : نزل جبريل فأمنى فصليت معه. ثم صليت معه. ثم صليت معه. ثم صليت معه . ثم صليت معه. يحسب بأصابعه خمس صلوات..(٤)

وروى أن رسول الله (ص) قال : فرض الله على أمتى خمسين صلاة فرجعت بذلك حتى آتى على موسى .

فقال موسى : ماذا افترض ربك على أمتك ؟

قلت : فرض على خمسين صلاة .

قال فارجع إلى ربك فإن أمتك لن تطيق ذلك .

فراجعت ربى فوضع عنى شطرها فرجعت إلى موسى فأخبرته.

٦٣
فقال ارجع إلى ربك فإن أمتك لن تطيق ذلك .

فراجعت ربى . فقال هى خمس وهى خمسون . لا يبدل القول لدى . فرجعت موسى .

فقال ارجع إلى ربك . فقلت : قد استحييت من ربى ..(٥)

وفى رواية أخرى : فرجعت إلى ربى فسألته أن يخفف فجعلها أربعين ثم رجعت إلى موسى فقال لى أرجع إلى ربك فاسأله التخفيف ، فرجعت إلى ربى فجعلها ثلاثين . فأتيت موسى فأخبرته فقال مثل مقالته الأولى ، فرجعت إلى ربى فجعلها عشرين ثم عشرة ثم خمسة ، فأتيت على موسى فقال لى مثل مقالته الأولى ، فقلت أنى استحى من ربى أن أرجع إليه ، فنودى أن قد أمضيت فريضتى وخففت عن عبادى وأجرى بالحسنة عشرة أمثالها ..(٦)

وفى رواية : فمن أداهن منكم إيماناً واحتساباً كان أجر خمسين صلاة ..(٧)

وفى رواية : خمس من جاء بهن مع إيمان دخل الجنة ..(٨)

وفى رواية : خمس صلوات كتبهن الله على العباد ..(٩)

٦٤
ويظهر لنا من الرواية الأولى أن الرسول تعلم الصلاة على يد جبريل الذى صلى معه خمس صلوات .

أما الرواية الثانية فتبين لنا أن الصلوات الخمس فرضن فى ليلة الإسراء والمعراج بعد مراجعات بين النبى وموسى والله سبحانه ..

وبهذا يتبين لنا مدى التناقض بين الروايتين فكل منهما تضرب الأخرى . ونحن فى مواجهتهما إما أن نقر أن الرسول فرضت عليه الصلوات الخمس وتعلمها على يد جبريل فى المدينة كما هو واضح من زمان الرواية .

وإما أن نقر أن الصلوات الخمس فرضن على النبى (ص) فى مكة حين أسرى به وعرج إلى السماء حسب الرواية الثانية وهى مكية كما هو واضح من حادثة الإسراء ..

والرواية الأولى يمكن احتمالها عقلاً أما الثانية فلا يمكن احتمالها ..

لا يمكن احتمال حادثة شق الصدر عقلاً وقد ربطهـا الـرواة بحاثة الإسراء ..(١٠)

ولا يمكن احتمال لقاء الرسول بالأنبياء من آدم حتى إبراهيـم ومحاورتـه معهـم ..(١١)

٦٥
ولا يمكن احتمال مراجعته لله سبحانه فى أمر الصلاة عدة مرات وبتوجيه من موسى ..

إن الله سبحانه لا يبدل القول لديه فكيف من الممكن أن يحتمل العقل هذه المراجعة مع الله سبحانه وفى شأن عبادة من العبادات .

وكيف لله أن يتحاور مع عبد من عباده بهذه الصورة وهو يعلم أن هذه المراجعة بتحريض من غيره وهو موسى ؟

وكيف لموسى أن يتدخل فى هذا الأمر الذى لا يخصه ولا يخص أمته ؟

وما هو سلطانه فى السماء حتى يعترض على أمر الله بغرض خمسين صلاة ويطلب من الرسول (ص) أن يراجع ربه فى شأنها بحجة أن أمته لن تطيق ذلك ؟

وهل موسى أعلم من الله بمدى احتمال أمة محمد لهذه الفريضة؟

قد يقال أن مسألة الإسراء والمعراج وحركة النبى فى السماء من باب المعجزات وخوارق العادات . وقد يسلم العقل لهذه المسألة من هذا الباب (١٢) .

إلا أنه ليس من الممكن أن يسلم بتلك القصة المشوهة عن فرض الصلوات الخمس التى تضع الله سبحانه فى هذه الصـورة

٦٦
التى لا يريد القلم أن يخوض فى تفاصليها لكونها تمس ذاته سبحانه..

إن الواجب يحتم علينا اللجوء إلى الفقهاء لنرى ما هو موقفهم من هذه القصة .

قال القرطبى : الحكمة فى تخصيص موسى بمراجعة النبى (ص) فى أمر الصلاة لعلها لكون أمة موسى كلفت من الصلوات بما لم تكلف به غيرها من الأمم فثقلت عليهم ، فأشفق موسى على أمة محمد من مثل ذلك ..(١٣)

وقال غيره : لعلها من جهة أنه ليس فى الأنبياء من له اتباع أكثر من موسى ولا من له كتاب أكبر ولا أجمع للأحكام من هذه الجهة مضاهياً للنبى ، فناسب أن يتمنى أن يكون له مثل ما أنعم به عليه من غير أن يريد زواله عنه ، وناسب أن يطلعه على ما وقع له ـ أى من بنى إسرائيل ـ وينصحه فيما يتعلق به .

ويحتمل أن يكون موسى لما غلب عليه فى الابتداء الأسف على نقص حظ أمته بالنسبة لأمة محمد حتى تمنى أن يكون ، استدرك ذلك ببذل النصيحة لهم والشفقة عليهم ليزيل ما عساه أن يتوهم عليه فيما وقع منه فى الابتداء ..(١٤)

وقال السهيلى : ان الحكمة فى ذلك أنه كان رأى فى مناجاته صفة أمة محمد فدعا الله أن يجعله منهم ، فكان إشفاقه عليهم كعناية من هو منهم ..(١٥)

وقال ابن حجر معلقاً على هذه الأقوال : والعلم عند الله تعالى، وقد وقع من موسى فى هذه القصة من مراعاة جانب النبى أنه أمسك عن جميع ما وقع له حتى فارقه النبى أدبـاً معـه وحسـن عشرة ..(١٦)

٦٧
وبتأمل هذه الأقوال نجدها لا تخرج عن كونها مجموعة من التبريرات الواهية التى لا صلة لها بجوهر الموضوع ولم يكلف الفقهاء أنفسهم كالعادة النظر فى صحة الرواية وإنما كل ما يعنيهم هو سندها وبالتالى هم تعاملوا بمنطق التسليم فقد رواها البخارى ومسلم وسندها صحيح حسب قواعد الجرح والتعديل التى وضعوهـا ..(١٧)

أما الروايات الأخرى فهى محاولات لتأكيد الصلوات الخمس وهى روايات ترغيبية تكتظ بمثلها كتب السنن ..(١٨)

وإذا كانت الرواية الأساس التى يعتمد عليها القوم فى فرص الصلوات الخمس وهى ـ رواية الإسراء والمعراج ـ واهية ومرفوضة عقلاً فإن الروايات الأخرى التى بنيت عليها تصبح بلا قيمة وما بنى على باطل فهو باطل ..

من هنا وعلى ضوء ما سبق نجد أنفسنا فى مواجهة مسألة التوقيت أمام مواقف ثلاثة :

الأول : أن نقف مع نصوص القرآن ..

الثانى : أن نقف مع الروايات ..

الثالث : أن نوفق بين القرآن والروايات ..

وإذا ما انحزنا إلى نصوص القرآن فإننا سوف نصطدم بقضية تحديد التوقيت والتطبيق ، وفى الوقت نفسه لا يمكننا أن ننحاز للروايات انحيازاً كاملاً، فمن ثم ليس أمامنا سوى الخيار الثالث وهو التوفيق بين الروايات ونصوص القرآن، وهذا التوفيق لن يتم

٦٨
على أساس الروايات التى تشير إلى أن الأوقات خمسة، فهذه الروايات تصطدم اصطداماً صارخاً بنصوص القرآن، إنما سوف نعرض لروايات أخرى أغفلها القوم وعتموا عليها وهى الروايات الخاصة بالجمع بين الصلوات فى الحضر.

يروى عن ابن عباس قوله : صلى رسول الله (ص) الظهر والعصر جميعاً والمغرب والعشاء جميعاً فى غير خـوف ولا سفـر ..(١٩)

وفى رواية أخرى : إن رسول الله (ص) صلى بالمدينة سبعاً وثمانياً. الظهر والعصر والمغرب والعشاء ..(٢٠)

ويروى أن ابن عباس خطب فى الناس يوماً بعد العصر حتى غربت الشمس وبدت النجوم وجعل الناس يقولون الصلاة الصلاة ، فقام رجل من بنى تميم فقال الصلاة الصلاة .

فقال ابن عباس أتعلمنى السنة لا أم لك ، رأيت رسول الله (ص) جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء .

قال الراوى عبد الله بن شفيق : فحاك فى صدرى من ذلك شئ فأتيت أبا هريرة فسألته فصدق مقالته ..(٢١)

وقد سئل ابن عباس عن هذا الجمع الغير مبرر فى نظرهم فقال: أراد ـ أى الرسول ـ أن لا يحرج أمته ..(٢٢)

ومن الواضح أن هذا التطبيق من قبل الرسول هو صورة من صور التوافق مع نصوص القرآن إلا أن الرواة والفقهاء موهوا على هذا التطبيق وحصروه فى دائرة ضيقة وبعضهم أنكره ..

وذهب بعض الفقهاء إلى أن الجمع لا يجـوز إلا فـى عرفـة

٦٩
والمزدلفة ، وحملوا ما ورد من ذلك ـ أى الجمع فى الحضر ـ على الجمع الصورى ..(٢٣)

وقال محمد : ولسنا نأخذ بهذا . لا نجمع بين الصلاتين فى وقت واحد ، إلا الظهر والعصر بعرفة والمغرب والعشاء بمزدلفة ، وهو قول أبو حنيفة ..(٢٤)

وقد ربطت المذاهب الأربعة الجمع بين الصلاتين بالسفر والمرض والمطر والطين والخوف والثلج الشديد عند الأحناف الذين قالوا يعدم جواز الجمع إلا فى السفر ولا يجوز فى الحضر بأى عذر من الأعذار إلا فى عرفة بجمع الظهر والعصر جمع تقديم ، وفى المزدلفة بجمع المغرب والعشاء جمع تأخير وذلك فى الحج ..(٢٥)

ولا يظهر أن الفقهاء اتخذوا هذا الموقف من قضية الجمع فى الحضر على أساس الروايات فكما هو واضح أن الروايات ليست فى صفهم وهم قد أعلنوا مخالفتهم لها دون مبرر مقبول وهو أمر ليس كعادتهم ولكنها سطوة السياسة والمذهبية التى جعلتهم يعاندون فى تحريم زواج المتعة رغم صراحة النصوص فى إباحته ..(٢٦)

ويبدوا أن الفقهاء اعتمدوا على موقف عمر من قضية الجمع فى الحضر كما اعتمدوا عليه من قبل فى قضية زواج المتعة ..(٢٧)

إن المتأمل فى جمع الصلوات يكتشف أنها تنحصر فى أوقات ثلاثة فالظهر والعصر وقت . والمغرب والعشاء وقت والوقت الثالث هو الفجر ، وهذا هو التطبيق الوحيد للصلوات الذى ينسجم مع النصوص القرآنية، وهو التطبيق الوحيد الذى كان ينسجم مع واقع العرب وظروفهم آنذاك .

ومثل هذا التطبيق من شأنه أن يوفر وقت المسلمين وأموالهم ، فكم يضيع المسلمون من وقت تحت ستار الصلوات الخمس ، وكم أنفقوا من أموال على المساجد التى يحتاجونها لتغطية الصلوات الخمس ومتطلباتها من أئمة ومؤذنين وخلافه ،س بالإضافة إلى توفير ذلك الكم الهائل من المياة التى تهرق تحت اسم الوضوء خمس مرات يومياً ..(٢٨)

وهل جاء الدين لتعطيل مصالح العباد وإضاعة الوقت وتبديد الثروات .. ؟

٧٠
وفيما يتعلق بالكيفية فقد أشار القرآن إلى الركوع والسجود والتسبيح فى مواضع كثيرة والصلاة إنما تتكون من ركوع و سجود وتسبيح ..

ولما كان القرآن يبين كيفيتها فإن الكيفية هنا تكون بين أمرين :

الأول : أن كيفية الصلاة معروفة عند العرب فمن ثم لم يوضحها القرآن ..

الثانى : أن يكون الرسول (ص) قد بين كيفيتها ..

والأمر الثانى هو الأرجح إذ لم ترد أدلة ترجح الأمر الأول . من هنا فإن الوارد عن الرسول حول كيفية الصلاة يجب أن يدور فى محيط الركوع والسجود والتسبيح وما زاد على ذلك فليس من الصلاة فى شئ ..

إلا أن الفقهاء على أساس الروايات قد وضعوا للصلاة أركان ومبطلات بل تطرفوا فى رؤيتهم لها فجعلوها ركناً من أركان الدين ..

روى عن الرسول (ص) قوله : بنى الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان ..(٢٩)

وروى أن الرسول (ص) قال : إن بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة ..(٣٠)

٧١
وروى عن الرسول (ص) قوله : إن العهد الذى بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر ..(٣١)

وعلى ضوء هذه الروايات وغيرها حكم بعض الفقهاء بكفر تارك الصلاة وعدم جواز الصلاة عليه حين موته وعدم جواز دفنه فى مقابر المسلمين ..(٣٢)

وعلى ضوء هذه الروايات وغيرها اعتبروا الصلاة مقياس الإيمان على مستوى الفرد والمجتمع دون النظر لجوهرها وأبعادها. فإن صلى الفرد وسادت الصلاة المجتمع كان هذا المجتمع فى حظيرة الإيمان ..

روى عن الرسول (ص) قولـه : إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان ..(٣٣)

إن هذه الروايات وما شابهها هى من صنع السياسة مـن أجـل تضخيم الصلاة على حساب فرائض أخرى ذات تأثير وفعالية وأبعاد تهدد نفوذ الحكام ..(٣٤)

واعتبر الفقهاء أن من أركان الصلاة النية وتكبيرة الإحرام وقراءة الفاتحة والركوع والسجود والتشهد والسلام والترتيب ..(٣٥)

٧٢
وهذه الأركان هى محل خلاف بينهم على أساس الروايات التى اعتمدوا عليها فى تحديد هذه الأركان ، إلا أن الواضح من خلال نصوص القرآن أن الركوع والسجود والتسبيح هم أساس الصلاة ومكوناتها وما دون ذلك فهو من صنع الروايات ..

وعلى هذا الأساس يمكن قراءة ما تيسر من القرآن غير الفاتحة التى قال الفقهاء أنه لا تصح الصلاة بدونها ..(٣٦)

وفى الوقت الذى يقول فيه الفقهاء ببطلان الصلاة التى تخلو من الفاتحة . يقولون فيه بوجوب التأمين خلف الإمام فى الصلاة الجهرية والإسرار به فى الصلاة السرية أى قول أمين، وهى كلمة لا صلة لها بالفاتحة وتعد من موروثات الأديـان السابقة ..(٣٧)

وقال الفقهاء بجواز السجود على المخيط وغيره من المواد الصناعية سيراً مع التغييرات التى أدخلها الحكام على المساجد بعد وفاة النبى (ص) وعابوا على الشيعة التى جمدت التراب فى هيئة قوالب للسجود عليه التزاماً بسنة النبى الذى لم يسجد إلا على التراب والحصى وترك مسجده على هذا الحال ..(٣٨)

وقال الفقهاء بجواز الصلاة وراء كل بر وفاجر مع أن الصلاة قضية روحانية خالصة بين العبد والله سبحانه وتعالى لا ينبغى أن تكون فيها وسائط غير صالحة أو غير طاهرة ، وأن الصلاة يلزم التحرى فيها بدقة عن الصدق والإخلاص فى الأداء..(٣٩)

وأجاز الفقهاء الصلاة فى أى أرض وأى مسجد دون أن ينبهوا الناس إلى وجوب التحرى عن طهارة هذه الأرض وصلاحيتها للصلاة . فقد تكون أرضاً مغصوبة من أصحابها بغير حق أو يكون المسجد بنى بأموال محرمة .. (٤٠)

٧٣
وجاء القوم برواية تقول : صلاة الجميع تزيد على صلاته فى بيته وصلاته سوقه خمساً وعشرين درجة .. (٤١)

وهذه الرواية جاءت لدفع الناس نحو المساجد والصلاة وراء كل من هب ودب طلباً للثواب الكبير دون الانتباه إلى نوع المسجد وحقيقة الإمام الذى يصلى وراءه والذى من الممكن أن يؤدى إلى فقدان هذا الثواب وتحميل المصلى أوزاراً فوق ذلك..

وقد جاءت روايات أخرى تقول بضع وعشرين .

وروايات تقول سبع وعشرين .

وهذا التخبط بين الرواة فى تحديد كم الثواب الذى يتحصله المصلى من وراء صلاة الجماعة إنما يثير الشك فى هذه الروايات..

إلا أن الفقهاء فى مواجهة هذه الروايات رفعوا سلاح التأويـل والتبرير كعادتهم لدرء الشك الذى من الممكن أن يطرأ على نفس المستمع لمثل هذه الروايات ..

قال السندى : قوله بضعاً وعشرين درجة ، البضع ما بين الواحد أو الثلاث إلى العشرة ، وقد جاء تفسيره فى رواية خمساً ، وفى رواية سبعاً ، والتوفيق بينهما ممكن بحملهما أو بجعل أحدهما على التكثير دون التحديد ، ويحتمل أنه أوحى إليه أولاً بخمس وعشرين ثم بسبع وعشرين تفضيلاً من الله تعالى حيث زاد درجتين ..(٤٢)

٧٤
وقال القرطبى : فى حديث عبد الله بن عمر : بسبع وعشرين درجة ، فقيل الدرجة أصغر من الجزء ، فكان الخمس والعشرين إذا جزئت درجات كانت سبعاً وعشرين .

وقيل يحمل على أن الله تعالى كتب فيها أنها أفضل بخمس وعشرين جزءًا ثم تفضيل بزيادة درجتين .

وقيل أن هذا بحسب أحوال المصلين فمن حافظ على أحوال الجماعة واشتدت عنايته بذلك كان ثوابه سبعاً وعشرين ، ومن نقص عن ذلك كان ثوابه خمساً وعشرين.

وقيل أنه راجع إلى أعيان الصلاة فيكون فى بعضها سبعاً وعشرين وفى بعضها خمساً وعشرين ..(٤٣)

وقال ابن سيد الناس : يحتمل أن يختلف باختلاف الأماكن بالمسجد ..(٤٤)

وغيره قال: هل هذه الدرجات أو الأجزاء بمعنى الصلوات فيكون صلاة الجماعة بمثابة خمس وعشرين أو سبع وعشرين صلاة .

أو يقال أن لفظ الدرجة والجزء لا يلزم منهما أن بكونا بمقدار الصلاة ..(٤٥)

٧٥
وقال الترمذى : عامة من روى عن النبى (ص) أنه قال بخمس وعشرين إلا ابن عمر فإنه قال بسبع وعشرين ..(٤٦)

ويظهر لنا من خلال هذه التبريرات أنها لم تحسم المسألة وتحاول التغطية على تناقص الروايات لا أكثر إلا أنه بإعمال العقل فيها يتبين لنا أنها روايات أشبه بصكوك الغفران ..

إن العلاقة ببين الخالق والمخلوق لا يمكن أن تقوم أبداً على أساس الكم وإنما تقوم على أساس الكيف ، وإذا كان الإمام حقاً إمام والمساجد تقوم بدورها لجذبت المسلمين نحو صلاة الجماعة دون مبرر لهذا الإغراء بكثرة الثواب ..

أما صلاة الجمعة فقد حددت الآية الخاصة بها مقوماتها وهى ثلاثة :

الأول : المجتمع المسلم ( الذين آمنوا ) .

الثانى : الإمام ( النبى ) .

الثالث : ذكر الله (الدين ) .

فإذا ما توافر المجتمع المسلم الصالح والإمام الورع التقى الذى ترجع إليه الأمة فى أمور دينها فإن صلاة الجمعة سوف تقام على وجهها الصحيح الذى يبرز حقيقة الدين وموقفه من شتى الأحداث والمتغيرات وهذا هو ذكر الله المقصود من النص .

٧٦
وافتقاد المجتمع المسلم يعنى افتقاد الإمام المرجع ، ويعنى من جانب آخر افتقاد الدين وهذا من شأنه ألا يقود الناس إلى ذكر الله .

وهو ما يعنى أن الصلاة الجمعة لا قيمة لها ولا تأثير فـى ظـل فقدان المجتمع والإمام ..

وهذا ما يشهد به واقع المسلمين على مر التاريخ . ومن بعد وفاة النبى (ص) وحتى اليوم وصلاة الجمعة فاقدة لمقوماتها تستثمر سياسياً لصالح الحكام لا تبرز من خلال خطبتها كلمة الحق وحقيقة الدين ويبارك من خلالها الحكام وسياساتهم ..

وقام الفقهاء بمباركة هذا الوضع على أساس الروايات التى حشدوها لترغيب الناس فى تأديتها وحصد الحسنات من ورائها ..

ومن هذه الروايات رواية تقول :

من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح فكأنما قرب بدنه . ومن راح فى الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة ، ومن راح فى الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً أقرن، ومن راح فى الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة. ومن راح فى الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة ، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر ..(٤٧)

ورواية تقول : الجمعة إلى الجمعة كفارة ما بينهما ..(٤٨)

٧٧
ورواية تقول : إذا كان يوم الجمعة قعدت الملائكة على أبواب المساجد فيكتبول من جاء إلى الجمعة فإذا خرج الإمام طوت الملائكة الصحف ..(٤٩)

ورواية تقول : إن الله قد افترض عليكم الجمعة فى مقامى هذا فى يومى هذا فى شهرى هذا من عامى هذا إلى يوم القيامة فمن تركها فى حياتى أو بعدى وله إمام عادل أو جائر استخفافاً بها أو جحودًا لها فلا جمع الله له شمله ولا بارك له فى أمره ألا ولا لـه صلاة له ولا زكاة له ولا حج له ولا صوم له ولا بر له حتى يتوب فمن تاب تاب الله عليه ..(٥٠)

ورواية تقول : من ترك الجمعة ثلاثاً من غير ضرورة طبع الله على قلبه ..(٥١)

وهذه الروايات التى تدور بين الترغيب والترهيب يلاحظ فيها ذكر الإمام ، والإمام فى تفسيرات الفقهاء هو الحاكم فكأن هذه الروايات تشير إلى ربط صلاة الجمعة بالحكام .

إلا أن الحكام لا يمكن ربطهم بالملائكة كما أشارت الرواية الأولى والثالثة، من هنا يمكن القول أن الإمام المقصود من هذه الروايات هو الإمام الحقيقى الذى لا تصح الجمعة بدونه لا الحكام الذى وجه الفقهاء هذه الروايات نحوهم ..

أما الرواية الرابعة فتفوح منها رائحة السياسة إذ ربطت الجمعة صراحة بالإمام الجائر ولم تفرق بينه وبين الإمام العادل فمن ثم هى رواية جاهزة للفقهاء كى يقدموها هدية للحكام ومعها الرواية الأخيرة التى جعلت المساجد تكتظ بالمصلين يوم الجمعة والشوارع أيضاً تاركين بقية الصلوات ..(٥٢)

٧٨
ومن جهة تحديد عدد ركعات الصلاة عموماً والجمعة خاصة فإن القرآن لم يشر إلى ذلك ، أما كيف حددت الجمعة فى ركعتين فقد تم ذلك على أساس الروايات ..

قال عمر : صلاة الجمعة ركعتان وصلاة الفطور ركعتان وصلاة الأضحى ركعتان وصلاة السفر ركعتان تمام غير قصر على لسان رسول الله (ص) ..(٥٣)

وقال الأحناف يشترط لصحة صلاة الجمعة ستة أشياء : المصر ـ المكان الجامع للناس ـ أن يكو ن الإمام فى الجمعة هو ولى الأمر أو نائبه .

أن يكون الوقت وقت الظهر .

الخطبة .

أن يكون المكان مباحاً أى مفتوحاً فلا تجوز الجمعة فى الأماكن المغلقة .

الجماعة فلا يجوز أن تصلى الجمعة فرادى وكذلك شروط المذاهب الثلاثة الأخرى على تفصيل وخلاف فى الحد الأدنى من المصلين ..(٥٤)

وروى عن عائشة قالت : فرض الله الصلاة حين فرضها ركعتين ركعتين فى الحضر والسفر ، فأقرت صلاة السفر وزيد فى صلاة الحضر ..(٥٥)

٧٩
وهذه الرواية تعد من فلتات القوم إذ تعترف عائشة من خلالها أن الصلاة فرضت ركعتين ثم زيدت بعد ذلك ..

والسؤال هنا : من أين جاءت الزيادة ؟

والجواب يكمن فى الروايات التى تنسب إلى الرسول (ص) هذه الزيادة دون أن تشير إلى أن الوحى هو مصدر هذه الزيادة .

إلا أن الآيات التى تشير إلى القصر فى الصلاة ربطت القصر بالخوف والحرب فقط ولم تربطه بالسفر ..

والظاهر أن العرب فى زمانهم كانوا يربطون السفر بالخوف ولذلك ربطوا القصر بالسفر وحدث الخلط من الرواة ..

ومسألة القصر الواردة فى القرآن تدفعنا إلى نتيجة وهى أنه لابد وأن يكون عدد ركعات الصلاة المكتوبة قابلة للقصر أو بمعنى آخر قابلة للقسمة على اثنين ، فمن ثم هى أكثر من اثنين ، وهذا يقودنا إلى قبول الروايات التى تؤكد حصر عدد الركعات فى أربعة وتبقى إشكالية صلاة الفجر التى تتكون من ركعتين وصلاة المغرب التى تتكون من ثلاث ركعات واللتان لا ينطبق عليهما القصر ..

يروى عن ابن عباس قوله: فرض الله الصلاة على لسان نبيكم (ص) فى الحضر أربعاً وفى السفر ركعتين وفى الخوف ركعة..(٥٦)

٨٠