×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

العبادات بين المذاهب والحكام / الصفحات: ٨١ - ١٠٠

وحول قوله تعالى: (وإذا ضربتم فى الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ..) (النساء / ١٠١)

يقول القرطبى : ضربتم أى سافرتم . واختلفوا فى حكم القصر فى السفر .

فروى عن جماعة أنه فرض ، وهو قول عمر بن عبد العزيز والكوفيين واحتجوا بحديث عائشة المذكور ولا حجة فيه لمخالفتها له فإنها كانت تتم فى السفر وذلك يوهنه وإجماع فقهاء الأمصار على انه ليس بأصل يعتبر فى صلاة المسافر خلف المقيم . ثم إن قولها ـ أى عائشة ـ فرضت الصلاة . ليس على ظاهرة فقد خرج عنه صلاة المغرب والصبح فإن المغرب ما زيد فيها ولا نقص عنها وكذلك الصبح وهذا كله يضعف متنه لا سنده .

وأكثر العلماء من السلف والخلف أن القصر سنة .

وقال آخرون بالتخيير بين القصر والإتمام واختلفوا فى أيهما أفضل القصر أم الإتمام..(٥٧)

وروى أن ابن عمر سئل : أنا نجد صلاة الحضر وصلاة الخوف فى القرآن ولا نجد صلاة السفر ؟ فقال : إن الله بعث محمداً إلينا ولا نعلم شيئاً فإنا نفعل كما رأينا محمداً يفعل ..(٥٨)

قال القرطبى : ففى هذا الخبر قصر الصلاة فى السفر سنة لا فريضة لأنها لا ذكر لها فى القرآن ، وإنما القصر المذكور فى القرآن إذا كان سفراً وخوفاً واجتمعا ، فلم يبح القصر فى كتابه إلا مع هذين الشرطين .. وقصر رسول الله (ص) من أربع إلى اثنين إلا المغرب فى أسفاره كلها آمناً لا يخاف إلا الله تعالى فكان ذلك سنة مسنونة منه زيادة فى أحكام الله تعالى كسائر ما سنه وبينه مما ليس له فى القرآن ذكر ..(٥٩)

وقال السندى : صلاة الحضر هى محل الأوامر المطلقة وصلاة الخوف مذكورة فى القرآن وقد قصر الرسول (ص) بلا خوف فهو دليل يثبت به الحكم كما يثبت بالقرآن ..(٦٠)

٨١
ويبدو لنا من خلال أقوال الفقهاء وحول القصر فى السفر أنهم حائرون بين الروايات وبين القرآن ومحاولة التوفيق بينهما رغم التباين الواضح بينهما . وصراحة الآية التى تربط القصر بالخوف فقط دون السفر ..

وإذا كان السفر فيما مضى قد ارتبط بالخوف فإن هذا السبب قد انقضى اليوم وأصبح السفر خالياً من الخوف والمشقة ، فمن ثم ليس هناك مبرر معقول للقصر فى السفر خاصة أن الآية صريحة فى ربط القصر بالخوف ..

وتحت تأثير الروايات التى أصبحت لسان حال الفقهاء ووسيلة التعبير عن الدين شاع ربط القصر بالسفـر وتنـاس النـاس أن الأساس فى القصر هو الخوف ، أو بمعنى أدق تناسى الناس القرآن تحت سطوة الروايات وفتاوى الفقهاء ..

وقد حددت آية أخرى أنه إذا اشتد الخوف فإن الصلاة تجوز وقوفاً وراكباً وهى قوله تعالى: (فإن خفتم فرجالاً أو ركباناً) (البقرة/٢٣٩)

قال القرطبى : قال علماؤنا الصلاة أصلها الدعاء وحالة الخوف أولى بالدعاء . فلهذا لم تسقط الصلاة بالخوف ، فإذا لم تسقط الصلاة بالخوف فأحرى ألا تسقط بغيره من مرض أو نحوه ..(٦١)

وإذا كان القرآن قد أجاز الصلاة بهذه الكيفية المختلفة فى حالة الخوف الشديد ، فهذا يعنى أن الصلاة لها كيفية ثابتة أباح القرآن التحرر منها فى هذه الحالة وهى ما تظهر بوضوح من خلال النص القرآنى الذى أشار إلى صلاة الحرب ..

٨٢
(وإذا كنت فيهم ـ أى الرسول ـ فاقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك ..) (النساء / ١٠٢) ..

فهذه الآية أشارت إلى القيام فى الصلاة وأشارت إلى السجود .. وبالطبع الركوع يسبق السجود، كما أشارت إلى الإمام صلاة الجماعة ..

وبالتالى من الممكن أن نقر الكيفية السائدة التى أغفلت بعض هيئاتها تحت ضغط السياسة وتأثير المذهبية ..

روى مصعب بن سعد بن أبى وقاص قال : صليت إلى جنب أبى وجعلت يدى بين ركبتى ، فقال لى أبى : اضرب بكفيك على ركبتيك . قال ثم فعلت ذلك مرة أخرى فضرب يدى وقال : إن نهينا عن هذا وأمرنا أن نضرب بالأكف على الركب..(٦٢)

وبتتبع أقوال الفقهاء لم نجد أحداً منهم أشار إلى مسألة ضرب الركبتين فى الصلاة كيف يكون ومتى يكون وهذا من تأثير السياسة والمذهبية إذ بالبحث والتقصى تبين أن مذهب آل البيت يقول بضرب الركبتين بالأكف ثلاث مرات مع التلفظ بجملة : الله أكبر ثلاثاً وذلك عند نهاية الصلاة وبهذا أخذت الشيعة ..(٦٣)

ومن باب التعصب المذهبى بالإضافة إلى ضغوط السياسة تم التعتيم على هذه الهيئة وأثارة الشكوك حول من يطبقونها ..(٦٤)

ومن هذا الباب أيضاً تمسك الفقهاء بكلمة آمين فى الصلاة سيراً مع روايات لا يقبلها العقل وتتناقض مع روح الصلاة ..

وروى عن صيغة التشهد أنها تنص على ما يلى : التحيات لله والصلوات والطيبات ، السلام عليك أيها النبى ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد عبده ورسوله ..(٦٥)

٨٣
وهذه هى الصيغة السائدة بين المسلمين اليوم ، إلا أن هناك صيغ أخرى مختلفة عن هذه الصيغة وردت فى روايات أخرى ..

روى عن عائشة أنها كانت تتشهد فتقول: التحيات الطيبات والصلوات الزاكيات لله، أشهد أن لا إله إلا الله وحدة لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، السلام عليك أيها النبى ورحمة الله وبركاته.السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، السلام عليكم..(٦٦)

ويروى عن ابن عمر أنه كان يتشهد فيقول : بسم الله. التحيات لله والصلوات لله، الزاكيات لله ، السلام عليك أيها النبى ورحمة الله

وبركاته ، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ، شهدت أن لا إله إلا الله وشهدت أن محمداً رسول الله ، يقول هذا فى الركعتين الأوليين ، ويدعو بما يدل له إذا قضى تشهده ، فإذا أراد أن يسلم قال : السلام على النبى ورحمة الله وبركاته ، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، السلام عليكم ـ عن يمينه ـ ثم يرد على الإمام . فإن سلم عليه أحد عن يساره رد عليه ..(٦٧)

وقد ورد على لسان الصحابة تسعة تشهدات مختلفة الألفاظ وهذا أمر يثير الشك إذ أن التشهد لا يجب أن يكون موضع خلاف بين الصحابة لأنه من الأعمال المتواترة ، فكل صحابى كان يؤديه عدة مرات فى اليوم والليلة فلا مجال للسهو والخطأ فيه ، وقد كان يروى أن الرسول (ص) كان يعلمهم التشهد كما يعلمهم القرآن..(٦٨)

قال مالك : افضل التشهد . تشهد عمر بن الخطاب ..(٦٩)

وقال محمد عن تشهد ابن عمر : كله حسن وليس يشبه تشهد عبد الله بن مسعود وعندنا تشهده ، وعليه العامة عندنا ..(٧٠)

٨٤
ومن الملاحظة أن هذه التشهدات التسعة خالية من الصلاة على النبى (ص) مما دفع الفقهاء إلى الاختلاف فى وجوبها ..(٧١)

ومن الملاحظ أيضاً أن تشهد ابن عمر يتوافق مع تشهد عائشة ويتناقض تناقضاً كلياً مع بقية صور التشهد التى تتشابه مع بعضها، فتشهد عائشة وابن عمر ختم بالسلام على النبى وعلى عباد الله ، بينما التشهدات الأخرى ختمت بالشهادتين ، وهذا يجعل من الصورتين ضد الأخرى ..

والمقبول عقلاً أن يختم التشهد بالسلام فهو وسيلة التعبير عن الخروج من الصلاة وليس تعبير السلام عليكم كما هو شائع ..(٧٢)

ونظراً لاختلاف الروايات حول طريقة خروج الرسول (ص) من الصلاة اختلف الفقهاء حول السلام فاعتبره الحنابلة وهم من اكثر المذاهب تقيداً بالروايات ركناً من أركان الصلاة ، بينما عدا الشافعية والمالكية التسليمة الأولى من فرائض الصلاة..(٧٣)

ويروى أن رسول الله (ص) نهى أن يصلى الرجل مختصراً ..(٧٤)

والاختصار هو أن يضع المصلى يده على خاصرته أثناء الصلاة ، ومعنى هذا أن المصلى يجب عليه إسدال اليدين أى تركهما على جانبيه ، وقد أخذ بذلك مالك فى مذهبه وهو ما عليه الشيعة أيضاً إلا أن القوم خالفوا هذه الرواية وعمموا وضع اليدين على الخاصرتين من باب المخالفة واعتماداً على روايـات أخـرى ..(٧٥)

وروى أن الرسول (ص) سئل : كيف الصلاة عليكم أهل البيت؟

٨٥
فقال : قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد ، كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد ، اللهم بارك على محمد وآل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد ..(٧٦)

قال القاضى عياص : أظهر الأقوال أن نبينا (ص) سأل ذلك لنفسه ولأهل بيته ليتم النعمة عليهم كما أتمها علـى إبراهيـم وآلـه ..(٧٧)

وقال الطيبى : لعل وجه إظهار محمد فى قوله وآل محمد مع تقدم ذكره هو أن استحقاق الآل بالاتباع لمحمد فالتنصيص على اسمه أكد فى الدلالة علـى استحقاقهـم ..(٧٨)

وهناك أبواب فى كتب السنن فى فضل الصلاة على النبى إلا أن الفقهاء سيراً مع السياسة وتعصباً للمذاهب أشاعوا بين المسلمين الصلاة المبتورة أى الصلاة على النبى وحده دون آل البيت وذلك بهدف التعتيم على حركة آل البيت ودورهم فى محيط الفقه والسياسة والرواية والدين بشكل عام ..(٧٩)

ورغم أن القرآن نص صراحة على نجاسة الحائض ووجوب اعتزالها من خلال قولـه تعالى : (ويسئلونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء فى المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن ..) (البقرة - ٢٢٢)..

جاء الرواة بروايات بنى الفقهاء على أساسها جواز مباشرة الحائض وجواز اعتزالها الصوم والصلاة أثناء فترة الحيض مع أن النص لم يشير إلى ذلك كما هو واضح ..

يروى عن عائشة قالت : كان النبى (ص) يباشرنى وأنا حائض .. وكان يتكئ فى حجرى وأنا حائض ثم يقرأ القرآن ..(٨٠)

٨٦
ويروى عن أم سلمة زوج النبى (ص) أنها قالت : بينما أنا مع النبى مضطجعة فى خميلة حضت، فانسللت فأخذت ثياب حيضتى.

فقال : أنفست ؟

قلت : نعم . فدعانى فاضطجعت معه فى الخميلة .. (٨١)

ويروى عن الرسول (ص) قوله : يا معشر النساء تصدقن فإنى رأيتكن أكثر أهل النار .

فقلن : وبم يا رسول الله ؟

قال : تكثرن اللعن وتكفرن العشير ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن .

قلن : وما نقصان عقلنا وديننا يا رسول الله ؟

قال : أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل ؟

٨٧
قلن : بلى .

قال : فذلك من نقصان عقلها ، أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم ؟

قلن : بلى يا رسول الله .

قال: فذلك من نقصان دينها ..(٨٢)

وسئل النبى من امرأة عن الحيض فقال : .. فإذا أقبلت حيضتك فدعى الصلاة ، وإذا أدبرت فاغسلى عنك الدم ثم صلى ..(٨٣)

وسئلت عائشة عن قضاء الصلاة على الحائض فقالت : كنا نحيض مع النبى فلا يأمرنا به أو قالت : فلا نفعله ..(٨٤)

والمتأمل فى هذه الروايات يكتشف تناقضها الصارخ مع النص القرآنى كما يكتشف أنها تعرى الرسول (ص) ..(٨٥)

وهذه الروايات هى التى اعتمد عليها الفقهاء فى فتواهم بقطع الصلاة والصوم عن الحائض مع أن الآية لم تصرح بذلك .

٨٨
والرواية الأخيرة هى التى اعتمدوا عليها فى وجوب قضاء الصوم على الحائض دون الصلاة .. تأمل ..

الحكام والصلاة :

بدت بصمة الحكام واضحة على الصلاة حيث أنها تعد من أبرز الشعائر الإسلامية وأعظمها مكانة فى نفوس المسلمين. فمن ثم اعتبرت الصلاة مدخلاً هاماً للحكام ينفذون من خلاله إلى قلوب الناس ويكسبون تعاطفهم ..

وقد حملت الروايات هذه المهمة وجاء الفقهاء فوقفوا فى صف الحكام متلحفين بهذه الروايات ..

يروى عن الرسول (ص) قوله : ستكون فتن فتعرفون وتنكرون. فمن عرف برئ ومن أنكر سلم ولكن من رضى وتابع .

قالوا : أفلا نقاتلهم.

قال : لا ما صلوا ..(٨٦)

٨٩
قال الفقهاء : قوله لا ما صلوا ففيه أنه لا يجوز الخروج على الخلفاء بمجرد الظلم أو الفسق ما لم يغيروا شيئاً من قواعد الإسـلام ..(٨٧)

ولقد أصبحت الصلاة بفضل مثل هذه الروايات حصناً للحكام يقيهم غضبة الجماهير المستضعفة ويستر جرائمهم فى حق البلاد والعباد ..

ويروى عن الرسول (ص) قوله : من بنى مسجداً يبتغى به وجه الله بنى الله له مثله فى الجنة ..(٨٨)

وعلى ضوء هذه الرواية سارع الحكام إلى بناء المساجد بأموال المسلمين المستضعفين من أجل تخليد ذكراهم وتقوية نفوذهم وإظهار أنفسهم بمظهر المحسنين الصالحين ..

ولم يقتصر دور الحكام فى حدود استثمار الصلاة وبناء المساجد بل تعدوا هذا الدور إلى التدخل فى أحكام الصلاة وتشوية صورتها وإفراغها من مضمونها ..

يروى عن الرسول (ص) قوله : من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه ..(٨٩)

٩٠
وظل حال قيام رمضان منفرداً فى البيوت طوال عهد رسول الله وعهد أبى بكر حتى جاء عمر فأمر بجمع الناس على صلاة القيام فى المساجد ومنذ الحين صارت سنة تمارس فى شهر رمضان حتى اليوم ..

يروى أن عمر خرج ليلة من رمضان إلى المسجد فإذا الناس أوزاع متفرقون فقال : أنى أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد كان أمثل ، ثم عزم فجمعهم على بن كعب ثم خرج ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم فقال عمر: نعمت البدعة هذه .. (٩٠)

واعتبر الفقهاء فعل عمر هذا منقبة له ومن أولياته فهو فى نظرهم أول من حرم زواج المتعة وأول من سمى أمير المؤمنين وأول من سن قيام شهر رمضان جماعة وأول من جمع الناس فى صلاة الجنائز على أربع تكبيرات ..(٩١)

وقال ابن سعد : هو أول من سن قيام شهر رمضان بالتراويح وجمع الناس على ذلك ، وكتب به إلى البلدان وذلك فى شهر رمضان سنة أربع عشرة وجعل للناس فى المدينة قارئين : قارئاً يصلى التراويح بالرجال ، وقارئاً يصلى بالنساء ..(٩٢)

وقال القسطلانى عن بدعة عمر : سماها بدعة لأن رسول الله (ص) لم يسن لهم ولا كانت فى زمن أبى بكر ولا أول الليل ولا هذا العدد ..(٩٣)

وروى أن رسول الله (ص) كان يصلى ركعتين بعد العصر ، فلما جاء عمر نهى عنهما وضرب من يقيمهما من المسلمين ..(٩٤)

وروى أن عمر كتب فى الآفاق ينهاهم أن يجمعوا بين الصلاتين ويخبرهم أن الجمع بين الصلاتين فى وقت واحد كبيرة من الكبائر ..(٩٥)

أما عثمان بن عفان فقد روى عنه انه أتم الصلاة فى السفر ..

٩١
روى ابن عمر أنه صلى مع النبى (ص) بمنى ركعتين وأبى بكر وعمرو مع عثمان صدرًا من إمارته ثم أتمها ..(٩٦)

وفى رواية كان ابن عمر إذا صلى مع الإمام ـ الحاكم ـ صلى أربعاً . وإذا صلاها وحده صلى ركعتين ..(٩٧)

يروى عن أبى عبيد : شهدت العيد مع عثمان بن عفان فجاء فصلى ثم انصرف فخطب فقال : أنه قد اجتمع لكم فى يومكم هذا عيدان ، فمن أحب من أهل العالية أن ينتظر الجمعة فلينتظرهـا ،

ومن أحب أن يرجع فليرجع فقد أذنت له . فقال : ثم شهدت العيد مع على وعثمان محصور ـ أى فى بيته أثناء الثورة عليه ـ فصلى ثم انصرف فخطب ..(٩٨)

وسيراً مع رواية: عليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين من بعدى والتى حصرها الفقهاء فى دائرة أبى بكر وعمر وعثمان ثم توقفوا فى على ، فقد اعتبرت أفعال الخلفاء واجتهاداتهم بمثابة تشريعات تبنتها المـذاهب واعتبـرها الفقهـاء من السنن..(٩٩)

وتبنى الفقهاء فتوى سقوط الجمعة يوم العيد وهو مذهب عطاء ونسب إلى الشافعى وأحمد بن حنبل لمن كان خارج المصر وذلك على أساس موقف عثمان السابق ..(١٠٠)

ويروى عن أبى سعيد الخدرى : كان رسول الله (ص) يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى فأول شئ يبدأ به الصلاة ، ثم ينصرف ويقوم مقابل الناس ، والناس جلوس على صفوفهم فيعظهم ويوصيهم ويأمرهم ، فإن كان يريد أن يقطع بعثاً قطعه أو يأمر بشئ أمر به أضحى أو أفطر فلما أتينا المصلى إذا منبر بناه كثير بن الصلت ، فإذا مروان يريد أن يرتقيه قبل أن يصلى ، فجذبت بثوبه. فجذبنى فارتفع فخطب قبل الصلاة. فقلت له : غيرتم والله، فقال : يا أبا سعيد قد ذهب ما تعلم ، فقلت : ما أعلم والله خير مما لا أعلم، فقال مروان : إن الناس لم يكونوا يجلسون لنا بعد الصلاة

٩٢
فجعلتها قبل الصلاة ..(١٠١)

قال واحد من الفقهاء : ما يعلمه هو سنة الرسول وسنة الخلفاء الراشدين وكيف يكون غيره خيراً منه ، واعتذار مروان أن الناس لم يكونوا يجلسون لنا .. اعتراف منه بجورهم وسوء صنيعهم بالناس حتى صاروا متنفرين عنهم كارهين لسماع كلامهم ..(١٠٢)

وقال السندى : قيل سبب ذلك ـ أى انفضاض الناس عن سماع خطب الأمويين ـ أنهم كانوا يسبون فى الخطبة من لا يحل سبه فتتفرق الناس عند الخطبة إذا كانت متأخرة لئلا يسمعون ذلك فقدم الخطبة ليسمعهم ..(١٠٣)

والسب الذى أشار إليه السندى هنا ولم يبين من المقصود به كان موجهاً للإمام على وآل البيت والذى معاوية بن أبى سفيان وجعله من شعائر الصلاة فى الخطب والقنوت واستمر هذا السب حتى عصر عمر بن عبد العزيز الذى أمر بوقفه ..(١٠٤)

وهذا السب لم يكن سوى صورة من صور المواجهة الإعلامية لخط الإمام على وفقهه وهو امتداد للمواجهة الحركية مع اتباعه والسائرين على منهجه لا تزال مستمرة حتى اليوم ..(١٠٥)

وبالطبع فى ظل هذه المواجهة العاتية لابد وأن تسود حالة من التعتيم على روايات الإمام على ومواقفه ساهم الفقهاء من بعد فى استمرارها من باب التعصب المذهبى وموالاة الحكام ..

من هنا لا يجد الباحث فى كتب السنن روايات ذات قيمة تنسب للإمام على وهى روايات قليلة جداً إذا ما قيست بالروايات التى تنسب لعائشة أو ابن عمر أو أبى هريرة مع عظيم الفارق فى الدور والمكانة والتاريخ بينهم وبين الإمام على .. (١٠٦)

وهذه الهجمة الأموية ومن بعدها العباسية على الإمام على وآل البيت إنما هى محاولة لسد الباب أمام أية محاولات لإبراز الصورة الحقيقية للدين ، فمن ثم هى فى حقيقتها حرباً دينية وليست حرباً سياسية كما يحاول البعض أن يصورها ..

٩٣
كتاب تصحيح العبادات للكاتب صالح الوردانى (ص ٩٤ - ص ١٠٣)
٩٤

خامساً ـ الزكاة :

فرض القرآن زكاة الأموال من خلال ورداً فى سورة التوبة : النص الأول يقول : (إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفى الرقاب والغارمين وفى سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم) .

النص الثانى يقول : (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم والله سميع عليم) .

ومن خلال النص الأول يتبين لنا الأصناف المستحقة للزكاة وهى ثمانية أصناف ومن خلال النص الثانى يتبين لنا أن الزكاة من واجبات الرسول (ص) فهو الجهة الشرعية الوحيدة التى تتسلم هذه الزكاة لتنفقها فى مصارفها الشرعية وذلك فى حياته أما بعد مماته فيجب أن تتجه نحو الإمام الشرعى ..(١)

وعلى ضوء هذا المفهوم اتجهت الزكاة بعد وفاة النبى (ص) نحو الحاكم وحدث أول صدام بين الحاكم والرعية بسبب هذا فى أول حكم أبى بكر ، حين امتنعت بعض قبائل العرب عن تسليم أموال الزكاة لأبى بكر فكان أن قاتلهم وأخضعهم بالقوة واستنبط الفقهاء من هذا الموقف تشريعاً يقضى بجواز مقاتلة ما نعى الزكاة وقاسوا عليه أموراً فقهية أخرى ..(٢)

والمتتبع لحوادث الصدام التى وقعت بين قوات أبى بكر والممتنعين عن الزكاة يكتشف أن الخلاف فى حقيقة لم يكن يدور حول الزكاة ذاتها وإنما كان يدور حول أبو بكر الذى لم يكن محل رضى واعتراف بحكومته من جهة هذه القبائل ، فمن ثم فإن انعدام هذا الاعتراف أدى إلى رفض تسليمه الزكاة ، فلم يكن فعلهم يقوم على أساس إنكار فريضة الزكاة كما قد يتصور من الطريقة التى عرضت بها هذه الحوادث فى المصادر التاريخية ، حيث تصور بعض الروايات أنهم قاموا بتأويل قولـه تعالى : )خذ من أموالهم ..( على أساس أنه أمر للرسول فقط . وما دام الرسول قد توفى فإن الزكاة تتعطل بوفاته ..(٣)

٩٥
ولما كان الفقهاء قد اعتبروا الإمام هو الحاكم على أساس الروايات المنسوبة للرسول فمن هنا قالوا بجواز إعطاء الزكاة للحاكم ومنحوه الحق الشرعى فى توزيعها فى مصارفها الثمانية ..

ومن هنا فقدت الزكاة دورها الاجتماعى والاقتصادى فى واقع المسلمين ، فأمام الحكام وفسقهم ومظالمهم تراجع المسلمون عن تسليمهم الزكاة ، والزكاة التى كانوا يتسلمونها لم تكن تصل إلى مستحقيها ، ولو كانت تصل إلى مستحقيها ما كانت ظواهر الفقر والفساد والانحلال تنمو وتترعرع فى واقع المسلمين ..

لقد حدد الله سبحانه نصيباً من الزكاة للرقاب وهم الأرقاء . إلا أن الواقع يشهد أن ظاهرة الرق أزدادت انتشاراً فى واقع المسلمين بعد وفاة الرسول خاصة فى العصر الأموى والعباسى ..

وحدد الله سبحانه نصيباً للغارمين من الزكاة وهم المدينين الذين أثقلتهم الديون ودفعت بهم إلى طريق مسدود ، وهم طائفة لم يعبأ بها أحد فى واقع المسلمين وفى ظل دولة الخلافة التى تطبق شرع الله بزعمهم ..

ولو سيطر الفقهاء على الزكاة وعزلوها عن الحاكم لكان هذا خيراً للإسلام والمسلمين ولجعلوا أنفسهم مركز قوة فى واقع المسلمين وجهة نفوذ وتأثير تجعلهم يؤثرون فى الحاكم وسياساته لا يتأثرون بها ويستسلمون لها ..(٤)

وما يدل على التطبيق الخاطئ المنحرف للزكاة على مشهد من الفقهاء أن عمر بن عبد العزيز عندما تسلم الحكم وطبق شرع الله فى الأموال شبعت الرعية وأصبحت فى غنى ونادوا فى الطرقات عن مستحقى الزكاة فلم يجدوا ، فانطلقت الدولة تزوج الشباب وتصلح فى الأرض بأموال الزكاة ..(٥)

٩٦
وهذا السلوك الذى اتخذه عمر بن عبد العزيز إنما يفضح الحكام السابقين له ويفضح الفقهاء فى نفس الوقت الذين باركوا هذا الوضع المنحرف عن شرع الله ..

ويروى عن الإمام على أثناء فترة حكمه القصيرة أنه كان يفرغ بيت المال ولا يبق فيه شيئاً حتى لنفسه ، فالمال من حق العباد والبلاد والحاكم ليس من حقه أن يحتكره بينما المسلمون فى حاجـة ..(٦)

قال الفقهاء: ويجب فى الزكاة تعميم الأصناف الثمانية إن وجدت سواء فرقها الإمام أو المالك. إلا أن المالك لا يجب عليه التعميم، وتشترط نية الزكاة عند دفعها للإمام أو المستحقين أو عند عزلها، ولا يجوز للمالك نقل الزكاة من بلد إلى بلد آخر ولو كان قريباً متى وجد مستحق لها فى بلدها، أما الإمام فيجوز له نقلهـا..(٧)

وحدد الفقهاء على ضوء الروايات الأنواع التى يجب فيها الزكاة وهى : الأنعام والذهب والفضة وعروض التجارة والزرع والمعادن وتشمل كل ما يخرج من باطن الأرض وهذه الأصنـاف كلها تدخل فى تعريف المال فهى كلها أموال ..(٨)

إلا أن الفقهاء على مر تاريخ المسلمين لم يتمكنوا من تطبيق الزكاة كما أمر الله وذلك لكونهم أباحوا للحاكم أن يطلق فيها يده ، وبالتالى كانوا يقفون موقف المتفرج من كل ما يخرج من باطن الأرض من ذهب وفضة يستولى عليه الحاكم . وما يخرج منها اليوم من نفط وخلافه يمكن لعائده أن يحل جميع مشاكـل المسلمين ..

وشغل الفقهاء بشروط الزكاة وتفصيل الأنواع التى تجب فيها واخترعوا ما يسمى زكاة المدين وأقساط الدين وزكاة الحلى ووضع الأرقاء هل يصنفون من الأموال أم لا ؟ وزكاة الفطر وترهيب تارك الزكاة ، ولم تكن جهودهم هذه سوى كلام على الورق موجه نحو الجماهير المستضعفة بعيداً عن الواقع الذى لم يكن ينتفع بشىء من الزكاة ..(٩)

٩٧
وفيما يتعلق بأنصبة الزكاة فلم يذكر القرآن شيئاً عنها وإنما قامت بتفصيل ذلك الروايات ..

روى عن الرسول (ص) قوله : ليس فيما دون خمس أوراق صدقة ، وليس فيما دون خمس ذود صدقة ، وليس فيما دون خمس أوسق صدقة .. (١٠)

وروى أن رسول الله (ص) فرض زكاة الفطر صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير على كل حر أو عبد ذكر أو أنثـى مـن المسلمين .. (١١)

قال الفقهاء : تجب الزكاة فى الذهب والفضة إذا بلغا النصاب ونصاب الذهب عشرون مثقالاً ، ونصاب الفضة مائتا درهم ، ويجب أن يخرج مالك النصاب من الذهب والفضة ربع العشر ولا فرق أن يكون الذهب والفضة مضروبين أو غير مضروبين ..(١٢)

الحكام والزكاة :

أشرنا فيما سبق إلى دور أبى بكر وحكومته فى إجبار الأمة على الاعتراف بإمامته وتسليم الزكاة له بالقوة وانبثاق تشريع من هذا الموقف ..

روى عن أبى هريرة قال : لما توفى رسول الله (ص) وكان أبو بكر وكفر من كفر من العرب فقال عمر : كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله . فمن قالها فقد عصم منى ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله تعالى ..

فقال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة . فإن الزكاة حق المال. والله لو منعونى عناقاً كانوا يؤدونها إلى رسول الله لقاتلتهم على منعها ..

٩٨
قال عمر: فوالله ما هو إلا أن قد شرح الله صدر أبى بكر فعرفت أنه الحق ..(١٣)

ومن خلال هذه الرواية يتبين لنا أن أبا بكر لم يكن يتسلح فى مواجهة مانعى الزكاة بسلاح شرعى وإنما هو موقف قبلى سياسى. وإن خلاف عمر معه كان على هذا الأساس وهو افتقاد الموقف الشرعى . ومن جهة أخرى فإن موقف عمر يكشف لنا بعدًا جديداً

الطرف الآخر مانع الزكاة كان مسلماً معصوم الدم حسب النص الذى أورده على لسان الرسول (ص) ..

ومن هنا فإن مواجهة فى الأساس لم تكن شرعية بل كانت مواجهة باطلة وما بنى عليها من أحكام وتشريعات هى أحكام وتشريعات باطلة ..

ومحاولة أبى بكر ربط الصلاة بالزكاة لا تخرج عن كونها محاولة دعائية الهدف منها إثارة الناس وتأليبها ودفعها إلى مشاركته موقفه تماماً كمحاولة ربط القرآن بالسنة التى يرفع شعارها الرواة والفقهاء منذ قرون الهدف منها تحصين السنة بالقرآن وإضفاء القداسة والمشروعية عليها من خلاله ..(١٤)

ولم تبين لنا الرواية كيف انحاز عمر إلى أبى بكر وهو المتسلح بنص شرعى يقوى موقفه . بينما لا يتسلح أبو بكر فى مواجهته بشئ ..؟

ويظهر لنا أن تعبير الراوى: وكفر من كفر من العرب هو محاولة تبرير لموقف أبى بكر وإضفاء المشروعية عليه عن طريق إخراج الطرف الآخر من دائرة الإسلام ..

وما يمكن قوله فى دائرة هذا الأمر هو أن دولة أبى بكر لم تكن تملك القدرة على التسامح فى هذه المسألة الاقتصادية التى من الممكن أن تحرمها مصدراً هاماً من مصادر التمويل هى فى أمس الحاجة إليه وهى فى بداية نشأتها . ولعل هذا هو السبب فى انحياز عمر إلى جانبه ..

٩٩
وحول عقوبة تارك الزكاة روى ما يلى :

ما من رجل تكون له إبل أو بقر أو غنم لا يؤدى حقها إلا أتى بها يوم القيامة أعظم ما تكون وأسمنه تطؤه بأخفافها وتنطحه بقرونها كلما مرت أخراها ردت عليه أولاها حتى يقضى بين الناس ..(١٥)

من كان له مال لم يؤد زكاته مثل له يوم القيامة شجاعاً أقرع له زبيبتان . يطلبه حتى يمكنه ، فيقول : أنا كنزك ..(١٦)

ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدى منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار فأحمى عليها فى نار جهنم فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره كلما بردت أعيدت له فى يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد فيرى سبيله ، إما إلى الجنة وإما إلى النار ..(١٧)

ويتضح من هذه الروايات التى تكررت كثيراً فى كتب السنن أنه لا عقوبة ظاهرة فى الحياة الدنيا لمانع الزكاة وإنما انحصرت العقوبة فى حدود الآخرة ..

إلا أن هناك رواية تقول : من أعطاها مؤتجراً فله أجرها ومن أبى فإنا آخذوها وشطر ماله عزمة من عزمات ربنا ..(١٨)

وهذه الرواية تصطدم بالروايات السابقة على ما هو ظاهر وتحدد عقوبة الممتنع عن الزكاة بمصادرة شطر من ماله بعد أخذ الزكاة ، وهى رواية ليست محل إجماع الرواة ولو كانت مشهورة بين القوم لاحتج بها أبو بكر فى مواجهة المعارضين ولكانت المصادرة معروفة ومعلنة فى مواجهة حالات المنع الكثيرة التى وقعت على المستوى الفردى ..(١٩)

وأن الباحث فى كتب الفقه لا يجد إشارة من الفقهاء حول هذه المصادرة أو استخدام القوة أمام المتنعين عن الزكاة أفراداً . أما الامتناع الجماعى فهو حالة خاصة لها أبعادها المنية والاقتصادية والسياسية وهى لم تقع سوى مرة واحدة فى عصر أبى بكر وكان لها ما يبررها وإن كان بنى الفقهاء على أساسها تشريعاً فهى لم تكرر ..(٢٠)

١٠٠