×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

عثمان بن مظعون / الصفحات: ٢١ - ٤٠

على ما يسمع أحرص منه على أن يتكلّم، وكان إذا بدهه أمران نظر أيّهما أقرب إلى الهوى فخالفه. فعليكم بهذه الاَخلاق فالزموها وتنافسُوا فيها، فإن لم تستطيعوها فاعلموا أنّ أخذ القليل خيرٌ من ترك الكثير(١).

والمشار إليه بـ(كان لي فيما مضى أخ في الله) عثمان بن مظعون على أحد الاَقوال، وقيل: أبوذر، وقيل: غيرهما(٢).

ويدلّ على أن المراد بالاَخ هنا عثمان بن مظعون ما ورد من وصف أمير المؤمنين لعثمان بالاَخ، كقوله عليه السّلام في وجه تسمية ولده بعثمان: إنّما سمّيته باسم أخي عثمان بن مظعون(٣).

وكان عثمان بن مظعون من الملازمين لاَمير المؤمنين عليه السّلام، حتّى نشاهد أنّ اكثر الآيات النازلة في حقّ عثمان هي في حقّ عليّ عليه السّلام وسائر أصحابه.

ولو كان من المقدّر أن يبقى عثمان بعد وفاة رسول الله صلّى الله

(١) نهج البلاغة، شرح محمد عبدة، ٤: ٦٩ ـ ٧٠.

(٢) شرح نهج البلاغة لكمال الدين ميثم بن علي بن ميثم البحراني، ٥: ٣٩٠.

(٣) مقاتل الطالبيين: ٥٨ ـ وعنه في البحار، ٤٥: ٣٨.

٢١
عليه وآله وسلّم لكنت تراه يقف موقف سلمان وأبي ذر وعمار والمقداد في قِبال الاَحداث، ولشاهدته من حواري أمير المؤمنين عليه السّلام.

تعذيب قريش لعثمان وهجرته وزهده

وبعد أن أسلم عثمان (قدّس الله روحه) وأعلن إسلامه، واجهته قريش بالاَذى والسطوة، كما هو ديدنها مع رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وأصحابه.

وكانت بنو جُمح تؤذي عثمان وتضربه وهو فيهم ذو سطوة وقَدْر(١).

ولمّا اشتدّ أذى المشركين على الذين أسلموا، وفتن منهم من فتن،

(١) شرح نهج البلاغة، ١٣: ٢٦٨.

٢٢
أذن الله سبحانه لهم بالهجرة الاَولى إلى أرض الحبشة، التي كانت متجراً لقريش يجدون فيها رفقاً من الرزق وأماناً. فخرجوا متسلّلين سرّاً، وأميرهم عثمان بن مظعون، فيسّر الله لهم ساعة وصولهم إلى الساحل سفينتين للتجار، فحملوهم فيها إلى أرض الحبشة، وخرجت قريش في أثرهم، ولمّا وصلوا البحر لم يدركوا منهم أحداً.

ومكث عثمان بن مظعون وأصحابه في الحبشة، حتّى بلغهم أنّ قريشاً قد أسلمت، فأقبلوا نحو مكة، وما إن اقتربوا منها حتّى عرفوا أنّ قريشاً لم تسلم، وأنها ما زالت على عدائها لرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فثقل عليهم أن يرجعوا، وتخوّفوا أن يدخلوا مكة بغير جوار من بعض أهل مكة، فمثكوا مكانهم حتّى دخل كلّ رجل منهم بجوارٍ من بعض أهل مكة، ودخل عثمان بن مظعون مكة بجوار الوليد بن المغيرة.

٢٣
ولمّا رأى عثمان ما يلقى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وأصحابه من الاَذى والبلاء، وهو يغدو ويروح بأمان الوليد بن المغيرة، قال: والله، إنّ غدوّي ورواحي آمناً بجوار رجلٍ من أهل الشرك، وأصحابي وأهل ديني يلقون من الاَذى والبلاء في الله ما لا يصيبني، لنقصٌ كبير في نفسي.

فمضى إلى الوليد بن المغيرة، فقال له: يا أبا عبد شمس، وفَت ذمّتك، وقد كنتُ في جوارك، وقد أحببت أن أخرج منه الى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، فلي به وأصحابه أسوة.

فقال الوليد: فلعلك يا بن أخي أوذيتَ أو انتهكتَ ؟

قال عثمان: لا، ولكن أرضى بجوار الله ولا أريد أن استجير بغيره.

قال: فانطلق إلى المسجد فاردد عليّ جواري علانية كما أجرتُك علانية.

٢٤
فانطلقا، حتّى أتيا المسجد.

فقال لهم الوليد: هذا عثمان قد جاء يرد عليّ جواري، فقال عثمان: قد صدق، قد وجدته وفياً كريم الجوار، ولكني أحببت أن لا أستجير بغيرالله، فقد رددت عليه جواره(١).

ومرّ عثمان بن مظعون بمجلسٍ من قريش، ولبيد بن ربيعة بن مالك بن كلاب القيسي ينشدهم: «ألا كلّ شيءٍ ما خلا الله باطل».

فقال عثمان: صدقت.

فقال لبيد: «وكلُّ نعيم لا محالة زائلُ».

فقال عثمان: كذبت، نعيم الجنة لا يزول أبداً.

فقال لبيد: يا معشر قريش، والله ما كان يؤذى جليسكم، فمتى حدث هذا فيكم ؟

فقال رجل: إنّ هذا سفيه من سفهائنا قد فارق ديننا، فلا تجدن في نفسك من قوله.

فردّ عليه عثمان، فقام إليه ذلك

(١) معجم الشعراء: ٢٥٤ ـ سير أعلام النبلاء، ١: ١٥٥ ـ الطبقات، ٣: ٣٩٣ ـ حلية الاَولياء، ١: ١٠٣ ـ ١٠٥ ـ الاِصابة، ٢: ٤٦٤ ـ أسد الغابة، ٣: ٥٩٨ ـ زاد المعاد، ٣: ٢٣ ـ ٢٦ ـ تفسير مجمع البيان، ٣: ٢٣٣ ـ ٢٣٤ وعنه في البحار.

٢٥
الرجل، فلطم عينه فخضرها.

فقال الوليد بن المغيرة لعثمان: إن كانت عينك لغنية عمّا أصابها، لِمَ رددت جواري ؟

فقال عثمان: بل والله إن عيني الصحيحة لفقيرة لمثل ما أصاب أختها في الله، لا حاجة لي في جوارك.

وفي بعض المصادر:

فقال الوليد: هل لك في جواري ؟

فقال عثمان: لا أرَبَ لي في جوار أحدٍ الاّ في جوار الله(١).

ثم قال عثمان بن مظعون فيما أصيب من عينه:

(١) راجع: خزانة الاَدب، ٢: ٢٥٥ ـ ٢٥٦ ـ الاِصابة، ٢: ٤٦٤ ـ غربال الزمان: ١٣ ـ شذرات الذهب، ١: ١٠ ـ حلية الاَولياء، ١: ١٠٣ ـ ١٠٤ ـ أسد الغابة، ٣: ٥٩٨.

٢٦
فان تك عيني في رضا الربّ نالها * يدا ملحدٍ في الدين ليس بمهتد
فقد عوض الرحمن منها ثوابه * ومن يرضه الرحمن يا قوم يسعد
فإنّي وإن قلتم غويّ مضلّل * سفيه على دين الرسول محمد
أريد بذاك الله والحقّ ديننا * على رغم مَن يبغي علينا ويعتدي(١)

وقال أبو طالب رضى اللّه عنه ـ وقد غضب لعثمان بن مظعون حين عذّبته قريش ونالت منه ـ:

أمَّن تذكّر دهرَ غير مأمون * أصبحت مكتئباً تبكي كمحزون
أمَّن تذكّر أقوامَ ذوي سفهٍ * يغشون بالظلم مَن يدعو إلى الدين
ألا ترون ـ أذلّ الله جمعكم ـ* أنّا غضبنا لعثمان بن مظعونِ
ونمنع الضيمَ مَن يبغي مضامتنا * بكلّ مطردٍ في الكفّ مسنونِ
ومرهقات كأنّ الملح خالطها * يشفى بها الدّاء من هام المجانين

(١) حلية الاَولياء، ١: ١٠٤.

٢٧
حتّى تقرّ رجال لا حلوم لها * بعد الصعوبة بالاِسماح واللين
أو تؤمنوا بكتاب منزل، عجب * على نبيّ كموسى أو كذي النونِ(١)

وذكر مثل هذه الاَبيات أبو نعيم الاصفهاني، منسوبة إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السّلام، قالها فيما أصاب من عين عثمان بن مظعون:

أمن تذكر دهر غير مأمون * أصبحت مكتئباً تبكي كمحزون
أمن تذكر أقوام ذوي سفهٍ * يغشون بالظلم مَن يدعو إلى الدين
لا ينتهون عن الفحشاء ما سلموا * والغدر فيهم سبيل غير مأمون
ألا ترون ـ أقلّ الله خيرهم ـ * أنّا غضبنا لعثمان بن مظعونِ
إذ يلطمون ولا يخشون مقلته * طعناً دراكاً وضرباً غير مأفونِ

(١) شرح نهج البلاغة، ١٤: ٧٣.

٢٨
فسوف يجزيهم إن لم يمت عجلاً * كيلاً بكيل جزاءً غير مغبونِ(١)

واشتدّ البلاء من قريش على منقدممنمهاجريالحبشة وغيرهم، وسطت بهم عشائرهم، ولقوا منها تعنيفاً شديداً، وصعب عليها ما بلغها عن النجاشي من حسن جواره لهم، فأذن لهم رسول الله بالخروج مرّةً ثانية إلى أرض الحبشة.

وهل خرج معهم عثمان بن مظعون ؟

صرّح بهجرته ـ مرّة ثانية ـ إلى أرض الحبشة ابن سعد بالاعتماد على رواية محمد بن إسحاق، ومحمد بن عمر، والنووي(٢).

وفيه نظر، لاَن الذين هاجروا الهجرة الاَولى رجعوا إلى مكة قبل الهجرة النبوية، والذين هاجروا الهجرة الثانية رجعوا عام خيبر، أي بعد وفاة عثمان بن مظعون الّذي اشترك في حرب بدر، وهي قبل خيبر. ولعل منشأ الاشتباه تصريح البعض بمهاجرة

(١) حلية الاَولياء، ١: ١٠٤.

وذكرت الاَبيات مع زيادة في الديوان المنسوب لاَمير المؤمنين ٧ صفحة ٢٥٦ من المخطوطة.

(٢) الطبقات، ٣: ٣٩٣ ـ تهذيب الاَسماء واللغات، ١: ٣٣٦.

٢٩
عثمان الهجرتين(١)، فحملوه على الاَولى والثانية للحبشة، والظاهر أن الاَولى إلى الحبشة، والثانية إلى المدينة.

وصرّح ابن الاَثير الجزري: أنّ عثمان بن مظعون هاجر إلى الحبشة هو وابنه السائب الهجرةَ الاَولى مع جماعة من المسلمين، وذكر كيفية رجوعه وما جرى له مع لبيد وقال: ثمّ هاجر عثمان إلى المدينة وشهد بدراً(٢).

وقال البعض: قد ذكر في هذه الهجرة الثانية جماعة ممّن شهد بدراً، فإمّا أن يكون هذا وهماً، وإمّا أن يكون لهم قدمة أخرى قبل بدر، فتكون لهم ثلاث قدمات: قدمة قبل الهجرة، وقدمة قبل بدر، وقدمة عام

(١) سير أعلام النبلاء، ١: ١٥٥.

(٢) أسد الغابة، ٣: ٥٩٨.

٣٠
خيبر، ولذلك قال ابن سعد وغيره: إنهم لمّا سمعوا هجرة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم إلى المدينة رجع منهم ثلاثة وثلاثون رجلاً ومن النساء ثمان نسوة، فمات منهمرجلانبمكة،وحبس بمكة سبعة، وشهد بدراً منهم أربعة وعشرون رجلاً(١).

وعلى أيّ حال، فهجرة عثمان بن مظعون من مكة إلى المدينة أمرٌ مقطوع به، فقد هاجر هو وأخواه قدامة وعبد الله وابنه السائب إلى المدينة، ونزلوا على عبد الله بن سلمة العجلاني، وقيل: على خذام بن وديعة(٢)ِ.

قال الواقدي: آل مظعون ممن أوعب في الخروج إلى الهجرة رجالهم ونساؤهم، وغلقت بيوتهم بمكة(٣).

وروي عن أمّ العلاء، قالت: نزل رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم والمهاجرون معه المدينة في الهجرة، فتشاحت الاَنصار فيهم أن

(١) زاد المعاد، ٣: ٢٥ ـ ٢٦.

(٢) سير أعلام النبلاء، ١: ١٥٨ ـ تهذيب الاَسماء واللغات، ١: ٣٢٦ ـ الطبقات، ٣: ٣٩٥ ـ ٣٩٦.

(٣) سير أعلام النبلاء، ١: ١٥٨ ـ الطبقات، ٣: ٣٩٥ ـ ٣٩٦.

٣١
ينزلوهم في منازلهم، حتّى اقترعوا عليهم، فطار لنا عثمان بن مظعون على القرعة، تعني: وقع في سهمنا(١).

وأما زهده وقناعته بالشيء القليل وتركه الدنيا فيدل عليه: ما روي من أنّه دخل يوماً المسجد، وعليه نمرة قد تخلّلت فرقّعها بقطعة من فروة، فرقّ له رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، ورقّ أصحابه لرقته، فقال: كيف أنتم يغدو أحدكم في حلّة ويروح في أخرى، وتوضع بين يديه قصعة وترفع أخرى، وسترتم البيوت كما تستر الكعبة ؟ قالوا: وددنا أنّ ذلك قد كان يا رسول الله فأصبنا الرخاء والعيش، قال: فإنّ ذلك

(١) الطبقات، ٣: ٣٩٦ ـ صحيح البخاري، ٢: ٧١.

٣٢
لكائن، وأنتم اليوم خير من اُولئك(١).

مؤاخاته واشتراكه في بدر:

آخى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بين عثمان بن مظعون وبين أبي الهيثم بن التّيهان الاَنصاري(٢).

وشهد عثمان بن مظعون بدراً باتفاق المؤرخين(٣). وأُسّر حنظلة بن قبيصة بن حذافة على يد عثمان بن مظعون(٤)يلا. وقُتل أوس بن المغيرة بن لوذان على يد عليّ عليه السّلام وعثمان بن مظعون(٥).

عثمان والرواية

كان عثمان بن مظعون من الاَوائل الّذين أسلموا، ومن الاَوائل الّذين لبّوا نداء ربّهم، وتوفي في حياة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في بادىَ الاِسلام، ونال درجة عالية بعد وفاته بصلاة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم عليه، ولم يروِ عن

(١) حلية الاَولياء، ١: ١٠٥.

(٢) الطبقات، ٣: ٣٩٦ ـ تهذيب الاَسماء واللغات، ١: ٣٢٦.

(٣) أسد الغابة، ٣: ٥٩٨ ـ تهذيب الاَسماء واللغات، ١: ٣٢٦ ـ الطبقات، ٣: ٣٩٦ ـ التاريخ الصغير، ١: ٤٦ ـ المنتظم، ٣: ١٩٠ ـ ومصادر أخرى كثيرة جدّاً.

(٤) شرح نهج البلاغة، ١٤: ٢٠٤.

(٥) شرح نهج البلاغة، ١٤: ٢١٢.

٣٣
رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم إلاّ قليلاً، وذلك لعدم دركه من زمان الاِسلام إلاّ أوائله.

فيروي عثمان بن مظعون عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم(١)لا، ورواياته عن رسول الله قليلة جدّاً.

ويروي عن عثمان بن مظعون: عبد الله بن جابر(٢)، وسعد بن مسعود الكناني (الكندي)(٣).

(١) ربيع الاَبرار، ٢: ٢٦٥ ـ تهذيب الاَحكام، ٤: ١٩٠، الحديث ٥٤١.

(٢) تهذيب الاَحكام، ٤: ١٩٠، الحديث ٥٤١.

(٣) تهذيب الاَحكام، ٦: ١٢٢، الحديث ٢١٠.

٣٤
عبادته واجتهاده واعتزاله النساء وحياؤه:

كان عثمان ـ رضوان الله عليه ـ من أشدّ الناس اجتهاداً في العبادة، يصوم النهار ويقوم الليل. ووصل به الحدّ في العبادة أنه ترك وتجنّب الشهوات بالمرة، واعتزل النساء(١). حتّى روي: أنّ زوجته دخلت على نساء النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم فرأينها سيئة الهيئة، فقلن لها: ما لكِ ؟ فما في قريش أغنى من بعلك ! قالت: ما لنا منه شيء، أمّا ليله فقائم، وأمّا نهاره فصائم. فدخل النبيُّ صلّى الله عليه وآله وسلّم، فذكرن ذلك له، فلقيه النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم، فقال: أمالك بي أسوة؟ قال: بأبي وأمّي وما ذاك ؟ قال: تصوم النهار وتقوم الليل ؟ قال: إنّي لاَفعل، قال: لا تفعل، إنّ لعينيك عليك حقّاً، وإنّ لجسدك حقّاً، وإنّ لاَهلك حقّاً، فصلِّ ونمْ وصم وافطر.

وفي رواية أخرى: يا عثمان لم

(١) الاستيعاب، ٣: ١٠٥٤ ـ تهذيب الاَسماء واللغات، ١: ٣٢٦ ـ أسد الغابة، ٣: ٥٩٩ ـ العقد الثمين، ٦: ٤٩ ـ المنتظم، ٣: ١٩٠.

٣٥
يرسلني الله بالرهبانية، ولكن بعثني بالحنيفية السهلة السمحة، أصوم وأصلي وألمس أهلي، فمن أحبّ فطرتي فليستن بسنّتي، ومن سنّتي النكاح.

وفي رواية أخرى قال النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم: إنّي آتي النساء وأفطر بالنهار وأنام الليل، فمن رغب عن سنّتي فليس مني، وأنزل الله ـ تعالى ـ: (يا أيّها الذين آمنوا لا تحرّموا طيّبات ما أحلّ الله لكم ولا تعتدوا إنّ الله لا يحبّ المعتدين وكلوا مما رزقكم الله حلالاً طيّباً واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون)(١).

فأتتهن زوجة عثمان بعد ذلك عطرةً كأنّها عروس، فقلن لها: مه ؟ قالت: أصابنا ما أصاب الناس(٢).

(١) المائدة: ٨٧ ـ ٨٨.

(٢) الطبقات، ٣: ٣٩٤ ـ ٣٩٥ ـ سير أعلام النبلاء، ١: ١٥٧ ـ ١٥٨ ـ حلية الاَولياء، ١: ١٠٦ ـ تهذيب الاَسماء واللغات، ١: ٣٢٦ ـ مسند أحمد، ٦: ١٠٦ و ٢٢٦ ـ سنن الدارمي، ٢: ١٧٩، الحديث ٢١٦٩ ـ تفسير علي بن إبراهيم القمي: ١٦٦ ـ وعنه في البحار، ٧٠: ١١٦ ـ ١١٧ ـ الكافي للكليني، ٢: ٥٦ و ٥٧ ـ وعنه في البحار، ٢٢: ٢٦٤ ـ تنقيح المقال، ٢: ٢٤٩.

٣٦
وروي: أنّ عثمان قال: يا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ! لا أحبّ أن ترى امرأتي عورتي، قال: ولِمَ ؟ قال: استحيي من ذلك، قال: إنّ الله قد جعلها لك لباساً، وجعلك لباساً لها ...، فلمّا أدبر قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: إنّ ابن مظعون لحييّ ستير(١).

الرهبانية والسياحة والتبتّل

خلق الله ـ سبحانه وتعالى ـ الاِنسان ليكون نواة صالحة، وكائناً عاملاً في كلّ نواحي الحياة الاِنسانية، وليس من حكمة خلق الله للاِنسان أن يترهّب ويعتزل المجتمع، ويعيش لوحده يعبد ربّه.

وفي بادىَ الاِسلام كانت فكرة الرهبانية، وترك المجتمع والملذّات الدنيوية، تدور في خُلد بعض المتديّنين، وذلك لشدّة تديّنهم وحرصهم على العبادة وترك الدنيا.

ومن الاَوائل الذين فكّروا

(١) الطبقات، ٣: ٣٩٤ ـ سير أعلام النبلاء، ١: ١٥٧ ـ تهذيب الاَسماء واللغات، ١: ٣٢٦ ـ بحار الاَنوار،٩٣: ٧٣.

٣٧
بالرهبانية والسياحة عثمان بن مظعون ـ رضوان الله عليه ـ فإنّه أول ما أقدم عليه من عمل هو: أنه كان يقوم الليل ويصوم النهار، وترك زوجته بالمرّة، وبعدها استأذن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في الرهبانية والسياحة والتبتّل وطلاق زوجته والخصاء، فنهاه عن ذلك وردّه عليه(١).

(١) أسد الغابة، ٣: ٥٩٩ ـ الاستيعاب، ٣: ١٥٤ ـ سير أعلام النبلاء، ١: ١٥٥ ـ الاصابة،٢: ٤٦٤ـالطبقات، ٣: ٣٩٤ ـ مسند أحمد، ١: ١٧٥ و ١٧٦ و ١٨٣ ـ صحيح البخاري، ٦: ١١٨ و١١٩ ـ سنن ابن ماجة، ١: ٥٩٣، الحديث ١٨٤٨ ـ صحيح مسلم، ٩: ١٧٦ ـ ١٧٧ ـ سنن الترمذي، ٣: ٣٩٤، الحديث ١٠٨٣ ـ سنن النسائي، ٦: ٥٨ ـ سنن الدارمي، ٢: ١٧٨، الحديث ٢١٦٧.

٣٨
فعن ابن شهاب: أنّ عثمان بن مظعون أراد أن يختصي ويسيح في الاَرض، فقال له رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: أَليس لك فيّ أسوة حسنة ؟ فأنا آتي النساء وآكل اللحم وأصوم وأفطر، إنّ خصاء أمّتي الصيام، وليس من أمّتي من خصى أو اختصى(١).

وروي أيضاً عن عثمان أنه قال: قلت لرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: يا رسول الله! أردت أن أسألك عن أشياء، فقال: وما هي يا عثمان ؟ قال: قلت: إنّي أردتُ أن أترهب، قال: لا تفعل يا عثمان، فانّ ترهّب أمّتي القعود في المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة.

قال: فإني أردت يا رسول الله ! أن أختصي، قال صلّى الله عليه وآله وسلّم: لا تفعل يا عثمان، فإنّ اختصاء أمّتي الصيام(٢).

وروي أيضاً أنه قال لرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: إنّ نفسي

(١) الطبقات، ٣: ٣٩٤ ـ سير اعلام النبلاء، ١: ١٥٧.

(٢) تهذيب الاَحكام، ٤: ١٩٠ ـ ١٩١، الحديث ٥٤١، وروى المقطع الاَول في مشكاة الاَنوار: ٢٦٢ ـ وعنه في البحار، ٨٣: ٣٨٢.

٣٩
تحدّثني بالسياحة وأن ألحق الجبال، قال: يا عثمان لا تفعل، فإنّ سياحة أمّتي الغزو والجهاد(١).

وروي: أنّه اتخذ بيتاً يتعبّد فيه، فأتاه النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، فأخذ بعضادتي البيت وقال: يا عثمان ، إنّ الله لم يبعثني بالرهبانية ـ مرّتين أو ثلاثاً ـ، وإن خير الدين عند الله الحنيفية السمحة(٢).

وروي عنه ـ أيضاً ـ أنّه قال: يا رسول الله ! إني رجل تشقّ عليّ العزبة في المغازي، أفتأذن لي في الخصاء ؟ قال: لا، ولكن عليك

(١) تهذيب الاَحكام، ٦: ١٢٢، حديث ٢١٠.

(٢) سير أعلام النبلاء، ١: ١٥٨ ـ الطبقات، ٣: ٣٩٥.

٤٠