×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

العصمة، حقيقتها ـ أدلتها / الصفحات: ٦١ - ٨٠

عقلاً ونقلاً على عصمة هؤلاء، فما جاء خلافه لا يؤخذ على ظاهره بل يجب أن يؤوّل.

ثانياً:

يردُ على الشيخ ابن بابويه في النقطة الاُولى مما حصرنا فيه رأيه: من أين له هذا التقسيم للعبادة، وإنّه يجوز في أحدها السهو، ولا يجوز في الاُخرى، مع إطلاق الروايات في العصمة وقيام الدليل عليها مطلقاً كذلك ؟ ولو (جاز السهو والنسيان من المعصوم في العبادة، لجاز في التبليغ. والفرق ليس عليه دليل قاطع، ولا يفهمه كلُّ أحد، بل كل من وقف على أحدهما جوّز الآخر قطعاً.

وأقلّهُ أنّ الاَكثر الاَغلب لا يُفرِّقون بينهما، فلا يوثَقُ بشيءٍ من أقواله، وأفعاله، وتختلُّ عصمته، وهو باطل قطعاً)(١) .

ثالثاً:

نُعلِّقُ على نقطته الثانية بأنّ انحصار العبودية هل يتمُّ بهذا فقط حتى نقول به ؟ ! وهل انحصار كونه بشراً يتمّ بيانه بالنوم عن الصلاة، لابالنوم عن غيرها، حتى نستدل من خلاله بأنّه ليس ربّاً، إذ الربّ لاتأخذه سنة ولا نوم ؟ ! ففي بيان هذا يمكن أن ينام النبي صلى الله عليه وآله وسلم في أيّ مكان وأي وقت لكشف كونه غير رب. وأين نضع الاَحاديث الواردة في أنّه تنام عينه ولا ينام قلبه ؟ ! وسيأتي مزيد بيان حول هذه النقطة بالذات.

رابعاً:

وهل انحصر كونه من البشر في إسهائه ؟ ! وهل انحصر التعليم في اسهائه ؟ ! وإذا تمَّ هذا، فلماذا لم يرتكب بقيّة المحرمات والموبقات

(١) التنبيه بالمعلوم|الشيخ الحرّ العاملي: ١١١.
٦١
ليعلّمنا أحكامها، وحدودها.

ولماذا لم يسرق، حتّى يعلّمنا كيفية قطع يد السارق، وكيفية اعترافه قبل ذلك ؟ ! ما هذا كلّه إلاّ خروج عن طريق الصواب. وقياس لغير العبادات والمناسك بها، وهو كما ترى.

خامساً:

وقد قسَّم الشيخ ابن بابويه الناس إلى قسمين:

القسم الاَول: النبي والاَئمة عليهم السلام.

القسم الثاني: بقية الناس.

فالاَول من القسمين ليس للشيطان عليهم سبيل. وأمّا الثاني منهما فهم مصاديق للآية المباركة: (إنّما سلطانه على الذين يتولّونه والذين هم به مشركون)(١) وعلى من تبعه من الغاوين على حدِّ تعبيره.

فهو بنفسه الشريفة من أيّ قسمٍ يمكن أن يدخل، وحاشاه من توليه للشيطان والغواية والشرك ؟ !!

سادساً:

نقول لماذا يكون ذلك غلواً إذا أخذت بأعناقنا الاَدلة العقلية والنقلية عنهم عليهم السلام ؟ !!

الثاني: النوم

حدَّ الفقهاء النوم بذهاب حاسة السمع والبصر، وغيبة إدراكهما عنهما تحقيقاً، أو تقديراً، وبما أنه من الحالات الطبيعية للانسان، فليس فيه

(١) سورة النحل: ١٦|١٠٠.
٦٢
غضاضة على من يسلبه النوم كلَّ ذلك(١) .

وقد وصف القرآن الكريم هذه الحالة بالوفاة، وجعل الفرق بينها وبين الموت هو الرجوع وعدمه، قال تعالى: (اللهُ يتوفى الاَنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيُمسكُ التي قضى عليها الموت ويرسل الاُخرى إلى أجلٍ مسمى إنّ في ذلك لآياتٍ لقومٍ يتفكّرون)(٢) .

مع هذا كلّه، فإنّه قد ورد من طرق الفريقين، وأطبق عليه العام والخاص أنّ من خصوصيات رسولنا الكريم صلى الله عليه وآله وسلم أنّه تنام عينه، ولاينام قلبه.

بل صرَّح بعضهم بـ (أنّ منامات الرسل والاَنبياء والاَئمة عليهم السلام صادقة لاتكذب، وأن الله عصمهم عن الاَحلام، وبذلك جاءت الاَخبار عنهم على الظهور والانتشار)(٣) .

وقد جاء أنّ سبب نزول هذه الآية المباركة: (قُلْ مَن كان عدواً لجبريل فإنّه نزّلهُ على قلبك باذنِ الله مُصدِّقاً لما بين يديه وهدىً وبشرى للمؤمنين)(٤) ما روي أن صوريا وجماعة من يهود أهل فدك، لمّا قدم النبي صلى الله عليه وآله وسلم المدينة سألوه، فقالوا: يا محمد كيف نومك، فقد أُخبرنا عن نوم النبي

(١) مجمع البحرين|الشيخ الطريحي ١: ١٨٠ المطبعة المرتضوية.

(٢) سورة الزمر: ٣٩|٤٢.

(٣) أوائل المقالات|مصنّفات الشيخ المفيد ٤: ٧٠.

(٤) سورة البقرة: ٢|٩٧.

٦٣
الذي يأتي في آخر الزمان ؟ !! فقال: «تنام عيني، وقلبي يقظان»(١) .

فهذا الذي لا ينام قلبه، حتى في النوم، كيف ينام قلبه في اليقظة فيسهو أو يخطأ ؟ !!

من هنا نرى من أنّه لا مجال للقول بالسهو مطلقاً عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

وهذا المعنى بعينه نقوله في الاِمام، إذ ورد عن الاِمام الرضا عليه السلام أنّه قال: «للاِمام علامات، يكون أعلم زمانه، وأحكم الناس، وأتقى الناس، وأحلم الناس، وأشجع الناس، وأسخى الناس، وأعبد الناس، إلى أن قال عليه السلام: وتنام عينه ولا ينام قلبه(٢) ».

وكذا ورد عنهم عليهم السلام أنّ «حال الاَئمة في المنام حالهم في اليقظة، لايُغيّر النوم منهم شيئاً...»(٣) .

الثالث: العصمة في الغضب والرضا

لو قيل:

إنّه بشر يتكلّم في الغضب والرضى، فكيف يكون في كلِّ ذلك معصوماً ؟ !!

فإنّه يقال:

إنّ القرآن قد صرَّح به وبيّن الفرق فقال تعالى آمراً رسوله

(١) التبيان في تفسير القرآن ١: ٣٦٣ في تفسير هذه الآية المباركة.

(٢) من لا يحضره الفقيه ٤: ٤١٨. ومعاني الاخبار ٢: ١٠٢. والخصال ١: ٥٢٧. والاحتجاج|الطبرسي: ٤٣٦. وعيون أخبار الرضا عليه السلام ١: ٢١٢|١.

(٣) الكافي ١: ٥٠٩|١٢.

٦٤
الصفحة: ٦٥ فارغة
كتاب العِصْمَةُ لمركز الرسالة ص (٦٥) - ص (٩١)

الفصل الرابع

أدلة العصمة من الكتاب والسُنّة

المبحث الاَول: أدلة العصمة من القرآن

١ ـ قال تعالى: (وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون)(١) .

(دلّت الآية ـ كما قال القرطبي ـ على انّ الله عزَّ وجلَّ لا يُخلي الدنيا في وقت من الاوقات من داع يدعو إلى الحق)(٢) .

وقال الجبائي: (هذه الآية تدلُّ على أنّه لا يخلو زمان ألبتّة عمّن يقوم بالحق، ويعمل به، ويهدي إليه، وانّهم لا يجتمعون في شيء من الازمنة على الباطل...)(٣) .

فعليه يمكن ان يقال بأنّ هذه الاُمّة آخر الاُمم، وانّه لابدّ ان يبقى منها من يقوم بأوامر الله، حتى يأتي أمر الله.

(١) سورة الاعراف: ٧|١٨١.

(٢) الجامع لاحكام القرآن|القرطبي ٧: ٣٢٩.

(٣) التفسير الكبير|الفخر الرازي ١٥: ٧٦ ـ ٧٧.

٦٦
وقال السيد الطباطبائي في «ميزانه»: (تدل على انّ النوع الانساني يتضمن طائفة قليلة أو كثيرة مهتدية حقيقة، إذ الكلام في الاهتداء والضلال الحقيقيين المستندين إلى صنع الله ومن يهد الله فهو المهتدي، ومن يضلل فاولئك هم الخاسرون، والاهتداء الحقيقي لا يكون الا عن هداية حقيقية، وهي التي لله سبحانه، وقد تقدم في قوله تعالى: (فان يكفر بها هؤلاء فقد وكلّنا بها قوماً ليسوا بها بكافرين)(١) ، وغيره. ان الهداية الحقيقية الالهية لا تتخلف عن مقتضاها بوجه، وتوجب العصمة من الضلال، كما ان الترديد الواقع في قوله تعالى: (أفمن يهدي إلى الحق أحقُّ ان يُتَّبع أمّن لا يهدّي إلاّ أن يُهدى)(٢) . يدل على انّ من يهدي إلى الحقّ يجب ان لا يكون مهتدياً بغيره إلاّ بالله.

وعلى هذا فإسناد الهداية إلى هذه الاُمّة لا يخلو عن الدلالة على مصونيتهم من الضلال، واعتصامهم بالله من الزيغ إمّا بكون جميع هؤلاء المشار إليهم بقوله: (اُمّة يهدون بالحق) متصفين بهذه العصمة والصيانة كالانبياء والاوصياء، وإما تكون بعض هذه الاُمّة كذلك، وتوصيف الكل بوصف البعض نظير قوله تعالى: (ولقد آتينا بني اسرائيل الكتاب والحكم والنبوة )(٣) ، وقوله تعالى: (وجعلكم ملوكاً)(٤) ، وقوله: (لتكونوا

(١) سورة الانعام: ٤|٨٩.

(٢) سورة يونس: ١٠|٣٥.

(٣) سورة الجاثية: ٤٥|١٦.

(٤) سورة المائدة: ٥|٢٠.

٦٧
شهداء على الناس) (١) وانّما المتصف بهذه المزايا بعضهم دون الجميع)(٢) .

وبناءً على كلِّ ما تقدّم نستخلص وجود من يهدي إلى الحقّ ولايجتمع مع الباطل أصلاً في جميع الازمنة، ولا يمكن بناءً على هذا ان يظهر المصداق لهذه الآية المباركة إلاّ على ما نقول به من وجود الاِمام المعصوم في كلِّ وقت.

فالذي يهدي بالحق وبه يعدل لابدّ ان يكون معصوماً كما تقدم، إمّا اشارة إلى امة معصومة بالذات، أو إلى الاُمّة المرحومة جميعاً بالاضافة إلى وجود المعصوم فيها في كلِّ وقت.

٢ ـ (والنجم إذا هوى * ما ضلَّ صاحبكم وما غوى)(٣) .

فالضلال منفي عنه، والغواية منفية عنه. ومن معاني الضلال التي أشار إليها القرآن الكريم: النسيان، قال تعالى: (واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممّن ترضون من الشهداء ان تضلَّ إحداهما فتذكّر إحداهما الاُخرى)(٤) . (يريد لئلاّ تنسى إحداهما فسمّى النسيان ضلالاً، وذلك معروف في اللغة)(٥) .

(١) سورة البقرة: ٢|١٤٣.

(٢) الميزان|الطباطبائي ٨: ٣٤٥ ـ ٣٤٦.

(٣) سورة النجم: ٥٣|١ ـ ٢.

(٤) سورة البقرة: ٢|٢٨٢.

(٥) مصنفات الشيخ المفيد (كتاب الجمل) ١: ١٠٤.

٦٨
وقال تعالى: (وعصى آدمُ ربَّهُ فغوى)(١) . فسمى سبحانه المعصية هنا غواية. والغواية تأتي في اللغة بمعنى الخيبة، وهنا اطلقت لخيبة آدم من ثواب كان مقدّراً له.

قال الشاعر:

ومن يلق خيراً يحمد الناس أمرهُ ومن يغو لا يُـعدم على الـغي
فحينئذ لو أدركنا انّ من معاني الضلال النسيان وان من معاني الغواية المعصية والخيبة نرى أنَّ الباري عزَّ وجلّ قد نفى النسيان والمعصية والخيبة عن نبيه الكريم باطلاق قوله سبحانه: (والنجم إذا هوى * ما ضلَّ صاحبكم وما غوى) .

٣ ـ وآيات الاتّباع والاسوة لابدّ ان تكون دالة على العصمة وإلاّ لاُمرنا باتّباعه والتأسي به حتى عند خطئه وسهوه وهو كما ترى.

مثل قوله تعالى: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة)(٢) .

وقوله تعالى: (ورحمتي وسعت كلَّ شيء فساكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون * الذّين يتّبعون الرسول النبيَّ الاُمي)(٣) .

وقوله تعالى: (قُلْ إن كنتم تحبونَ الله فاتبعوني يحببكم الله)(٤) .

(١) سورة طه: ٢٠|١٢١.

(٢) سورة الاحزاب: ٣٣|٢١.

(٣) سورة الاعراف: ٧|١٥٦ ـ ١٥٧.

(٤) سورة آل عمران: ٣|٣١.

٦٩
وقوله تعالى: (فآمنوا بالله ورسوله النبيّ الاُمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتّبعوه لعلّكم تهتدون)(١) .

وكذلك آيات الاطاعة الكثيرة سواء كانت مقرونة مع طاعة الله تعالى أو منفصلة بل انّ لسانها كلها (من يُطعِ الرسول فقد أطاع الله)(٢) ، فيجب ان يكون معصوماً مطلقاً كما هو واضحٌ بلا مزيد بيان.

٤ ـ وقوله تعالى: (وما ينطق عن الهوى * إنْ هو إلاّ وحيٌ يوحى)(٣) .

(دلّت على ان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لا ينطق إلاّ عن وحي، فيستحيل ان يُسَلِّم في الصلاة في غير محلّه، ثمّ يتكلم قبل تمام صلاته، ثمّ يُكذِّب ذا الشمالين، وهو صادق على قولكم، ثمّ يعترف بخطئه، وكلّ ذلك ينافي مدلول الآية)(٤) .

وقد دلّ السياق للآيات المباركة مع ورود النطق وقد ورد عليه حرف النفي انّ النطق مطلقاً منفي منه الهوى لا خصوص القرآن الكريم، فلا قرينة هناك مخصّصة لا مقامية كما مال إليه بعضهم، ولا مقالية، فتأمل.

فدلّ على نفي الهوى عن نُطقه مطلقاً، وان مطلق نطقه وحيٌّ يوحى، إلاّ إذا قام الدليل على خلافه، والاَدلة الاُخرى تعضده، فحينئذٍ توجد قرائن خارجية كثيرة تفيد ذلك فكيف تصرفها عن الظاهر ونقول من انّها

(١) سورة الاعراف: ٧|١٥٨.

(٢) سورة النساء: ٤|٨٠.

(٣) سورة النجم: ٥٣|٣ ـ ٤.

(٤) التنبيه بالمعلوم|الشيخ الحر العاملي: ٧٧.

٧٠
في مقام بيان انّ القرآن من الوحي ؟ !!

٥ ـ ويمكن ان يستشف من قوله تعالى: (إنّ الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين)(١) .

(الاصطفاء والاجتباء والاختيار نظائر، وهو افتعال من الصفوة، وهذا من أحسن البيان الذي يُمثَّل به المعلوم بالمرئي.

وذلك انّ الصافي هو النقي من شوائب الكدر فيما يشاهد، فمثَّل الله خلوص هؤلاء القوم من الفساد ظاهراً وباطناً بخلوص الصافي من شوائب الادناس)(٢) .

وبقرينة الآية المباركة: (الحمد لله ربِّ العالمين) وتكرارها في مواضع عدّة من كتابه بهذه الصيغة نستدلُّ على انّ العالمين جمع عالم، وهو كل ما خلقه الله تعالى فيشمل، عالم الملائكة، وعالم الجن، وعالم الاِنسان، وعالم الحيوان، وعالم النبات، وعالم الجماد، أو أي عوالم أُخرى يمكن تصورها.

والملائكة كما نعلم من المعصومين على أصحّ الاقوال (لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يُؤمَرون)(٣) .

ومن هذه الآية نستدل على انّ الاَنبياء والاَئمة عليهم السلام أفضل حتى من

(١) سورة آل عمران: ٣|٣٣.

(٢) مجمع البيان|الطبرسي ٣: ٤٣٣ في تفسير هذه الآية المباركة.

(٣) سورة التحريم: ٦٦|٦.

٧١
الملائكة؛ (لاَنّ العالمين يعم الملائكة وغيرهم من المخلوقات، والله سميع لما تقوله الذرية، عليم بما يضمرونه فلذلك فضلّهم على غيرهم لما في معلومه من استقامتهم في أفعالهم وأقوالهم)(١) .

بل من هذا السياق نستدل على ان نبينا محمداً صلى الله عليه وآله وسلم جاء رحمة ليس للناس فقط بل حتى للجماد والحيوان والجن والانس بل حتى للملائكة، فهو رحمة لكلِّ ما خلق الله ويخلق بدليل قوله تعالى: (وما أرسلناك إلاّ رحمةً للعالمين)(٢) ، ومن كانت هذه صفاته بالخصوص، ومن كانت تلك صفاتهم بالعموم مع تفضلهم على خلق الله تعالى ومن جملتهم المعصومين الذين هم الملائكة الذين منهم سُجّدٌ لا يركعون، ورُكّعٌ لا يسجدون قد مُلئت السموات والاَرض منهم وعن العبادة لا يفترون..

كيف يتصوّر ان يكون (الرحمة) لهم غافلاً عن ذكر الله، أو فاتراً عنه، ولو للحظة واحدة، حتى ولو كان سهواً، وهذا الدليل الاخير بالخصوص مختصٌ بنبينا وآله عليهم السلام.

ألا نستشف من ذلك عصمتهم بالاضافة إلى نكاتٍ اُخرى لا تخفى على اللبيب ؟

٦ ـ قوله تعالى: (سنقرئك فلا تنسى)(٣) .

(١) مجمع البيان ٣: ٤٣٣.

(٢) سورة الانبياء: ٢١|١٠٧.

(٣) سورة الأعلى: ٨٧|٦.

٧٢
(وهي عامة، فانّ المفعول لا يتعين تقديره بالقراءة، ولا قائل بالفرق بين ماقبل نزول الآية، وقبل القراءة، وما بعدها، فالفارق خارقٌ بالاجماع)(١) . وهذه «اللاّ» ليست ناهية، بدليل عدم حذف حرف العلة، فهي إذن نافية فيثبت المطلوب.

٧ ـ قوله تعالى: (وتعيها أذنٌ واعية)(٢) .

روى الطبرسي وغيره من طرق العامّة والخاصّة انّها نزلت في أمير المؤمنين عليه السلام، وانه قال: «ما سمعتُ شيئاً من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فنسيتُه»(٣) .

وهذا عام مطلقٌ في التبليغ وغيره، فيستحيل النسيان على النبي صلى الله عليه وآله وسلم بطريق الاَولوية(٤) .

٨ ـ قوله تعالى: (ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله انّ الله شديد العقاب)(٥) .

قال صاحب الميزان: والآية مع الغضّ عن السياق عامّة تشمل كلَّ ماآتاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم من حكم فأمر به، أو نهى عنه. وقوله: (واتقوا الله إنّ الله شديد العقاب) تحذير لهم عن مخالفة النبي صلى الله عليه وآله وسلم تأكيداً لقوله: (وما

(١) التنبيه بالمعلوم|الشيخ الحر العاملي: ٧٨.

(٢) سورة الحاقة: ٦٩|١٢.

(٣) مجمع البيان|الطبرسي، في تفسير هذه الآية المباركة.

(٤) التنبيه بالمعلوم|الشيخ الحر العاملي: ٧٧.

(٥) سورة الحشر: ٥٩|٧.

٧٣
آتاكم الرسول...) (١) .

بل ورد (في الكافي باسناده عن زرارة انّه سمع أبا جعفر وأبا عبدالله عليهما السلام يقولان: «إنّ الله عزَّ وجلَّ فوّض إلى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أمر خلقه، لينظر كيف طاعتهم، ثم تلى هذه الآية (ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) »، والروايات عنهم عليهم السلام في هذا المعنى كثيرة، والمراد بتفويضه أمر خلقه كما يظهر من الروايات امضاؤه تعالى ما شرّعه النبي صلى الله عليه وآله وسلم لهم، وافتراض طاعته في ذلك، وولايته أمر الناس)(٢) .

٩ ـ قال تعالى: (وإذ ابتلى إبراهيم ربُّه بكلمات فأتمهنَّ قال إني جاعلك للناس إماماً قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين)(٣) .

يمكن البحث في دلالة هذه الآية المباركة كما يلي:

المحور الاَول:

في معنى الظلم والظالمين نجد في القرآن الكريم إضافة إلى هذه الآية موارد كثيرة: قال تعالى: (... والكافرون هم الظالمون) (٤) ، وقال تعالى: (فمن افترى على الله الكذب من بعد ذلك فاولئك هم الظالمون)(٥) ، وقال تعالى: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فاولئك

(١) الميزان|الطباطبائي ١٩: ٢٠٤.

(٢) الميزان ١٩: ٢١٠.

(٣) سورة البقرة: ٢|١٢٤.

(٤) سورة البقرة: ٢|٢٥٤.

(٥) سورة آل عمران: ٣|٩٤.

٧٤
هم الظالمون) (١) ، وقال تعالى: (إنّ الشرك لظلمٌ عظيم)(٢) ، وقال تعالى: ( إنّما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الاَرض بغير الحق اولئك لهم عذاب أليم)(٣) ، ويمكن ان يكون الاِنسان ظالماً لنفسه، قال تعالى: (فمنهم ظالمٌ لنفسه)(٤) ، وقال تعالى: (ومن ذريّتهما محسن وظالم لنفسه مبين )(٥) ، وقد بيّن كيفية ظلم الاِنسان لنفسه بقوله تعالى: (ومن يتعدَّ حدود الله فقد ظلم نفسه)(٦) ، وقال تعالى: (ومن يتعدَّ حدود الله فاولئك هم الظالمون) (٧) .

مؤدى الآيتين الكريمتين الاخيرتين يجب ألاّ يراد التعدي لحدود الله مطلقاً، أي سواء كان التعدي عن عمدٍ أم سهو، لاَنّه اذا تعدى حدود الله تعالى عمداً فواضح، وإذا تعدى سهواً، فهو متعدٍ ظالم لنفسه، إلاّ انه معذور فالعقوبة ترتفع إلاّ أنّ الظلم يبقى حتى وإن كان معذوراً.

وبه يظهر ان الاِمام يجب ألا يكون مخطئاً أصلاً، وإلاّ لكان ظالماً في ذلك المصداق بالذات، فيشمله انه من الظالمين، فلا يمكن ان يناله عهد الله تعالى، فيجب ان يكون معصوماً مطلقاً.

(١) سورة المائدة: ٥|٤٥.

(٢) سورة لقمان: ٣١|١٣.

(٣) سورة الشورى: ٤٢|٤٢.

(٤) سورة فاطر: ٣٥|٣٢.

(٥) سورة الصافات: ٣٧|١١٣.

(٦) سورة الطلاق: ٦٥|١.

(٧) سورة البقرة: ٢|٢٢٩.

٧٥

المحور الثاني:

قال تعالى: (يوم يعضُّ الظالم على يديه يقول ياليتني اتخذت مع الرسول سبيلا)(١) .

فهذه الآية تُظهر لنا انَّ الظالم في جهة، وفي الجهة الاُخرى يكون الرسول، فعليه لا يمكن ان يكونا في مصداقٍ واحد جزماً. ومنه نستشف انَّ الرسول يجب الا يكون ظالماً أصلاً، ولو نوقش في هذا، فالمحور الثالث ينجلي فيه الامر أكثر وأنصع.

المحور الثالث:

قال إبراهيم عليه السلام: (ومن ذُريتي...) طلب هذا الاَمر الجليل لبعض ذريته، ولابدّ وان يكون مقصوده الذي يكون منهم مؤمناً، فحاشاه ان يطلب هذا الاَمر الجليل لغير المؤمن كما هو واضح، ولاَنّه خاطب أباه آزر من قبل فقال له: (.. أتتخذ أصناماً آلهةً إنّي أراك وقومك في ضلالٍ مبين)(٢) ، فكيف يطلب هذا الامر لضال ؟ !

وقد قال كذلك عند البيت الحرام: (ربِّ اجعل هذا بلداً آمناً وارزق أهلهُ من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر...)(٣) فهو يدعو بالرزق للذين آمنوا خاصة، فكيف يطلب الاِمامة لغيرهم ؟ !! هذا أولاً.

وثانياً: لابدّ وان يكون ذلك مؤمناً في حال كونه غير فاسق، لاَنّه يعلم انّ المتلبِّس بالفسق لا يمكن ان يكون إماماً للمؤمنين، إذ إنّه هو عليه السلام لم يحز هذا المنصب إلاّ بعد التسليم المطلق لله تعالى، وبعد الرسالة، والخلّة.

(١) سورة الفرقان: ٢٥|٢٧.

(٢) سورة الاَنعام: ٦|٧٤.

(٣) سورة البقرة: ٢|١٢٦.

٧٦
وهذه المعاني لابدّ وان تكون موجودة في ذهنه المنار بالايمان لدرجة التسليم.

فإذا كان كذلك، فما معنى قول الباري عزَّ وجلَّ بعد ذلك: (لا ينال عهدي الظالمين) إذا استثنينا الكافر والفاسق الفعلي الذي يظهر منه انّه قد أخبر بذلك، لرفع ما ليس متبادراً ومتداعياً في ذهن الخليل عليه وعلى نبينا وآله السلام، فبيّن له الباري عزّ وجلّ من انّ العهد لا ينال من ليس مؤمناً فحسب بل حتّى المؤمنين الخواص، وانّ ذلك المقام لابدّ وان يكون للذي لم يرتكب، ولن يرتكب ظلماً أبداً، سواء كان متلبساً بالظلم، أم لا، مستغفراً وتائباً من ذنبه لله تعالى أم لا، صغيراً كان أو كبيراً، كما يُشعر بذلك، قوله سبحانه: (لا ينال عهدي الظالمين) ويريد ان يبين نكتة اُخرى، بإنَّ الظلم لا يفارق طبيعة الذرية، والذرية مجموع، فعليه أتى بالجمع وقال تعالى: (لا ينال عهدي الظالمين) ولم يقل لاينال عهدي الظالم، هذا أولاً.

وثانياً: ليبين انّ هناك بعده باشارة لطيفة أئمة وليس إماماً واحداً، وفي ذريته بالخصوص وإن كان هذا المعنى أبعد غوراً من ذاك.

١٠ ـ قال تعالى: (اطيعوا الله واطيعوا الرسول...)(١) .

نستفيد من هذه الآية المباركة استفادات عديدة، منها:

الاستفادة الاُولى:

اطاعة الله سبحانه جاءت في الآية المباركة خالية

(١) سورة النساء: ٤|٥٩.
٧٧

من أيّ قيدٍ، وبما انّ طاعة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم جاءت كذلك وعطفت على اطاعته تعالى، إذاً يجب ان تكون مطابقة لها كما هو الظاهر.

الاستفادة الثانية:

بما انّ الله سبحانه منبعُ العصمة، إذاً يجب ان يكون الرسول صلى الله عليه وآله وسلم معصوماً، وإلاّ لاختلّت الاطاعة الثانية ولما عُطِفَت على الاطاعة الاُولى كما هو ظاهر.

الاستفادة الثالثة:

قوله تعالى في نهاية هذه الآية المباركة: (فان تنازعتم في شيء فردّوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خيرٌ واحسنُ تأويلاً)(١) .

يظهر وجوب كون الرسول صلى الله عليه وآله وسلم معصوماً وإلاّ لطلب منهم ان يردّوه إلى الله فقط، لئلا يحدث الخطأ بخطأ رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، ولما قال في نهاية الآية (ذلك خيرٌ واحسنُ تأويلاً) لاَنّه ان لم يكن معصوماً لاَغرانا الله بالباطل سبحانه وأدلانا به، هذا أولاً.

وثانياً: إنّ الارجاع الى الله غير واضح على ما هو عليه، لاَنّ الله غير ملموس ولا محسوس فالارجاع إليه ارجاع إلى حكمه، وحكمه مستفاد من قبل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وهو الذي يمثله(٢) .

(١) سورة النساء: ٤|٥٩.

(٢) وقد قال الله سبحانه: (فان تنازعتم في شيء فردّوه إلى الله والرسول) فردُّوه إلى أن نحكم بكتابه.. «وقد بيّن الاِمام علي سلام الله عليه قبل ذلك في نفس الخطبة، وهذا القرآن إنّما هو خطٌّ بين الدفتين لا ينطق بلسانٍ ولابدّ له من ترجمان وانما ينطقُ عنه الرجال...». ومن أولى من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في النطق عنه. نهج البلاغة|شرح الشيخ محمد عبده: ٢٥٨.

٧٨
فقوله تعالى (فردّوه إلى الله) كافٍ، أو إلى الرسول كذلك على هذا، إلاّ انّه لم يكتف بذلك بل قال فردّوه إلى الله والرسول، ليبين لنا ان الردَّ إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بمنزلة الردّ إلى الله، وما بينه الرسول بمنزلة ما بيّنه الله سواءً أظهر هذا الرسول وقال هذا حكم الله، أم لم يظهر ذلك، حتى وان قال هذا حكمي كما هو بيّن في أي أمرٍ صدر منه، وما هذا الامرُ إلاّ العصمة.

ولعلّه لما ذكرنا لم يتكرر حرف الجر، بل عطف الرسول على الله بدونه، ليدلنا على عدم الاثنينية في ذلك، بعد ان كرر لفظ الاطاعة ليؤكدها وليركزها في أذهان الذين آمنوا.

الاستفادة الرابعة:

عطف أولي الاَمر على الرسول واطاعتهما على اطاعة الله يقتضي عصمتهم لما قدّمناه في عصمة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.

بل نقول أكثر ببركة ورود أمر واحد بالاطاعة للرسول ولأولي الاَمر فاطاعتهما واحدة، ولذا لم يذكر أولي الاَمر مرة اخرى في نهاية الآية لاندكاكهم في الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وللبيان والتوضيح اتى بهم أولاً، وللاختصار ولبيان وحدتهم بعد أن جعل لهما اطاعة واحدة لم يذكر الا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، أخيراً وهو واضحٌ بحمد الله وبركته.

ولو جوّزنا الاّ تكون اطاعة أولي الاَمر مطلقة كما كانت اطاعة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم للزِمَ ان يكون استعمال اللفظ امّا من باب استعمال المشترك في أكثر من معنى، وهذا ما لا يجوّزه أكثر أصحاب التحقيق ان لم يكن كلّهم.

٧٩
أو من باب المجاز، وهو خلاف الظاهر، فضلاً من ان السياق لا يساعد عليه بعد قوله تعالى: (فان تنازعتم في شيء فردّوه إلى الله والرسول..) ولم يذكر أولي الاَمر لما ذكرناه، وبعد قوله ختاماً: (ذلك خيرٌ واحسنُ تأويلاً) ، وقد «وصل الله طاعة ولي أمره بطاعة رسوله وطاعة رسوله بطاعته، فمن ترك طاعة ولاة الاَمر لم يطع الله ورسوله»(١) .

وقد أقرّ الرازي بدلالة هذه الآية على العصمة(٢) ولكنّه لحاجةٍ في نفسه أوّل أولي الاَمر بأهل الاجماع بلا دليل يرتكز عليه. وقد ردّهُ الشيخ محمد حسن المظفر قدس سره في دلائل الصدق(٣) ، وفيه انَّ المنصرف من أولي الاَمر من لهُ الزعامة وهذا خلاف أهل الاجماع، وهذا الرد نوافق عليه.

إنّ ظاهر الآية إفادة عصمة كلّ واحدٍ منهم لا مجموعهم، لاَنّ ظاهرها ايجاب اطاعة كلّ واحدٍ منهم، وهذا غير واضح من الآية المباركة، ولذا يستطيع ان يدعي خلافه، على ان العمل بمقتضى الاجماع ليس من باب الطاعة لهم، لاَنّ الاجماع من قبيل الخبر الحاكي. وهذا ليس محلّ ذلك ففيه ما فيه.

فلم يبق إلاّ ان التمسك بانّ تأويله لاَولي الاَمر بأهل الاجماع خلاف الظاهر أصلاً ويحتاج إلى دليلٍ واضح، لا سبيل له، ولا دلالة للآية المباركة

(١) الكافي ١: ١٨٢|٦.

(٢) يراجع للاطلاع على رأيه تفصيلاً كتابه: مفاتيح الغيب ٣: ٢٥٧.

(٣) دلائل الصدق|الشيخ محمد حسن المظفر ٢: ١٧ ـ ١٨.

٨٠