×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

العصمة، حقيقتها ـ أدلتها / الصفحات: ٨١ - ١٠٠

عليهم لا من قريب ولا من بعيد، مع الانصراف المذكور أولاً فيتعين من له الزعامة والاِمامة، وهو الاِمام بزعمنا لا غير.

وقد أشكل الرازي(١) على انّ المراد بهم الاَئمة عليهم السلام بوجوه مشوّهة:

الوجه الاَول منها:

إنّ الطاعة لهم مشروطة بمعرفتهم وقدرة الوصول إليهم واذا قلنا انه يجب علينا ذلك، إذ صرنا عارفين بهم وبمذاهبهم صار مشروطاً وهو مطلق.

وفيه:

أ ـ النقض: بطاعة الله ورسوله وطاعة أهل الاجماع على رأيه.

ب ـ الحل: فالطاعة ليست مشروطة بمعرفتهم وبقدرة الوصول إليهم، بل مطلقاً كما هي طاعة الله ورسوله... فيجب تحصيل المعرفة بهم، كما في معرفة الله والرسول صلى الله عليه وآله وسلم وإلاّ لو التزمنا بما ذكر في أولي الامر لوجب ذلك أيضاً في الله والرسول وهو كما ترى.

الوجه الثاني:

إنّ أولي الاَمر جمعٌ وعندهم لا يكون في الزمان إلاّ امامٌ واحد، وحمل الجمع على الفرد خلاف الظاهر.

وفيه أنّ المراد هو الجمع ولكن بلحاظ التوزيع في الازمنة، ولا منافاة فيه للظاهر بل نقول أكثر من ذلك وهو وجوب طاعتهم كلّهم على حدٍّ سواء، وان كان الاِمام واحداً في كلِّ عصر، وهذان مقامان مختلفان وهو

(١) مفاتيح الغيب|الرازي ٣: ٢٥٧.
٨١
واضحٌ لمن تدبّر.

الوجه الثالث:

(فإن تنازعتم في شيء فردّوه إلى الله والرسول)(١) ، ولو كان المراد بأولي الاَمر الاِمام المعصوم لوجب ان يقول فان تنازعتم في شيء فردّوه إلى الاِمام.

وفيه: إنّ الردّ إلى أولي الاَمر أيضاً مأمورٌ به، لكن اكتفى عن ذكرهم في آخر الآية بما ذكره في أولها من مساواة طاعتهم بطاعة الله ورسوله)(٢) ، بل نقول أكثر من ذلك من انّ المصدر الرئيس للتشريع هو الله سبحانه، ولا يجب اطاعة أي مخلوق، فهو الاساس في الاطاعة، واطاعة المخلوقين تأتي وتترشح من الباري عزَّ وجل، فذكر تفصيلاً من تجب طاعته ابتداءً وفصَّل، ثم أخيراً بين الطرفين الاَساسيين في عملية الاطاعة وهي المرسِل والمرسَل، لاَنّ الاَساس اطاعة الله ثم بواسطة المرسلين تترشح هذه الاطاعة كما انه بالمعاجز يثبتها.

وثبوت الاِمامة وولاية الاَمر متوقفة على الرسول لبيانها وتوضيحها، فولاية الاَمر مستفادة من الله ورسوله.

فولاية الاَمر هي كذلك من الامور التي يمكن ان يقع التنازع فيها كما وقع، وهذا الارجاع إرجاع كلي، ولو أُرجع إليهم أيضاً للزم الدور كما هو واضح، فلذا لم يذكر الرد إلاّ إلى الله والرسول. وكما ذكرنا أولاً ولاية الاَمر

(١) سورة النساء: ٤|٥٩.

(٢) دلائل الصدق|الشيخ محمد حسن المظفر ٢: ١٩.

٨٢
مندكّة في المرسل لا تفترق عنه فهو المصدر لها ومبينها، ولهذا وذاك ذكر الارجاع إليه مكتفياً به كما هو واضح لمن ألقى السمع وهو بصير(١) .

ومن نافلة القول صرف الوجه لاشكالٍ ربّما راود بعضهم هذه الاَيام مفاده: إنّ الاطاعة هنا شأن الاطاعة للعلماء بلا فرق في ذلك أصلاً، فكيف أطلقتم هنا ولم تطلقوا هناك ؟ !

وإذا كانت هناك محدّدة فهنا كذلك. والاطاعة للعلماء لا تدل على عصمتهم. فالاطاعة لاولياء الاَمر أو للنبي المرسل صلى الله عليه وآله وسلم لا تدل على العصمة، كذلك.

والجواب:

إنّ بين الاطاعتين فرقاً، وبين الموردين فرقاً آخر. فهل يقول صاحب هذا الاشكال في العلماء ومنهم الصحابة بأنّ أقوالهم وأفعالهم وتقريراتهم حجّة، كما هو الاَمر بالنسبة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ؟

إن قال بحجيتها خرج عن مسلك العلماء وطريقتهم. وان قال بعدم حجيتها ظهر الفرق، وذلك لاَنّ الصحابي أو العالم إذا فعل فعلاً مثلاً، نحمل فعله على محمل الصحة، وانّه لا يخالف الشرع بتصرفه بدواً، كأي مسلم، إلاّ أننا نحتمل فيه:

١ ـ التأويل الخاطئ لقول المعصوم.

(١) والذي يوجب الاطمئنان أكثر من ذلك كلّه أن هناك روايات جاءت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في تفسير هذه الآية المباركة بالاَئمة الطاهرين عليهم السلام فضلاً عن الروايات التي يعضد بعضها بعضاً من ان خلفاءه اثنا عشر خليفة وهو ما ينطبق كلياً على ما تدعيه الاِمامية وهو كافٍ في ابطال ما ذهب إليه الرازي في توجيهه أو ما ادعاه غيره بغيرهم ولم ترد في ذلك ولا رواية واحدة تؤيد ما أدعوه من التأويل البعيد.
٨٣
٢ ـ النسيان.

٣ ـ السهو والغفلة.

٤ ـ عدم وصول الحكم اليه، فعمل على ما ارتكز في ذهنه من اعتقادات سابقة، الله أعلم بمنشئها.

٥ ـ والاحتمال الاخير، وان كان ضعيفاً إلاّ انّه يبقى كاحتمال وارد وان كانت نسبته ضئيلة بالقياس إلى تلك الاحتمالات، وهو الاحتمال القائل، بالمخالفة العمدية للشارع المقدّس، لكونه غير معصوم فيحتمل فيه الفسق.

فبناءً على هذه الاحتمالات لا يُعدُّ فعله حجّة لنا، ولا علينا، وان كنّا نُصحّحُ فعله الذي فعله، بحمل عمل المسلم على الصحة، لكن بما هو عمل شخصي له لا يمكن استنباط حكم شرعي منه.

فتنفع الاصول العقلائية من اصالة عدم الخطأ، واصالة عدم السهو أو الغفلة في ذلك فقط، لا غير.

فإذا كان كذلك لا يمكن ان يُقاس النبي بهذا أبداً، وذلك لاَنَّ فعله ليس خاصاً به حتّى نحمله على تلك المحامل، هذا أولاً.

وثانياً: إذا أخطأ العالم الحكم الواقعي لا يقدح بالاحكام الالهية أي شيء. وينتهي هذا الحكم الظاهري بانتهاء عمل هذا العالم.

وأمّا إذا أخطأ المبلِّغ المباشر عن الله تعالى فالحكم الالهي سيتغير،

٨٤
ويتبدّل، ولا تشفع لنا الاصالات كلها في ردّه لاصله، فيكون النبي قد أصدر حكمين أو ثلاثة لواقعة واحدة فتتغير أحكام الله تعالى ولاتظهر أبداً.

وبتعبير آخر المبلغ المباشر عن الله تعالى مثل النبي يكون مصدراً ومظهراً للحكم الالهي، فلابدّ ان يكون مظهراً له على حقيقته وواقعه. وهذه الاصول اجراؤها يكون لمجرد تمشية الامور الظاهرية في وقت معين ولشخص أو أشخاص معيّنين.

فلا يمكن تطبيقها على مسلك الرسول أو الاِمام وذلك لاَنّهما مظهران لاحكام الله الواقعية والحقيقية، وإلاّ لانتفت فائدة بعثة الرسول كما هو ظاهر لكلِّ عين، فبناءً على هذا الاطاعة تكون مطلقة بالنسبة للنبي والاِمام كما هي للباري عزّ وجلّ.

أما الاطاعة للصحابي ومثله للعالم فهي مقيدة بقيود كثيرة، قد يظهر بعضها في هذه الرواية المباركة:

عن الاِمام الحسن العسكري عليه السلام: «قال رجل للاِمام الصادق عليه السلام فإذا كان هؤلاء القوم من اليهود لا يعرفون الكتاب إلاّ بما يسمعون من علمائهم، لا سبيل لهم إلى غيره، فكيف ذمّهم الله بتقليدهم والقبول من علمائهم وهل عوام اليهود الاّ كعوامنا يقلدون علماءهم ؟ !

فقال عليه السلام: بين عوامنا وعلمائنا، وبين عوام اليهود وعلمائهم

٨٥
فرق من جهة، وتسوية من جهة.

أمّا من حيث استووا فإنّ الله قد ذمّ عوامنا بتقليدهم علمائهم، كما ذمّ عوامهم بتقليدهم علمائهم.

وأمّا من حيث افترقوا فلا.

قال: بيّن لي يا بن رسول الله.

قال عليه السلام: إنّ عوام اليهود كانوا قد عرفوا علماءهم بالكذب الصراح، وبأكل الحرام والرشاء، وتغيير الاحكام عن وجهها، بالشفاعات، والعنايات، والمصانعات، وعرفوهم بالتعصّب الشديد الذي يفارقون به أديانهم، وانهم اذا تعصّبوا، أزالوا حقوق من تعصّبوا عليه، واعطوا مالايستحقه من تعصّبوا له من أموال غيرهم، وظلموهم من أجلهم، وعرفوهم مقارفون المحرمات، واضطروا بمعارف قلوبهم إلى انّ من فعل ما يفعلونه فهو فاسق، لا يجوز ان يصدُق على الله، ولا على الوسائط بين الخلق وبين الله. فلذلك ذمّهم لما قلدوا من قد عرفوا، ومن علموا انّه لايجوز قبول خبره، ولا تصديقه في حكايته، ولا العمل بما يؤديه اليهم، عمّن لم يشاهدونه. ووجب عليهم النظر بأنفسهم في أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، إذا كانت دلائله أوضح من ان تخفى، وأشهر من أن لا تظهر لهم.

وكذلك عوام أمتنا، إذا عرفوا من فقهائهم الفسق الظاهر

٨٦
والعصبية الشديدة، والتكالب على حطام الدنيا، وحرامها، وإهلاك من يتعصبون عليه، وان كان لاصلاح أمره مستحقاً، وبالترفرف بالبر والاحسان على من تعصّبوا له، وان كان للاذلال والاهانة مستحقاً. فمن قلّد من عوامنا مثل هؤلاء الفقهاء فهم مثل اليهود الذين ذمّهم الله تعالى بالتقليد لفسقة فقهائهم.

فأمّا من كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً على هواه، مطيعاً لاَمر مولاه، فللعوام ان يقلدوه، وذلك لا يكون الا بعض فقهاء الشيعة لاجميعهم.

فأنّه من ركب من القبائح والفواحش مراكب فسقة فقهاء العامّة فلاتقبلوا منهم عنّا شيئاً، ولا كرامة.

وإنّما كثر التخليط فيما يتحمل عنّا أهل البيت لذلك.

لاَنّ الفسقة يتحمّلون عنّا فيحرفونه بأسره لجهلهم، ويضعون الاشياء على غير وجوهها، لقلة معرفتهم.

وآخرون يتعمّدون الكذب علينا ليجرّوا من عرض الدنيا ما هو زادهم إلى نار جهنم.

ومنهم قوم نصّاب لا يقدرون على القدح فينا، فيتعلمون بعض علومنا الصحيحة، فيتوجهون به عند شيعتنا، وينتقصون بنا عند نصّابنا، ثمّ يضيفون اليه اضعافه، واضعاف

٨٧
اضعافه من الاَكاذيب علينا التي نحن براء منها، فيتقبله المستسلمون من شيعتنا على انّه من علومنا.

فضلّوا وأضلّوا. وهم أضرّ على ضعفاء شيعتنا من جيش يزيد على الحسين بن علي عليهما السلام وأصحابه»(١) .

من هذه يتضح الفرق، فليس كل فقيه يجب اتّباعه، وليس كلّ عالم، فإذا اختلت الكلية، يكون المصدَّق منهم التّابع لشرع الله تعالى، فتدور طاعته مدار اتّباعه للشرع، بينما في المعصوم يدور الشرع مداره، فهذا هو الفرق بين المقامين، فهنا تجب الطاعة مطلقاً، بينما في الفقيه أو العالم لاتجب مطلقاً، بل ضمن حدود ما رسمه الشارع المقدّس لنا.

وهناك فرقٌ آخر: إنّ العالم العادل لا طريق إلى معرفة عدالته، إلاّ الاِسلام، وعدم ظهور الفسق، وحسن الظاهر. وبذا صرَّح كلٌّ من الشهيد الاَول(٢) ، والمحقق الكركي(٣) ، وصاحب الجواهر(٤) ، والشيخ الاعظم الانصاري(٥) .

فإذا أخلّ بشيء من الواجبات، أو ارتكب المحرمات تختلُّ عدالته.

(١) الاحتجاج|الطبرسي ٣: ٥٠٨ ـ ٥١٢|٣٣٧ انتشارات الاُسوة التابعة لمنظمة الاَوقاف والشؤون الخيرية ـ قم.

(٢) الذكرى: ٢٦٧. والدروس: ٥٤.

(٣) رسائل المحقق الكركي، الرسالة الجعفرية ١: ١٢٦.

(٤) الجواهر ١٣: ٢٩٩.

(٥) رسائل فقهية، رسالة في العدالة: ٨ المؤتمر العالمي.

٨٨
أمّا الاِمام: فلا يمكن ان يُقال بحقه ذلك. وذلك لاَنّ طريق معرفة عصمته ليس الاِسلام، وعدم ظهور الفسق، وحسن الظاهر. بل الطريق إليها إمّا النصّ كما قلنا، أو المعجزة، فإذا كان كذلك: فما يقوم به هو الاسلام بعينه. فإذا أمر ذاك لا تجب اطاعته إلاّ ضمن حدود الاِسلام، وعدم ظهور الفسق، وحسن الظاهر. وإذا أمر هذا تجب اطاعته على كلّ حال. فظهر الفرق.

فاذن اطاعة الاِمام عليه السلام، ليست مثل اطاعة أيّ شخصٍ آخر.

وبتعبير علمي دقيق: إنّ كل حجة لا تنتهي إلى العلم فهي ليست بحجة، لاَنّ القطع هو الحجة الوحيدة التي لا تحتاج إلى جعل، وبها ينقطع التسلسل ويرتفع الدور.

وهذه الاصول العقلائية التي يفزع إليها الناس في سلوكهم مع بعضهم لا تحدث علماً بمدلولها، ولا تكشف عنه أصلاً لا كشفاً واقعياً ولا تعبدياً.

أما نفي الكشف الواقعي عنها فواضح لعدم التلازم بين إجراء أصالة عدم الخطأ في سلوك شخص ما، وبين اصابة الواقع والعلم به، ولو كان بينهما تلازم عقلي لاَمكن إجراء هذا الاصل مثلاً في حق أي شخص واعتبار ما يصدر عنه من السنة، ولا خصوصية للنبي في ذلك.

وأما نفي الكشف التعبدي عنها فلاَنه مما يحتاج إلى جعل من قبل الشارع، ومجرد بناء العقلاء لا يعطيه هذه الصفة ما لم يتم امضاؤه من قبله، وشأنه في ذلك شأن جميع ما يصدرون عنه من عادات

٨٩
وتقاليد وأعراف.

والسر في ذلك ان القطع بصحة الاحتجاج به على الشارع لا يتم إلاّ اذا تم تبنيه من قبله وعلم ذلك منه.

وكل حجة لا تنتهي إلى القطع بصحة الاحتجاج بها فهي ليست بحجة(١) .

١١ ـ وقال تعالى: (وإذا جاءهم أمرٌ من الخوفِ أو الاَمنِ أذاعوا به ولو ردّوه إلى الرسول وإلى أولي الاَمر منهم لعلِمهُ الذينَ يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لا تبعتُم الشيطان إلاّ قليلا)(٢) .

فهنا لدينا عدَّة من العناوين:

١ ـ الذين يأتيهم الامر ويذيعون به.

٢ ـ الذين يردّون الامور إلى الرسول وإلى أولي الاَمر.

٣ ـ الرسول.

٤ ـ أولو الاَمر.

وفي قوله تعالى: (لعلمه الذين يستنبطونه منهم...) عنوان خامس المستنبطون للحكم.

(١) الاصول العامة للفقه المقارن، السيد محمد تقي الحكيم: ١٣٠.

(٢) سورة النساء: ٤|٨٤.

٩٠
ومن الآية الكريمة يظهر انّ العنوان الثاني داخل في ظل العنوان الاَول بل هو جزء منه لا بالجزئية الحقيقية، بل بمعنى انّ هؤلاء المذيعين لو ردّوا الامور قبل ذلك إلى من ذكر في الآية لعلموا الحق في الاَمر، فهم منهم من هذه الجهة كما لا يخفى.

أولاً:

وقبل كلّ شيء نقول انّ الظاهر من تعدد العنوان تعدد المعنون إلى ان يثبت ان العناوين لواحد، وخاصة اذا وردت في كلام واحد، يساعد ظاهره على ذلك، ثم سياق الآية كما نرى يدل على المغايرة.

ثانياً:

نتساءل ما المقصود بـ (أولي الاَمر منهم) هنا ؟

هناك دعويان يطفحان هذه الايام في الخارج ولا ثالث لهما.

١ ـ ان يكونوا هم الحكام.

٢ ـ ان يكونوا الاَئمة المخصوصين الذين نعتقد امامتهم.

فإن كان الاَول لزم منه عدم صدق ذلك؛ وذلك لاَنّ أغلب هؤلاء كما يعلم المطلعون على التاريخ الاسلامي من بدايته إلى الآن يعلمون علم اليقين بانّ أغلبهم إن لم نقل كلهم لا علم لهم باحكام الله، فكيف يرجع الله تعالى المؤمنين اليهم لمعرفة احكامه منهم، وهذا ما لا يفعله جاهل فضلاً عن رب العزة سبحانه، هذا أولاً وأما ثانياً فنقول بما ان الحكام كذلك إلاّ نفراً أو نفرين فلا يمكن ان يُصب العموم فيهما، لانه نادر الوقوع وقليله، فلا يفعل ذلك مبتدئ في اللغة فضلاً عمّن أعجز كتابه من هذه الجهة بالخصوص ومن جهات أخر البشر قاطبة.

٩١
الصفحة: ٩٢ فارغة
كتاب العِصْمَةُ لمركز الرسالة ص (٩٢) - ص (١١٣) وأخيراً من حقنا ان نسأل: هل ان الحكام الذين رأينا فضلاً عمّن سمعنا عنهم وقرأنا، هل من المعقول ان الله سبحانه يجعل هؤلاء بمنزلة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ويُرجع احكامه اليهم ؟ !! فما اتعسنا وأشقانا.. فكم حلّلوا حراماً وحرّموا حلالا حتى وصل الجهل ببعضهم بان ضرب كتاب الله عرض الحائط وتمسكوا بما قاله الناقص!!

ولا يمكن ان يكونوا كما قيل(١) :

أ ـ الخلفاء.

ب ـ اُمراء السرايا.

جـ ـ العلماء، أو حتى غيرهم.

لكلِّ ما قلناه وذكرناه أو لبعضه كما لا يخفى على من تدبّر وتفكّر في المقام.

ونقول من جهة اخرى انّه لا يمكن ان يكون المستنبطون هم الرسول وأولي الاَمر، وذلك:

١ ـ لاَنّ الرسول لا يمكن ان نُثبِتَ في حقّه الاستنباط، بل انه (وما ينطق عن الهوى * إن هو إلاّ وحيٌ يوحى)(٢) . والاستنباط للحكم غير

(١) نقل بعض الاقوال صاحب مجمع البيان في تفسير هذه الآية المباركة، كما ونقل في الدر المنثور في تفسير آية (اطيعوا الله واطيعوا الرسول وأولي الاَمر منكم) مع جمع وطرح حوالي تسعة أقوال ٢ : ١٧٦.

(٢) سورة النجم: ٥٣|٤ ـ ٥.

٩٣
تلقيه وإلقائه للناس بنفسه.

٢ ـ ولا يمكن ان يكون أولو الاَمر كذلك لاَنّهم قد عُطفوا على الرسول في الارجاع إليه وإليهم، ولو كانوا مستنبطين أيضاً لما أرجع اليهم مع الرسول.

٣ ـ ولمّا كان ثمّة فائدة في ذكرهم معه لاَنّ المستنبط أعم مطلقاً من ولي الاَمر على بعض الآراء، وبينهما عموم وخصوص مطلق على الباقي، فلا فائدة في الارجاع على الشق الاَول اذا كان أولو الاَمر ليس فيهم مستنبط أصلاً، فلا علم حينئذٍ.

وكذا على الشق الثاني في المصاديق المختلفة كما هو ظاهر، أمّا على قول الاختلاف فالارجاع فائدته ظاهرة وبيّنة، لاَنّ من أساس التشريع الرسول وأولي الاَمر، فالارجاع إليهم في الاستنباط عملية مطلوبة على كل حال. خاصة مع اعتضاد ما ذكرنا بورود بيان أولي الاَمر بالمعصومين عليهم السلام على ما روى صاحب مجمع البيان الشيخ الطبرسي قدس سره عن أبي جعفر عليه السلام، كما روى عنه وعن أبي عبدالله عليه السلام: «أنّ فضل الله ورحمته: النبي وعلي».

وعن جعفر بن محمد عليهما السلام في قول الله عزَّ وجلّ: (ولو ردّوه إلى الرسول وإلى أولي الاَمر منهم) ، قال: «نحن أولو الاَمر الذين أمر الله عزَّ وجلّ بالردِّ إلينا»(١) .

(١) مستدرك الوسائل|النوري الطبرسي ١٧: ٢٧١|١٣ الباب السابع.
٩٤
من هذا يظهر بانّه لا وجه لما قاله قدس سره ان ضمير (منهم) في قوله تعالى: (لعلمه الذين يستنبطونه منهم) يعود إلى أولي الاَمر على الاظهر(١) .

١٢ ـ (إنّما يُريد الله ليذهبَ عنكم الرجس أهل البيت ويُطَهِّرَكُم تطهيراً)(٢) .

لعلَّ المراد بأهل البيت في هذه الآية المباركة الذي يجب أن يلتفت إليه علمياً هو:

١ ـ نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم خاصة، لورود الآية المباركة في جملة خطابات متعلقة بهن.

٢ ـ نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام.

٣ ـ خصوص هؤلاء الخمسة عليهم السلام.

وقد قال القرطبي: (والذي يظهر من الآية انّها عامّة في جميع أهل البيت من الازواج وغيرهم، وإنّما قال «ويطهركم» لان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلياً وحسناً وحسيناً كانوا فيهم، وإذا اجتمع المذكر والمؤنث غُلِّبَ المذكر)(٣) ووافقه الفخر الرازي على ذلك(٤) .

(١) راجع مجمع البيان في تفسير القرآن|الطبرسي في تفسير نفس الآية المباركة ٢: ٨٢ ط دار التراث العربي ـ بيروت.

(٢) سورة الاحزاب: ٣٣|٣٣.

(٣) الجامع لاحكام القرآن|القرطبي ١٣: ١٨٣.

(٤) التفسير الكبير|الرازي ٢٥: ٢٠٩.

٩٥
إلاّ أننا الآن نحاول ان نستقرئ الآية المباركة لنشاهد مدى دلالة ألفاظها ومعانيها على هذا الذي قالوه، وهذا الظهور الذي ادّعوه.

إنّما:

معنى إنّما اثبات لما يُذكر بعدها، ونفي لما سواه، والنفي والاثبات من أتقن وأشد موارد الكلام، في دلالته على المعنى، ولذا وردت عليه كلمة التوحيد.

فآية التطهير (تدل على حصر الارادة في اذهاب الرجس، والتطهير).

وكلمة أهل البيت سواء كان لمجرّد الاختصاص أو مدحاً، أو نداءً، يدلُّ على اختصاص إذهاب الرجس، والتطهير بالمخاطبين بقوله: «عنكم».

ففي الآية في الحقيقة قصران: قصر الارادة في اذهاب الرجس، والتطهير. وقصر إذهاب الرجس والتطهير في أهل البيت(١) .

التطهير:

التنزيه عن الاثم، وعن كلِّ قبيح(٢) .

الرجس:

أمّا ان تكون هذه اللاّم للعهد أو ان تكون للجنس، أمّا كونها عهدية فليست كذلك، لاَنّهُ ما عُهِدَ رجسٌ في الكلام السابق حتى ترجع إليه.

فتبقى هذه علامة للجنس، وبما ان معنى الجملة نفي، إذ انّ الباري

(١) الميزان ١٦: ٣٠٩.

(٢) المجمل|أحمد بن فارس: مادة طهر.

٩٦
يريد إذهاب الرجس ونفيه عنهم، فهو يعمّ لاَنّه لو تحقق مصداق ما للرجس وثبت، ما صدق الكلام.

الرِّجس: لنتابع هذه الكلمة قرآنياً، قال تعالى: (ومن يرد ان يضلَّهُ يجعل صدرهُ ضيّقاً حرجاً كأنّما يصّعّد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون)(١) . وقال تعالى: (وأمّا الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجساً إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون)(٢) . وقال تعالى: (قُل لا أجد في ما أُوحي اليَّ مُحرَّماً على طاعم يطعمه إلاّ ان يكون ميتةً أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير فإنّه رجس..)(٣) .

من هنا يتبين ان الرجس يطلق ويراد به القذارة المعنوية اذا صحَّ التعبير بكلِّ أنواعها، كما هو ظاهر الآيتين الاوليتين.

وأما ظاهر الآية الثالثة فإنّ الرجس يُراد به القذارة المادية، فبناء على ذلك: تكون كلا القذارتين ذاهبتين عن هؤلاء بالخصوص. فيعمّ اذهاب جميع الآثام وكلّ القبائح المادية والمعنوية عنهم.

ولذا قالوا: (فمن المتعين حمل اذهاب الرجس في الآية على العصمة، ويكون المراد بالتطهير في قوله: (ويطهركم تطهيرا) وقد أكّد بالمصدر ازالة أثر الرجس بايراد ما يقابله، بعد اذهاب أصله).

(١) سورة الاَنعام: ٦|١٢٥.

(٢) سورة التوبة: ٩|١٢٥.

(٣) سورة الاَنعام: ٦|١٤٥.

٩٧
والمعنى: (انّ الله سبحانه تستمر ارادته ان يخصكم بموهبة العصمة باذهاب الاعتقاد الباطل، وأثر العمل السيء عنكم أهل البيت، وايراد مايزيل أثر ذلك عليكم وهي العصمة).

ولا بأس بنقل تتمة كلام السيد الطباطبائي قدس سره فيما لو شملت الآية المباركة غير هؤلاء الخمسة أياً كان هذا الغير: (ليس المراد بأهل البيت نساء النبي خاصة لمكان الخطاب الذي في قوله: «عنكم»، ولم يقل: عنكنّ.

فإمّا أن يكون الخطاب لهنّ ولغيرهنّ.

أو يكون الخطاب لغيرهنَّ أياً كان هذا الغير.

وعلى أي حال فالمراد باذهاب الرجس والتطهير مجرّد التقوى الديني بالاجتناب عن النواهي، وامتثال الاوامر.

فيكون المعنى: إنّ الله لا ينتفع بتوجيه هذه التكاليف اليكم، إنّما يريد اذهاب الرجس عنكم وتطهيركم، على حدِّ قوله: (ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم ويتم نعمته عليكم)(١) .

وهذا المعنى لا يلائم شيئاً من معاني أهل البيت لمنافاته البيّنة للاختصاص المفهوم من أهل البـيت، لعمومه لعامّة المسلمين المكلّفين باحكام الـدين.

(١) سورة المائدة: ٥|٦.
٩٨
وان كان المراد باذهاب الرجس والتطهير التقوى الشديدة البالغة، ويكون المعنى:

إنّ هذا التشديد في التكاليف المتوجهة اليكن أزواج النبي وتضعيف الثواب والعقاب ليس لينتفع الله سبحانه به، بل ليذهب عنكم الرجس ويطهركم.

ويكون من تعميم الخطاب لهن ولغيرهنّ بعد تخصيصه بهنَّ، فهذا المعنى لا يلائم كون الخطاب خاصاً بغيرهنّ وهو ظاهر، ولا عموم الخطاب لهن ولغيرهنّ، فانّ الغير لا يشاركهن في تشديد التكليف، وتضعيف الثواب والعقاب.

وان كان المراد اذهاب الرجس والتطهير بارادته تعالى ذلك مطلقاً لابتوجيه التكليف، ولا بتوجيه التكليف الشديد، بل ارادة مطلقة لاذهاب الرجس والتطهير لاهل البيت خاصة بما هم أهل البيت، كان هذا المعنى منافياً لتقييد كرامتهن بالتقوى.

وبهذا الذي تقدّم يتأيد ما ورد في أسباب النزول ان الآية نزلت في النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعلي وفاطمة والحسنين عليهم السلام خاصّة لا يشاركهم فيها غيرهم.

وهي روايات جمّة تزيد على سبعين حديثاً، ما ورد منها من طرق أهل السُنّة يزيد على ما ورد فيها من طرق الشيعة.

فقد روتها أهل السنة بطرق كثيرة عن: أم سلمة، وعائشة، وأبي سعيد الخدري، وسعد، وواثلة بن الاسقع، وأبي الحمراء، وابن عباس، وثوبان

٩٩
مولى النبي، وعبدالله بن جعفر، وعلي، والحسن بن علي عليهما السلام، في قريب من أربعين طريقاً.

وروتها الشيعة عن علي، والسجاد، والباقر، والصادق، والرضا عليهم السلام، وأم سلمة، وأبي ذر، وأبي ليلى، وأبي الاسود الدؤلي، وعمرو بن ميمون الاودي، وسعد بن أبي وقاص، في بضع وثلاثين طريقاً(١) .

قال تعالى: (إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً) ، عن شداد بن عبدالله أبي عمار عن واثلة بن الاسقع انّه حدثه قال: أتيت فاطمة (رض) أسألها عن علي، قالت: توجّه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم،... حتى جاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومعه علي وحسن وحسين عليهم السلام آخذ كل واحد منهما بيده، حتى دخل فأدنى علياً وفاطمة فأجلسهما بين يديه وأجلس حسناً وحسيناً كل واحد منهما على فخذه ثم لف عليهم ثوبه، ثم تلا: (إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً) وقال : «اللهمَّ هؤلاء أهل بيتي»(٢) .

ورواه عبدالجبار بن العباس الشّبامي عن عمار الدهني عن عمرة بنت أفعى عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: نزلت هذه الآية في بيتي (إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً) وفي البيت سبعة جبرئيل وميكائيل عليهما السلام، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلي والحسن والحسين

(١) الميزان|الطباطبائي ١٦: ٣١٠ ـ ٣١١ بتصرّف قليل.

(٢) مسند أحمد ٤: ١٠٧ و ١٣٥ كتاب الفضائل، فضائل أمير المؤمنين عليه السلام ط١. وتاريخ مدينة دمشق| ابن عساكر ١٣: ٧٦ في ترجمة الاِمام الحسين عليه السلام.

١٠٠