×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

العقائد الإسلامية (المجلد الثالث) / الصفحات: ٤٢١ - ٤٤٠

ـ وقال البخاري في صحيحه ج ٤ ص ١٦١

باب من انتسب إلى آبائه في الاِسلام والجاهلية. وقال ابن عمرو وأبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: إن الكريم ابن الكريم بن الكريم بن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الله. وقال البراء عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنا ابن عبد المطلب.

ومن هذه الاَحاديث:

ما دل أن الله تعالى جعل في شريعته الخالدة مالية خاصة لاَبناء عبد المطلب إلى يوم القيامة، فحرم عليهم الصدقات لاَنها أوساخ الناس، وجعل لهم بدلها الخمس. وإن شخصاً يكون في ذريته أبرار وأخيار بهذا المستوى إلى يوم القيامة، يستبعد أن يكون مشركاً عابداً للاَصنام !

ـ قال النسائي في سننه ج ٧ ص ١٣٤

عن مجاهد قال الخمس الذي لله وللرسول كان للنبي صلى الله عليه وسلم وقرابته لا يأكلون من الصدقة شيئاً... قال الله جل ثناؤه: واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل.

ـ وقال أبو داود في سننه ج ٢ ص ٢٦

حدثنا حسين بن علي العجلي، ثنا وكيع، عن الحسن بن صالح، عن السدي، في ذي القربى قال: هم بنو عبد المطلب.

ـ وقال النسائي ج ٥ ص ١٠٥

باب استعمال آل النبي صلى الله عليه وسلم على الصدقة... أخبرنا عمرو بن سواد بن الاَسود بن عمرو عن ابن وهب قال حدثنا يونس عن ابن شهاب عن عبدالله بن الحرث بن نوفل الهاشمي أن عبد المطلب بن ربيعة بن الحرث بن عبد المطلب أخبره أن أباه ربيعة بن الحرث قال لعبد المطلب بن ربيعة بن الحرث والفضل بن العباس بن عبد المطلب ائتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولا له استعملنا يا

٤٢١
رسول الله على الصدقات، فأتى علي بن أبي طالب ونحن على تلك الحال فقال لهما: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يستعمل منكم أحداً على الصدقة، قال عبد المطلب: فانطلقت أنا والفضل حتى أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لنا: إن هذه الصدقة إنما هي أوساخ الناس، وإنها لا تحل لمحمد ولا لآل محمد !

ـ وفي صحيح مسلم ج ٣ ص ١١٨

عن النبي صلى الله عليه وآله قال: إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس... وقال أيضاً: ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أدعوا لي محمية بن جزء، وهو رجل من بني أسد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمله على الاَخماس. انتهى.

ونحوه في سنن أبي داود ج ٢ ص ٢٨ ومسند أحمد ج ٤ ص ١٦٦ والبيهقي في سننه ج ٧ ص ٣١ ـ وشبهه في ج ٦ ص ٣٣٨

وروى إحدى رواياته الحاكم في المستدرك ج ٣ ص ٤٨٤ وقال: هذا حديث صحيح الاِسناد ولم يخرجاه. وروى نحوه في كنز العمال ج ٦ ص ٤٥٨ بعدة روايات.

ومعنى قوله ادعوا لي محمية: أدعوا لي المسؤول عن الاَخماس التي هي شرعاً لبني عبد المطلب، حتى أعطي هؤلاء منها. وهو يدل على أن النبي صلى الله عليه وآله نفذ في حياته الحكم الشرعي في الخمس، وجعل له مسؤولاً هو محمية بن جزء، ولكن ذلك انتهى بوفاته، ولم يبق له أثرٌ عند خلفاء قريش !

* *

وقد يشكل على هذا التشريع الاِسلامي:

بأنه قد أسس الطبقية في المجتمع الاِسلامي، وجعل أسرة النبي صلى الله عليه وآله من بني هاشم وعبد المطلب، أسرة مميزة اجتماعياً ومالياً، بل ومترفعة على غيرها، فهي لا تأكل من أموال بيت المال التي تتجمع من الزكوات والضرائب لاَنها أوساخ الناس، بل لها ماليتها الخاصة في موارد الدولة.

٤٢٢
وقد اختلف الفقهاء في موارد مالية بني عبد المطلب هذه، فحصرها فقهاء الخلافة القرشية بغنائم الحرب وجعلوا خمسها لذوي قربى النبي من بني هاشم.. وعممها فقهاء الشيعة لكل مايغنم في الحرب والكسب، مما زاد على مصارف المسلم السنوية.. فقد يقال إن هذه الاَموال تشكل ميزانية دولة، فكيف يجعلها الله تعالى لاسرة النبي صلى الله عليه وآله ؟ !

والجواب: أولاً

، أن الخمس ليس لاَغنياء بني هاشم، بل هو مختص بفقرائهم المؤمنين.

وثانياً

، إن الاِهتمام بالفقراء من أسر الاَنبياء والنابغين أمر حضاري، فلو أن مجلس العموم البريطاني مثلاً أقرَّ قانوناً بإعطاء أبناء آينشتاين من أموال الدولة ما يكفي لمعيشة فقراءهم، بسبب أنهم من ذرية عالم نابغ، ويؤمل أن ينبغ منهم آخرون.. لرأى فيه المعترضون على الخمس الاِسلامي عملاً عصرياً صحيحاً، واهتماماً جيداً من دولة متحضرة !

فما هو الاِشكال في أن تهتم الشريعة الخاتمة بذرية سيد الاَنبياء وأسرته صلى الله عليه وآله وتجعل لهم ميزانية من أزكى الموارد، لمن كان منهم مؤمناً محتاجاً.

وثالثاً، إن الذي يشكل على تشريع الخمس لآل النبي صلى الله عليه وآله عليه أن يرجع إلى القرآن ليرى ما هو أعظم من الخمس، فإن نبينا صلى الله عليه وآله هو الوحيد من بين الاَنبياء الذي أوجب الله تعالى على أمته إعطاءه أجراً على تبليغ الرسالة، وجعل هذا الاجر: مودة آله فقال (قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى) ولذا أفتى كل فقهاء المذاهب بنفاق الناصبي الذي يكره آل النبي صلى الله عليه وآله، وأفتى بعضهم بكفره !

إن المتأمل في آيات القرآن وتاريخ الاَديان، لا مفر له من القول بأن الله تعالى من الاَصل قد اختار الاَنبياء وأسرهم لتبليغ الدين الاِلَهي، وإقامة الحكم به في المجتمعات البشرية. فالاَسرة المختارة أساسٌ في نظام الدين الاِلَهي، ولكنها أسرة

٤٢٣
مصطفاة من الله العليم بشخصيات عباده، الحكيم في اختيار أنبيائه وأوليائه.. لا كالاَسر التي يختارها الناس بأهوائهم، أو بعلمهم المحدود، أو الاَسر التي تتسلط بالقوة وتفرض نفسها على الناس !

قال الله تعالى: إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين. ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم. آل عمران ٣٣ ـ ٣٤

ـ وقال عن جمهرة أسر الاَنبياء:

ـ وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم.

ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا ونوحاً هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين. وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين. وإسماعيل واليسع ويونس ولوطاً وكلا فضلنا على العالمين. ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون.

أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوماً ليسوا بها بكافرين. الاَنعام ـ ٨٣ ـ ٨٩

ـ وقال عن دعاء زكريا بالذرية الطيبة:

هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء. آل عمران ـ ٣٨

ـ وقال عن ذرية نبينا صلى الله عليه وآله وكثرتهم:

وكذلك أنزلناه حكماً عربياً ولئن اتبعت أهواءهم بعد ما جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا واق. ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك وجعلنا لهم أزواجاً وذرية وما كان

٤٢٤
لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله لكل أجل كتاب. الرعد ٣٧ ـ ٣٨

ـ إنا أعطيناك الكوثر فصل لربك وانحر إن شانئك هو الاَبتر. الكوثر ١ ـ ٣

ـ وقال عن دعاء الملائكة للذريات المؤمنة:

الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلماً فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم. ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم إنك أنت العزيز الحكيم. وقهم السيئات ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته وذلك هو الفوز العظيم. غافر ٧ ـ ٩

ـ وقال عن نظام الذرية والاَسر في الآخرة أيضاً:

والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سراً وعلانية ويدرءون بالحسنة السيئة أولئك لهم عقبى الدار. جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم والملائكة يدخلون عليهم من كل باب. سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار. الرعد ـ ٢٢ ـ ٢٤

ـ متكئين على سرر مصفوفة وزوجناهم بحور عين. والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء كل امرئ بما كسب رهين. الطور ٢٠ ـ ٢١ انتهى.

فنظام الاَسرة والذرية نظام طبيعي في بني آدم، وقد أقره الله تعالى واستفاد منه في الدين الاِلَهي.

وإذا كانت البشرية قد عانت الويلات والمآسي وأنواع الظلم والاِضطهاد من نظام الاَسر الفاسدة المتجبرة.. فإن ذلك يرجع إلى فساد تلك الاَسر ولا يصح أن يكون سبباً لرفض بنية الاَسرة وفكرتها.. فهذه البنية تختزن إيجابيات كبرى لحمل الرسالة واستمرارها كما أن فيها خطر سلبيات كبرى أيضاً وأن تتحول إلى ملك عضوض..

٤٢٥
وقد تحدث القرآن عن الاَجيال التي فسدت من أسر الاَنبياء وأتباعهم فقال تعالى:

أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجداً وبكياً. فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا. إلا من تاب وآمن وعمل صالحاً فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون شيئاً. مريم ٥٨ ـ ٦٠

لكن عندما يختار الله تعالى أسرة كأسرة نبينا صلى الله عليه وآله ويصطفيها فليس معناه أنه يختار كل أفرادها على علاتهم بل معناه أنه يختارها بصورة عامة بسبب علمه بأنه سيوجد منها أفراد معصومون يختارهم لهداية الاَمة وقيادتها.

ولو فكرت فيما نقلته الصحاح من قول النبي صلى الله عليه وآله في حديث الثقلين (ولقد أخبرني اللطيف الخبير أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض) لما وجدت له معنى إلا أن الله تعالى أخبر نبيه بأنه سيكون من عترته شخص معصوم يواصل خط نبوته في كل عصر إلى يوم القيامة ! فالاختيار لبني عبد المطلب كليٌّ عام لاَنهم معدن النبي صلى الله عليه وآله ومعدن الاَئمة من عترته عليهم السلام ولاَنهم الاَفضل بالمقايسة مع غيرهم من الاَسر، فهي أقلهم سلبيات وأكثرهم إيجابيات.. وهو اختيار ترافقه تشريعات حازمة شرعها الله تعالى بشأنهم تتلخص بما يلي:

ـ أن المودة والاِحترام لجميع بني هاشم، بشرط الاِسلام والاِيمان.

ـ أن الخمس لفقرائهم المؤمنين بمقدار كفايتهم وتمشية أمور معيشتهم.

ـ أن وجوب الاِطاعة فقط لاَولي الاَمر المعصومين منهم عليهم السلام الذين هم الاَئمة الاِثنا عشر لاغير.. وقد تقدم في الفصل الثامن تفسير آية المصطفين الذين أورثهم الله الكتاب بعد نبينا صلى الله عليه وآله، وأنهم محصورون في ذرية فاطمة الزهراء عليها السلام، وأن الصالحين منهم ثلاثة أنواع: سابق بالخيرات وهم الائمة عليهم السلام ومقتصد وظالم لنفسه.

٤٢٦
ومن الاَمور الطريفة أن الذين ينتقدون الشيعة لتمسكهم بمودة أهل البيت وولايتهم عليهم السلام ويقولون إن مذهب التشيع مذهب أسري، ينسون أنهم أسريون أكثر منا ! فنحن نعتقد أن الخلافة في هذه الاَمة إلى يوم القيامة مخصوصة في ذرية النبي عملاً بنصه صلى الله عليه وآله.. بينما هم يقولون إن النبي صلى الله عليه وآله لم ينص على أحد، وبعضهم يقول إنه على أن الخلافة في قريش إلى يوم القيامة، لاَنهم قبيلة النبي صلى الله عليه وآله.

فنحن أسريون بالنص، وهم قبليون بغير نص، أو بنص !

ونطاق ولائنا نحن لبني هاشم وعبد المطلب بصورة عامة، ولاثني عشر إماماً منهم بصورة خاصة.. بينما نطاق ولائهم لبضع وعشرين قبيلة، هم مجموعة قبائل قريش، ومنهم أئمة الشرك، والكفر، والنفاق !

وقد روينا ورووا أن علياً عليه السلام بعد أن فرغ من مراسم تغسيل النبي والصلاة عليه ودفنه صلى الله عليه وآله بلغه أن بعض زعماء قريش ذهبوا الى السقيفة حيث كان رئيس الاَنصار مريضاً، واحتجوا على الاَنصار بأنهم قوم النبي صلى الله عليه وآله وعشيرته وأولى منهم بسلطانه ! فقال علي عليه السلام فيما قال: احتجوا بالشجرة وأضاعوا الثمرة ! !

وغرضنا هنا أن نوضح أن جميع المسلمين ماعدا من شذ قد أجمعوا على أن نظام الحكم في الاِسلام بعد النبي صلى الله عليه وآله إما أن يكون أسرياً مخصوصاً بعترته صلى الله عليه وآله، أو قبلياً مخصوصاً بقبائل قريش الثلاث والعشرين أو الخمس والعشرين.

فنحن نقول إنه نظامٌ أسري بالنص واختيار الله تعالى كما قال (ذريةٌ بعضها من بعض)، والسنة يقولون إنه نظامٌ قبلي باختيار الناس لكن من داخل قريش، ولا يجب أن يكون الحاكم عندهم من أسرة النبي عليه السلام، بل لعله يستحبون أن يكون من غيرها !

ومن الاَحاديث والنصوص الدالة على إيمان عبد المطلب:

ما ثبت في الحديث والتاريخ من كرامات بل معجزات لعبد المطلب، في حملة أبرهة لهدم الكعبة تدل على توحيده وإيمانه ويقينه، وعلى أنه كان يعرف أن الله

٤٢٧
تعالى سيرسل عليهم طيراً أبابيل، وكان يرسل بعص أولاده إلى الجبل لينظروا هل جاء سرب الطيور من قبل البحر !

ورووا كذلك مخاطبته للفيل وجواب الفيل له بالاِشارة بأنه لن يدخل إلى محيط الكعبة... إلى آخر ما اتفق عليه المؤرخون والمحدثون مما لا يمكن أن يصدر إلا عن ولي مقرب !

ومن هذه الاَحاديث والنصوص:

ما دل على الكرامة التي أكرمه الله بها بأن أعاد نبع زمزم على يده وما رافق ذلك من آيات فقد كان الله تعالى أكرم بهذا النبع جده اسماعيل وأمه هاجر ثم نضب وعفي على مر الزمن حتى أعاده الله تعالى على يد عبد المطلب عن طريق الرؤيا الصادقة التي لا تكون إلا للاَنبياء والاَوصياء وكبار الاَولياء.

ومن هذه الاَحاديث والنصوص:

ما دل على معرفته بنبوة حفيده صلى الله عليه وآله، واهتمامه الخاص به ورعايته المميزة له في طفولته وصباه، وتوصيته به إلى أرشد أبنائه أبي طالب، وإخباره إياه بأمره... إلى آخر ما اتفق عليه المؤرخون والمحدثون، مما لا يمكن أن يصدر إلا عن ولي مقرب !

ومن هذه الاَحاديث والنصوص:

ما دل على المكانة الدينية التي كانت لعبد المطلب في قلوب قبائل العرب وجماهير ها والتي لم يكن لاَحد مثلها حتى لرؤساء قبائلهم... كل ذلك مع حسد قريش له وعمل رؤسائها للحط من مكانته خاصة بنو عبد الدار أصحاب لواء قريش الذين قادوا معركة بدر وبنو المغيرة الذين كان يرأسهم أبو جهل وبنو أمية الذين كان يرأسهم صخر.

وقد نصت مصادر التاريخ على هذه المكانة وأن طابعها كان تقديساً دينياً غير وثني بل مرتبطاً بالكعبة وزمزم وإسماعيل وإبراهيم عليهم السلام. ويلاحظ ذلك من مواقف

٤٢٨
عقلاء العرب وأصحاب الاَذهان الحرة منهم واحترامهم للنبي صلى الله عليه وآله باعتباره ابن عبدالمطلب لاَن عبد المطلب عندهم وارث أمجاد اسماعيل وإبراهيم وبركتهما !

ـ روى النسائي في سننه ج ٤ ص ١٢٤

عن أبي هريرة قال بينما النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه (إذ) جاء رجل من أهل البادية قال: أيكم ابن عبد المطلب

قالوا: هذا الامغر المرتفق. قال حمزة: الاَمغر الاَبيض مشرب حمرة.

فقال: إني سائلك فمشتد عليك في المسألة.

قال: سل عما بدا لك.

قال: أسألك بربك ورب من قبلك ورب من بعدك آلله أرسلك.

قال: اللهم نعم.

قال: فأنشدك به آلله أمرك أن تصلي خمس صلوات في كل يوم وليلة.

قال: اللهم نعم.

قال: فأنشدك به آلله أمرك أن تأخذ من أموال أغنيائنا فترده على فقرائنا.

قال: اللهم نعم.

قال: فأنشدك به آلله أمرك أن تصوم هذا الشهر من إثني عشر شهراً.

قال: اللهم نعم.

قال: فأنشدك به آلله أمرك أن يحج هذا البيت من استطاع إليه سبيلا.

قال: اللهم نعم.

فقال: فإني آمنت وصدقت وأنا ضمام بن ثعلبة. انتهى.

ورواه البخاري مختصراً في صحيحه ج ١ ص ٢٣ وأبو داود في سننه ج ١ ص ١١٧ ـ ١١٨ ويفهم من هذا النص أن لعبدالمطلب وأولاده مكانة خاصة في قلوب المتفكرين من العرب..

بل يشير النص التالي في صحيح البخاري إلى أن أولاد بني عبد المطلب لهم

٤٢٩
مميزات نورانية خاصة. ففي ج ٥ ص ١٤٠: أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه خرج من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجعه الذي توفي فيه فقال الناس: يا أبا الحسن كيف أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أصبح بحمد الله بارئاً فأخذ بيده عباس بن عبد المطلب فقال له: أنت والله بعد ثلاث عبد العصا وإني والله لاَرى رسول الله صلى الله عليه وسلم سوف يتوفى من وجعه هذا إني لاَعرف وجوه بني عبد المطلب عند الموت... !! ورواه البخاري أيضاً في ج ٧ ص ١٣٦

ومن هذه الاَحاديث والنصوص:

ما دل على العاطفة النبوية الجياشة التي كانت تفيض من قلب نبينا صلى الله عليه وآله على بني هاشم وبني عبد المطلب وذريتهما وأحاديث ذلك كثيرة صحيحة مليئة بالدلالات لمن تأملها وجرد ذهنه عن ستار التلقين القرشي ضد عبد المطلب.

قال البخاري في صحيحه ج ٢ ص ٢٠٤

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم مكة استقبله أغيلمة بني عبد المطلب فحمل واحداً بين يديه وآخر خلفه.. ورواه في ج ٧ ص ٦٧

فهل كانت هذه العاطفة النبوية والحفاوة المحمدية بأطفال كافرين ! أم بأطفال آباؤهم طلقاء أسلموا لتوهم تحت السيف !

كلا بل كانت عاطفة على غصون شجرة مباركة يحملون إرث أجدادهم الاَنبياء والاَوصياء، ولم يظهر منهم إلى الآن انحراف عنها !!

وروى البخاري أن النبي صلى الله عليه وآله تعمد في حجة الوداع أن يوعي الاَمة على ظلم قريش للنبوة، ولكل بني هاشم وعبد المطلب !

ـ قال البخاري في ج ٢ ص ١٥٨

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال النبي صلى الله عليه وسلم من الغد يوم النحر وهو

٤٣٠
بمنى: نحن نازلون غدا بخيف بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر. يعني بذلك المحصب، وذلك أن قريشاً وكنانة تحالفت على بني هاشم وبني عبد المطلب أو بني المطلب، أن لا يناكحوهم ولا يبايعوهم حتى يسلموا إليهم النبي صلى الله عليه وسلم. انتهى.

ثم لاحظ ذلك التعبير النبوي المليء بالعاطفة والحنان والاِيمان بنوعية أبناء عبدالمطلب المميزة حيث قال صلى الله عليه وآله كما حديث الكافي الآتي (فما ظنكم يا بني عبدالمطلب إذا أخذت بحلقة باب الجنة أتروني مؤثراً عليكم غيركم !).

ـ ويؤيده ما رواه ابن شبة في تاريخ المدينة ج ٢ ص ٢٦٤ قال:

حدثنا أبوحذيفة قال حدثنا سفيان عن أبيه عن أبي الضحى عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: جاء العباس رضي الله عنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنك تركت فينا ضغائن منذ صنعت الذي صنعت ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لن يبلغوا الخير أو قال الاِيمان حتى يحبوكم لله ولقرابتي أيرجو سؤلهم شفاعتي عن مراد ولا يرجو بنو عبد المطلب شفاعتي انتهى. وروى نحوه غيره.

ومن هذه الاَحاديث:

ما دل على أن أولاده سادة أهل الجنة هم بنو عبد المطلب السبعة من بني عبدالمطلب ! فقد روى ابن ماجة في سننه ج ٢ ص ١٣٦٨: حدثنا هدية بن عبدالوهاب ثنا سعد بن عبد الحميد بن جعفر عن علي بن زياد اليمامي عن عكرمة بن عمار عن إسحاق بن عبدالله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: نحن ولد عبد المطلب سادة أهل الجنة: أنا وحمزة وعلي وجعفر والحسن والحسين والمهدي. انتهى. وهو حديث صحيح عند إخواننا السنة وقد أورنا مصادره وطرقه العديدة في معجم أحاديث الاِمام المهدي عليه السلام فزادت على مئة مصدر. وصحح العديد منها علماء الجرح والتعديل.

* *
٤٣١
إن المجموعة الواحدة من هذه النصوص تكفي الباحث السوي الذهن، لاَن يعيد النظر في الاَحكام التي أصدرتها الخلافة القرشية وفقهاؤها على عبد المطلب.. ! فكيف بهذه المجموعات الثمانية مجتمعة، ومثلها معها !

وإذا أنهار البناء القرشي ضد عبد المطلب، انهارت الجدران القرشية الاَخرى وانكشفت محاصرتهم الجديدة لبني هاشم وبني عبد المطلب.. التي أحكموها أكثر من محاصرتهم لهم في شعب أبيطالب، لاَنهم فعلوها هذه المرة باسم الاِسلام فطالت قروناً، وعمت أجيالاً، إلا من رحم ربك من أصحاب البصائر !

عبد المطلب عليه سيماء الاَنبياء وبهاء الملوك

اتفقت أحاديث أهل البيت عليهم السلام على أن عبد المطلب رضوان الله عليه مؤمن بالله الواحد الاَحد على ملة جده إبراهيم ولي من أولياء الله ملهم بواسطة الملائكة والرؤية الصادقة.. بل يحتمل الناظر في هذه الاَحاديث أن عبد المطلب كان من الاَنبياء وأنه كان مأموراً أن يعبد ربه على دين إبراهيم ويأمر أولاده بذلك.

ـ وقد روت ذلك مصادرنا وبعض مصادر السنيين قال السيوطي في الدر المنثور ج ٥ ص ٩٨:

وأخرج ابن أبي عمر العدني في مسنده والبزار وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن مجاهد في قوله: وتقلبك في الساجدين قال: من نبي إلى نبي حتى أخرجت نبياً. انتهى.

ـ قال المجلسي في بحار الاَنوار ج ٣١ ص ١٥٥

روي عن جعفر بن محمد عليه السلام أنه قال: يبعث الله عبد المطلب يوم القيامة وعليه سيماء الاَنبياء وبهاء الملوك.

ـ وروى الكليني في الكافي ج ٤ ص ٥٨

عن أحمد بن إدريس عن محمد بن عبدالجبار ومحمد بن إسماعيل عن الفضل بن شاذان جميعاً عن صفوان بن يحيى عن عيص بن القاسم عن أبي عبد الله عليه السلام قال:

٤٣٢
كتاب الـعـقـائـد الإسـلامـيـة (ج٣) لمركز المصطفى (ص ٤٣٣ - ص ٤٦٢)
٤٣٣

آراء شيعية مخالفة للمشهور في الذبيحين

رأي الشيخ الصدوق بأن إسحاق ذبيح أيضاً !

ـ من لا يحضره الفقيه ج ٢ ص ٢٣٠: وسئل الصادق عليه السلام عن الذبيح من كان فقال: إسماعيل عليه السلام لاَن الله عز وجل ذكر قصته في كتابه ثم قال: وبشرناه بإسحاق نبياً من الصالحين.

وقد اختلفت الروايات في الذبيح فمنها ما ورد بأنه إسماعيل ومنها ما ورد بأنه إسحاق ولا سبيل إلى رد الاَخبار متى صح طرقها وكان الذبيح إسماعيل لكن إسحاق لما ولد بعد ذلك تمنى أن يكون هو الذي امر أبوه بذبحه وكان يصبر لاَمر الله عز وجل ويسلم له كصبر أخيه وتسليمه فينال بذلك درجته في الثواب فعلم الله عز وجل ذلك من قبله فسماه بين ملائكته ذبيحاً لتمنيه لذلك وقد ذكرت إسناد ذلك في كتاب النبوة متصلاً بالصادق عليه السلام. انتهى.

ـ وقال الجزائري في هامش تفسير القمي ج ١ ص ٣٥١

قال جدي السيد الجزائري رحمه الله في قصص الاَنبياء: اختلف علماء الاِسلام في تعيين الذبيح هل هو إسماعيل أو إسحاق فذهبت الطائفة المحقة من أصحابنا وجماعة من العامة إلى أنه اسماعيل والاَخبار الصحيحة دالة عليه مع دلالة غيرها من الآيات ودلائل العقل. وذهبت طائفة من الجمهور إلى أنه إسحاق وبه أخبار واردة من الطرفين وطريق تأويلها إما أن تحمل على التقية وأما حملها على ما قاله الصدوق صار ذبيحاً بالنية والتمني... حمل رحمه الله قول النبي صلى الله عليه وآله (أنا ابن الذبيحين) على ذلك.

أقول: إن بعض الروايات المعتبرة كرواية هذا التفسير وغيره آب عن الحمل فإنها مصرحة بذبح إسحاق حقيقة لا مجازاً وفداه بكبش فعليه لا مجال إلى ما ذهب إليه الصدوق رحمه الله من الحمل فإما أن تحمل هذه الروايات كما قال جدي رحمه الله على التقية أو على تعدد الواقعة. انتهى.

٤٣٤
ملاحظة: إن الشيخ الصدوق رحمه الله صحت عنده رواية أن الذبيح هو إسماعيل ورواية أنه إسحاق بالمجاز وصحت عنده رواية نذر عبد المطلب ذبح ولده عبد الله وقول النبي صلى الله عليه وآله (أنا ابن الذبيحين) ففسره بأنه ابن الذبيحين من وجهين: أي من جهة عبد الله واسماعيل ومن جهة اسماعيل وإسحاق. وقد صرح بذلك في آخر كلامه في الخصال. ولكن كلامه جاء متداخلاً فالتبس الاَمر على الجزائري وعلى الغفاري وتصوراً أنه يفسره بالوجه الثاني فقط ويرفض الوجه الاَول !

وروايته التي استند عليها في أن إسحاق ذبيح مجازي رواية عامية من نوع روايات معاصره الحاكم النيسابوري. ولو صحت لتعين ترجيح الموافق لمذهب أهل البيت عليهم السلام على الموافق لليهود والنواصب. أو حملها كما ذكر السيد الجزائري على التقية من الحكام خاصة أن المسألة كانت مطروحة في دار الخلافة في المدينة وفي قصور الخلافة في الشام كما رأيت من رواياتها.

محاولة أحد المعاصرين تفسير الذبيحين بإسماعيل وإسحاق

ـ من لا يحضره الفقيه ج ٣ ص ٨٩

روى حماد بن عيسى عمن أخبره عن حريز عن أبي جعفر عليه السلام قال: أول من سوهم عليه مريم بنت عمران وهو قول الله عز وجل: وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم والسهام ستة ثم استهموا في يونس عليه السلام لما ركب مع القوم فوقعت السفينة في اللجة فاستهموا فوقع السهم على يونس ثلاث مرات قال: فمضى يونس عليه السلام إلى صدر السفينة فإذا الحوت فاتح فاه فرمى نفسه.

ثم كان عند عبد المطلب تسعة بنين فنذر في العاشر إن رزقه الله غلاماً أن يذبحه فلما ولد عبد الله لم يكن يقدر أن يذبحه ورسول الله صلى الله عليه وآله في صلبه فجاء بعشر من الاِبل فساهم عليها وعلى عبد الله فخرجت السهام على عبد الله فزاد عشراً فلم تزل السهام تخرج على عبد الله ويزيد عشراً فلما أن خرجت مائة خرجت السهام على

٤٣٥
الاِبل فقال عبد المطلب: ما أنصفت ربي فأعاد السهام ثلاثاً فخرجت على الاِبل فقال: الآن علمت أن ربي قد رضي فنحرها. انتهى.

ـ وقال الاَستاذ علي أكبر غفاري في تعليقه على هذا الحديث:

جاءت هذه القصة في كثير من كتب الحديث من الطريقين، واشتهرت بين الناس وأرسلها جماعة من المؤلفين إرسال المسلمات، ونقلوها في مصنفاتهم دون أي نكير، وهي كما ترى تضمنت أمراً غريباً بل منكراً لا يجوز أن ينسب إلى أحد من أوساط الناس والسذج منهم، فضلاً عن مثل عبدالمطلب الذي كان من الاَصفياء وهو في العقل والكياسة والفطنة على حد يكاد أن لا يدانيه أحد من معاصريه، وقد يفتخر النبي صلى الله عليه وآله مع مقامه السامي بكونه من أحفاده وذراريه ويباهي به القوم ويقول:

أنا النبي لا كَذِبْ * أنا ابن عبد المطلب
وفي الكافي روايات تدل على عظمته وجلالته وكمال إيمانه وعقله ودرايته، ورئاسته في قومه، ففي المجلد الاَول منه ص ٤٤٦ في الصحيح عن زرارة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: يحشر عبد المطلب يوم القيامة أمة وحده، عليه سيماء الاَنبياء وهيبة الملوك. يعني إذا حشر الناس فوجاً فوجاً يحشر هو وحده، لاَنه كان في زمانه منفرداً بدين الحق من بين قومه، كما قاله العلامة المجلسي رحمه الله. وفي حديث آخر رواه الكليني أيضاً مسنداً عن الصادق عليه السلام قال: يبعث عبد المطلب أمة وحده عليه بهاء الملوك وسيماء الاَنبياء، وذلك أنه أول من قال بالبداء.

وفي الحسن كالصحيح عن رفاعة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان عبد المطلب يفرش له بفناء الكعبة لا يفرش لاَحد غيره، وكان له ولد يقومون على رأسه فيمنعون من دنا منه... إلى أمثالها الكثير الطيب كلها تدل على كمال إيمانه وعقله وحصافة رأيه.. وإن أردت أن تحيط بذلك خبراً فانظر إلى تاريخ اليعقوبي المتوفى في أواخر القرن الثالث، وما ذكر من سننه التي سنها وجاء بها الاِسلام مثل تحريمه الخمر، والزنا، ووضع الحد عليه، وقطع يد السارق، ونفي ذوات الرايات، ونهيه عن قتل

٤٣٦
المؤودة، ونكاح المحارم، وإتيان البيوت من ظهورها، وطواف البيت عرياناً وحكمه بوجوب الوفاء بالنذر، وتعظيم الاَشهر الحرم، وبالمباهلة بمائة إبل في الدية. ثم تأمل كيفية سلوكه مع أبرهة صاحب الفيل في تلك الغائلة المهلكة المهدمة، كيف حفظ بحسن تدبيره وسديد رأيه قومه ودماءهم وأموالهم من الدمار والبوار، دون أي مؤونة، وقال: أنا رب الاِبل ولهذا البيت رب يمنعه، مع أن الواقعة موحشة بحيث تضطرب في أمثالها قلوب أكثر السائسين.

فإذا كان الاَمر كذلك فكيف يصح أن يقال: إنه نذر أن يذبح سليله وثمرة مهجته وقرة عينه قربة إلى الله سبحانه، وأن يتقرب بفعل منهي عنه في جميع الشرايع، والقتل من أشنع الاَمور وأقبحها، والعقل مستقل بقبحه بل يعده من أعظم الجنايات، مضافاً إلى كل ذلك أن النذر بذبح الولد قرباناً للمعبود من سنن الوثنيين والصابئين، وقد ذكره الله تعالى في جملة ما شنع به على المشركين، وقال في كتابه العزيز بعد نقل جمل من بدعهم ومفتريانهم: كذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ليردوهم وليلبسوا عليهم دينهم ولو شاء الله مافعلوه فذرهم وما يفترون. الاَنعام ـ ١٣٧

وهذا غير مسألة الوأد المعروف الذي كان بنو تميم من العرب يعلمون به، فإن المفهوم من ظاهر لفظ الاَولاد أعم من المذكور منهم والبنات، والوأد مخصوص بالبنات، وأيضاً غير قتلهم أولادهم من إملاق أو خشيته، بل هو عنوان آخر يفعلونه على سبيل التقرب إلى الآلهة.

فإن قيل: لعله كان مأموراً من جانب الله سبحانه كما كان جده إبراهيم عليه السلام مأموراً؟ قلنا: هذا التوجيه مخالف لظاهر الروايات، فإنه صرح في جميعها بأنه نذر مضافاً إلى أنه لو كان مأموراً فلا محيص له عنه ويجب عليه أن يفعله كما أمر، فكيف فداه بالاِبل ولم لم يقل في جواب من منعه كما في الروايات: إني مأمور بذلك.

وبالجملة في طرق هذه القصة وما شاكلها مثل خبر (أنا ابن الذبيحين) رواه

٤٣٧
جماعة كانوا ضعفاء أو مجهولين أو مهملين، أو على غير مذهبنا مثل أحمد بن سعيد الهمداني المعروف بابن عقدة، وهو زيدي جارودي أو أحمد بن الحسن القطان، وهو شيخ من أصحاب الحديث عامي ويروي عنه المؤلف في كتبه بدون أن يردفه بالترضية،مع أن دأبه أن يتبع مشايخه بها إن كانوا إمامية، وكذا محمد بن جعفر بن بطة الذي ضعفه ابن الوليد وقال: كان مخلطاً فيما يسنده، وهكذا عبد الله بن داهر الاَحمري وهو ضعيف كما في الخلاصة والنجاشي، وأبو قتادة ووكيع بن الجراح وهما من رجال العامة ورواتهم ولا يحتج بحديثهم إذا كان مخالفاً لاَصول المذهب، وإن كانوا يسندون خبرهم إلى أئمة أهل البيت عليهم السلام.

وإنك إذا تتبعت أسانيد هذه القصة وما شابهها ما شككت في أنها من مفتعلات القصاصين ومخترعاتهم نقلها المحدثون من العامة لجرح عبد المطلب ونسبة الشرك والعياذ بالله إليه، رغماً للاِمامية حيث أنهم نزهوا آباء النبي صلى الله عليه وآله عن دنس الشرك.

ويؤيد ذلك أن كثيراً من قدماء مفسريهم كالزمخشري والفخر الرازي والنيشابوري وأضرابهم، والمتأخرين كالمراغي وسيد قطب وزمرة كبيرة منهم، نقلوا هذه القصة أو أشاروا إليها عند تفسير قوله تعالى: وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم، وجعلوا عبد المطلب مصداقاً للآية انتصاراً لمذهبهم الباطل في اعتقاد الشرك في آباء النبي صلى الله عليه وآله وأجداده.

قال العلامة المجلسي رحمه الله: اتفقت الاِمامية رضوان الله عليهم على أن والدي الرسول صلى الله عليه وآله وكل أجداده إلى آدم عليه السلام كانوا مسلمين بل كانوا من الصديقين إما أنبياء مرسلين أو أوصياء معصومين ثم نقل عن الفخر الرازي أنه قال: قالت الشيعة إن أحداً من آباء الرسول صلى الله عليه وآله وأجداده ما كان كافراً. ثم قال: نقلت ذلك عن إمامهم الرازي ليعلم أن اتفاق الشيعة على ذلك كان معلوماً بحيث اشتهر بين المخالفين.

وإن قيل: لا ملازمة بين هذا النذر وبين الشرك، ويمكن أن يقال إن نذر عبدالمطلب كان لله، وأما المشركون فنذروا لآلهتهم.

٤٣٨
قلت: ظاهر الآية أن النذر بذبح الولد من سنن المشركين دون الموحدين، فالناذر إما مشرك أو تابع لسنن الشرك وجلَّت ساحة عبد المطلب أن يكون مشركاً والعياذ بالله أو تابعاً لسنن المشركين، والاِصرار بتصحيح أمثال هذه القصص مع نكارتها كثيراً ما يكون من الغفلة عما جنته يد الاِفتعال.

ثم اعلم أن المصنف رضوان الله تعالى عليه لم يحتج بهذا الخبر في حكم من الاَحكام، إنما أورده في هذا الكتاب طرداً للباب، ويكون مراده جواز القرعة فقط وهو ظاهر من الخبر. انتهى.

ثم كرر الاَستاذ الغفاري رأيه في ج ٤ ص ٣٦٨ فقال:

قال المصنف رحمه الله في الخصال (ص ٢٧ باب الاِثنين) قد اختلفت الروايات في الذبيح، فمنها ما ورد بأنه اسماعيل لكن اسحاق لما ولد بعد ذلك تمنى أن يكون هو الذي أمر أبوه بذبحه فكان يصبر لاَمر الله ويسلم له كصبر أخيه وتسليمه، فينال بذلك درجته في الثواب، فعلم الله عز وجل ذلك من قلبه فسماه بين الملائكة ذبيحاً، لتمنيه لذلك. انتهى.

أقول: على هذا فالمراد بالذبيحين إسماعيل وإسحاق: أحدهما ذبيح بالحقيقة والآخر ذبيح بالمجاز، مع أن كليهما لم يذبحا بعد. وتقدم فيه كلام ج ٣ ص ٨٩ والاِشكال بأن إسحاق كان عما له دون أب ممنوع لاَن إطلاق الاَب على العم شايع، وفي رواية سليمان بن مهران عن الصادق عليه السلام في قول النبي صلى الله عليه وآله: أنا ابن الذبيحين يريد بذلك العم، لاَن قد سماه الله عز وجل أبا في قوله: أم كنتم شهداء إذا حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلَهك وإلَه آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق. وكان اسماعيل عم يعقوب فسماه الله في هذه الموضع أباً، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله: العم والد. فعلى هذا الاَصل أيضاً يطرد قول النبي صلى الله عليه وآله: أنا ابن الذبيحين أحدهما ذبيح بالحقيقة والآخر ذبيح بالمجاز. انتهى.

٤٣٩

ـ والجواب على ما ذكره الاَستاذ الغفاري:

أولاً:

أن الرواية التي استدل بها الصدوق على أن اسحاق ذبيحٌ أيضاً مجازاً، عامية ضعيفة، وقد ضعف سندها الاَستاذ الغفاري نفسه من حيث لايدري كما سترى !

ثم إن إطلاق العم على الاَب في اللغة وإن كان أمراً شائعاً، ولكن لا ينطبق على قول القائل (أنا ابن فلان) مفتخراً أو مباهياً، لاَن المتبادر منه الاِفتخار بعمود نسبه من آبائه وأن منهم ذبيحين قربانين لله تعالى، لا من أعمامه، وإلا لقال: أنا من قوم فيهم ذبيحان أو من آل إبراهيم آل الذبيحين.

كما أن إطلاق اسم الذبيح المجازي على إسحاق أيضاً ضعيف لغةً، لاَن كلمة ( الذبيح) لا تصدق إلا على من قصدوا ذبحه لله تعالى قصداً عملياً حقيقياً ورضي به، ولو كان يكفي لاِطلاقها مجازاً أن الشخص قد أحب ذلك ونواه كما في إسحاق، لصح أن تطلق على كل آباء النبي أو جلهم، بل على كثير من المؤمنين، لاَن أكثر الاَنبياء والاَوصياء والمؤمنين يحبون مقام إسماعيل وينوون أن لو كانوا مكانه لقبلوا بما قبل به.

فارتكاب المجاز في معنى الاِبن وجعله العم، ثم ارتكاب المجاز في الذبيح وجعله من يحب أن يكون ذبيحاً.. خلاف الظاهر جداً، وهو يكاد يفرغ الكلمة من هدفها بل من معناها !

ثانياً

: لعل الغفاري لم يطلع على تاريخ القربان لله تعالى في الشرائع الاِلَهية السابقة، فقد كان عامة الناس يقدمون قرابين من الاَنعام، وكان من المشروع أن يقدم كبار المؤمنين أحد أولاده قرباناً لله تعالى، وعلى أساسه كان منام إبراهيم صلى الله عليه وآله.. ولم يثبت نسخ هذا التشريع قبل الاِسلام.

فالمشركون لم يخترعوا القربان لاَوثانهم، وإنما أخذوه من الاَديان وجعلوه لآلهتهم المزعومة بدل الله تعالى. وما عابه الله تعالى عليهم من قتلهم أولادهم وتقديمهم إياهم قرابين لآلهتهم، إنما عاب فيه شركهم وتقربهم للاَوثان.

٤٤٠