×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

العقائد الإسلامية (المجلد الثالث) / الصفحات: ٤١ - ٦٠

وقال: مجاهد وأبو مالك: كانوا يقدمونهم في الصلاة ويقولون: هؤلاء لا ذنب لهم. وقال ابن عباس: كانوا يقولون: أطفالنا يشفعون لنا عند الله.

ـ كنز الدقائق ج ٢ ص ٥٨

قال الله تعالى:

إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم...

قال البيضاوي: روي أنها نزلت لما قالت اليهود: نحن أبناء الله وأحباؤه، وقيل: نزلت في وفد نجران لما قالوا: إنا نعبد المسيح حباً لله.. انتهى.

ـ حقائق التأويل ص ١٢٦

وقال بعضهم إنهم قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه، فالخلائق غيرنا عبيد لنا ومنخفضون عن علونا، فليس علينا جناح في أكل أموال عبيدنا ومن هم في الرتبة دوننا. قال صاحب هذا القول: واليهود يتدينون باستحلال أموال كل من خالفهم باستعمال الغش في معاملاتهم، ويدعون أن ذلك فرض عليهم في دينهم، وليس تأولهم لذلك على حد ما يتأوله المسلمون في أهل الحرب.

وذهب أبو علي إلى أن قولهم: ليس علينا في الاَميين سبيل، إنما يعنون به ليس علينا لهم سلطان ولا قدرة، فلا يجب علينا اتباعهم ولا النزول تحت حكمهم، يريدون بذلك النبي صلى الله عليه وآله وأصحابه، فلذلك استحلوا أموالهم. انتهى.

ـ تفسير التبيان ج ١ ص ٢١٣

وقوله: ولا يقبل منها شفاعة، مخصوص عندنا بالكفار، لاَن حقيقة الشفاعة عندنا أن يكون في إسقاط المضار دون زيادة المنافع. والمؤمنون عندنا يشفع لهم النبي صلى الله عليه وآله فيشفعه الله تعالى ويسقط بها العقاب عن المستحقين من أهل الصلاة، لما روي من قوله صلى الله عليه وآله: ادخرت شفاعتي لاَهل الكبائر من أمتي...

والشفاعة ثبتت عندنا للنبي صلى الله عليه وآله وكثير من أصحابه، ولجميع الاَئمة المعصومين،

٤١
وكثير من المؤمنين الصالحين.

وقيل إن نفي الشفاعة في هذه الآية يختص باليهود من بني إسرائيل، لاَنهم ادعوا أنهم أبناء الله وأحباؤه وأولاد أنبيائه، وأن آباءهم يشفعون إليه، فآيسهم الله من ذلك فأخرج الكلام مخرج العموم والمراد به الخصوص.

ـ تفسير التبيان ج ٣ ص ٢١

قوله تعالى:

ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكي من يشاء، ولا يظلمون فتيلا... قال الحسن والضحاك وقتادة وابن زيد وهو المروي عن أبي جعفر عليه السلام: إنهم اليهود والنصارى في قولهم: نحن أبناء الله وأحباؤه، وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى تلك أمانيهم.

قال الزجاج: اليهود جاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وآله بأولادهم الاَطفال فقالوا: يا محمد أعلى هؤلاء ذنوب ؟ فقال صلى الله عليه وآله: لا، فقالوا: كذلك نحن ما نعمل بالليل يغفر بالنهار وما نعمل بالنهار يغفر بالليل، فقال الله تعالى: بل الله يزكي من يشاء. وقال: مجاهد وأبو مالك: كانوا يقدمونهم في الصلاة ويقولون: هؤلاء لا ذنب لهم. وقال ابن عباس: كانوا يقولون: أطفالنا يشفعون لنا عند الله.

ـ تفسير التبيان ج ٣ ص ٢٢٢

وافتراؤهم الكذب على الله هاهنا المراد به تزكيتهم لاَنفسهم بأنا أبناء الله وأحباؤه، وأنه لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى، ذكره ابن جريج. وقوله: وكفى به إثماً مبيناً، معناه تعظيم إثمه، وإنما يقال كفى به في العظم على جهة المدح أو الذم كقولك كفى بحال المؤمن نبلاً، وكفى بحال الكافر إثماً.

ـ تفسير التبيان ج ٣ ص ٧٦

وقوله: ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا... قال البلخي: إنهم قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه وأهل الصوم والصلاة. وليسوا بأولياء الله ولا أحباؤه ولا أهل الصلاة

٤٢
كتاب الـعـقـائـد الإسـلامـيـة (ج٣) لمركز المصطفى (ص ٤٣ - ص ٦٨)
٤٣

الفصـل الثالث
الشفاعة عند عرب الجاهلية

تدل آيات القرآن الكريم على أن عبادة العرب للاَصنام كانت على أساس أنها رموز لمخلوقات مقربة عند الله تعالى تشفع لهم عنده. قال الله عز وجل:

ـ ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون، ولم يكن لهم من شركائهم شفعاء وكانوا بشركائهم كافرين. الروم ١٢ ـ ١٣

ـ أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئاً ولا ينقذون. إني إذا لفي ضلال مبين. يس ٢٣ ـ ٢٤

ـ أم اتخذوا من دون الله شفعاء، قل أو لو كانوا لا يملكون شيئاً ولا يعقلون. قل لله الشفاعة جميعاً له ملك السماوات والاَرض ثم إليه ترجعون. وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة، وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون. الزمر ٤٣ ـ ٤٥

٤٤
ـ لله الدين الخالص والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، إن الله يحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون، إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار ، لو أراد الله أن يتخذ ولداً لاصطفى مما يخلق ما يشاء، سبحانه هو الله الواحد القهار. الزمر ٣ ـ ٤

ـ رسائل الشريف المرتضى ج ٣ ص ٢٢٣

حكى أبو عيسى الوراق في كتابه كتاب المقالات أن العرب صنوف شتى: صنف أقر بالخالق وبالاِبتداء والاِعادة وأنكروا الرسل وعبدوا الاَصنام، زعموا لتقربهم إلى الله زلفى ومعبراً إليها، ونحروا لها الهدايا ونسكوا لها النسائك، وأحلوا لها وحرموا.

ومنهم صنف أقروا بالخالق وبابتداء الخلق وأنكروا الاِعادة والبعث والنشور.

ومنهم صنف أنكروا الخالق والبعث والاِعادة، ومالوا إلى التعطيل والقول بالدهر، وهم الذين أخبر القرآن عن قولهم: ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر. ومنهم صنف مالوا إلى اليهودية، وآخر إلى النصرانية.

ـ رسائل الشريف المرتضى ج ٣ ص ٢٢٨

وقد عبد الاَصنام قوم من الاَمم الماضية من أهل الهند والسند وغيرها، وقد أخبر الله تعالى عن قوم نوح أنهم عبدوها أيضاً فقال: لا تذرن آلهتكم وداً ولا سواعاً ولا يغوث ويعوق ونسراً... وكان (سواع) لهذيل وكان برهاط وكان بدومة الجندل، وكان (يغوث) لمذحج ولقبائل اليمن، وكان (نسر) لذي الكلاع بأرض حمير، وكان (يعوق) لهمدان، وكانت (اللات) لثقيف وكانت بالطائف، وكانت (العزى) لقريش وجميع بني كنانة وسدنتها من بني سليم، وكانت (مناة) للاَوس والخزرج وغسان وكانت بالمسلك، وكان (الهبل) أعظم أصنامهم عند أنفسهم وكان على الكعبة. وكان (أساف ونائلة) على الصفا والمروة، ووضعهما عمرو بن يحيى فكان يذبح عليهما تجاه الكعبة.

٤٥

ـ مجمع الزوائد ج ٧ ص ١١٥

عن ابن عباس أن العزى كانت ببطن نخلة، وأن اللات كانت بالطائف، وأن مناة كانت بقديد، قال علي بن الجعد: بطن نخلة هو بستان بني عامر.

ـ تفسير القمي ج ٢ ص ٢٥٠

قوله: أم اتخذوا من دون الله شفعاء، يعني الاَصنام ليشفعوا لهم يوم القيامة، وقالوا إن فلاناً وفلاناً يشفعون لنا عند الله يوم القيامة. وقوله: قل لله الشفاعة جميعاً، قال: لا يشفع أحد إلا بإذن الله تعالى.

ـ تفسير القمي ج ٢ ص ٢٨٩

وقال علي بن ابراهيم: ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة، قال: هم الذين قد عبدوا في الدنيا، لا يملكون الشفاعة لمن عبدهم.

ـ تفسير التبيان ج ٤ ص ٢٠٧

وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء... يقول تعالى لهؤلاء الكفار: ما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء، الذين كنتم تزعمون في الدنيا أنهم يشفعون لكم عند ربكم يوم القيامة. وقال عكرمة: إن الآية نزلت في النضر بن الحارث بن كلدة حيث قال: سوف يشفع فيَّ اللات والعزى، فنزلت الآية.

وقوله: لقد تقطع بينكم، أي وصلكم. وضل عنكم ما كنتم تزعمون، أي جار عن طريقكم ما كنتم تزعمون من آلهتكم أنه شريك لله تعالى، وأنه يشفع لكم عند ربكم، فلا شفيع لكم اليوم.

ـ تفسير التبيان ج ٩ ص ٣٣

ثم أخبر عن هؤلاء الكفار فقال (أم اتخذوا) معناه بل اتخذ هؤلاء الكفار (من دون الله شفعاء) بزعمهم من الاَصنام والاَوثان فقال (قل) لهم يا محمد: أو لو كانوا لا يملكون شيئاً ولا يعقلون، تنبيهاً لهم على أنهم يتخذونهم شفعاء وإن كانوا لا يقدرون على شيَ من الشفاعة، ولا غيرهما ولا يعقلون شيئاً. والاَلف في (أ ولو)

٤٦
ألف الاِستفهام يراد به التنبيه.

ثم قال (قل) لهم يا محمد (لله الشفاعة جميعاً له ملك السموات والاَرض) أي الشفاعة لمن له التدبير والتصرف في السموات والاَرض، ليس لاَحد الاِعتراض عليه في ذلك.

ثم إليه ترجعون، معاشر الخلق أي إلى حيث لا يملك أحد التصرف والاَمر والنهي سواه، وهو يوم القيامة فيجازي كل إنسان على عمله على الطاعات بالثواب وعلى المعاصي بالعقاب.

ـ الدر المنثور ج ٣ ص ٣٠٢

فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً... أخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال قال النضر: إذا كان يوم القيامة شفعت لي اللات والعزى، فأنزل الله تعالى: فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو كذب بآياته إنه لا يفلح المجرمون. ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله. ومثله في ج ٣ ص ٨

ـ الدر المنثور ج ٥ ص ٣٢٩

قوله تعالى: أم اتخذوا من دون الله شفعاء.. أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله: أم اتخذوا من دون الله شفعاء قال: الآلهة.

ـ الدر المنثور ج ٣ ص ١٤٩

وأخرج ابن أبى حاتم عن ابن عباس في قوله: وذروا الذين يلحدون في أسمائه قال: اشتقوا العزى من العزيز، واشتقوا اللات من الله.

مكانة اللات والعزى عند مشركي العرب

كان لصنمي اللات والعزى مكانة عظيمة عند قريش خاصة، وعند بعض قبائل العرب، ويليهما صنم مناة، أما هبل فهو وإن كان الاِلَه الاَكبر عندهم ولكن ارتباطهم المباشر وقَسَمَهُم الرسمي ومراسم عبادتهم الاَساسية إنما كانت لللات والعزى، وليس لهبل..

٤٧

ـ قال المحدث البحراني في حلية الاَبرار ج ١ ص ١٢٧

الشيخ في أماليه بإسناده عن ابن عباس قال: وقف رسول الله صلى الله عليه وآله على قتلى بدر فقال: جزاكم الله من عصابة شراً ! لقد كذَّبتموني صادقاً، وخوَّنتموني أميناً. ثم التفت إلى أبي جهل بن هشام فقال: إن هذا أعتى على الله من فرعون ! إن فرعون لما أيقن بالهلاك وَحَّدَ الله، وهذا لما أيقن بالهلاك دعا باللات والعزى !! راجع أمالي الطوسي ج ١ ـ ٣١٦ ـ والبحار ج ١٩ ـ ٢٧٢ ح ١١ ومثله في مجمع الزوائد ج ٦ ص ٩١)

ـ وقال في مجمع الزوائد ج ٦ ص ٢١

وعن رجل من بني مالك بن كنانة قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بسوق ذي المجاز يتخللها يقول: يا أيها الناس قولوا لا إلَه إلا الله تفلحوا، قال وأبو جهل يحثي عليه التراب ويقول: لا يغوينكم هذا عن دينكم فإنما يريد لتتركوا آلهتكم وتتركوا اللات والعزى، وما يلتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ! قلت: إنعت لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: بين بردين أحمرين، مربوع، كثير اللحم، حسن الوجه، شديد سواد الشعر، أبيض شديد البياض، سابغ الشعر. رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.

ـ وقال السيوطي في الدر المنثور ج ٦ ص ٤٠٨

وأخرج أبونعيم في الدلائل عن ابن عباس قال: ما كان أبو لهب إلا من كفار قريش، ما هو حتى خرج من الشعب حين تمالاَت قريش حتى حصرونا في الشعب وظاهرهم، فلما خرج أبو لهب من الشعب لقي هنداً بنت عتبة بن ربيعة حين فارق قومه فقال: يا ابنة عتبة هل نصرتُ اللات والعزى ؟ قالت: نعم فجزاك الله خيراً يا أبا عتبة ! قال: إن محمداً يعدنا أشياء لا نراها كائنة، يزعم أنها كائنة بعد الموت فما ذاك! وصنع في يدي ثم نفخ في يديه، ثم قال: تباً لكما ما أرى فيكما شيئاً مما يقول محمد ! فنزلت: تبت يدا أبي لهب. قال ابن عباس: فحصرونا في الشعب ثلاث سنين وقطعوا عنا الميرة، حتى أن الرجل ليخرج منا بالنفقة فما يبايع حتى يرجع، حتى هلك فينا من هلك !!

٤٨

اليمين الرسمي المقدس عند قريش باللات والعزى

ـ روى الحاكم في المستدرك ج ١ ص ١٦٣

عن ابن عباس قال دخلت فاطمة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهي تبكي فقال: يابنية ما يبكيك قالت: يا أبت مالي لا أبكي وهؤلاء الملأ من قريش في الحجر يتعاقدون باللات والعزى ومناة الثالثة الاَخرى لو قد رأوك لقاموا إليك فيقتلونك، وليس منهم رجل إلا وقد عرف نصيبه من دمك ! فقال يا بنية إئتني بوضوء فتوضأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم خرج إلى المسجد فلما رأوه قالوا: ها هوذا، فطأطأوا رؤوسهم وسقطت أذقانهم بين يديهم، فلم يرفعوا أبصارهم ! فتناول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبضة من تراب فحصبهم بها وقال: شاهت الوجوه، فما أصاب رجلاً منهم حصاة من حصاته إلا قتل يوم بدر كافراً. هذا حديث صحيح، قد احتجا جميعاً بيحيى بن سليم. واحتج مسلم بعبد الله بن عثمان بن خثيم ولم يخرجاه. انتهى. ورواه الهيثمي في مجمع الزوائد ج ٨ ص ٢٢٨ وقال: رواه أحمد بإسنادين، ورجال أحدهما رجال الصحيح.

ـ وروى العياشي في تفسيره ج ٢ ص ٢٥٩

عن أبي بصير عن أبي عبدالله عليه السلام في قوله: وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت، قال: ما يقولون فيها ؟ قلت: يزعمون أن المشركين كانوا يحلفون لرسول الله أن الله لا يبعث الموتى. قال: تباً لمن قال هذا، ويلهم هل كان المشركون يحلفون بالله أم باللات والعزى ؟ قلت: جعلت فداك فأوجدنيه أعرفه. قال: لو قد قام قائمنا بعث الله إليه قوماً من شيعتنا قَبَايِعُ سيوفهم على عواتقهم، فيبلغ ذلك قوماً من شيعتنا لم يموتوا فيقولون: بعث فلان وفلان من قبورهم مع القائم، فيبلغ ذلك قوماً من أعدائنا فيقولون: يا معشر الشيعة ما أكذبكم ! هذه دولتكم وأنتم تكذبون فيها، لا والله ما عاشوا ولا تعيشوا إلى يوم القيامة، فحكى الله قولهم فقال: وأقسموا بالله جهد أيمانهم. انتهى.

٤٩
وتدل مصادر الفقه على أن عادة القسم باللات والعزى بقيت في أذهان القرشيين وعلى ألسنتهم حتى بعد إسلامهم ! فقد روى البخاري في صحيحه ج ٦ ص ٥١: عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من حلف فقال في حلفه واللات والعزى فليقل لا إلَه إلا الله. ومن قال لصاحبه تعال أقامرك فليتصدق.انتهى.

ورواه في أربعة مواضع أخرى في ج٧ص٩٧ وص١٤٤وص٢٢٢و٢٢٣، ورواه مسلم في ج ٥ ص٨١ وص ٨٢، ورواه ابن ماجة في ج ١ ص ٦٧٨، وروى بعده عن مصعب بن سعد عن سعد بن أبي وقاص ! قال: حلفت باللات والعزى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قل: لا إلَه إلا الله وحده لا شريك له، ثم انفث عن يسارك ثلاثاً، وتعوَّذ ولا تعد. ورواه أبوداود في ج٢ ص ٩٠، والترمذي في ج ٣ ص ٤٦ وص ٥١، والنسائي في ج ٧ ص ٧، وأحمد في ج ١ ص ١٨٣ و١٨٦ وج ٢ ص ٣٠٩، والبيهقي في سننه ج ١ ص ١٤٩ وج ١٠ ص ٣٠، ومالك في المدونة ج ٢ ص ١٠٨

ـ وأفتى به ابن حزم في المحلى ج ٨ ص ٥١، وابن قدامة في المغني ج ١ ص ١٦٩ وج ١١ ص ١٦٢، وعلله في ج ١١ ص ١٦٣ بقوله:

لاَن الحلف بغير الله سيئة والحسنة تمحو السيئة، وقد قال الله تعالى: إن الحسنات يذهبن السيئات، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: إذا عملت سيئة فأتبعها حسنة تمحها. ولاَن من حلف بغير الله فقد عظم غير الله تعظيماً يشبه تعظيم الرب تبارك وتعالى، ولهذا سمي شركاً لكونه أشرك غير الله مع الله تعالى في تعظيمه بالقسم به، فيقول لا إلَه إلا الله توحيداً لله تعالى وبراءة من الشرك.

اعتقاد قريش بنفع اللات والعزى وضرهما

ـ مناقب آل أبي طالب ج ١ ص ١٠٢ عن امرأة يقال لها زهرة قال:

أسلمت فأصيب بصرها، فقالوا لها أصابك اللات والعزى، فرد صلى الله عليه وآله عليها بصرها فقالت قريش: لو كان ما جاء محمد خيراً ما سبقتنا إليه زهرة ! فنزل: وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيراً ما سبقونا إليه.

٥٠

ـ مسند أحمد ج ١ ص ٢٦٤

عن عبدالله بن عباس قال: بعثت بنو سعد بن بكر ضمام بن ثعلبة وافداً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقدم عليه وأناخ بعيره على باب المسجد ثم عقله، ثم دخل المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في أصحابه، وكان ضمام رجلاً جلداً أشعر ذا غريرتين، فأقبل حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه فقال: أيكم ابن عبد المطلب ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنا ابن عبد المطلب. قال محمد ؟ قال نعم فقال: يا ابن عبد المطلب إني سائلك ومغلظ في المسألة فلا تجدن في نفسك. قال: لا أجد في نفسي فسل عما بدا لك. قال: أنشدك الله إلَهك وإلَه من كان قبلك وإلَه من هو كائن بعدك، آلله بعثك إلينا رسولاً ؟ فقال: اللهم نعم. قال: فأنشدك الله إلَهك وإلَه من كان قبلك وإلَه من هو كائن بعدك آلله أمرك أن تأمرنا أن نعبده وحده لانشرك به شيئاً وأن نخلع هذه الاَنداد التي كانت آباؤنا يعبدونها معه ؟ قال: اللهم نعم. قال: فأنشدك الله إلَهك وإلَه من كان قبلك وإلَه من هو كائن بعدك آلله أمرك أن نصلي هذه الصلوات الخمس ؟ قال: اللهم نعم. قال ثم جعل يذكر فرائض الاِسلام فريضة فريضة الزكاة والصيام والحج وشرائع الاِسلام كلها يناشده عند كل فريضة كما يناشده في التي قبلها، حتى إذا فرغ قال: فإني أشهد أن لا إلَه إلا الله وأشهد أن سيدنا محمداً رسول الله، وسأؤدي هذه الفرائض وأجتنب ما نهيتني عنه، ثم لا أزيد ولا أنقص.

قال ثم انصرف راجعاً إلى بعيره فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ولى: إن يصدق ذو العقيصتين يدخل الجنة. قال فأتى إلى بعيره فأطلق عقاله ثم خرج حتى قدم على قومه فاجتمعوا إليه، فكان أول ما تكلم به أن قال: بئست اللات والعزى ! قالوا مه يا ضمام، إتق البرص والجذام، إتق الجنون. قال: ويلكم إنهما والله لا يضران ولا ينفعان، إن الله عز وجل قد بعث رسولاً وأنزل عليه كتاباً استنقذكم به مما كنتم فيه، وإني أشهد أن لا إلَه إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله، إني قد جئتكم من عنده بما أمركم به ونهاكم عنه. قال فوالله ما أمسى من

٥١
ذلك اليوم وفي حاضره رجل ولا امرأة إلا مسلماً !

قال يقول ابن عباس: فما سمعنا بوافد قوم كان أفضل من ضمام بن ثعلبة.

مصادرنا تروي بغض النبي صلى الله عليه وآله لاَصنام قريش

ـ كمال الدين وتمام النعمة ص ١٨٤

قال بحيرى: ياغلام أسألك عن ثلاث خصال بحق اللات والعزى إلا ما أخبرتنيها. فغضب رسول الله صلى الله عليه وآله عند ذكر اللات والعزى وقال: لا تسألني بهما فوالله ما أبغضت شيئاً كبغضهما، وإنما هما صنمان من حجارة لقومي ! فقال بحيرى: هذه واحدة، ثم قال: فبالله إلا ما أخبرتني، فقال: سل عما بدا لك فإنك قد سألتني بإلَهي وإلَهك الذي ليس كمثله شيَ، فقال: أسألك عن نومك ويقظتك، فأخبره عن نومه ويقظته وأموره وجميع شأنه، فوافق ذلك ما عند بحيرى من صفته التي عنده، فانكب عليه بحيرى فقبل رجليه وقال: يا بني ما أطيبك وأطيب ريحك، يا أكثر النبيين أتباعاً...

ـ الخرائج والجرائح ج ١ ص ٧١

في خبر الراهب بحيرى مع النبي صلى الله عليه وآله: قال: يا غلام أتخبرني عن أشياء أسألك عنها قال: سل. قال: أنشدك باللات والعزى إلا أخبرتني عما أسألك عنه، وإنما أراد أن يعرف لاَنه سمعهم يحلفون بهما فذكروا أن النبي صلى الله عليه وآله قال له: لا تسألني باللات والعزى فإني والله لم أبغض بغضهما شيئاً قط. قال: فبالله إلا أخبرتني عما أسألك عنه قال: فجعل يسأله عن حاله في نومه وهيئته وأموره فجعل رسول الله صلى الله عليه وآله يخبره فكان يجدها موافقة لما عنده... فأخذه الاِفكل وهو الرعدة واهتز الديراني فقال: من أبو هذا الغلام ؟ قال أبو طالب: هو ابني. قال: لا والله لا يكون أبوه حياً. قال أبو طالب: إنه ابن أخي. قال: فما فعل أبوه قال: مات وهو ابن شهرين. قال صدقت ! ـ ـ ـ وروى في ج ٣ ص ١٠٨٩ تتمة قول الراهب: كأني بك قد قدت الاَجناب والخيل وقد تبعك العرب والعجم طوعاً وكرها، وكأني باللات والعزى قد كسرتهما وقد صار

٥٢
البيت العتيق تضع مفاتيحه حيث تريد... معك الذبح الاَكبر وهلاك الاَصنام. أنت الذي لا تقوم الساعة حتى تدخل المملوك كلها في دينك صاغِرَةً قَمِئَة.

وتمسك سدنة اللات والعزى بهما إلى آخر نفس

ـ شرح الاَخبار ج ٢ ص ١٦٣

ولما فتح رسول الله صلى الله عليه وآله الطائف سأله أهلها أن يدع لهم اللات ـ وكانوا يعبدونها ـ لمدة ذكروها وقالوا: إنا نخشى في هدمها سفهاءنا، فأبى عليهم.

ـ مناقب آل أبي طالب ج ١ ص ٥٢

ابن عباس في قوله: وإن كادوا ليفتنونك بالذي أوحينا، قال وفد ثقيف: نبايعك على ثلاث: لا ننحني، ولا نكسر إلَهاً بأيدينا، وتمتعنا باللات سنة. فقال صلى الله عليه وآله: لا خير في دين ليس فيه ركوع وسجود، فأما كسر أصنامكم بأيديكم فذاك لكم، وأما الطاغية اللات فإني غير ممتعكم بها.

وحطم النبي صلى الله عليه وآله كل الاَصنام

ـ مناقب آل أبي طالب ج ١ ص ٣٩٩

وحدثني أبو الحسن علي بن أحمد العاصمي، عن اسماعيل بن أحمد الواعظ، عن أبي بكر البيهقي بإسناده عن أبي مريم عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إحملني لنطرح الاَصنام عن الكعبة، فلم أطق حمله ! فحملني فلو شئت أتناول السماء فعلت ! وفي خبر والله لو شئت أن أنال السماء بيدي لنلتها.

وروى القاضي أبو عمرو عثمان بن أحمد، عن شيوخ بإسناده عن ابن عباس قال قال النبي صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام: قم بنا إلى الصنم في أعلى الكعبة لنكسره، فقاما جميعاً فلما أتياه قال له النبي: قم على عاتقي حتى أرفعك عليه، فأعطاه علي ثوبه فوضعه رسول الله على عاتقه ثم رفعه حتى وضعه على البيت، فأخذ علي الصنم وهو من نحاس فرمى به من فوق الكعبة...

٥٣

ـ حلية الاَبرار ج ٢ ص ١٢٥

عن علي عليه السلام: أنا الذي قال فيَّ الاَمين جبرئيل عليه السلام: لا سيف إلا ذوالفقار ولا فتى إلا علي، أنا صاحب فتح مكة، أنا كاسر اللات والعزى، أنا هادم الهبل الاَعلى، ومناة الثالثة الاَخرى، أنا علوت على كتف النبي صلى الله عليه وآله وكسرت الاَصنام، أنا الذي كسرت يغوث ويعوق ونسراً.

واخترعت قريش قصة الغرانيق انتصاراً لللات والعزى

قال الله عز وجل: ثم دنا فتدلى. فكان قاب قوسين أو أدنى. فأوحى إلى عبده ما أوحى. ما كذب الفؤاد ما رأى. أفتمارونه على ما يرى. ولقد رآه نزلة أخرى. عند سدرة المنتهى. عندها جنة المأوى. إذ يغشى السدرة ما يغشى. ما زاغ البصر وما طغى. لقد رأى من آيات ربه الكبرى. أفرأيتم اللات والعزى. ومناة الثالثة الاَخرى. ألكم الذكر وله الاَنثى. تلك إذاً قسمة ضيزى. إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباءكم ما أنزل الله بها من سلطان، إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الاَنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى. أم للاِنسان ما تمنى. فلله الآخرة والأولى. وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئاً إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى. إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة تسمية الاَنثى. وما لهم به من علم إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئاً. فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا. ذلك مبلغهم من العلم، إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى. ولله ما في السماوات وما في الاَرض، ليجزي الذين أساءوا بما عملوا، ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى. النجم ٨ ـ ٣١

نزلت هذه الآيات في مكة بعد مرحلة (أنذر عشيرتك الاَقربين) وبعد مرحلة (فاصدع بما تؤمر) وإعلان النبي صلى الله عليه وآله دعوته لجميع الناس ودخول عدد من المستضعفين في الاِسلام وتضييق قريش عليهم وتعذيبهم، وهجرة بعضهم إلى

٥٤
الحبشة.. ومن الواضح أن الصراع في تلك المرحلة كان يتفاقم بين الاِسلام والمشركين، وكان أهم ما يتسلح به المشركون ويطرحونه سبباً لمقاومتهم الاِسلام هو (أن محمداً قد سبَّ آلهتنا وسفَّه أحلامنا).

وقد كان موقف النبي صلى الله عليه وآله من آلهتهم موقفاً صريحاً قوياً لامساومة فيه ولامهادنة.. وقد اتضح ذلك من السور الأولى للقرآن، وآياتها القاطعة في مسألة الاَصنام..ولم تكن سورة النجم إلا استمراراً لذلك الخط الرباني الصريح القوي، بل هي الحسم الاِلَهي النهائي في المسألة، ووضع النقاط على الحروف بتسمية أصنام قريش المفضلة (اللات والعزى ومناة) بأسمائها، وإسقاطها إلى الاَبد !

ومن الطبيعي أن تكون هذه الآيات شديدة جداً على قريش، وأن تثير كبرياءها وعواطفها لاَصنامها، وأن تقوم بردة فعل بأشكال متعددة. وقصة الغرانيق ما هي إلا واحدة من ردات الفعل القرشية.. !

لكن متى اختُرِعَتْ ومن اخترعها ؟ !

يغلب على الظن ماذكره الشريف المرتضى من أن المشركين عبدة هذه الاَصنام الثلاثة لما سمعوا ذمها في آيات السورة حرَّفَ بعضهم الآيات، ووضع بعد أسماء الاَصنام الثلاثة عبارة (تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترجى) فأعجب ذلك القرشيين، وتمنوا لو يضاف هذا المديح لآلهتهم في السورة !

ولكن كيف يمكن ذلك ؟ وكيف ينسجم مع السياق، والسياق كله حملة شديدة على فكر الاَصنام وأهلها ؟ ! !

هكذا ولدت قصة الغرانيق على ألسنة القرشيين، ولكنها كانت هذياناً ولغواً في القرآن من قريش المشركة لا أكثر !

ولكن الجريمة الكبرى عندما حولت قريش المنافقة هذا اللغو في القرآن الى آيات الغرانيق واتهمت بها النبي بعد وفاته صلى الله عليه وآله لاِثبات أنه لم يكن معصوماً عصمة مطلقة لتكون كل تصرفاته وأقواله حجة، بل كان يخطىَ حتى في تبليغ الوحي ! وفي

٥٥
ذلك فوائد عديدة لقريش للاِلتفاف على أوامر النبي صلى الله عليه وآله وتبرير أخطاء حكامها ومخالفاتهم لسنته !!

وهكذا سجلت مصادر السنيين قصة الغرانيق التي تزعم أن النبي صلى الله عليه وآله قد ارتكب خيانة والعياذ بالله في نص القرآن، وشهد بالشفاعة لاَصنام اللات والعزى ومناة، وسجد لها لكي ترضى عنه قريش !

وقد طار منافقو قريش بهذه القصة فرحاً، ثم طار بها فرحاً ورثتهم الغربيون !!

وقد روى الهيثمي في مجمع الزوائد ج ٦ ص ٣٢ بعض روايات الغرانيق، وروى السيوطي عدداً وافراً منها في الدر المنثور ج ٤ ص ١٩٤ وص ٣٦٦ وبعضها صحيح السند، خلافاً لمن برّأ منها الرواة المعتمدين عند حكام قريش ! قال السيوطي في ص ٣٦٦:

وأخرج البزار والطبراني وابن مردويه والضياء في المختارة بسند رجاله ثقات من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ أفرأيتم اللات والعزى ومنات الثالثة الاخرى تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى ! ففرح المشركون بذلك وقالوا قد ذكر آلهتنا ! فجاء جبريل فقال: إقرأ عليَّ ما جئتك به، فقرأ: أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الاَخرى تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى ! فقال ما أتيتك بهذا، هذا من الشيطان !! فأنزل الله: وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى..إلى آخر الآية. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه بسند صحيح عن سعيد بن جبير...الخ. !! انتهى.

وقد ورد في بعض رواياتهم الاِفتراء على النبي صلى الله عليه وآله بأنه سجد للاَصنام ! (فقال: وإنهن لهن الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لهي التي ترتجى، فكان ذلك من سجع الشيطان وفتنته، فوقعت هاتان الكلمتان في قلب كل مشرك بمكة، وذلقت بها ألسنتهم وتباشروا بها، وقالوا إن محمداً قد رجع إلى دينه الاَول ودين قومه. فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم آخر النجم سجد وسجد كل من حضر من مسلم

٥٦
ومشرك، ففشت تلك الكلمة في الناس وأظهرها الشيطان حتى بلغت أرض الحبشة فأنزل الله: وما أرسلنا من قبلك...).

وفي بعضها (ألقى الشيطان على لسانه: وهي الغرانيق العلى شفاعتهن ترتجى فلما فرغ من السورة سجد وسجد المسلمون والمشركون إلا أبا أحيحة سعيد بن العاص فإنه أخذ كفاً من تراب فسجد عليه وقال: قد آن لابن أبي كبشة أن يذكر آلهتنا بخير، فبلغ ذلك المسلمين الذين كانوا بالحبشة أن قريشاً قد أسلمت، فأرادوا أن يُقْبِلوا واشتد على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى أصحابه ما ألقى الشيطان على لسانه فأنزل الله: وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي..الآية) انتهى.

وقد تجرأ بعض العلماء السنيين وردُّوا روايات الغرانيق ولكنهم ضعفوا سندها رغم صحته عندهم، من أجل أن لا يطعنوا في مؤلفي صحاحهم والموثقين من رواتهم !

ـ قال المجلسي في بحار الاَنوار ج ١٧ ص ٥٦:

قوله تعالى: وما أرسلنا من قبلك... قال الرازي: ذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآية أن الرسول لما رأى إعراض قومه عنه شق عليه ما رأى من مباعدتهم عما جاءهم به تمنى في نفسه أن يأتيهم من الله ما يقارب بينه وبين قومه، وذلك لحرصه على إيمانهم فجلس ذات يوم في ناد من أندية قريش كثير أهله وأحب يومئذ أن لا يأتيه من الله شيء ينفروا عنه وتمنى ذلك ! فأنزل تعالى سورة والنجم إذا هوى، فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ: أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الاَخرى ألقى الشيطان على لسانه: تلك الغرانيق العلى منها الشفاعة ترتجى ! فلما سمعت قريش فرحوا ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في قراءته وقرأ السورة كلها، فسجد المسلمون لسجوده وسجد جميع من في المسجد من المشركين، فلم يبق في المسجد مؤمن ولا كافر إلا سجد، سوى الوليد بن المغيرة وسعيد بن العاص، فإنهما أخذا حفنةً من البطحاء ورفعاها إلى جبهتيهما وسجدا عليها، لاَنهما كانا

٥٧
شيخين كبيرين لم يستطيعا السجود، وتفرقت قريش وقد سرهم ما سمعوا وقالوا: قد ذكر محمد آلهتنا بأحسن الذكر، فلما أمسى رسول الله أتاه جبرئيل فقال: ماذا صنعت ! تلوت على الناس ما لم آتك به عن الله، وقلت ما لم أقل لك ! فحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم حزناً شديداً وخاف من الله خوفاً عظيماً حتى نزل قوله: وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي..الآية.

هذا رواية عامة المفسرين الظاهريين، وأما أهل التحقيق فقد قالوا: هذه الرواية باطلةٌ موضوعةٌ واحتجوا بالقرآن، والسنة، والمعقول، أما القرآن فوجوه:

أحدها:

قوله تعالى: ولو تقول علينا بعض الاَقاويل لاَخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين.

وثانيها:

قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي.

وثالثها:

قوله: وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحيٌ يوحى.

فلو أنه قرأ عقيب هذه الآية تلك الغرانيق العلى لكان قد أظهر كذب الله تعالى في الحال، وذلك لا يقول به مسلم.

ورابعها:

قوله تعالى: وإن كادوا ليفتنونك، وكاد معناه قرب أن يكون لاَمر كذلك مع أنه لم يحصل.

وخامسها:

قوله: ولولا أن ثبتناك، وكلمة (لولا) تفيد انتفاء الشيَ لانتفاء غيره، فدل على أن الركون القليل لم يحصل.

وسادسها:

قوله: كذلك لنثبت به فؤادك.

وسابعها:

قوله: سنقرئك فلا تنسى.

وأما السنة فهي أنه روي عن محمد بن إسحاق بن خزيمة أنه سئل عن هذه القصة فقال: هذا من وضع الزنادقة، وصنف فيه كتاباً.

وقال الاِمام أبوبكر البيهقي: هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل، ثم أخذ يتكلم في أن رواة هذه القصة مطعونون، وأيضاً فقد روى البخاري في صحيحه أنه صلى الله عليه وآله قرأ

٥٨
سورة (والنجم) وسجد فيها المسلمون والمشركون والاِنس والجن وليس فيه حديث الغرانيق، وروي هذا الحديث من طرق كثيرة وليس فيها البتة حديث الغرانيق.

وأما المعقول فمن وجوه: أحدها: أن من جوز على الرسول صلى الله عليه وسلم تعظيم الاَوثان فقد كفر، لاَن من المعلوم بالضرورة أن أعظم سعيه صلى الله عليه وسلم كان في نفي الاَوثان.

وثانيها:

أنه صلى الله عليه وسلم ما كان يمكنه في أول الاَمر أن يصلي ويقرأ القرآن عند الكعبة آمناً لاَذى المشركين له، حتى كانوا ربما مدوا أيديهم إليه، وإنما كان يصلي إذا لم يحضروها ليلاً أو في أوقات خلوة، وذلك يبطل قولهم.

وثالثها:

أن معاداتهم للرسول صلى الله عليه وآله كانت أعظم من أن يقروا بهذا القدر من القراءة دون أن يقفوا على حقيقة الاَمر، فكيف أجمعوا على أنه عظم آلهتهم حتى خروا سجداً، مع أنه لم يظهر عندهم موافقته لهم.

ورابعها:

قوله: فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته، وذلك أن أحكام الآيات بإزالة تلقية الشيطان عن الرسول أقوى من نسخه بهذه الآيات التي تنتفي الشبهة معها، فإذا أراد الله تعالى إحكام الآيات لئلا يلتبس ما ليس بقرآن قرآناً، فبأن يمنع الشيطان من ذلك أصلاً، أولى.

وخامسها:

وهو أقوى الوجوه: أنا لو جوزنا ذلك ارتفع الاَمان عن شرعه، وجوزنا في كل واحد من الاَحكام والشرائع أن يكون كذلك، ويبطل قوله تعالى: بلغ ما أنزل إليك من ربك فإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس، فإنه لا فرق بين النقصان من الوحي وبين الزيادة فيه !

فبهذه الوجوه عرفنا على سبيل الاِجمال أن هذه القصة موضوعة، أكثر ما في الباب أن جمعاً من المفسرين ذكروها لكنهم ما بلغوا حد التواتر. وخبر الواحد لا يعارض الدلائل العقلية والنقلية المتواترة...انتهى.

٥٩
ولم يلتفت هذا المفسر الكبير الى أن الآية التي ادعوا أنها نزلت على أثر القصة مدنية، نزلت بعد النجم بنحو عشر سنوات ! كما لم يلتفت الى أن رواية البخاري وغيره التي ذكرها هي قصة الغرانيق بعينها !

البخاري ومسلم رويا فرية الغرانيق

وينبغي أن نحسن الظن بالرازي وأمثاله الذين دافعوا عن البخاري والصحاح فقالوا إنهم لم يرووا قصة الغرانيق، حيث لم يقرؤوا الصحاح جيداً، وإلا لوجدوا فيها قصة الغرانيق بأكثر من رواية ! غاية الاَمر أن أصحابها حذفوا منها أن النبي صلى الله عليه وآله زاد في السورة مدح أصنام المشركين، ولكنهم ذكروا دليلاً عليه وهو سجود المسلمين والمشركين وحتى سجود أبي أحيحة أو أمية بن خلف أو غيرهما على كف من تراب أو حصى !! فإن سجود المشركين بعد سماع القرآن لم ينقله أي مصدر على الاِطلاق في أي رواية على الاِطلاق، إلا في رواية الغرانيق ! ومضافاً الى رواية البخاري الفظيعة التي ذكرها الرازي فقد روى البخاري أيضاً في ج ٥ ص ٧: عن عبدالله رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ والنجم فسجد بها وسجد من معه، غير أن شيخاً أخذ كفاً من تراب فرفعه إلى جبهته فقال يكفيني هذا ! قال عبد الله: فلقد رأيته بعد قتل كافراً. انتهى. ورواه مسلم في ج ٢ ص ٨٨

ـ وروى البخاري أيضاً في ج ٦ ص ٥٢

عن الاَسود بن يزيد عن عبد الله رضي الله عنه قال: أول سورة أنزلت فيها سجدة والنجم، قال فسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وسجد من خلفه إلا رجلاً رأيته أخذ كفاً من تراب فسجد عليه، فرأيته بعد ذلك قتل كافراً، وهو أمية بن خلف.

ـ وقال الحاكم في المستدرك ج ١ ص ٢٢١

عن أبي إسحاق عن الاَسود عن عبد الله قال: أول سورة قرأها رسول الله صلى الله عليه وآله على الناس الحج، حتى إذا قرأها سجد فسجد الناس إلا رجل أخذ التراب فسجد عليه

٦٠