×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

عقائد السنة وعقائد الشيعة / الصفحات: ١٨١ - ٢٠٠

وقضية طول العمر قضية ليست مرفوضة من الجانب الشرعي كما أنها ليست مرفوضة من الجانب العقلي والعلمي.

فالقرآن يقص علينا أن عمر نوح بلغ أكثر من ألف عام فهو قد مكث يدعو قومه ألف سنة إلا خمسين عاما سوى عمره (١).

وأطال الله في أعمار أهل الكهف، ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعا (٢).

ومن عهد ذي القرنين ويأجوج ومأجوج على قيد الحياة في انتظار سقوط السد النحاسي الذي يعزلهم عن العالم.. (٣).

وهناك الدابة التي حدثنا عنها القرآن التي تخرج من الأرض تكلم الناس وهي من معجزات آخر الزمان (٤).

وكذلك هناك الخضر الذي يعتقد الجمهور ببقائه حيا كما تشهد بذلك الآية وهو معمر على جميع الأقوال (٥).

وعيسى نبي الله الذي تم رفعه من الأرض وينتظر نزوله في آخر الزمان حسبما تنص الروايات (٦).

وتنص الأحاديث على وجود الدجال من زمن الرسول حيا وأنه سوف يظهر في آخر الزمان ويواجه المهدي (٧).

(١) أنظر سورة العنكبوت..

(٢) أنظر سورة الكهف..

(٣) أنظر السورة السابقة..

(٤) أنظر سورة النمل..

(٥) أنظر تفسير سورة الكهف في كتب التفاسير وانظر في تمييز الصحابة لابن حجر ج ١، حرف الخاء ترجمة الخضر..

(٦) أنظر سورة النساء في كتب التفسير وأحاديث آخر الزمان في كتب السنن..

(٧) أنظر أبواب الفتن في كتب السنن وخبر تميم الدارمي في مسلم..

١٨١
فإذا كان الله سبحانه قد أطال أعمار أهل الكهف ثلاثة قرون لمجرد إحداث معجزة تقام بها الحجة على قومهم. وأطال في أعمار يأجوج ومأجوج وهم قوم أشرار سوف يفسدون في الأرض. وأطال في عمر الخضر وهو فرد واحد ليست له دعوة عامة وليس هناك من رسالة يبلغها للناس. وأحيا الدابة وهي معجزة فردية. ورفع عيسى ليكون حجة على قومه. وأطال في عمر الدجال لينشر الشر في آخر الزمان. أفلا يكون من الأولى إطالة عمر الرجل الذي سوف يواجه الشر وينشر الخير ويقيم العدل وهو يحمل على كاهله مسؤولية كبرى ودعوة عامة للناس أجمعين مسلمين وغير مسلمين هي امتداد لدعوة الرسول صلى الله عليه وآله ومكملة لها في عصر يغيب فيه الإسلام ويغترب عن الناس وتصبح الحاجة ماسة إلى ظهور إمام تتوافر به مؤهلات خاصة تعينه على أداء دوره ورسالته دون تأثر بفتن العصر ومغرياته.

ونحن في واقعنا المعاصر نشاهد أناسا من المعمرين تجاوزت أعمارهم المائة عام بعشرات السنين ولا نجد أي حكمة لإطالة أعمارهم إلى هذا الحد، فليسوا هم بأصحاب علم أو دعوة تنتفع الناس بها وليسوا هم بقادة تحتاجهم شعوبهم.

فلماذا يطيل الله في أعمار هؤلاء؟

إنه ليس هناك من جواب لهذا السؤال سوى أن المعمرين هؤلاء برهان ساطع للناس أن الله سبحانه الذي أطال في أعمار هؤلاء دون فائدة واضحة أو هدف اجتماعي أو سياسي من الأولى أن يطيل في عمر إمام سوف يقود البشرية ويحي الملة وينصر المستضعفين ويقضي عل المستكبرين ويملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا.

وقضية صغر سن الإمام المهدي هي من صور الابتلاء والتمحيص للمؤمنين ومع ذلك فهي قضية لا تصطدم بروح الشرع فقد أوتي يحيى عليه السلام الحكمة صبيا وجعل عيسى في المهد نبيا، فحمل الدعوة والحكمة في مثل هذه السن المبكرة أمر قد تكرر حدوه من قبل.

١٨٢
وما يثار عن الانتفاع بغيبته يعود سببه إلى عدم الوعي بدور الإمام وماهية حركته، فالإمام حجة على الناس وممثل لخط الرسول خط آل البيت الذي يعبر عن الصورة الحقيقية للإسلام. فمن عاصره انتفع به انتفاعا مباشرا ومن لم يعاصره انتفع به انتفاعا غير مباشر أي الانتفاع بخطه ودعوته.

فالإمام كالرسول هو الحاضر الغائب في واقع المؤمنين. حاضر بعلمه ودعوته غائب بجسده وهيئته.

إن المؤمن بغيبة الإمام ينتفع به على الدوام، ففضلا عن كونه يعيش حالة تعبئة معنوية دائمة متسلحا بالتقوى والوعي والقوة المادية. هو يسير في ظل الإمام فيعصم نفسه عن الانحراف إلى الباطل ويحصنها في مواجهة الظلم والفساد بعكس المسلم الهائم على وجهه تتجاذبه الفرق والاتجاهات المتناحرة فيميل إلى هذه الفرقة تارة وهذا الاتجاه تارة ويعتزل الواقع تارة أخرى.

والمتأمل في واقع الحركة الإسلامية اليوم يكتشف مدى حالة الحيرة والتيه التي يعيشها الشباب المسلم بين التيارات الإسلامية المختلفة، تلك الحيرة التي تؤدي به في أغلب الأحيان إلى الكفر بهذه التيارات جميعها. وما سبب ذلك إلا فقدان فكرة الإمامة من نفوس هؤلاء الشباب الذين لو كان لهم تعلق بإمام وإن كان غائبا عنهم لاستقامت أفكارهم واستقامت حركتهم.

وقول الرسول صلى الله عليه وآله: (من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية (١).

فكون الإمام يعد فيصلا بين الإسلام والجاهلية فهذا يعني عصمته، فأداة معرفة الحق هي جزء من الحق. فالإمام المعصوم سوف يوصلنا إلى الحق المعصوم. أما أدعياء الإمامة فلا يوصلون إلا إلى الباطل.

ومعرفة الإمام في ذاتها هي وسيلة للنجاة من السقوط في الجاهلية التي هي نقيض الإسلام. وهي لا تعني بالضرورة معايشة الإمام أو رؤيته رأي العين.

إنما تعني معرفة خطه وطريقه. فما دام المسلم قد تعرف على خط الإمام وسار

(١) رواه أبو داوود وانظر مسند أحمد..
١٨٣
على طريقه فقد نجا من الجاهلية حتى وإن لم ير الإمام. فإن الهدف هو معرفة الإمام وليس رؤية شخصه. ومعرفة الإمام تعني معرفة الحق.

ولعل هذا هو المقصود من قول الرسول صلى الله عليه وآله: " من فارق لجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه " (١).

وفي رواية أخرى: " فقد مات ميتة جاهلية " (٢).

أو هو المقصود من قوله لحذيفة: " الزم جماعة المسلمين وإمامهم " (٣).

فإن الجماعة المقصودة هنا هي جماعة الإمام المعصوم وليس جماعة الحكام الذين يعبرون عن الصورة الزائفة للإسلام.

ولما كانت الأمة قد انحرفت عن الإمامة فقد انحرفت بالتالي الجماعة ولما استبدلت الإمام بالخلفاء والحكام استبدلت بالتالي جماعة المسلمين الحقة بدول ومجتمعات اعتبر الخروج عن دائرتها خروجا عن دائرة الإسلام. مما قاد الأمة إلى مرحلة الانحطاط الخلقي والاجتماعي والعقائدي مما يوجب ظهور مصلح يقود الأمة ويبعثها من جديد تحت راية الإسلام الحقة التي طواها الحكام وأحلوا مكانها رايات الجاهلية الزائفة.

وهذا هو دور الإمام الغائب أن يعمل على سد هذا الفراغ الكبير الذي أحدثه غياب الأمة عن الإسلام وتبدد صورته الحقيقية. فليست مهمة هذا الإمام تنحصر في الدائرة الاجتماعية أو الاقتصادية، إنما مهمته مهمة عقائدية في المقام الأول، ولعل حالة الانحراف التي كانت سائدة في زمن ولادة الإمام المهدي لم تكن تقتضي أن يتحرك لمواجهتها كما هو حال الأئمة الذين سبقوه. واقتضت حكمة الله أن يدخر هذا الإمام لعصر آخر تكون الحاجة ماسة لظهوره فيه. كما أن ظهوره في عصر هو غريب عنه سوف يكون له أثره الفعال في إنجاح مهمته.

(١) أنظر مسلم والترمذي والنسائي..

(٢) أنظر المراجع السابقة..

(٣) أنظر البخاري ومسلم..

١٨٤
إذ أن تأثير العصر عليه وتأثره به سوف يكون معدوما. مما يجعل صدامه معه أكثر فعالية لا مجال فيه للمهادنة أو التراجع.

إن ضغوط الواقع الدولي لن يكون لها أدنى تأثير على حركة الإمام المهدي لأنه سوف يكون متحررا من هذه الضغوط بحكم كونه ليس من أهل هذا العصر، وهذا من دلائل عصمته. إذ لو كان من أهل هذا الزمان لتأثر به لكون ضغوطه شديدة ومؤثراته أشد. وهو زمان تختلف مقوماته وأوضاعه عن الأزمان الماضية اختلافا كبيرا. كما أن طبيعة الصراع فيه تحتاج إلى قدرات خاصة تفرض العصمة في الإمام الذي سوف يتصدى للمواجهة وحمل راية التغيير في هذا الزمان.

١٨٥

الفصل الرابع
الرجال

١٨٦
١٨٧

تمهيد

هل الحق يعرف بالرجال أم يعرف الرجال بالحق؟

أو السؤال بصيغة أخرى: هل الرجال فوق النصوص، أم النصوص فوق الرجال؟

إن الإجابة على هذا السؤال تكشف لنا جوهر الخلاف بين السنة والشيعة.

ذلك الخلاف الذي بدأ من بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله عندما انحاز قطاع من المؤمنين للإمام علي عليه السلام وانحاز القطاع الأكبر لأبي بكر. فمنذ هذه الفترة ظهر بين المسلمين خطان تفرعت عنهما قضايا ومسائل مواقف واجتهادات (١).

وما نحاول عرضه في هذا الباب هو مدى موقف كل من الخطين من النصوص وموقف النصوص منهما؟

هل كانت النصوص في صف أبي بكر أم في صف علي عليه السلام...؟

هل الذين ساروا على خط أبي بكر اهتدوا إلى ذلك بالنصوص أم حكموا الرجال؟

وهل الذين ساروا على خط علي اهتدوا إلى ذلك بالنصوص أم بشخص علي؟

إن قضية الرجال تعد من أخطر القضايا التي واجهت الملل والنحل على مر الزمان وهي القضية الرئيسية التي تسببت في ضياع بني إسرائيل وأتباع عيسى عليما السلام من بعدهم.

يقول سبحانه: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله) التوبة ٣١.

الأحبار هم علماء اليهود. والرهبان هم عباد النصارى وكلاهما قد جعلا مصدر التحليل والتحريم، أي تم رفعهم فوق النصوص وأصبحوا هم مصدرها.

(١) الخطان هما خط آل البيت. وخط الصحابة أو ما عرف فيما بعد بخط الشيعة وخط السنة. انظر لنا السيف والسياسة.
١٨٨
ومثل هذا النص القرآني إنما يحذر أمة محمد من الوقوع في شرك الرجال واتخاذهم أربابا من دون الله.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل وقعت أمة محمد صلى الله عليه وآله في شرك الرجال أم لا؟

يقول الشاطبي: إن تحكيم الرجال من غير التفات إلى كونهم وسائل للحكم الشرعي المطلوب شرعا ضلال. وما توفيقي إلا بالله وإن الحجة القاطعة والحاكم الأعلى هو الشرع لا غيره. وإن مذهب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله ومن رأى سيرهم والنقل عنهم وطالع أحوالهم علم ذلك علما يقينا (١).

إلا أن هذا الموقف النظري لأهل السنة ليس هناك ما يعضده عمليا على ما سوف نبين من خلال استعراضنا لموقف كل من الشيعة والسنة من الرجال ومن النصوص.

وقد حددنا دائرة الرجال في هذا الباب في محيطين اثنين هما:

- محيط الصحابة.

- محيط آل البيت.

وما نهدف إليه هو محاولة إثبات أن خط الصحابة هو خط الرجال.

وخط آل البيت هو خط النصوص.

(١) الاعتصام للشاطبي، ج ٢ / ٣٥٥ ط. القاهرة.
١٨٩

الصحابة عند أهل السنة

يقول البخاري: من صحب النبي أو رآه من المسلمين فهو من أصحابه (١) ويعلق حجر قائلا: يعني أن اسم صحبة النبي صلى الله عليه وآله مستحق لمن صحبه أقل ما يطلق عليه اسم صحبة لغة وإن كان العرف يخص ذلك ببعض الملازمة.

ويطلق أيضا على من رآه رؤية ولو عن بعد. وهذا الذي ذكره البخاري هو الراجح إلا أنه هل يشترط في الرائي أن يكون بحيث يميز ما رآه أم يكتفي بمجرد حصول الرؤية؟

محل نظرهم ومنهم من بالغ فكان لا يعد في الصحابة إلا من صحب الصحبة العرفية وكذلك روي عن سعيد بن المسيب أنه كان لا يعد من أقام مع النبي صلى الله عليه وآله سنة فصاعدا أو غزا معه غزوة فصاعدا. والعمل على خلاف هذا القول لأنهم اتفقوا على عد جمع جم من الصحابة لم يجتمعوا بالنبي صلى الله عليه وآله إلا في حجة الوداع. ومن اشترط الصحبة العرفية أخرج من له رؤية أو من اجتمع به لكن فارقه عن قرب. ومنهم من اشترط في ذلك أن يكون حين اجتماعه به بالغا وهو مردود أيضا لأنه أخرج مثل الحسن بن علي عليه السلام ونحوه من أحداث الصحابة.

والذي جزم به البخاري هو قول أحمد والجمهور من المحدثين ويرد على التعريف من صحبه أو رآه مؤمنا به ثم ارتد بعد ذلك ولم يعد إلى الإسلام فإنه ليس صحابيا اتفاقا فينبغي أن يزاد فيه - أي في قول البخاري - " ومات على ذلك ". فلو ارتد ثم عاد إلى الإسلام لكنه لم يره ثانيا بعد عوده فالصحيح أنه معدود في الصحابة لإطباق المحدثين على عد الأشعث بن قيس ونحوه ممن وقع له ذلك وإخراجهم أحاديثهم في المسانيد. أما الجن فالراجح دخولهم لأن النبي بعث إليهم قطعا وهم مكلفون فيهم العصاة والطائعون فمن عرف اسمه منهم لا ينبغي التردد في ذكره في الصحابة. وأما الملائكة فيتوقف عدهم فيهم على ثبوت بعثته إليهم فإن فيه خلافا بين الأصوليين حتى نقل بعضهم الإجماع

(١) البخاري كتاب فضائل أصحاب النبي.
١٩٠
على ثبوته وعكس بعضهم، وهذا كله فيمن رآه في قيد الحياة الدنيوية أما من رآه بعد موته وقبل دفنه فالراجح أنه ليس بصحابي (١).

وقد نقل ابن حجر قول شيخ البخاري علي بن المديني: من صحب النبي صلى الله عليه وسلم أو رآه ساعة من نهار فهو من أصحاب النبي (٢).

والقاضي الباقلاني: إن الصحبة لا يوصف بها إلا من كثرت صحبته واتصل لقاؤه ولا يجري هذا لوصف على من لقي النبي ساعة ومشى معه خطأ أو سمع منه حديثا (٣).

ويقول الغزالي: اعلم أن للناس في الصحابة والخلفاء إسرافا في أطراف.

فمن مبالغ في الثناء حتى يدعي العصمة للأئمة، ومنهم متهجم على الطعن يطلق اللسان في ذمة الصحابة. فلا تكونن من الفريقين واسلك طريق الاقتصاد في الاعتقاد. واعلم أن كتاب الله تعالى مشتمل على الثناء على المهاجرين والأنصار وتواترت الأخبار بتزكية النبي صلى الله عليه وسلم إياهم. فينبغي أن تستعمل هذا الاعتقاد في حقهم ولا تسئ الظن بهم (٤).

ويقول ابن حجر: وأصح ما وقفت عليه من ذلك أن الصحابي من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمنا به ومات على الإسلام فيدخل فيمن لقيه من طالت مجالسته له أو قصرت، ومن روى عنه أو لم يرو، من غزا معه أو لم يغز، ومن رآه رؤية ولو لم يجالسه ومن لم يره لعارض كالعمى. ويدخل في قولنا مؤمنا به كل مكلف من الجن والإنس. واتفق أهل السنة على أن الجميع عدول ولم يخالف في ذلك إلا شذوذ من المبتدعة (٥).

(١) فتح الباري: ج ٧ / ٤ وما بعدها.

(٢) المرجع السابق.

(٣) الكفاية، ص ٥١.

(٤) الاقتصاد في الاعتقاد. ط. القاهرة.

(٥) الإصابة في تمييز الصحابة: ج ١ / ٧. ويذكر أن ابن حجر يعتبر الأطفال ممن مات النبي وهم دون سن التمييز صحابة. ويقول إن ذكر أولئك في الصحابة إنما هو على سبيل الالحاق لغلبة الظن على أنه رآهم. وقال ابن حزم: الصحابة كلهم من أهل الجنة قطعا.

١٩١
ويقول ابن الأثير: والصحابة يشاركون سائر الرواة في جميع ذلك إلا في الجرح والتعديل فإنهم كلهم عدول لا يتطرق إليهم الجرح لأن الله عز وجل زكاهم وعدلهم وذلك مشهور لا نحتاج لذكره (١).

ويقول ابن عبد البر: فهم خير القرون وخير أمة أخرجت للناس ثبتت عدالة جميعهم بثناء الله عز وجل عليهم وثناء رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أعدل ممن ارتضاه الله بصحبة نبيه ونصرته ولا تزكية أفضل من ذلك ولا تعديل أكمل منها. قال تعالى: (محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم) الآية (٢).

ويقول الطحاوي: ونحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نفرط في حب أحد منهم. ولا نتبرأ من أحد منهم ونبغض من يبغضهم وبغير الحق يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخير وحبهم دين وإيمان وإحسان وبغضهم كفر ونفاق وطغيان (٣).

ويقول ابن تيمية: ومن أصول أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. ويقبلون ما جاء في الكتاب والسنة والإجماع من فضائلهم ومراتبهم (٤).

ويقول السفاريني: والذي أجمع عليه أهل السنة والجماعة أنه يجب على كل واحد تزكية جميع الصحابة بإثبات العدالة لهم والكف عن الطعن فيهم والثناء عليهم. والاعتقاد بنزاهتهم وأنهم أفضل جميع الأمة بعد نبيهم. هذا مذهب كافة الأمة ومن عليه المعول من الأئمة (٥).

ويقول ابن الصلاح: للصحابة بأسرهم خصيصة وهي أنه لا يسأل عن

(١) أسد الغابة في معرفة الصحابة، ج ١، ط. القاهرة.

(٢) الإستيعاب في معرفة الأصحاب بهامش الإصابة.

(٣) شرح الطحاوية في العقيدة السلفية.

(٤) العقيدة الواسطية شرح خليل هراس. ط. الجامعة الإسلامية، المدينة المنورة.

(٥) الدرة المضيئة وشرحها / عقيدة سفاريني: ج ٢ / ٣٣٨.

١٩٢
عدالة أحد منهم. بل ذلك أمر مفروغ منه لكونهم على الإطلاق معدلين بنصوص الكتاب والسنة والإجماع (١).

ويفسر أهل السنة المقصود بالعدالة بقولهم: تفصيله أن يكون مسلما بالغا عاقلا سالما من أسباب الفسق وخوارم المروءة (٢).

ويقول ابن حجر: والمراد بالعدل ملكة تحمله على ملازمة التقوى والمروءة والمراد بالتقوى اجتناب الأعمال السيئة من شركة أو فسق أو بدعة (٣).

وقال ابن عابدين: العدل من يجتنب الكبائر كلها حتى لو ارتكب كبيرة تسقط عدالته وفي الصغائر العبرة بغلبه أو الإصرار على الصغيرة فتصير كبيرة.

وتعود إليه عدالته إذا تاب (٤).

وروى أبو عروة الزبيري من ولد الزبير: كنا عند مالك بن أنس فذكروا رجلا ينتقص من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ مالك هذه الآية (محمد رسول الله والذين معه) حتى بلغ (يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار) فقال مالك: من أصبح من الناس في قلبه غيظ على أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد أصابته هذه الآية (٥).

وقال القرطبي: لقد أحسن مالك في مقالته وأصاب في تأويله فمن نقص واحدا منهم أو طعن عليه في روايته فقد رد على الله رب العالمين وأبطل شرائع المسلمين (٦).

ويروى عن الرسول صلى الله عليه وسلم: (إن الله اختار أصحابي على العالمين سوى النبيين والمرسلين واختار لي من أصحابي أربعة - يعني أبا بكر وعمر وعثمان وعليا - فجعلهم أصحابي) (٧).

(١) علوم الحديث، ص ٢٦٤.

(٢) المرجع السابق.

(٣) شرح نخبة الفكر. وقال مثله النووي في التقريب، والسيوطي في تدريب الراوي.

(٤) الدر المختار، كتاب الشهادة.

(٥) الجامع لأحكام القرآن، ج ١٦ / ٢٩٦. ط. القاهرة.

(٦) المرجع السابق.

(٧) رواه البزار عن جابر مرفوعا صحيحا.

١٩٣
وقال الآمدي في الأحكام: اتفق الجمهور من الأئمة على عدالة الصحابة، وقال قوم: حكمهم في العدالة حكم من بعدهم في لزوم البحث عن عدالته عند الرواية.

ويقول القرطبي: فالصحابة كلهم عدول. أولياء الله تعالى وأصفياؤه وخيرته من خلقه بعد أنبيائه ورسله، هذا مذهب أهل السنة والذي عليه الجماعة من أئمة هذه الأمة. وقد ذهبت شرذمة لا مبالاة بهم إلى أن حال الصحابة كحال غيرهم فيلزم البحث عن عدالتهم.

ومنهم من فرق بين حالهم في بداءة الأمر. فقال: إنهم كانوا على العدالة إذ ذاك ثم تغيرت بهم الأحوال فظهرت فيهم الحروب وسفك الدماء فلا بد من البحث. وذا مردود ولا يجوز أن ينسب إلى أحد من الصحابة خطأ مقطوع به وقد تعبدنا بالكف عما شجر بينهم وألا نذكرهم إلا بأحسن الذكر لحرمة الصحبة ولنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن سبهم وأن الله غفر لهم وأخبر بالرضا عنهم.

ومن أصحابنا من قال: إن سبيل ما جرت بين الصحابة من المنازعات كسبيل ما جرى بين إخوة يوسف مع يوسف. ثم إنهم لم يخرجوا بذلك عن حد الولاية والنبوة فكذلك الأمر فيما جرى بين الصحابة، وقد سئل الحسن البصري عن قتالهم فقال: قتال شهده أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وغبنا وعلموا وجهلنا واجتمعوا فاتبعنا. واختلفوا فوفقنا (١).

وقد استند أهل السنة في رؤيتهم هذه إلى عدة نصوص من القرآن والأحاديث منها قوله تعالى: (كنتم خير أمة أخرجت للناس) آل عمران / ١١٠.

وقوله: (وكذلك جعلناكم أمة وسطا) البقرة / ١٤٣.

وقوله: (لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم) الفتح / ١٨.

(١) الجامع لأحكام القرآن، ج ١٦ / ٢٩٩ / ٣٢٢.
١٩٤
وقوله: (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه) التوبة / ١٠٠.

وقوله تعالى: (يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين) الأنفال / ٦٤.

وقوله تعالى: (للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضمن الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون) الحشر / ٨.

ومن النصوص النبوية:

قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم) (١). وقوله: (لا تسبوا أصحابي فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصفه) (٢).

وقوله: (الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضا بعدي) (٣).

وقوله: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ) (٤).

ومثل ما يقال حول الصحابة عند أهل السنة يقال مثله عن أمهات المؤمنين زوجات النبي. ومثلما جعلوا أفضل الصحابة أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي. جعلوا الأضواء مركزة على عائشة من دون بقية أزواج النبي صلى الله عليه وسلم واعتبروها حاملة علم الرسول (٥).

(١) البخاري ومسلم.

(٢) البخاري ومسلم وأبو داوود والترمذي.

(٣) الترمذي.

(٤) البخاري.

(٥) أنظر لنا السيف والسياسة. وفقه الهزيمة.

١٩٥
كتاب عقائد السنة وعقائد الشيعة للكاتب صالح الورداني (ص ١٩٦ - ص ٢٢٢)
١٩٦
ولقد ساد في واقع الأمة هذا الرأي الذي تبنته جماعة أهل السنة حول الصحابة بينما ضرب الرأي الآخر ونبذ وهو من داخل الجماعة، بعد أن دعم الحكام هذا الرأي لكونه يخدم مصالحهم ويتيح لهم فرصة استثمار كثير ممن يدخل ضمن هذا التعريف ممن لا يستحقون درجة الصحبة ليروي باسم الرسول صلى الله عليه وسلم الروايات التي تضفي المشروعية على سياساتهم وممارساتهم وأنظمتهم وتفرض على الجماهير طاعتهم (١).

وعلى هذا الأساس طغى الرجال على النصوص وأصبح الحق يعرف بهم لا يعرف بالنصوص واعتبر القوم المساس بهم مساسا بالنصوص.

من هذا اعتبرت قضية الصحابة عند أهل السنة قضية بالغة الحساسية فقد ارتبط بها الدين كله وأي محاولة للطعن فيهم تعتبر طعنا في الدين.

<=

لمواقفه الموالية للحكام والمعادية لآل البيت. فقد بايع معاوية ويزيد والحجاج ولم يبايع الإمام عليا. وصلى وراء الحجاج ومعه أنس بن مالك ومن هنا اخترعت قاعدة جواز الصلاة وراء كل بر وفاجر. كذلك تحولت نصوص عائشة وأبي هريرة ومواقف كل منهما إلى قواعد فقهية تتعبد بها الأمة. انظر لنا فقه الهزيمة فصل الرجال. وانظر أحاديث عائشة للسيد مرتضى العسكري. وأبو هريرة للسيد شرف الدين وأبي رية.

(١) أنظر لنا فقه الهزيمة فصل أوهام. والسيف والسياسة.

١٩٧

الصحابة عند الشيعة

يشكل موقف الشيعة من الصحابة استفزازا كبيرا لأهل السنة، حيث أن الشيعة لا تعطي لهذه المسألة أهمية كبيرة وتعتبرها مسألة عادية ينطبق عليها ما ينطبق على المسلمين. أي أنها لا تميز الصحابة ذلك التمييز الذي يميزه أهل السنة بحيث يرفعونهم فوق المسلمين. وتعتقد أن فيهم المسئ والمصلح والطائع والعاصي والمؤمن والمنافق والتقي والشقي والصدوق والكذوب.

إلا أن هذا لا ينفي أن هناك صحابة على درجة عالية من التقوى والالتزام بنهج الرسول والاخلاص لدعوته تعتقد فيهم الشيعة وتجلهم وتقبل روايتهم عن الرسول مثل عمار بن ياسر وسلمان الفارسي والمقداد وأبو ذر الغفاري وحذيفة بن اليمان وغيرهم.

وفكرة عدالة الصحابة مرفوضة عند الشيعة بصورتها العمومية التي يتبناها أهل السنة كما أن التعريف العائم الذي يتبنونه حول الصحابة مرفوض أيضا.

يقول الأستاذ عباس الموسوي: إن قضية الصحابة هي إحدى القضايا الهامة التي اتخذ فيها الخط الشيعي رأيا معتدلا لا إفراط فيه ولا تفريط. لم يشذ بمسلكه ذاك عن الطريق السوي أو ينفرد وحده بهذا الرأي، بل هناك من المسلمين من غير الشيعة من تبنى رأيهم في الصحابة دون أن تأخذه في الله لومة لائم سيرا وراء الحق واقتفاء للدليل والبرهان (١).

ويقول السيد محسن الأمين: حكم الصحابة في العدالة حكم غيرهم ولا يتحتم الحكم بها بمجرد الصحبة وهي لقاء النبي صلى الله عليه وآله مؤمنا به ومات على الإسلام - على ما قال ابن حجر أنه أصح ما وقف عليه في تعريف الصحابي - وإن ذلك ليس كافيا في ثبوت العدالة بعد الاتفاق على عدم العصمة المانعة من صدور الذنب، فمن علمنا عدالته حكمنا بها وقبلنا روايته ولزمنا له من التعظيم

(١) شبهات حول الشيعة ط. بيروت.
١٩٨
والتوقير بسبب شرف الصحبة ونصرة الإسلام والجهاد في سبيل الله ما هو أهله، ومن علمنا منه خلاف ذلك لم تقبل روايته أمثال مروان بن الحكم والمغيرة بن شعبة والوليد بن عقبة وبسر بن أرطأة وبعض بني أمية وأعوانهم ومن جهلنا حاله في العدالة توقفنا في قبول روايته (١).

ويقول الشيخ السبحاني: ولا يخفى أن التوسع في مفهوم الصحابي على الوجه الذي عرفته في كلماتهم - أهل السنة - مما لا تساعده اللغة والعرف العام فلا تصدق على من ليس له حظ إلا الرؤية عن بعيد أو سماع الكلام أو المكالمة أو المحادثة فترة يسيرة أو الإقامة معه زمنا قليلا. وأظن أن في هذا التبسيط والتوسع غاية سياسية. فأرادوا بهذا التبسيط صرف النصوص الواردة عن ردة ثلة من الصحابة إلى الأعراب وأهل البوادي الذين لم يكن لهم حظ من الصحبة إلا اللقاء القصير بينما هذه النصوص راجعة إلى الذين كانوا مع النبي ليلا ونهارا، صباحا ومساءا (٢).

ويقول الموسوي: إن هؤلاء الصحابة قد أعطوا من الحصانة ما لا يجوز معه أن يذكروا إلا بالتقدير والتعظيم والمدح والثناء. ولا يجوز أن يقترب أحد من ساحتهم بأية علامة استفهام أو سؤال عن تصرف يشعر منه أنه يحط من كرامة أحدهم أو يمس عدالته. هؤلاء الصحابة قد أعطاهم إخواننا السنة ميزة زائدة على جميع المسلمين. إنها ميزة العدالة المطلقة لكل من اتصف أنه صحابي مهما عمل من الموبقات وارتكب من الجرائم والمخازي. إن الصحبة قد هدمت كل شانئة وغفرت كل جرم فلا يجوز في المنطق أن تقول لماذا؟ لمن اتصف بالصحبة أو لمن حمل اسم الصحبة إنها اسم لانسان مبرأ من جميع الذنوب معدل بصبغة اللحظة التي اكتسبها أو الحديث الذي سمعه من النبي صلى الله عليه وآله. ثم إنه بعد إعطائهم هذه العدالة ترتبت أمور وأعطيت لهم امتيازات لم تعط لأحد من الناس.

(١) أعيان الشيعة، ج ١ ق ٢.

(٢) مفاهيم القرآن، ج ٥.

١٩٩
فقد ترتب على القول بعدالتهم أمور منها:

١ - عدم جواز البحث عن حالهم فإذا وصلت الرواية إلى أحدهم انكسر القلم وخرس المنطق فلا يجري عليهم قانون الجرح والتعديل.

٢ - حمل كل ما صدر عنهم من هفوات وعثرات ومذلات ومخالفات على الاجتهاد، فإنه أحسن لجميع المصائب والويلات.

٣ - من يجرح أحدهم فهو خارج عن الدين زنديق يريد أن يجرح الشهود ليبطل الكتاب والسنة لأنهم هم الذين حملوها إلينا (١).

وليس فقط موقف الشيعة المتشدد هذا تجاه الصحابة هو الذي يستفز أهل السنة ويدفعهم إلى الهجوم عليها والطعن فيها، بل إن مما يستفز أهل السنة أكثر الخلفاء الثلاثة أبي بكر وعمر وعثمان ولا تستثنيهم من موقفها بل تركز موقفها عليهم. فالخلفاء الثلاثة في نظر الشيعة يحملون القدر الأكبر من الانحراف الذي حدث بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله. وهم إن كانوا يعدلون بعض الصحابة فقد استثنوا الخلفاء من هذا التعديل بل قدموا هؤلاء الصحابة عليهم. فعمار وأبو ذر وسلمان وحذيفة والمقداد وجابر بن عبد الله وبلال وغيرهم مقدمون على أبي بكر وعمر وعثمان. كما يعتقدون أن محاولة رفع الخلفاء الثلاثة وتقديسهم إنما هي من صنع السياسة بهدف ضرب الإمام علي وخط أهل البيت عليهم السلام (٢).

ونفس الموقف على أمهات المؤمنين، فالشيعة لا تعدل عائشة ولا حفصة وتقدم عليهما السيدة خديجة وأم سلمة. وتعتقد أن رفع عائشة وتقديسها إنما هو غرض سياسي الهدف منه تحجيم دور السيدة خديجة في حركة الدعوة وتقليص حجم السيدة فاطمة عليها السلام ومكانتها الشرعية (٣).

(١) شبهات حول الشيعة.

(٢) أنظر معالم المدرستين ج ١، للسيد مرتضى العسكري، وانظر لنا السيف والسياسة، وانظر الفصل القادم.

(٣) أنظر المراجع السابق ذكرها.

٢٠٠