×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

عقائد السنة وعقائد الشيعة / الصفحات: ٤١ - ٦٠

وكل الأطروحات الوهابية القديمة والمعاصرة إنما تعكس فكر ابن تيمية ومعتقداته ومن ثم فإن الحديث عن عقيدة ابن تيمية يعتبر حديثا عن عقيدة الوهابيين كذلك الحديث عن عقيدة الوهابيين يعد حديثا عن عقيدة ابن تيمية..

وقد ركزنا في هذا الباب على عقيدة ابن تيمية ووضعها عند أهل السنة.

لما لهذه العقيدة ولصاحبها من دور وتأثير على مسلمي اليوم الرين تشبعوا بهذه العقيدة تحت ضغط المد الوهابي السعودي الذي اخترق التجمعات الإسلامية في كل مكان..

وبالنسبة للشيعة فإن قضية التوحيد عندهم تنبع من مصدر واحد وهو الأئمة وعلى رأسهم إلمام علي عليه السلام. فمن ثم لا يوجد في دائرة الشيعة ذلك الخلاف والتناحر حول المسائل العقائدية المتعلقة بأسماء الله وصفاته ومكانه واسستوائه سبحانه..

٤١

التوحيد عند أهل السنة

التوحيد عند السلف:

يقول القرطبي:.. كان السلف الأول لا يقولون بني الجهة ولا ينطقون بذلك. لا نطقوا هم والكافة بإثباتها لله تعالى كما نطق كتابه وأخبرت رسله.

ولم ينكر أحد من السلف الصالح أنه استوى على عرشه حقيقة. وخص العرش بذلك لأنه أعظم مخلوقاته. وإنما جهلوا كيفية الاستواء فإنه لا تعلم حقيقته.

قال مالك: الاستواء معلوم - يعني اللغة - والكيف مجهول. والسؤال عنه بدعة. وكذا قالت أم سلمة.. (١).

ويقول الغزالي: إعلم أن الحق الصريح الذي لا مراء فيه عند أهل البصائر هو مذهب السلف. أعني الصحابة والتابعين. وها أنا أورد بيانه وبيان برهانه. فأقول: حقيقة مذهب السلف وهو الحق عندنا أن كل من بلغه حديث من الأحاديث من عوام الخلق يجب عليه سبعة أمور: التقديس والتصديق ثم الاعتراف بالعجز ثم السكوت ثم الامساك ثم الكف ثم التسليم لأهل المعرفة.. أما التقديس فأعني به تقديس الرب سبحانه وتعالى عن الجسمية وتوابعها..

وأما التصديق فهو اليمان بما قاله صلى الله عليه وآله وأن ما ذكره حق وهو فيما قال صادق وأنه على الوجه الذي قاله وأراده..

وأما الاعتراف بالعجز فهو أن يقر بأن مراده ليست على قدر طاقته وأن ذلك ليس من شأنه وحرفته..

وأما السكوت فإنه لا يسأل عن معناه ولا يخوض فيه ويعلم أن سؤاله عنه بدعة وأنه في خوضه فيه مخاطر بدينه. أنه يوشك أن يكفر لو خاض فيه من حيث لا يشعر..

(١) الجامع لأحكام القرآن..
٤٢
وأما الامساك فأن لا يتصرف في تلك الألفاظ بالتصريف والتبديل بلغة أخرى والزيادة والنقصان منه والجمع والتفريق بل لا ينطق إلا بذلك اللفظ وعلى ذلك الوجه من الايراد والإعراب والتصريف..

وأما الكف فأن يكف باطنه عن البحث عنه والتفكر فيه..

وأما التسليم لأهله فأن لا يعتقد أن ذلك إن خفي على رسول الله صلى الله عليه وآله أو على الأنبياء أو على الصديقين والأولياء..

فهذه سبع وظائف اعتقد كافة السلف وجوبها على العوام لا ينبغي أن يظن بالسلف الخلاف في شئ منها.. (١).

وسئل الشافعي عن الاستواء فقال: آمنت بلا تشبيه وصدقت بلا تمثيل..

واتهمت نفسي في الإدراك. أمسكت عن الخوض فيه كل الامساك.. (٢).

وقال أبو حنيفة: من قال لا أعرف الله في السماء هو أم في الأرض هو، فقد كفر لأن هذا يوهم أن لله مكانا ومن توهم أن لله مكانا فهو مشبه.. (٣).

ويقول ابن خلدون:.. ثم وردت في القرآن آي أخرى قليلة توهم التشبيه مرة في الذات وأخرى في الصفات.

أما السلف فغلبوا أدلة التنزيه لكثرتها ووضوح دلالتها وعلموا استحالة التشبيه وقضوا بأن الآيات من كلام الله فآمنوا بها ولم يتعرضوا لمعناها ببحث ولا تأويل..

لجواز أن تكون ابتلاء فيجب الوقف والاذعان له.. (٤).

(١) إلجام العوام عن علم الكلام. الرسالة الربعة من رسائل الغزالي المطبوعة تحت عنوان القصور العوالي من رسائل الإمام الغزالي ط. القاهرة.

(٢) حل الرموز أو زيد خلاصة التصوف للعز بن عبد السلام.

(٣) المرجع السابق وسئل ابن حنبل عن الاستواء، فقال: استوى كما أخبر لا كما يخطر للبشر..

(٤) مقدمة ابن خلدون..

٤٣
ويقول الفخر الرازي: حاصل هذا المذهب أن هذه المتشابهات يجب القطع بها بأن مراد الله تعالى منها شئ غير ظواهرها.. ثم يجب تفويض معناها إلى الله تعالى ولا يجوز الخوض في تعسيرها.. (١).

ويقول التفتزاني في معرض كلامه عن تنزيه الله عز وجل عن مشابهته للحوادث: إن ذلك وهم محض وحكم على غير المحسوس بأحكام المحسوس والأدلة القطعية قائمة على التنزيهات. فيجب أن يفوض علم النصوص إلى الله تعالى على ما هو دأب السلف إيثارا للطريق الأسلم. أو تؤول بتأويلات صحيحة على ما اختاره المتأخرون دفعا لمطاعن الجاهلين وجذبا لطبع القاصرين سلوكا للسبيل الأحكم.. (٢).

وسئل يحيى بن معاذ الرازي: أخبرنا هن الله تعالى..؟

قال: إله واحد..

فقيل كيف هو..؟

قال: إله قادر..

قيل: أين هو..؟

قال: بالمرصاد..

قيل: لم نسألك عن هذا..

قال: ما كان هذا صفة المخلوقين. فإما صفة الخالق فالذي أخبرته عنه.. (٣).

ويقول ابن قائد الجندي: مذهب سلف الأمة وأئمتها أنهم يصفون الله تعالى بما وصف به نفسه. وبما وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل. فيثبتون له ما أثبته لنفسه من الأسماء والصفات

(١) أساس التقديس..

(٢) شرح العقائد للنسفي.

(٣) حل الرموز..

٤٤
وينزهونه عما نزه نفسه من مماثلة المخلوقات إثباتا بلا تمثيل وتنزيها بلا تعطيل قال تعالى: (ليس كمثله شئ وهو السميع البصير) " الشورى / ١١ " (١).

وقال بعضهم: المعطل يعبد عدما. والمشبه يعبد صنما. والموحد يعبد إلها واحدا صمدا.. (٢).

وحديث الجارية المشهور عند أهل السنة التي سألها الرسول صلى الله عليه وآله: أين الله؟ قالت في السماء.. يستدل به أهل السنة على أن الله في السماء. لكنهم يستدركون أن هذا لا يعني أن الله في جوف السماء وأن السماوات تحصره وتحويه. فإن هذا لم يقله أحد من سلف الأمة وأئمتها. بل هم متفقون أن الله فوق سمواته على عرشه بائن عن خلقه. ليس في مخلوقاته شئ من ذاته ولا في ذاته شئ من مخلوقاته. وقد قال مالك: إن الله في السماء وعلمه في كل مكان.. (٣).

ويتفق أصحاب المذاهب الأربعة وغيرهم أن الله لم يزل متكلما كيف شاء وإذا شاء بلا كيف يأمر بما شاء ويحكم.. (٤).

وينقل عن الشافعي قوله: آمنت بما جاء عن الله على مراد الله. وبما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وآله على مراد رسول الله.. (٥).

ويقول البيهقي: أما وحدانيته في ذاته سبحانه فمعناها أن ذاته العلية لا تتركب من أشياء مادية ولا عقلية ولا من أصول غير مادية فلا تحوم حول حماها المقادير والمساحات والأشكال ونحوها وقد برهنه القرآن ببيان أن له سبحانه الغنى الأكمل ووجوب الوجود لتركب في الذات واتصافها بالمقدار ولوازمه يستلزمان الحاجة إلى الغير والافتقار إلى السوي وينافيان وجوب الوجود

(١) نجاة الخلف في عقائد السلف. ط. القاهرة..

(٢) المرجع السابق.

(٣) المرجع السابق.

(٤) المرجع السابق.

(٥) أنظر الفتوى الحموية والرسالة المدينة لابن تيمية والشافعي لمحمد أبي زهرة..

٤٥
ويقتضيان الاتصاف بالامكان، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا فهو واجب الوجود وهو الأول والآخر وهو الغني الحميد.. (١).

بين السلف والخلف:

سوف نورد هنا عددا من النصوص القرآنية والنبوية ونبين موقف السلف والخلف منها فمما الجهة قوله تعالى: (يخافون ربهم من فوقهم)..

السلف يقولون فوقية لا نعلمها..

والخلف يقولون المراد بالفوقية التعالي في العظمة..

وقوله تعالى: (الرحمن على العرش استوى)..

السلف يقولون استواء لا نعلمه..

والخلف يقولون المراد به الاستيلاء والملك..

ومما يوهم الجسمية قوله تعالى: (وجاء ربك)..

وقول الرسول صلى الله عليه وآله: ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا.. (٢).

السلف يقولون مجئ ونزول لا نعلمه..

والخلف يقولون المراد من الآية: وجاء عذاب ربك أو وجاء أمر ربك الشامل للعذاب والمراد ومن الحديث ينزل ملك ربنا فيقول عن ربنا..

ومما يوهم الصورة قول الرسول صلى الله عليه وآله:.. إن الله خلق آدم على صورته.. (٣).

السلف يقولون صورة لا نعلمها..

والخلف يقولون المراد بالصورة الصفة من سمع ويصر وعلم وحياة..

ومما يوهم الجوارح قوله تعالى: (ويبقى وجه ربك..) " الرحمن / ٥٥ ".

(١) أنظر الأسماء والصفات للبيهقي..

(٢) أنظر شرح البيجوري على الجوهرة المسمى تحفة المريد على جوهرة التوحيد..

(٣) المرجع السابق.

٤٦
وقوله: (يد الله فوق أيديهم)..

وقول الرسول صلى الله عليه وآله: إن قلوب بني آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن..).

فالسلف يقولون لله وجه ويد وإصبع لا نعلمها..

والخلف يقولون المراد من الوجه الذات ومن اليد القدرة والمراد من قوله بين إصبعين من أصابع الرحمن بين صفتين من صفاته وهاتان الصفتان القدرة والادارة..

ومما يوهم الرؤية لله تعالى قوله: (وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة).

وقول الرسول صلى الله عليه وآله: إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر).. (١).

فالسلف مجمعون على رؤية الله يوم القيامة..

والخلف يقولون: إن النظر في الآية هو الانتظار..

واتجاه الخلف أو أصحاب التأويل شن عليهم ابن تيمية هجوما شديدا واضطر في مواجهتهم إلى إنكار المجاز في القرآن واعتبر اللغة حقيقة فقط مدعيا أن تقسيم اللغة إلى حقيقة ومجاز، بدعة على ما سوف نبين عند استعراض اتجاه ابن تيمية.. ويبدو أن هذا الموقف من قبل ابن تيمية محاولة منه لتفويت الفرصة على خصومه من أهل التأويل الذين يبنون موقفهم من آيات الأسماء والصفات على أساس المجاز كما هو واضح من خلال المقارنات السابقة..

ومن جانب آخر شن خصوم ابن تيمية عليه هجوما شديدا واتهموه بفساد العقيدة وتحريمه بعض المباح ومخالفته للأئمة الأربعة والتحدث بلسان السلف ونسبة الجهة والتجسيم والتشبيه لهم.. (٢).

(١) المرجع السابق.

(٢) أنظر ابن تيمية سلفيا ط. القاهرة عام ٧٠. والدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة لابن حجر ج ١ ص ١٤٧. أنه نودي في دمشق اعتقد ابن تيمية حل دمه وماله. وانظر أيضا الفتاوى الحديثية لابن حجر الهيتمي ص ٨٦ وفيها تصريح الفقهاء أن ابن تيمية عند خذله الله وأضله وأعماه

=>

٤٧
كتاب عقائد السنة وعقائد الشيعة للكاتب صالح الورداني (ص ٤٨ - ص ٦٧)
٤٨
ومع كون أهل السنة يعدون خصوما لهذه الفرق وينطبق عليهم ما ينطبق على الآخرين. إلا أنهم لا يتحلون بصفة تميزهم عن الآخرين وتمنحهم القيمومة عليهم..

ويبدو أن تحالف أهل السنة مع القوة الحاكمة على مر التاريخ. ذلك التحالف الذي منحهم الشرعية والاستقرار على ساحة الواقع واستقطاب القطاع الأكبر من جماهير المسلمين قد جعلهم يغترون بأنفسهم ويتعالون على الفرق الأخرى..

إن أهل السنة ينظرون لمخالفيهم نظرة استعلاء وهذه النظرة نابعة من اعتقادهم أنهم جماعة الحق وأنهم الفرقة الناجية. وبالطبع مثل هذا الاعتقاد لا بد أن يقودهم إلى الاستهانة بالآخرين والشك في عقائدهم..

وهذا يفسر لنا منطق المحاكمة وليس المناقشة الذي يحكم أي حوار يدور بين أهل السنة والشيعة..

ومن خلال تجاري الطويلة في الوسط الإسلامي وشتى الحوارات التي أجريتها مع مختلف التيارات خرجت بقناعة أن جميع تيارات أهل السنة لا تحاور بهدف متجرد أو تناقش منطق الباحث عن الحق. وإنما يحكم النقاش دائما منطق الخصومة والتعالي. فهم يناقشون بهدف إخضاع الطرف الآخر أو إصدار حكم فيه..

وكنت كثيرا ما أشترط بداية قبل الدخول في أي حوار أو نقاش مع طرف سني أن يتم التخلي عن منطق " صاحب حق يناقش صاحب باطل " فإن هذا الحوار لن يجدي بهذه الصورة ولن يؤدي إلا إلى زيادة التباعد والخصومة.

فالحكم ببطلان رؤية المناقش بداية يعني الأمر محسوم من قبل المناقش.

وهو في هذه الحالة لن يكون إلا صورة من صور المحاكمة الفكرية.. (١).

وهذا المنطق الذي ساد الوسط الإسلامي السني في مواجهة الشيعة إنما يعود سببه إلى هيمنة الفكر الوهابي المتعصب النابع من خط ابن تيمية الذي يكن عداءا شديدا للشيعة وللمخالفين له بوجه عام..

(١) أنظر لنا الشيعة والسنة حوارات ومناقشات..
٤٩
وخط ابن تيمية القديم أو الخط الوهابي الحديث إنما ينبع تعصبه من كونه يعتقد أنه يمثل عقيدة السلف ويتحدث بلسانهم. وليس هذا الأمر في حقيقته إلا مجرد ادعاء لا يمثل الحقيقة في شئ على ما سوف نبين عند استعراض موقف ابن تيمية والوهابيين من قضية التوحيد..

إن طبيعة التساؤلات التي كانت توجه إلي بمجرد التعرف على هويتي الفكرية إنما تكشف مدى تعمق منطق المحاكمة لدى الطرف السني..

فأول سؤال كان يوجه إلي هو: لماذا تسبون الصحابة..؟

وما هو موقفكم من أبي بكر وعمر..؟

ولماذا تبيحون زواج المتعة..؟

وهل لديكم قرآن سري..؟

ولماذا تفضلون الأئمة على الأنبياء..؟

فإذا كان جواب هذه التساؤلات بالنفي مع الإقرار بعدم وجود قرآن سري وعدم تفضيل الأئمة على الأنبياء والاعتراف بخلافة أبي بكر وعمر حكم بصحة عقيدتنا. وإذا كان الجواب بغير ذلك حكم بفسادها..

أي أن مقياس صحة الاعتقاد أو فساده عند أهل السنة إنما يقوم على أساس الموقف من الرجال خاصة أبي بكر وعمر. فهؤلاء الرجال العدول المقدسون عندهم المساس بهم يعتبر مساسا بالدين.. (١).

ومن الواضح أن مثل هذه القضايا التي تطرحها هذه التساؤلات المتعلقة بالرجال لا تتعلق بصلب العقيدة ولا ينبني على أساسها كفر وإيمان، لكنها عند أهل السنة بلغت هذا الحد وأصبحت من صلب العقيدة.. (٢).

ومنطق أهل السنة في حوارهم مع الآخرين إنما يذكرنا بأسلوب محاكم التفتيش ولعل هذا المنطق أحد الأسباب الرئيسية التي أدت إلى فشل الحركة

(١) أنظر باب الرجال من هذا الكتاب..

(٢) أنظر باب الإمامة من هذا الكتاب..

٥٠
الإسلامية وعزلها عن الجماهير. لكون هذه الحركة تتبنى هذا المنطق وهي متشبعة بالفكر الوهابي وتمارسه عمليا على الملأ مما شكك الجماهير في مدى تبنيها لحرية الفكر واحترام الرأي الآخر بل دفعها إلى الخوف من تطبيق إسلامي على هذه الصورة..

وهذا المنطق أيضا هو الذي فتح الباب أمام خصوم الحركة الإسلامية وعلى رأسهم العلمانيون للطعن في الصرح الذي تتبناه والتشكيك فيه..

التوحيد والسياسة:

هل تدخلت السياسة في صياغة عقيدة التوحيد ودعمها عند أهل السنة..؟

إن استقراء أحداث التاريخ ومواقف الحكام من أهل السنة تشير إلى صحة هذا الادعاء.. فعندما كانت فرقة الخوارج تقف في مواجهة الأمويين وتقول بكفر مرتكب الكبيرة. وجد الأمويون في اتجاه المرجئة مخرجا لهم في مواجهة هذا الاتجاه الذي سبب لهم حرجا كبيرا لاعتكافهم على المعاصي كبيرها وصغيرها. كما وجدوا في اتجاه الفقهاء السائد الحصانة التي يريدونها لأنهم لا يكفرون مرتكب الكبيرة..

والمتأمل في قصة الجهم بن صفوان الذي تنسب إليه فرقة الجبرية يجد أنه تناول فكرة الجبر من الجعد بن درهم. والجعد بن درهم أخذها من اليهود كما يروى..

ومن المعروف أن الجعد بن درهم على صلة وثيقة بالقصر الأموي وقد تسلم مهمة حساسة داخلة فيه وهي تربية الخلفاء الأمويين..

ورغم ذلك كانت النتيجة هي إعدام الجهم لا الجعد.. (١).

ويبدو من خلال حركة الجبرية هذه أنها كانت تتركز في الشام أكثر من أي مكان آخر مما يشير إلى أن الأمويين كانوا يستثمرونها لصالحهم حتى تبرر الناس

(١) كان الجعد بن درهم مربيا لآخر خلفاء بني أمية مروان بن محمد. ويروى أن الجعد أعدم بعد ذلك انظر لنا الكلمة والسيف وفقه الهزيمة فصل العقيدة..
٥١
أفعالهم ومنكراتهم من جهة وحتى تواجه بها الفرق الأخرى التي تنابذهم كالقدرية بزعامة غيلان الدمشقي ومعبد الجهني.. (١).

ويظهر هذا الأمر أيضا في تبني بعض حكام بني العباس والسلاجقة من بعدهم خط الأشعري وتبني البعض الآخر خط الخلف. كما تبنى المأمون والمعتصم والواثق منهج المعتزلة واصطدموا بأهل السنة وبطشوا بهم مما أدى إلى خلق رد فعل لدى الخلفاء الذين خلفوهم فاحتضنوا أهل السنة ودعموهم. وقد تبنى بعض حكام المماليك خط ابن تيمية وعلى رأسهم محمد بن قلاوون وصديق ابن تيمية.. (٢).

وفي الحقبة النفطية المعاصرة تبنى حكام السعودية خط الوهابية الذي تفرخ من مدرسة ابن تيمية ويعتبر امتدادا لها. ودعموه وعملوا على نشره في كل مكان من بقاع العالم الإسلامي حتى أصبح يمثل اعتقاد الحركات الإسلامية. في مصر وأفغانستان واليمن والخليج وأوروبا وكل بقعة يتواجد بها المسلمون..

وعلى الرغم من حجم الخلاف بين مدرسة ابن تيمية والمدارس الأخرى السنية التي تمثل الإجماع في مواجهتها فإن طرح ابن تيمية الشاذ هو الذي ساد على حساب الاتجاهات الأخرى والسبب كما هو واضح هو دعم حكام آل سعود.. (٣).

من هنا نشأ التعصب والجمود الذي صبغ الحركة الإسلامية المعاصرة.

كما نشأ التطرف والتكفير في مواجهة المخالفين.. ووقعت الحركة الإسلامية المعاصرة في مأزق فكري جعلها تتخبط في حركتها وتصورها وشغلها بالفروع أو بتعبير آخر شغلها بالمسلمين بدلا من أن يشغلها بأعداء الإسلام مما جعلها فريسة سهلة ولقمة سائغة للقوى الحاكمة المتربصة.

(١) أنظر كتب الفرق والعقائد ودراسات في العقيدة الإسلامية لمحمد جعفر شمس الدين.

(٢) اضطهد بني بويه الأشاعرة ثم نصرهم السلاجقة بعد ذلك ليتحالفوا معهم في مواجهة الفاطميين الشيعة في مصر وكان صلاح الدين شافعيا وفرض المذهب الأشعري المصريين كذلك فعل الظاهر بيبرس. وكتب ابن تيمية كتاب الجواب الباهر لزوار المقابر للسلطان محمد بن قلاوون المملوكي وأثنى عليه في مقدمة الكتاب ومدحه كثيرا..

(٣) طبعت الفتاوى الكبرى لابن تيمية (٣٧ مجلدا) على نفقة خادم الحرمين وتوزع مجانا والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: ما هي مصلحة آل سعود في نشر خط ابن تيمية وأفكاره..؟

٥٢
وهذه نتيجة طبيعية لتبني خط ابن تيمية الذي يرفع شعار التوحيد الخالص ويزندق مخالفيه ويصطرع مع العامة تارة ومع العلماء تارة ومع الفرق تارة أخرى وفي النهاية هو في خدمة الحكام..

وهكذا تحولت صورة التوحيد الذي طرحه ابن تيمية إلى الصورة المثلى المعبرة عن الإسلام ولم يعد هناك وجود للطرح الآخر إلا على صفحات الكتب. وبدا الأمر للشباب المسلم الناشئ وبسطاء المسلمين أن هذا هو الإسلام وأن ابن تيمية هو شيخ الإسلام الذي نهض لنصرة التوحيد والذي ترفع الحركات الإسلامية رايته في مواجهة المسلمين قبل أن ترفعها في مواجهة أعداء المسلمين.

ترفعها في مواجهة الصوفية.

وترفعها في مواجهة الشيعة..

وترفعها أيضا في مواجهة السنة الذين يخالفونها..

فكل هؤلاء مشركون لأنهم لا يقرون عقيدة ابن تيمية ويخالفون أصول التوحيد الذي جاء به شيخ الإسلام والذي أعلن هو وتابعه ابن عبد الوهاب أن نواقض الإسلام عشرة من لا يعرفها وقع في الشرك الأكبر وكان في عداد الهالكين وأول هذه النواقض الشرك في عبادة الله والذبح لغير الله. والثاني من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويسألهم الشفاعة كفر إجماعا. والإجماع المقصود هنا هو إجماع الوهابية بالطبع، والثاني والثالث من لم يكفر المشركين أو يشك في كفرهم أو صحح مذهبهم كفر. والمقصود بالمشركين هنا المسلمون الذين يخالفون الوهابية. الرابع من اعتقد أن غير هدي النبي صلى الله عليه وسلم أكمل من هديه أو أن حكم غيره أحسن من حكمه فهو كافر. الخامس من أبغض شيئا مما جاء به الرسول ولو عمل به كفر. السادس من استهزأ بشئ من دين الرسول أو ثوابه أو عقابه كفر السابع من فعل السحر أو رضي به كفر. الثامن من ظاهر المشركين وأعانهم على المسلمين كفر. التاسع من اعتقد أن بعض الناس يسعه الخروج عن شريعة محمد كما وسع الخضر الخروج على شريعة

٥٣
موسى فهو كافر. العاشر من أعرض عن دين الله لا يتعلمه ولا يعمل به فقد كفر..

ولا فرق في جميع هذه النواقض بين الهازل والجاد والخائف والمكره.. (١).

هذه هي أحدث صور التوحيد التي تفرخت عن أهل السنة وهي كما تبدو صورة قاتمة مخيفة تبرر استحلال دماء المخالفين من أهل القبلة وجهادهم وهو ما يشهد به تاريخ الحركة الوهابية فهي لم تشهر سيفا ولم تطلق طلقة بندقية في مواجهة الكفار الحقيقيين وإنما كانت سيوفها وبنادقها مسلطة دائما على المسلمين.. (٢).

وختاما نعرض أمام القارئ فتوى من فتاوى أولاد عبد الوهاب توجب تخريب بيوت المسلمين وإشعال الفتن بينهم وذبح بعضهم بعضا باسم التوحيد..

تقول الفتوى: إن الرجل لا يكون مسلما إلا إذا عرف التوحيد ودان به وعمل بموجبه.. فمن قال لا أعادي المشركين أو عاداهم ولم يكفرهم. أو قال لا أتعرض أهل لا إله إلا الله ولو فعلوا الشرك والكفر وعادوا دين الله. أو قال لا أتعرض القباب فهذا لا يعد مسلما بل هو ممن قال الله فيهم (ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا * أولئك هم الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا..) (٣).

(١) مجموعة التوحيد الرسالة الأولى ص ٣٣ ط. دار الفكر - القاهرة وكذلك ذكر ابن باز هذه النواقض في كتابه العقيدة الصحيحة ونواقض الإسلام طبع على نفقة فاعل خير ويوزع مجانا.. وتأمل هذه النواقض العشرة وسوف يتبين لك أنها موجهة للمخالفين للوهابية من الصوفية والشيعة..

(٢) تاريخ الوهابية حافل بالمذابح لأهل القبلة على مستوى الجزيرة العربية وخارجها والمذابح التي ارتكبوها في النجف وكربلاء حيث أحرقوا المساجد ونهبوها وقتلوا الأطفال والنساء أثناء غاراتهم على بلاد (الشرك) هذه المذابح مشهورة ومعروفة للجميع وقد سلط الله عليهم حاكم مصر محمد علي الذي غزا الجزيرة العربية وشتت جموعهم ومزقهم شر ممزق لكنه لم يستطع القضاء على دعوتهم.. انظر لنا فقهاء النفط وابن باز فقيه آل سعود.

(٣) مجموعة التوحيد رسالة بيان النجاة والفكاك من موالاة المرتدين وأهل الاشراك..

٥٤
ويلاحظ هنا أن الشرك هو التوسل وزيارة القبور ودين الله المقصود به مذهب الوهابية. أما المشركون فهم المسلمون..

ويقول الشهرستاني: إن السلف من أصحاب الحديث لما رأوا توغل المعتزلة في علم الله ومخالفة السنة التي عهدوها من الأئمة الراشدين ونصرهم جماعة من بني أمية على قولهم بالقدر وجماعة من خلفاء بني العباس على قولهم بنفي الصفات وخلق القرآن تحيروا في تقرير مذهب أهل السنة والجماعة في متشابهات آيات الكتاب وأخبار النبي صلى الله عليه وآله. وداود بن علي الأصفهاني وجماعة من السلف جروا على منهاج السلف المتقدمين عليهم من أصحاب الحديث مثل مالك بن أنس ومقاتل بن سليمان وسلكوا طريق السلامة، فقالوا نؤمن بما ورد به الكتاب والسنة ولا تنعرض للتأويل بعد أن نعلم قطعا أن الله عز وجل لا يشبه شيئا من المخلوقات. وأن كل ما تمثل في الوهم فإنه خالقه ومقدره وكانوا يحترزون عن التشبيه إلى غاية أن قالوا من حرك يده عند قراءته خلقت بيدي أو أشار بإصبعه عند روايته قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن. وجب قطع يده وقلع إصبعه. وقالوا إنما توقفنا في تفسير الآية وتأويلها لأمرين.

أحدهما: المنع الوارد في التنزيل في قوله تعالى: (فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله..) فنحن نحترز من الزيغ..

والثاني: إن التأويل أمر مظنون بالاتفاق والقول في صفات الباري بالظن غير جائز فلربما أولنا الآية على غير مراده فوقعنا في الزيغ بل نقول كما قال الراسخون في العلم كل من عند ربنا آمنا بظاهره وصدقنا بباطنه ووكلنا علمه إلى الله تعالى ولسنا مكلفين بمعرفة ذلك إذ ليس من شرائط الإيمان وأركانه.. (١).

التوحيد عند ابن تيمية:

يقسم ابن تيمية التوحيد إلى ثلاثة أقسام:

الأول: توحيد الأسماء والصفات..

(١) الملل والنحل، ج ١..
٥٥
الثاني: توحيد الربوبية..

الثالث: توحيد الألوهية.. (١).

والأول يعني إثبات ما أثبته لنفسه في كتابه وسنة رسوله من الأسماء والصفات على الوجه اللائق به من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل..

وقد ضل في هذا الأمر طائفتان:

إحداهما المعطلة الذين أنكروا الأسماء والصفات أو بعضها زاعمين أن إثباتها لله يستلزم التشبيه..

والطائفة الثانية: المشبهة الذين أثبتوا الأسماء والصفات مع تشبيه الله تعالى بخلقه زاعمين أن هذا مقتضى دلالة النصوص لأن الله تعالى يخاطب العباد بما يفهمون.. (٢).

أما القسم الثاني: فيعني أن الله هو الرب المتفرد بالخلق والرزق والتدبير..

والثالث: يعني الاعتراف بأن الله ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين وإفراده وحده بالعبادة كلها وإخلاص الدين لله وحده وهو يتضمن القسمين الأولين.. (٣).

ويثبت ابن تيمية لله العلو: علو الله تعالى من صفاته الذاتية وينقسم إلى قسمين:

علو ذات..

وعلو صفات..

فأما علو الذات فمعناه أن الله بذاته فوق جميع خلقه.

وأما علو الصفات فمعناه أنه ما من صفة كمال إلا ولله تعالى أعلاها وأكملها سواء أكانت من صفات المجد والقهر أم من صفات الجمال والقدر..

(١) التوحيد لابن عبد الوهاب والعقيدة الواسطية والعقيدة الصحيحة لابن باز..

(٢) رسائل في العقيدة لمحمد بن عثيمين الرسالة الثانية: فيح رب البرية بتلخيص الحموية..

(٣) العقيدة الواسطية..

٥٦
فتارة يذكر العلو والفوقية والاستواء على العرش وكونه في السماء مثل قوله تعالى: (وهو العلي العظيم).

وقوله: (سبح اسم ربك الأعلى).

وقوله: (يخافون ربهم من فوقهم).

وقوله: (الرحمن على العرش استوى).

وقوله: (أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض).

وقول الرسول صلى الله عليه وآله: " والعرش فوق ذلك والله فوق العرش "..

وقوله صلى الله عليه وآله: " ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء "..

وتارة بصعود الأشياء وعروجها ورفعها إليه..

مثل قوله تعالى: (إليه يصعد الكلم الطيب).

وقوله: (تعرج الملائكة والروح إليه).

قوله: (بل رفعه الله إليه).

وقول الرسول صلى الله عليه وآله: " لا يصعد إلى الله إلا الطيب ".

وقوله: " يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل "..

وتارة بنزول الأشياء منه..

ونحو ذلك قوله تعالى: (تنزيل من رب العالمين).

وقوله: (قل نزله روح القدس من ربك).

وقوله صلى الله عليه وآله: " ينزل ربنا إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر..

ويذهب ابن تيمية أن لله وجها حقيقيا يليق به موصوفا بالجلال والإكرام وقد دل ثبوته لله الكتاب والسنة..

فمن أدلة الكتاب قوله تعالى: (ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام).

(١) رسائل في العقيدة الرسالة الثانية..
٥٧
ومن أدلة السنة قول الرسول صلى الله عليه وآله: " وأسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك..

فوجه الله تعالى من صفاته الذاتية الثابتة له حقيقة على الوجه اللائق به ولا يصح تحريف معناه إلى الثواب.. (١).

ويذهب ابن تيمية أن لله تعالى يدين اثنتين مبسوطتين بالعطاء والنعم..

وهما من صفاته الذاتية الثابتة له حقيقة على الوجه اللائق به..

وقد دل على ثبوتها لكتاب والسنة..

فمن أدلة الكتاب قوله تعالى: (ما منعك أن تسجد لما خلت بيدي).

ومن أدلة السنة قول الرسول صلى الله عليه وآله: " يد الله ملأى سماء الليل والنهار أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض فإنهم لم يغض ما في يمينه..

وينقل ابن تيمية على لسان أهل السنة أنهم أجمعوا على أنهما يدان حقيقيتان لا تشبهان أيدي المخلوقين ولا يصح تحريف معناهما إلى القوة أو النعمة أو نحو ذلك.. (٢).

وينقل ابن تيمية على لسان أهل السنة أن لله عينين اثنتين ينظر بهما حقيقة على الوجه اللائق به وهما من الصفات الذاتية الثابتة بالكتاب والسنة.

فمن أدلة الكتاب قوله تعالى: (تجري بأعيننا).

ومن أدلة السنة قول الرسول صلى الله عليه وآله: " إن ربكم ليس بأعور.. ".

فهما عينان حقيقيتان لا تشبهان أعين المخلوقات ولا يصح تحريف معناهما إلى العلم أو الرؤية.. (٣).

(١) المرجع السابق.

(٢) المرجع السابق.

(٣) المرجع السابق.

٥٨
كما ينقل على لسان أهل السنة قولهم إن الله تعالى يتكلم وأن كلامه صفة حقيقية ثابتة له على الوجه اللائق وهو سبحانه يتكلم بحرف وصوت كيف يشاء متى شاء فكلامه صفة ذات باعتبار جنسه وصفة فعل باعتبار آحاده..

ومن أدلة ذلك من الكتاب قوله تعالى: (ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه).

وقوله تعالى: (إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي).

وقوله: (وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيا).

ففي الآية الأولى إثبات أن الكلام يتعلق بمشيئته وإن آحاده حادثة..

وفي الآية الثانية دليل على أنه بحرف فإن مقول القول فيها حروف..

وفي الآية الثالثة دليل على أنه بصوت إذ لا يعقل النداء والمناجاة إلا بصوت..

ومن أدلة السنة قول الرسول صلى الله عليه وآله: " يقول الله تعالى: يا آدم فيقول لبيك وسعديك فينادي بصوت إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثا إلى النار.. ".

وكلامه سبحانه هو اللفظ والمعنى جميعا ليس هو اللفظ وحده أو المعنى وحده.. (١).

وعلى لسان أهل السنة يقول ابن تيمية: إن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود تكلم به حقيقة وألقاه إلى جبريل فنزل به على قلب محمد (ص).

وأدلة ذلك من الكتاب قوله تعالى: (وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله..).

ومن أدلة السنة قوله (ص): ألا رجل يحملني إلى قومه لأبلغ كلام ربي فإن قريشا قد منعوني أن أبلغ كلام ربي عز وجل.. (٢).

(١) المرجع السابق.

(٢) المرجع السابق.

٥٩
وينقل ابن تيمية انقسام أهل القبلة في آيات الصفات وأحاديثها إلى ست طوائف..

طائفتان قالوا: تجري على ظاهرها..

وطائفتان قالوا: تجري على خلاف ظاهرها..

وطائفتان قالوا بالتوقف..

أما الطائفتان الذين قالوا تجري على ظاهرها فهما:

- طائفة المشبهة الذين جعلوها من جنس صفات المخلوقين ومذهبهم باطل أنكره السلف..

- طائفة السلف الذين أجروها على ظاهرها اللائق بالله عز وجل ومذهبهم هو الصواب.

أما الطائفتان الذين قالوا تجري على خلاف ظاهرها:

- أهل التأويل من الجهمية وغيرهم الذين أولوا نصوص الصفات إلى معان عينوها كتأويل اليد بالنعمة والاستواء بالاستيلاء ونحو ذلك..

- أهل التجهيل المفوضة الذين قالوا: الله أعلم بما أراد بنصوص الصفات لكننا نعلم أنه لم يرد إثبات صفة خارجية له تعالى وهذا القول متناقض.

أما الطائفتان الذين توقفوا:

- طائفة جوزوا أن يكون المراد بنصوص الصفات إثبات صفة تليق بالله وأن لا يكون المراد من ذلك وهؤلاء كثير من الفقهاء وغيرهم..

- طائفة أعرضوا بقلوبهم وألسنتهم عن هذا كله ولم يزيدوا على قراءة القرآن والحديث.. (١).

(١) المرجع السابق.
٦٠