×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

عقائد السنة وعقائد الشيعة / الصفحات: ٦١ - ٨٠

ويدافع ابن تيمية عن الاتهامات التي وجهت لأهل السنة والألقاب التي وضعها أصحاب الاتجاهات عليهم بقوله: فكانت كل طائفة من هذه الطوائف تلقب أهل السنة بما برأهم الله من ألقاب التشنيع والسخرية.. إما لجهلهم بالحق حيث ظنوا ما هم عليه وبطلان ما عليه أهل السنة..

وإما لسوء القصد حيث أرادوا بذلك التنفير عن أهل السنة والتعصب لآرائهم مع علمهم بفسادها..

فالجهمية ومن تبعهم من المعطلة سموا أهل السنة (مشبهة) زعما منهم أن إثبات الصفات يستلزم التشبيه..

والروافض سموا أهل السنة (نواصب)..

والقدرية النفاة قالوا: أهل السنة (مجبرة) لأن إثبات القدر جبر عند هؤلاء النفاة..

والمرجئة المانعون من الاستثناء في الإيمان يسمون أهل السنة (شكاكا) لأن الإيمان عندهم إقرار القلب والاستثناء شك فيه عند هؤلاء المرجئة..

وأهل الكلام والمنطق يسمون أهل السنة (حشوية) ويسمونهم (غثاء).. (١).

ولقد تبنى رؤية ابن تيمية هذه وطرحه في مسائل العقيدة وعكف على شرحه وتبسيطه ونشره في الآفاق بدعم آل سعود..

وهكذا أغرق الواقع الإسلامي بعشرات الكتب الوهابية التي تعكس عقيدة ابن تيمية وتعمل على حشو أذهان المسلمين بقضايا النذر والتبرك والتوسل والسحر والرقى والتمائم والذبح لغير الله وزيارة القبور وأضرحة المساجد وما شابه ذلك من الأمور التي أدت إلى زرع العداوة والبغضاء بين المسلمين ودفعت بالشباب المسلم الناشئ إلى تركيز جهوده على المسلمين والصدام معهم بدلا من الصدام مع أعداء الإسلام والمسلمين فقد صورت له الوهابية أن هذا هو

(١) المرجع السابق.
٦١
الإسلام وأن هذا هو طريق الفرقة الناجية ومن شذ عن هذا الطريق وجبت معاداته وقتاله إن أمكن والحقيقة أن اتجاه ابن تيمية وتابعه محمد بن عبد الوهاب لا يمثلان سوى اتجاه شاذ في دائرة أهل السنة..

وقد أفرد ابن تيمية فصلا في " الفتوى الحموية " في بيان صحة مذهب السلف وبطلان القول بتفضيل مذهب الخلف في العلم والحكمة على مذهب السلف ووصف القائلين: طريق السلف أسلم وطريقة الخلف أعلم وأحكم، وصفهم بالغباء..

يقول صاحب فرقان القرآن: وقد اتفقت عقول المحققين من الأولين والآخرين والسلف والخلف على أن ما اتصف بصغر أو كبر فهو حادث ممكن، وكذلك اتفقت على أن الصورة والاتصاف بالأجزاء من سمات الحدوث ولم نر أحدا اجترأ على إنكار ذلك وبالغ فيه سوى ابن تيمية وهو قول إن دل على شئ فليس يدل إلا على إصابة صاحبه بهوى خرج به عن المعقول والمنقول..

واستمع إلى ما نقله الحافظ البيهقي عن الإمام أحمد الذي ينسب إليه هذا الرجل (ابن تيمية) ومن على شاكلته كل شنيعة، في الكتاب الذي ألفه في مناقب الإمام أحمد عن الإمام أبي الفضل التميمي رئيس الحنابلة ببغداد وابن رئيسها " أنكر أحمد على من قال بالجسم ". وقال: إن الأسماء مأخوذة من الشريعة واللغة وأهل اللغة وضعوا هذا الاسم على ذي طول وعرض وسمك وتركيب وصورة وتأليف والله سبحانه خارج عن ذلك كله.. فلم يجز أن يسمى جسما لخروجه عن معنى الجسمية ولم يجئ في الشريعة ذلك فبطل.. (١). ونقل الحافظ بن الجوزي عن الإمام أحمد نحو ذلك في كتابه " دفع شبه التشبيه " وأنت خبير بأن نفي الجسمية نفي للجهة والمكان فإنهما لازمان لها لذاتها لزوما مساويا. وإذا ثبت اللازم المساوي ثبت ملزومه لا يشك في ذلك من يعرف معنى اللازم المساوي. فهو بمنزلة الحدوث للامكان والانقسام (٢).

(١) فرقان القرآن، ط. القاهرة.

(٢) دفع شبه التشبيه. ط. القاهرة.

٦٢

التوحيد عند الشيعة

التوحيد عند الإمام علي عليه السلام:

يمثل طرح الإمام علي عليه السلام حول قضية التوحيد الأصل الذي تعتمد عليه الشيعة في تحديد رؤيتها تجاه هذه القضية..

وطرح الإمام دقيق في مدلولاته مطابق في كل جوانبه القرآن والأحاديث المروية عن طريق آل البيت عليهم السلام..

ويعد الإمام علي أول من خاض في المعارف الإلهية من أمة محمد وأول من أوضح معالمها والمتأمل في نهج البلاغة يكتشف أن هذا الكتاب يحوي طرحا فلسفيا بالنسبة للإلهيات لا يفوقه أي طرح آخر..

وقد أخذت منه المدارس الفلسفية الإسلامية وارتوت من معينه وأسست عليه تصوراتها وأطروحتها..

ولا يزال أصحاب العقول يقفون في انبهار أمام هذا الكتاب ولسان حالهم يقول: إن مثل هذا الكتاب لا يمكن أن يكون منسوبا إلا للإمام علي..

وإن ما يحويه هذا الكتاب بين دفتيه لا يمكن أن يكون إلا نتاج مدرسة النبوة.. والإمام في طرحه أعطى مساحة للعقل وألزمه بالنص في آن واحد وهذا من وجوه الإعجاز البلاغي في طرحه..

فعندما يتحدث الإمام عن استحالة رؤية الله عقلا يقول: وامتنع على عين البصير ثم يقول ولا تحيط به الأبصار.. ولا تراه النواظر (١).

وكلامه هذا يطابق العقل كما يطابق النص الواضح من قوله تعالى: (لا تدركه الأبصار) وقوله (لن تراني).

(١) نهج البلاغة، ج ١.
٦٣
وكل ما خلق الله للانسان من أدوات إنما تؤكد الاستحالة العقلية، فإن هذه الأدوات المادية وهي الحواس لا تدرك إلا المادة من جنسها..

والإمام بقوله هذا قد أرسى قاعدة عدم الرؤية إلا أن هذا لا يعني إطلاقا عدم وجوده سبحانه: فهو المعروف من غير رؤية وأحق وأبين مما ترى العيون.. (١).

ويؤكد الإمام وحدانية الله وتفرده سبحانه، في وصيته للإمام الحسن عليه السلام بقوله: واعلم يا بني أنه لو كان لربك شريك لأتتك رسله ولرأيت آثار ملكه وسلطانه ولعرفت أفعاله وصفاته ولكنه إله واحد كما وصف نفسه لا يضاده في ملكه أحد ولا يزول أبدا ولم يزل.. (٢).

وبأدق الألفاظ وأكمل العبارات وأوجز الكلمات يطرح الإمام قضية توحيد صفات الله بقوله: فمن وصفه فقد حده ومن حده فقد عده..

فمن وصف الله سبحانه فقد قرنه ومن قرنه فقد ثناه..

فلسنا نعلم من كنه عظمتك إلا أنا نعلم أنك حي قيوم لا تأخذك سنة ولا نوم.. لم ينته إليك نظر ولم يدركك بصر.. (٣).

وقد سئل الإمام: هل رأيت ربك يا أمير المؤمنين..؟

فقال: أفأعبد ما لا أرى..؟

فقال السائل: وكيف تراه..؟

قال: لا تدركه العيون بمشاهدة العيان ولكن تدركه القلوب بحقائق الإيمان.. قريب من الأشياء غير ملامس، بعيد منها غير مباين، متكلم بلا روية مريد لا بهمة. صانع لا بجارحة. لطيف لا يوصف بالخفاء كبير لا يوصف بالجفاء بصير لا يوصف بالحاسة. رحيم لا يوصف بالرقة تعنو الوجوه لعظمته، وتجب القلوب من مخافته.. (٤).

(١) المرجع السابق: ج ١ / ١٥٨، ج ٢ / ٢٨٠.

(٢) المرجع السابق: ج ٢ / ٤٤.

(٣) المرجع السابق: ج ١ / ٢٩٠.

(٤) المرجع السابق: ج ٢ / ٥٣٤.

٦٤
إن الإمام يؤكد الصفات الثبوتية لله سبحانه وتعالى مثل الإرادة والبصر ويؤكد تباينه تعالى عن الأشياء وعدم تشبيهه بالمخلوقات وصفة الإرادة والبصر من الصفات الذاتية لله والتي هي عين ذاته ولا يجوز فصلها عنه سبحانه، فهي أساس كمال الذات ونفيها يعني نفص الذات أما اللطف والصنع والرحمة فهي من صفات الأفعال الحادثة على ذاته مثل الرزق.. ولا يجوز القول بأنها عين الذات لأن ذلك يستلزم حدوث الذات..

وقول الإمام هذا إنما يلخص عقيدة الشيعة في الأسماء والصفات والتي تقول بأن صفات الله هي عين ذاته وتعتبر صفات الذات أصلا وصفات الأفعال فرعا مشتقا من هذا الأصل فالصنع والرزق فرع مشتق من الأصل وهو القدرة..

والسمع والبصر فرع مشتق من الأصل وهو العلم..

وقول الإمام: قريب من الأشياء غير ملامس بعيد عنها غير مباين. صانع لا بجارحة لطيف لا يوصف.. بصير لا يوصف.. رحيم لا يوصف.. إنما يؤكد عقيدة الشيعة التي ترفض التشبيه والتجسيم والتي دفعتها إلى رفض الأحاديث المنسوبة للرسول صلى الله عليه وآله والتي تشير في ظاهرها إلى التشبيه والتجسيم مثل حديث نزول الله وحديث رؤية الله وحديث ضحك الله وفرحه ووضع قدمه في النار وغيرها..

ثم يقول الإمام عليه السلام: كل شئ خاشع له. كل شئ قائم به. غنى كل فقير وعز كل ذليل وقوة كل ضعيف ومفزع كل ملهوف. من تكلم سمع نطقه ومن سكت علم سره ومن عاش فعليه رزقه ومن مات فإليه منقلبه، لم ترك العيون فتخبر عنك بل كنت قبل الواصفين من خلقك. لم تخلق الخلق لوحشة ولا استعملتهم لمنفعة ولا يسبقك من طلبت ولا يفلتك من أخرت ولا ينقص سلطانك من عصاك ولا يزيد في ملكك من أطاعك. ولا يرد أمرك من سخط قضاءك ولا يستغني عنك من تولى عن أمرك. كل سر عنك علانية. وكل غيب عندك شهادة. أنت الأبد فلا أمد لك وأنت المنتهى فلا محيص عنك وأنت الموعد فلا منجى منك إلا إليك. بيدك ناصية كل دابة وإليك مصير كل نسمة سبحانك ما أعظم شأنك سبحانك ما أعظم ما نرى من خلقك وما أصغر عظيمة

٦٥
في جانب قدرتك وما أهون ما نرى من ملكوتك وما أحقر ذلك فيما غاب عنا من سلطانك وما أسبغ نعمك في الدنيا وأصغرها في نعم الآخرة.. (١).

ولأن الظلم أحد مداخل الشرك وسلم الوصول إلى الشك في حكمة الله وقضائه وقدره ركز الإمام عليه وحدد معالمه كاشفا حقيقة العدل ودوره في توطيد الاعتقاد الصحيح وتحقيق الاستقرار الايماني..

يقول الإمام عن الله سبحانه وتعالى: وارتفع عن ظلم عباده وقام بالقسط في خلقه وعدل عليهم في حكمه.. (٢).

يقول الدكتور اليحفوفي: ومن الضروري جدا أن يكون الله عادلا والأدلة العقلية على هذه الضرورة كثيرة نذكر منها دليلا واحدا مفاده أن الباعث للظلم - الذي هو ضد العدل - أحد أشياء. إما الجهل بقبح الظلم أو الحاجة إليه لتثبيت ملك أو سلطان أو العجز عن تفاديه وكل هذه الأمور ممتنعة عليه تعالى. لأن كونه عالما يقتضي علمه بقبح القبيح. وكونه غنيا مطلقا يقتضي عدم حاجته للغير وكونه القادر على كل شئ يقتضي قدرته على تفادي الظلم وإذا كان الظلم مستحيلا عليه تعالى فإن العدل يكون ضروريا.. (٣).

من هنا اعتبر الشيعة العدل أحد مشتقات التوحيد وأصلا من أصول العقيدة مما ميزهم عن أهل السنة الذين جوزوا على الله سبحانه ما ينافي العدل.. (٤).

(١) المرجع السابق: ج ٢ / ٢٢٧.

(٢) المرجع السابق: ج ١ / ٣٥.

(٣) بحوث في نهج البلاغة، ج ١ الفلسفة الإلهية. بيروت.

(٤) يرفض أهل السنة وعلى رأسهم الأشعري الحسن والقبح العقليين ويعتبرون الحسن ما حسنه الشرع والقبح ما قبحه الشرع وقد انبنى على هذه القاعدة جواز وقوع العبد في الشر والقبيح بتوجيه من الله تعالى باعتبار أن الخالق لا يخلق شيئا إلا وله عاقبة حميدة وإن لم نطلع عليها فجزمنا بأن ما نستقبحه من الأفعال قد يكون فيها حكم ومصالح كما في خلق الأجسام الخبيثة الضارة بخلاف الكسب فإنه قد يفعل الحسن وقد يفعل القبيح على حد قول التفتازاني في شرح العقائد النسفية وتذهب الأشاعرة إلى أن كل المعاصي الواقعة في الوجود من الشرك والظلم والجور والعدوان وأنواع الشرور تتم برضا الله.

=>

٦٦
ويحدد الإمام المفهوم الحق للقضاء والقدر مبددا ذلك الفهم الخاطئ الذي طرأ على ذهن أحد أتباعه في مسيره إلى أهل الشام: ويحك ظننت قضاء لازما وقدرا حاتما ولو كان كذلك لبطل الثواب والعقاب وسقط الوعد والوعيد.

إن الله سبحانه أمر عباده تخييرا ونهاهم تحذيرا.. (١).

والمتواتر عن أهل البيت الذي تلتزم به الشيعة الإمامية هو لا جبر ولا تفويض ولكن أمر بين أمرين..

وكما يقول الإمام أن الله سبحانه أمر عباده تخييرا ونهاهم تحذيرا.. ولم يعص مغلوبا ولم يطع مكرها.. (٢).

التوحيد عند الشيعة:

- الأسماء والصفات:

يعتقد الشيعة أن الله تعالى متصف بجميع صفات الكمال منزه عن جميع صفات النقص وعن كل ما يقتضي الحدوث..

وأن صفاته الثبوتية ثمان:

قادر مختار..

عالم..

حي..

مريد كاره..

مدرك..

قديم أزلي باق أبدي..

متكلم..

<=

انظر مقالات الاسلاميين والابانة في أصول الديانة وكتب العقائد عند أهل السنة..

(١) الكافي للكليني.

(٢) نهج البلاغة: ج ٢ / ١٥٣...

٦٧
كتاب عقائد السنة وعقائد الشيعة للكاتب صالح الورداني (ص ٦٨ - ص ٩١)
٦٨
أيديهم) (ومكروا ومكر الله) (ولو شاء ربك لآمن من في الأرض) (ولو شاء الله ما اقتتلوا) وغير ذلك. يجب تأويله ورده إلى ما حكم به العقل أو يكال علمه إليه تعالى (١).

إن الشيعة ينفون التشبيه والتجسيم والرؤية ونسبة القبح إلى الله كما ينفون الجهة والتكلم..

يقول الإمام علي عن الرؤية: " لم تره العيون بمشاهدة الأبصار. ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان " (٢).

وقال الصادق عليه السلام: " لا جسم ولا صورة.. ولا يحس ولا يجس. ولا يدرك بالحواس الخمس. لا تدركه الأوهام، ولا تنقصه الدهور ولا تغيره الأزمان..

إن الله تعالى لا يشبه شيئا. ولا يشبهه شئ. وكل ما وقع في الوهم فهو بخلافه " (٣).

وقال: " هو سميع بصير. سميع بغير جارحة وبصير بغير آلة، بل يسمع بنفسه ويبصر بنفسه " (٤).

وقال الرضا عليه السلام: " كلام الخالق لمخلوق ليس ككلام المخلوق لمخلوق. ولا يلفظ بشق فم ولسان " (٥).

وقال الإمام علي عليه السلام حين سمع رجلا يقول والذي احتجب بسبع طباق.

فعلاه بالدرة. ثم قال: " يا ويلك، إن الله أجل من أن يحتجب عن شئ سبحان الذي لا يحويه مكان، ولا يخفى عليه شئ في الأرض ولا في السماء (٦).

(١) أعيان الشيعة، المجلد الأول، ق ٢ ص ٣: ٤.

(٢) العقائد الإسلامية.. محمد مهدي الشيرازي.

(٣) المرجع السابق.

(٤) المرجع السابق.

(٥) المرجع السابق.

(٦) المرجع السابق.

٦٩
وقال الصادق عليه السلام: " إن الله تبارك وتعالى لا يوصف بزمان. ولا مكان. ولا حركة. ولا انتقال. ولا سكون. بل هو خالق الزمان. والمكان. والحركة.

والسكون والانتقال " (١).

وقال الكاظم عليه السلام: " إن الله تبارك وتعالى أجل وأعظم من أن يحد بيد. أو رجل. أو حركة أو سكون. أو يوصف بطول أو قصر. أو تبلغه الأوهام. أو تحيط بصفته العقول " (٢).

وهذه الأقوال الواردة على لسان الأئمة إنما تحدد موقف الشيعة من النصوص التي تتحدث عن أسماء وصفات الله سبحانه، وهو موقف على ما هو واضح يختلف مع موقف أهل السنة اختلافا جذريا..

يقول الشيخ محمد جواد مغنية: وأما قوله تعالى: (إلى ربها ناظرة) فالمراد به النظر بالعقل والبصيرة لا بالعين البصر.. إن الله سميع بصير. ولكن لا بآلة، ولا جارحة. ومعنى سمعه وبصره أنه محيط بما يصلح أن يسمع ويبصر.. وأن التكلم من صفات الله الإضافية كالخلق والرزق. لا من الصفات الذاتية القديمة كالعلم والقدرة والحياة.. والإمامية ينكرون التجسيم أشد الإنكار ويؤولون اليد في الآيات بالقدرة والعرش بالاستيلاء والوجه بالذات ومجئ الله بمجيئ أمره.. (٣).

إن صفاته عين ذاته فالله قادر بالذات لا بقدرة زائدة. وعالم بالذات لا بعلم زائد. وحي بالذات لا بغيرها. وعلى هذا قياس سائر الصفات الذاتية..

ولو افترض أن صفاته غير ذاته فإما أن تكون قديمة. وإما حادثة. وعلى الأول يلزم تعدد القديم. وعلى الثاني يلزم أن يكون الله قد وجد في الأزل بدون علم ولا حياة ولا قدرة. ولا شئ أبدا، لأن المفروض أن هذه الصفات قد حدثت

(١) المرجع السابق.

(٢) المرجع السابق.

(٣) معالم الفلسفة الإسلامية.. محمد جواد مغنية..

٧٠
بعده. وكلاهما محال، فتعين أن صفاته عين ذاته ونفس حقيقته ولا شئ زائد عليها وقائم بها.. (١).

- العدل:

جعل الشيعة العدل أصلا من أصول الاعتقاد وإن كان هناك خلاف على جعل العدل أصلا مستقلا وإدخاله ضمنا في التوحيد لتعلقه به..

والعدل يدخل فيه بحث القضايا المتعلقة بالجبر والاختيار ونسبة الظلم إلى الله سبحانه وتعالى والقضاء والقدر والحسن والقبح..

وسئل الإمام علي عليه السلام عن العدل والتوحيد فقال: " التوحيد أن لا تتوهم.

والعدل أن لا تتهم " (٢).

وسئل الإمام الصادق عليه السلام عن العدل فقال: " أما العدل فأن لا تنسب إلى خالقك ما لامك عليه. ولا أمره - أي العبد - بشئ إلا وقد علم أنه لا يستطيع فعله.

لأنه ليس من صفته العبث والجور والظلم. وتكليف العباد ما لا يطيقون " (٣).

وأفعال العبد نوعان: نوع تتعلق به إرادة واختيار كالذهاب والاياب والكتابة والقراءة. ونوع لا إرادة للعبد فيه ولا اختيار كالتنفس والنمو والحركة الدموية. والانسان مخير غير مسير في النوع الأول. ومسير غير مخير في النوع الثاني (٤).

وأفعال العبد الحسنة يأمر بها الله والقبيحة ينهى عنها وهو يعلمها. والعبد باختياره إن شاء فعل وإن شاء ترك.. (٥) . والأفعال منها ما هو حسن بحكم العقل لا باعتبار حكم الشرع كالصدق النافع وما إليه ومنها ما هو قبيح كذلك كالكذب الضار. ومنها ما لا يستقل

(١) المرجع السابق.

(٢) المرجع السابق.

(٣) المرجع السابق.

(٤) معالم الفلسفة الإسلامية..

(٥) العقائد الإسلامية..

٧١
العقل بالحكم عليه سلبا وإيجابا فنحتاج حينئذ إلى الشرع كوجوب الوفاء بعقد البيع وأكل لحم الميتة.. (١).

والشيعة لكونها تعتقد أن الله عادل حكيم لا يفعل قبيحا ولا يخل بواجب تقول إنه لو لم يكن كذلك لنسب إليه النقص سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا. وأيضا لو جاز عليه فعل الكذب فيرتفع الوثوق بوعده ووعيده وترتفع الأحكام الشرعية وينقض الغرض المقصود من بعث الأنبياء والرسل (٢).

وحول القضاء والقدر يقول الإمام عليه السلام: " إن الله عز وجل كلف تخييرا.

ونهى تحذيرا. وأعطى على القليل كثيرا. ولم يعص مغلوبا. ولم يطع مكرها.

ولم يخلق السماوات والأرض وما بينهما باطلا. ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار " (٣).

توحيد العبادة:

يقول الإمام الرضا في دعائه: " اللهم إني برئ من الحول والقوة ولا حول ولا قوة إلا بك.

اللهم إني أعوذ بك وأبرأ إليك من الذين ادعوا لنا ما ليس لنا بحق..

اللهم إني أبرأ إليك من الذين قالوا فينا ما لم نقله في أنفسنا..

اللهم لك الخلق ومنك الرزق وإياك نعبد وإياك نستعين..

اللهم أنت خالقنا وخالق آبائنا الأولين وآبائنا الآخرين..

اللهم لا تليق الربوبية إلا بك. ولا تصلح الإلهية إلا لك فالعن النصارى الذين صغروا عظمتك والعن المضاهئين لقولهم من بريتك..

(١) معالم الفلسفة الإسلامية..

(٢) النكت الاعتقادية.. الشيخ المفيد..

(٣) العقائد الإسلامية..

٧٢
اللهم إنا عبيدك وأبناء عبيدك لا نملك لأنفسنا نفعا ولا ضرا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا..

اللهم من زعم أرباب فنحن منه براء.. ومن زعم أن إلينا الخلق وعلينا أو إلينا الرزق فنحن براء منه كبراءة عيسى ابن مريم عليه السلام من النصارى..

اللهم إنا لم ندعهم إلى ما يزعمون فلا تؤاخذنا بما يقولون.. واغفر لنا ما يدعون ولا تدع منهم على الأرض ديارا إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا " (١).

إن هذا الدعاء الوارد على لسان إمام من أئمة الشيعة إنما يحدد صورة العبودية الخالصة وينفي كل صور الشرك التي تعلق بها البعض ونسبها إلى آل البيت. وهي الصورة التي يعرضها الدعاء إنما تلخص مفهوم العبادة عند الشيعة غير أن الشيعة لا تربط بين العبادة وبين مسألة التوسل وتعتقد أن التوسل أمر لا يتناقض مع العبودية لله.. وأن تعظيم الأنبياء وأولياء الله بينه بين العبادة بون شاسع وفرق جد كبير (٢).

ولا خلاف بين الشيعة والسنة في عدم جواز عبادة غير الله إنما الخلاف يكمن في بعض الأعمال التي اعتبرتها بعض الاتجاهات داخل أهل السنة من الشرك وتعد عبادة لغير الله..

(١) معالم التوحيد في القرآن الكريم.. الشيخ جعفر السبحاني نقلا عن الاعتقادات للصدوق..

(٢) المرجع السابق.

٧٣

النتائج:

تخلص من عرض قضية التوحيد عند أهل السنة إلى ما يلي:

- إن عقيدة التوحيد عند أهل السنة عبارة عن رد فعل في مواجهة الاتجاهات المختلفة..

- إن تباين الاتجاهات حول قضية التوحيد يساوي فرقة أهل السنة ببقية الفرق ويفقدها عنصر القيمومة على هذه الفرق..

- إنه ليست هناك قاعدة ثابتة للتعامل مع الآيات المتشابهة..

- إن السياسة تدخلت في صياغة ماهية التوحيد عندهم..

- إن توحيد ابن تيمية يمثل مدرسة شاذة في دائرة.. أهل السنة..

- إن التوحيد السائد بين المسلمين اليوم هو التوحيد الوهابي..

وإن صور التوحيد الأخرى لا مكان لها إلا في صفحات الكتب..

ونخلص من عرض قضية التوحيد عند الشيعة إلى ما يلي:

- إن التوحيد عند الشيعة ابتعد عن متاهة التجسيم والتشبيه..

- إن التوحيد عند الشيعة أكثر ارتباطا بالقرآن والعقل..

- إن التوحيد عند الشيعة ثابت المعالم لا خلاف عليه في حدود المذهب..

- إن الشيعة لا ترى أن التوسل بالأنبياء والصالحين يتناقض مع التوحيد.

٧٤
٧٥

الفصل الثاني
النبوة

٧٦
٧٧

تمهيد

الإيمان بالنبي هو الركن الثاني من أركان الإسلام. وهو ركن لا خلاف فيه بين الفرق الإسلامية، إنما الخلاف يكمن في نظرة كل فرقة إلى النبي كشخصية تؤدي دورها في محيط الرسالة..

وسوف نعرض هنا لمجمل الخلاف حول هذا الأمر ثم نستعرض موقف كل من السنة والشيعة.

يقول فخر الرازي: إن الاختلاف في هذه المسألة واقع في أربعة مواضع.

الأول: ما يتعلق بالاعتقادية. واجتمعت الأمة على أن الأنبياء معصومون عن الكفر والبدعة إلا الفضلية من الخوارج فإنهم يجوزون الكفر على الأنبياء.

وذلك لأن عندهم يجوز صدور الذنوب عنهم. والروافض فإنهم يجوزون عليهم إظهار كلمة الكفر على سبيل التقية..

الثاني: ما يتعلق بجميع الشرائع والأحكام من الله تعالى، وأجمعوا على أنه لا يجوز عليهم التحريف والخيانة في هذا الباب لا بالعمد ولا بالسهو. وإلا لم يبق الاعتماد على شئ من الشرائع..

الثالث: ما يتعلق بالفتوى. وأجمعوا على أنه لا يجوز تعمد الخطأ. فأما على سبيل السهو فقد اختلفوا فيه.

الرابع: ما يتعلق بأفعالهم وأحوالهم. وقد اختلفوا فيه على خمسة مذاهب.

١ - الحشوية: وهو أنه يجوز عليهم الإقدام على الكبائر والصغائر..

٢ - إنه لا يجوز منهم تعمد الكبيرة البتة. وأما تعمد الصغيرة فهو جائز.

بشرط أن لا تكون منفرة. وأما إن كانت منفرة فذلك لا يجوز عليهم..

٧٨
٣ - إنه لا يجوز عليهم تعمد الكبيرة والصغيرة. ولكن يجوز صدور الذنب منهم على سبيل الخطأ في التأويل..

٤ - إنه لا يجوز عليهم الصغيرة ولا الكبيرة لا بالعمد ولا بالسهو ولا بالتأويل الخطأ.

أما السهو والنسيان فجائز ثم إنهم يعاتبون على ذلك بالسهو والنسيان. كما أن علومهم أكمل، فكان الواجب عليهم المبالغة في التيقظ..

٥ - إنه لا يجوز عليهم الكبيرة ولا الصغيرة لا بالعمد ولا بالتأويل ولا بالسهو ولا بالنسيان.. واختلفوا أيضا في وقت وجوب العصمة:

فقال بعضهم: إنها من أول الولادة إلى آخر العمر..

وقال الأكثرون: هذه العصمة إنما تجب في زمان النبوة. أما قبلها.. فهي غير واجبة وهو قول أكثر أصحابنا.. (١).

وما يجب التركيز عليه هنا من بين هذه الأقوال هو ما يتعلق بالسنة والشيعة منه.

(١) عصمة الأنبياء، ط. بيروت. وانظر تفسير قوله تعالى: (لا ينال عهدي الظالمين) في تفسير الرازي..
٧٩

النبوة عند أهل السنة

يعتقد أهل السنة أن إرسال الرسل إنما هو بمحض فضل من الله تعالى وواجب في حقهم الأمانة أي حفظ ظواهرهم وبواطنهم من التلبس بمنهي عنه.

أما المحرم فلك يقع منهم إجماعا ومأواهم المعصية فمؤول..

وواجب في حقهم الصدق والفطانة والتبليغ ويستحيل في حقهم ضد هذه الصفات.. أما السهو فممتنع عليهم في الأخبار البلاغية وغير البلاغية.

وجائز عليهم في الأفعال البلاغية أما النسيان فهو ممتنع في البلاغيات قبل تبليغها قولية كانت أو فعلية. أما بعد التبليغ فيجوز نسيان ما ذكر الله تعالى أما نسيان الشيطان فمستحيل عليهم. ويجوز على ظواهرهم ما يجوز على البشر مما لا يؤدي إلى نقص وأما بواطنهم فمنزهة عن ذلك متعلقة بربهم.. (١).

ويقول ابن حزم: والسهو منهم قد ثبت بيقين وأيضا فإن ندب الله تعالى لنا إلى التأسي بهم لا يمنع من وقوع السهو منهم لأن التأسي بالسهو لا يمكن إلا بسهو منا.. إننا مأمورون إذا سهونا أن نفعل كما فعل رسول الله صلى الله عليه وآله إذا سها.. (٢).

ويعتبر ابن تيمية أن إنكار السهو من الغلو في عصمة الأنبياء وأن هذا القول لم يوافق عليه أحد من أهل السنة.. (٣) وقال الأشاعرة: يجوز على الأنبياء الكبائر والصغائر سهوا. إلا الكفر والكذب وعلى هذا طوائف أخرى من أهل السنة.

(١) شرح البيجوري على الجوهرة..

(٢) الفصل في الملل والنحل، ج ٤ / ٢..

(٣) ابن تيمية ليس سلفيا..

٨٠