×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

عقائد السنة وعقائد الشيعة / الصفحات: ١٦١ - ١٨٠

بخلقه ورأفة النبي بأمته لا نسبة لها بذلك.. ولذا اعترف جمهور المخالفين بجريان عادة الله تعالى من آدم إلى خاتم الأنبياء أن لم يقض نبيا حتى عين له خليفة ووصيا.

وجرت عادة نبينا أنه متى سافر عين خليفة في المدينة فكيف تخلفت هذه السنة بالنسبة إلى خاتم الأنبياء المرسل إلى هذه الأمة المرحومة بأن يهملها وبتركها سدى.

هذا كله مع انقطاع الأنبياء والرسل وبقاء التكليف إلى يوم القيامة.. وأن مرتبة الإمامة كالنبوة، فكما لا يجوز للخلق تعيين نبي فكذا لا يجوز لهم تعيين إمام (١).

إذن ما هي النصوص الدالة على إمامة علي؟

إن النصوص الدالة على إمامة علي ووجوب الإمامة وكونها أصلا من أصول الدين عند الشيعة أكثر من أن تحصى. وهي نصوص ليست حكرا على الشيعة وحدهم وإنما هي نصوص أهل السنة أيضا خاصة الأحاديث النبوية منها التي تذخر بها كتب السنن. إلا أن موقف أهل السنة أيضا من هذه النصوص يقوم على التأويل والتبرير بحيث تبعد دلالات هذه النصوص وأهدافها عن مراد الشيعة.

وسوف يظهر لنا هذا الأمر بوضوح ونحن نعرض النصوص الخاصة بالإمام علي في القرآن والأحاديث. ونبدأ بعرض النصوص القرآنية:

قوله تعالى: (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) المائدة / ٥٥.

فقد شرك الله سبحانه رسوله معه في الولاية وكذلك الذين آمنوا والمقصود بهم هنا الإمام علي لنزول الآية فيه (٢).

قوله تعالى: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك...) المائدة / ٦٧.

وهذا النص نزل على الرسول صلى الله عليه وآله في حجة الوداع حيث أمر بإبلاغ الأمة ولاية علي على ما أجمعت على ذلك الروايات (٣).

(١) حق اليقين، ج ١.

(٢) أنظر كتب التفسير وأسباب النزول.

(٣) أنظر المراجع السابقة وحديث غدير خم فيما بعد.

١٦١
قوله تعالى: (قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى..) الشورى / ٢٣.

وهذا النص يوجب على المؤمنين مودة قرابة الرسول، ولا شك أن وجوب مودتهم ينتج عنه وجوب طاعتهم كأئمة للهدى (١).

قوله تعالى: (فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل إلى الله فنجعل لعنة الله على الكاذبين..).

فهذا النص يخص الإمام علي والحسن والحسين وفاطمة. فإن (أبناءنا) الحسن والحسين و (نساءنا) تعني فاطمة. وأنفسنا تعني علي. مما يدل على علو مكانة الإمام علي، ومساواته بالرسول الأكمل تعني كماله هو أيضا (٢).

قوله تعالى: (إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي..) البقرة / ١٤٢.

ومن هذا النص يتبين لنا أن الإمامة غير الرسالة أو غير الرسول. فقد كان إبراهيم رسولا ثم جعله الله إماما. ثم جعل الإمامة في ذريته واستثنى الظالمين منهم ومن المعروف أن النبي صلى الله عليه وآله وعلي من ذرية إبراهيم وكلاهما لم يسجد لصنم (٣).

قوله تعالى: (إنما أنت منذر ولكل قوم هاد..) الرعد / ٧.

فهذا النص يشير إلى دور الرسول ودور الإمام. فالرسول هو المنذر، والإمام هو الهادي. فالإنذار يقتضي المواجهة أي مواجهة الرسول لقومه وإبلاغه دعوته لهم وجها لوجه. أما الهداية فلا تقتضي المواجهة وهو دور الإمام الذي يكون سببا لهداية الأقوام التي تأتي بعد الرسول (٤).

(١) أنظر المراجع السابقة ونهج الحق وحق اليقين وعلي في القرآن.

(٢) أنظر نهج الحق وحق اليقين وعلي في القرآن وأسباب النزول.

(٣) أنظر المراجع السابقة.

(٤) أنظر المراجع السابقة.

١٦٢
قوله تعالى: (والسابقون السابقون * أولئك المقربون..) الواقعة / ١٠ - ١١.

ومن المعروف أن الإمام عليا هو سابق أمة محمد إلى الإسلام. وهذا السبق يعطيه ميزة خاصة ترفعه فوق الجميع (١).

قوله تعالى: (إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما.) الأحزاب / ٥٦ . إن الصلاة على الرسول تقتضي الصلاة على آل بيته كما في التشهد. وهذه دلالة قطعية على المكانة الشرعية للإمام علي على رأس آل البيت (٢).

قوله تعالى: (.. وصالح المؤمنين) التحريم / ٤.

إن المقصود بصالح المؤمنين هنا هو علي، فهو أفضل الصحابة وسيف الرسول وصهره وحامل علمه وصفيه (٣).

قوله تعالى: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا) المائدة / ٣.

نزلت هذه الآية على الرسول في حجة الوداع وهو يخطب بماء قرب المدينة يسمى غدير خم معلنا ولاية علي. ومن المعروف أن الدين كان كاملا قبل نزول الآية كعقيدة ولم يكن كاملا كأحكام وقد ظلت الأحكام تتنزل بعد هذه الآية مما يدل على أن المقصود بكمال الدين شئ آخر وهو إمامة علي (٤).

قوله تعالى: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا).. الأحزاب / ٣٣. وهذا النص يفيد طهارة آل البيت طهارة تكوينية

(١) المراجع السابقة.

(٢) المراجع السابقة.

(٣) المراجع السابقة.

(٤) المراجع السابقة.. وانظر حديث غدير خم.

١٦٣
ليست مكتسبة. والرجس هو كل صور المعاصي والتجاوزات الأخلاقية وغيرها مما لم يثبت على الإمام علي منه شئ. فدل هذا على إمامته.

وقد ذكر الفقهاء أكثر من مئة آية نزلت في حق علي لا يتسع المجال لذكرها هنا ويمكن مراجعة ذلك في كتب التفسير (١).

النصوص النبوية:

إن النصوص النبوية التي ذكرها الرسول صلى الله عليه وآله في الإمام علي أكثر من أن تحصى وهي تفوق النصوص الأخرى الواردة في الآخرين والتي هي من صنع السياسة في الأصل بهدف زعزعة مكانة الإمام. وقد امتدت يد السياسة إلى النصوص الواردة فيه وحاولت تضعيفها. وما عجزت عن هدمه منها بددت معناه وموهت عليه حتى يضلوا المسلمين عن حقيقة مكانة الإمام ودوره ورسالته التي تسلمها من الرسول.

ولا شك أن سيادة الخط الأموي المعادي لآل البيت والإمام علي بعد وقعة صفين - والذي تزعمه معاوية - قد عمل جاهدا - على ما هو ثابت ومعروف - على سب الإمام والطعن في آل البيت واختراع الروايات التي تضفي المشروعية عليه وعلى ممارساته ومواقفه وتحط من الخط الآخر خط آل البيت وتثير الشبهات من حوله. وقد أعانه على هذا كله الكثير ممن ينتسب إلى الإسلام من مدعي الصحبة والتابعين.

وأول النصوص النبوية قول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لعلي: " أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي " (٢).

وقوله صلى الله عليه وآله: " إني تركت فيكم ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي الثقلين وأحدهما أكبر من الآخر. كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض.

وعترتي أهل بيتي. ألا وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض " (٣).

(١) أنظر المراجع السابقة. وكتب التفسير..

(٢) البخاري كتاب فضائل الصحابة باب مناقب الإمام علي.

(٣) رواه أبو داوود..

١٦٤
وفي رواية: " أيها الناس. إنما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول من ربي فأجيب. وإني تارك فيكم الثقلين. أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به. فحث على كتاب الله ورغب فيه. ثم قال: وأهل بيتي.

أذكركم الله في أهل بيتي. أذكركم الله في أهل بيتي. أذكركم الله في أهل بيتي " (١).

وقول علي: عهد إلي النبي الأمي أن لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق (٢).

وقول الرسول صلى الله عليه وآله: " إني دافع الراية غدا إلى رجل يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله كرار غير فرار، لا يرجع حتى يفتح الله له. وأعطاها عليا ففتح الله على يديه (٣).

وقول الرسول صلى الله عليه وآله: " علي مني وأنا منه. ولا يؤدي عني إلا أنا أو علي " (٤).

وقول الرسول صلى الله عليه وآله: " اللهم وال من والاه وعاد من عاداه. وانصر من نصره. واخذل من خذله " (٥).

وقول الرسول صلى الله عليه وآله: " إن منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله. فقال أبو بكر: أنا هو يا رسول الله؟ قال: لا. قال عمر: أنا هو يا رسول الله؟ قال: لا. ولكنه خاصف النعل وكان علي يخصف نعل رسول الله في الحجرة عند فاطمة " (٦).

وفي رواية أخرى: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " لتنتهن معشر قريش، أو ليبعثن الله عليكم رجلا مني امتحن الله قلبه للإيمان، يضرب أعناقكم على الدين. قيل يا رسول الله أبو بكر؟ قال: لا. قيل: عمر. قال: لا. ولكن خاصف النعل في الحجرة " (٧).

(١) مسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل علي..

(٢) مسلم، كتاب الإيمان. باب حب الأنصار وعلي من الإيمان..

(٣) البخاري ومسلم كتاب فضائل الصحابة..

(٤) البخاري ومسند أحمد..

(٥) مسند أحمد..

(٦) الترمذي وأحمد..

المرجعين السابقين..

١٦٥
وقول الرسول صلى الله عليه وآله لعلي: " أنت مني وأنا منك " (١).

وتروي عائشة أن النبي خرج غداة وعليه مرط مرحل من شعر أسود، فجاء الحسن بن فأدخله. ثم جاء الحسين فدخل معه ثم جاءت فاطمة فأدخلها، ثم جاء علي فأدخله ثم قال: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا).. (٢).

ولما نزل قوله تعالى: (فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم..) دعا رسول الله صلى الله عليه وآله عليا وفاطمة والحسن والحسين. فقال اللهم هؤلاء أهلي.. (٣).

وقال له أيضا: " أنت أخي في الدنيا والآخرة " (٤).

وقال: " من سب عليا فقد سبني " (٥).

عصمة الإمام:

تنبع فكرة العصمة عند الشيعة من فكرة الوصية. فالرسول المعصوم لا يوصي إلا لمعصوم مثله. ومثلما مهمة الرسول تحتاج إلى عصمة كذلك مهمة الإمام التي هي امتداد لمهمته تحتاج لعصمة.

ولو لم يكن الإمام معصوما لتساوى مع بقية الناس، ولما كانت هناك حاجة لوصيته وهو في هذه الحالة لن ينجح في حفظ الدين وإقامة الحجة على الناس.

إن الإيمان بتميز الإمام " علي " على الآخرين سوف يقود إلى الإيمان بالوصية. والإيمان بالوصية سوف يقود إلى الإيمان بالعصمة.

ونظرا لكون أهل السنة لا يؤمنون بتميز الإمام " علي " على بقية الصحابة فمن ثم هم لا يؤمنون بالوصية وبالتالي يستهجنون فكرة العصمة.

(١) البخاري..

(٢) مسلم وأحمد كتاب فضائل الصحابة باب فضائل علي..

(٣) المرجع السابق..

(٤) مسند أحمد..

(٥) المرجع السابق..

١٦٦
يقول العلامة الحلي: ذهبت الإمامية إلى أن الأئمة كالأنبياء في وجوب عصمتهم عن جميع القبائح والفواحش. من الصغر إلى الموت عمدا أو سهوا، لأنهم حفظة الشرع والقوامون به حالهم في ذلك حال النبي ولأن الحاجة إلى الإمام إنما هي للانتصاف من المظلوم عن الظالم. ورفع الفساد وحسم مادة الفتن. وأن الإمام لطف يمنع القاهر من التعدي، ويحمل الناس على فعل الطاعات واجتناب المحرمات ويقيم الحدود والفرائض ويؤاخذ الفساق ويعزر من يستحق التعزير. فلو جازت عليه المعصية وصدرت عنه انتفت هذه الفوائد وافتقر إلى إمام آخر وتسلسل.. (١).

إن العصمة ترتبط بنوع الدور والمهمة الملقاة على عاتق الإمام. ولما كان دور الإمام ومهمته تتطلب وجود مواصفات خاصة حتى يمكن القيام بها فمن ثم كانت العصمة ضرورة لا بد منها للإمام تدفع الجماهير إلى الثقة به والتلقي منه ولزوم الطاعة له وتحول دون منازعته من قبل الأدعياء.. يقول الشيخ جعفر السبحاني: إن الإجابة عن الأسئلة الشرعية على وجه الحق وتفسير القرآن على الصحيح وتفنيد الشبهات على وجه يطابق الواقع وصيانة الدين عن أي تحريف لا يحصل إلا بمن يعتصم بحبل العصمة ويكون قوله وفعله مميزين للحق والباطل.. نعم إن الإنسان الجليل ربما يملأ هذا الفراغ ولكن لا بصورة تامة جدا، ولأجل ذلك نرى أن الأمة افترقت في الأصول والفروع إلى فرق كثيرة يصعب تحديدها وتعدادها، فلأجل هذه الأمور لا محيص عن وجود إنسان كامل عارف بالشريعة، أصولها وفروعها، عالم بالقرآن واقف على الشبهات وكيفية الإجابة عنها، قائم على الصراط السوي ليرجع إليه من تقدم على الصراط ومن تأخر عنه. هذا يقتضي كون الإمام منصوبا من جانبه سبحانه معصوما بعصمته.. (٢).

إن تقصي حال الأمة من بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله يظهر لنا ما يلي:

(١) أنظر نهج الحق وكشف الصدق..

(٢) معالم النبوة في القرآن..

١٦٧
أولا: منحت الشريعة لكل الحكام - ومن بعدهم - وألزم الجميع بالسمع والطاعة لهم.

ثانيا: اخترعت الكثير من الأحاديث والروايات وتمت نسبتها إلى الرسول.

ثالثا: إن الصحابة والتابعين وتابعي التابعين باركوا هذا الوضع كما باركوا الحكام ودعوا الجماهير إلى طاعتهم.

رابعا: إن سيرة هؤلاء الحكام وسلوكهم ومواقفهم متناقضة مع الإسلام وتصطدم بقواعده.

خامسا: إن القرآن قد حرفت معانيه وأولت آياته بحيث تخدم أغراض القوى الحاكمة.

سادسا: إن الفقهاء ساروا في ركاب الحكام وأضفوا على ممارساتهم ومواقفهم الشرعية.

ومن يتبين لنا أن الإسلام قد أخضع للأهواء والسياسة من بعد الرسول. ومال الفقهاء نحو الحكام. وتفرقت الأمة بسبب هذا الإسلام وصارت شيعا. وهذا كله بسبب أن الذين تصدوا لحمله لم يصمدوا في وجه الباطل وانهاروا أمامه مما يدل على عدم صلاحيتهم للقيام بهذه المهمة. وليس من المعقول بل من المحال في حق الله سبحانه أن يترك الدين من بعد الرسول يتنازعه أهل الأهواء ويذهبون به مذاهب شتى مما يؤدي في النهاية إلى ضلال الأمة. وضلال الأمة يقتضي إرسال رسول جديد. وقد ختمت الرسالات بمحمد، إذن لا بد أن يكون هناك عاصم للأمة تتوافر به مؤهلات الرسول ليقوم بمهمته من بعد ه وفي مقدمة هذه المؤهلات العصمة.

إن ضرورة العصمة سوف تتضع لنا أكثر إذا ما اتجهنا بأبصارنا إلى الجانب الآخر الذي غيبته السياسة عن أعيننا وهو جانب آل البيت. بعد أن ألقينا الضوء على جانب الصحابة والتابعين والفقهاء والإسلام الذي يعرضونه

١٦٨
والمتمثل في مذهب أهل السنة. فإن إلقاء الضوء على هذا الجانب سوف يظهر لنا ما يلي:

أولا: إن أئمة آل البيت عليهم السلام تصدوا لمحاولات الانحراف بالإسلام وصدعوا بالحق في مواجهة الصحابة والتابعين والحكام.

ثانيا: إن أئمة آل البيت تصدوا لعملية اختراع الأحاديث ونسبتها للرسول والتزموا في مواجهة هذا الأمر بضرورة عرض الحديث على القرآن والعقل، فما وافق القرآن والعقل كان سليما وما خالفهما كان موضوعا.

ثالثا: إن آل البيت قادوا الثورات ضد الحكام وتصدوا لفسادهم وانحرافاتهم.

رابعا: إن أئمة آل البيت بداية من الإمام علي وحتى الإمام الحادي عشر ماتوا قتلا بأيدي الحكام.

إن أئمة آل البيت قد امتحنوا وابتلوا بلاء عظيما وتعرضوا لضغوط شديدة من قبل الحكام كي يسايروا الوضع القائم لكنهم صبروا وثبتوا ورفضوا التعايش مع الواقع المنحرف وإضفاء الشرعية على الحكام.

ولا شك أنه بعد استعراض موقف الجانبين:

إلا أنه في النهاية معصوم بدرجة ما ليست كاملة. إذ أنه لا بد أن تبدر منه بعض الهفوات ولا بد أن يرتكب بعض المعاصي.

أما الإمام فقدرته على عصمة نفسه أكبر من ذلك بحكم كونه تربية بيت النبوة. هذا على المستوى الذاتي الذي أهله إلى العصمة التكوينية كعصمة الرسل غير أنها أقل منها درجة. وبما أن الرسول معصوم ومما ينطق عن الهوى، فعندما يختار وصية فإن هذا الاختيار يكون بوحي من قبل الله سبحانه يقتضي أن تكون عصمة المختار عصمة تكوينية أيضا.

وعلى المستوى الفردي العادي يمكن للمرء أن يقوم بتربية ولده تربية دقيقة يبذل فيها قصارى جهده في تقويمه وإصلاحه وعزله عن المؤثرات وعوامل

١٦٩
الانحراف فينشأ الولد معصوما بدرجة كبيرة بحيث يصبح مثلا يحتذى به في الخلق والسلوك السوي المستقيم.

وإذا كان هذا على مستوى الأفراد فكيف يكون الأمر على مستوى الأنبياء؟

إذا الفرد العادي يستطيع أن يوصل ولده إلى مستوى عال من الأدب والخلق فإلى أي مدى يمكن أن يوصل النبي صلى الله عليه وآله الإمام عليا عليه السلام وهو الذي رباه وصنعه على يده وأعده ليكون إماما..؟

ونظرا لكون أهل السنة ينظرون لمسألة العصمة نظرة مبتورة ومنقوصة كما ذكرنا فإنهم ينظرون بعين الشك إلى مسألة عصمة الإمام عند الشيعة. أو بصورة أخرى إذا كان أهل السنة لا يعتقدون بعصمة الرسل عصمة كلية فهل يعتقدون بعصمة الإمام..!

وهم يرتكزون في هجومهم على الشيعة دائما على فكرة العصمة وفكرة الغيبة التي صوف نعرض لها فيما بعد. كما نعتبر كثير من المعاصرين المعتدلين من أهل الفقه والثقافة إن هاتين الفكرتين هما نقطة الضعف في الفكر الشيعي.

ويتهم البعض الشيعة بالتناقض لتبنيها العقل الذي نبذه أهل السنة ثم تبنيها فكرة العصمة والغيبة في آن واحد، وهما فكرتان نبذهما أهل السنة على الرغم من أنهم لا يعطون للعقل المساحة التي تعطيها له الشيعة..

ومثل هذه التهم إنما توجه للشيعة على غير علم بطبيعة العقيدة الشيعية وأصولها المستمدة من أئمة آل البيت.

ومن العسير هضم فكرة العصمة أو فكرة الغيبة على أي باحث دون هضم فكرة الإمامة التي تتميز بها الشيعة عما هاتان الفكرتان سوى نتيجتين للإمامة ومن الصعب فهم النتائج دون فهم المقدمات.

موقف الصحابة والتابعين والفقهاء بعد الرسول.

وموقف آل البيت.

١٧٠
وصورة الإسلام الذي يقدمه كل من الجانبين للناس.. سوف يتبين لنا أن جانب آل البيت لا بد وأن يكون معصوما. فإن الثبات في مواجهة الفتن، والانتصار على الهوى هو أعلى درجات العصمة. وهو ما يبدو من سلوك أئمة آل البيت ومواقفهم ولا يبدو من سلوك ومواقف الجانب الآخر.

ولا يتصور من هذا الطرح أن الشيعة يقدمون الأئمة على الرسل أو حتى يساوونهم بهم كما يشيع ذلك خصومهم.. فإن الإمام إنما يتلقى مهمته من الرسول الذي أوصى به فكيف يكون الوصي أعلى من الموصى. والإمام علي نال مكانته من الرسول صلى الله عليه وآله وهو ينتسب إليه بحكم القرابة فهو إمام آل بيت الرسول من بعده. والرسول وهو على قيد الحياة جمع بين الرسالة والإمامة كما جمعها إبراهيم عليه السلام من قبله. وبعد وفاته انتهى دور الرسالة وبقي دور الإمامة متمثلا في الإمام علي. إذن الإمام علي استمد قداسته من الرسول، فكيف يتقدم عليه؟

وكيف بعد هذا يقال إن الشيعة يعتقدون أن عليا أحق بالرسالة من محمد وأن جبريل أخطأ في الرسالة وبدلا من أن يهبط على علي هبط على محمد وهي مقولة تتردد كثيرا على ألسنة الناس حتى يومنا هذا..

وعلى هذا الأساس يمكن القول بأن عصمة الإمام أقل من عصمة الرسول، لأن دور الإمام أقل من دور الرسول، وهو مكمل له إلا أنها وإن كانت درجتها أقل من الرسول فهي أعلى من مستوى البشر بدرجات باعتبار أن كل إنسان إنما هو معصوم بدرجة ما.

إن المؤمن المداوم على الصلوات مثلا هو معصوم في حدود هذا الفعل، فهو يملك القدرة على الاختيار بين المداومة على الصلوات وبين المداومة على المسكرات مثلا. واختياره الصلوات يعني عصمته من الانحراف نحو المسكرات. أما الذي اختار المسكرات وترك الصلوات فهو غير معصوم.

والمرء من الممكن أن يتفوه بأي شئ، من الممكن أن يسب ويشتم، من الممكن أن ينطق بكلمة الكفر. فإذا ملك لسانه عن أن يتكلم مثل هذا الكلام فهو معصوم اللسان.

١٧١
والفتاة التي تصبر محتسبة حتى ترزق بزوج صالح هي معصومة. أما الفتاة التي مالت بها شهوتها وانحرفت فهي غير معصومة.

إن كلا منا من الممكن أن يكون معصوما ضمن حدود وإطار معين.

من الممكن أن يعصم لسانه عن الكذب.

من الممكن أن يعصم فرجه عن الزنا.

والمقدمة عند الشيعة تحتمها النصوص، والنتيجة لا بد أن تكون شرعية أيضا، أي أن الإمامة مسألة شرعية والعصمة والغيبة مسألتان شرعيتان كذلك.

وإذا كنا قد عرضنا لقضية العصمة من الجانب العقلي فيما مضى فإن الأمر يحتم الآن أن نعرض للقضية من الجانب الشرعي.

في مقدمة النصوص القرآنية التي يعتمد عليها الشيعة في إثبات عصمة الإمام قوله تعالى لنبيه إبراهيم: (إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين) البقرة / ١٢٤.

يقول الطبرسي: استدل أصحابنا بهذه الآية على أن الإمام لا يكون معصوما عن القبائح لأن الله سبحانه نفى أن ينال عهده - الذي هو الإمامة - ظالم. ومن ليس بمعصوم فقد يكون ظالما إما لنفسه وإما لغيره (١).

ويقول السيد محسن الأمين: قوله تعالى خطابا لإبراهيم: (إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين) غير المعصوم ظالم لنفسه فلا ينال عند الإمامة الذي هو من الله تعالى. وأنه يجب أن يكون أفضل أهل زمانه وأكملهم لأن تقديم المفضول على الفاضل قبيح.. (٢).

وهذا النص يشير إلى أن سلالات الأنبياء فيها المحسن والمسئ والعادل والظالم والفاجر والتقي. وآل البيت إنما هم امتداد لذرية إبراهيم عليه السلام لكنهم

(١) مجمع البيان في تفسير القرآن، ج ١..

(٢) أعيان الشيعة..

١٧٢
غير معصومين على وجه العموم إنما المعصوم منهم طائفة محددة بالنصوص هم الأئمة الاثنا عشر أولهم الإمام علي وآخرهم الإمام المهدي المنتظر عليهم السلام.

أما النص الثاني من نصوص العصمة فهو قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) النساء / ٥٩.

يقول الشيخ الوائلي: إن أولي الأمر الواجب طاعتهم يجب أن تكون أوامرهم موافقة لا حكام الله تعالى لتجب لهم هذه الطاعة. ولا يتسنى هذا إلا بعصمتهم إذ لو وقع الخطأ منهم لوجب الإنكار عليهم وذلك ينافي أمر الله بالطاعة لهم.. (١).

وقول السيد الزنجاني: إن الإمام حافظ للشرع فيجب أن يكون معصوما وإنه لو وقع من الإمام الخطأ لوجب الإنكار عليه وذلك يضاد أمر الطاعة له بقوله تعالى: (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) وأيضا أنه لو وقعت منه المعصية لزم نقض الغرض من نصب الإمام والتالي باطل، فالمقدم مثله بيان الشرطية أن الغرض من إمامته انقياد الأمة له وامتثال أوامره واتباعه فيما يفعله. فلو وقعت المعصية منه لم يجب شئ أقل من ذلك وهو مناف لنصبه.

الدليل الثالث: إنه لو وقعت من الإمام المعصية لزم أن يكون أقل درجة من العوام لأن عقله أشد ومعرفته بالله تعالى وعقابه وثوابه أكثر فلو وقعت منه المعصية كان أقل حالا من الرعية وكل ذلك باطل قطعا فيجب أن يكون الإمام معصوما.. (٢).

ويقول السيد شبر: قوله تعالى: (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) دل على وجوب إطاعة أولي الأمر كإطاعة الرسول. ولهذا لم يفصل بينهما بالفعل لكمال الاتحاد والمجانسة بخلاف إطاعة الله وإطاعة الرسول. إذ لما كان بين الخالق والمخلوق كمال المباينة فصل بالفعل. ومن المعلوم أن الله سبحانه لا يأمر المؤمنين - لا سيما الصلحاء العلماء الفضلاء - بإطاعة كل ذي أمر وحكم لأن فيهم الفساق والظلمة ومن يأمر بمعصية الله تعالى، فيجب أن

(١) هوية التشيع ط. بيروت.

(٢) نهاية الفلسفة الإسلامية..

١٧٣
كتاب عقائد السنة وعقائد الشيعة للكاتب صالح الورداني (ص ١٧٤ - ص ١٩٥)
١٧٤
والنص الثالث: هو قوله تعالى: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا..) الأحزاب / ٣٣.

يقول الشيخ السبحاني: استدلت الشيعة الإمامية عن بكرة أبيها بهذه الآية على عصمة آل البيت الذين نزلت هذه الآية في حقهم. وأن الإرادة المقصودة من النص إرادة تكوينية لا تشريعية، بمعنى أن إرادته التكوينية التي تعلقت بتكوين الأشياء في عالم الوجود تعلقت أيضا بإذهاب الرجس عن أهل البيت وتطهيرهم من كل رجس وقذر ومن كل عمل يستنفر منه (١).

يقول الشيخ فرج الله الحسني: دلالة الآية على عصمة الخمسة الرسول وعلي وفاطمة والحسن والحسين لأنها صدرت بأداة الحصر وهي كلمة " إنما "، وتعلق إرادته تعالى بالتطهير وبإذهاب الرجس وهو فعله تعالى يدل على أن الإرادة تكوينية على ما ثبت في محله ومتعلق التطهير وهو " الرجس " مطلق محلى بألف ولام الجنس. فالآية الشريفة تعلن نفي مما هو الرجس بنحو العام الاستيعابي المجموعي عن أهل البيت المذكورين فيها.. (٢).

ويقول الشيخ الوائلي: معنى ذهاب الرجس نفي كل ذنب وخطأ عنهم، والإرادة هنا تكوينية لا تشريعية لوضوح أن التشريعية مرادة لكل الناس (٣).

ويقول الطبرسي: استدلت الشيعة على اختصاص الآية بهؤلاء الخمسة عليهم السلام بأن قالوا أن لفظة " إنما " محققة لما أثبت بعدها نافية لما لم يثبت، فإن قول القائل إنما لك عندي درهم وإنما في الدار زيد يقتضي أنه ليس عنده سوى الدرهم وليس في الدار سوى زيد. وإذا تقرر هذا فلا تخلو الإرادة في الآية من أن تكون في الإرادة المحضة أو الإرادة التي يتبعها التطهير وإذهاب الرجس. ولا يجوز الوجه الأول لأن الله تعالى قد أراد من كل مكلف هذه الإرادة المطلقة، فلا اختصاص لها بأهل البيت دون سائر الخلق، ولأن هذا

(١) معالم النبوة..

(٢) المرجع السابق..

(٣) هوية التشيع..

١٧٥
القول يقتضي المدح والتعظيم لهم بغير شك وشبهة ولا مدح في الإرادة المجردة، فثبت الوجه الثاني وفي ثبوته ثبوت عصمة المعنيين بالآية من جميع القبائح. وقد علمنا أن من عدا من ذكرنا من أهل البيت غير مقطوع على عصمته فثبت أن الآية مختصة بهم لبطلان تعلقها بغيرهم، ومتى قيل إن صدور الآية وما بعدها في الأزواج فالقول فيه إن هذا لا ينكره من عرف عادة الفصحاء في كلامهم فإنهم يذهبون من خطاب إلى غيره ويعودون إليه، والقرآن من ذلك مملوء وكذلك كلام العرب وأشعارهم.. (١).

ونظرا لدلالة نص التطهير القطعية ومعناه الظاهر المحدد بآل البيت لم يجد أهل السنة في مواجهته سوى التسلح بالتعويم أي إطلاق النص على نساء النبي صلى الله عليه وآله وآل البيت بشكل عام حسب تعريفهم العائم له على ما سوف نبين. إلا أنهم فاتهم عدة نقاط هامة تتعلق بالنص المذكور:

الأولى: لغوية وقد ألقينا الضوء عليها من أقوال فقهاء الشيعة حول الآية.

الثانية: تتعلق بالسياق فهم يعتبرون السياق العام للنص يخاطب نساء النبي إلا أن المعروف أن السياق ليس بحجة لأن ترتيب الآيات ليس توقيفيا على الأرجح، ولا هناك من النصوص القرآنية ما يقتضي سياقه اختلال المعنى على الظاهر مثل قوله تعالى: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا) فإن الآيات التالية لهذه الآية في سورة المائدة آيات أحكام، وإذا اعتبرنا السياق حجة فيجب أن تكون هذه الآيات سابقة لآية كمال الدين.

الثالثة: إن نساء النبي ذكرن بالذم في نفس السورة وفي سورة التحريم وعلى لسان الرسول في أحاديث كثيرة وهذا يتناقض مع طهارتهن ويدل على أنهن لسن مقصودات بآية التطهير.

(١) مجمع البيان تفسير سورة الأحزاب..
١٧٦
الرابعة: إن هناك روايات وردت على لسان الرسول تخصص الآية وتحصرها في حدود الخمسة، وتعرف آل البيت في حدود علي وفاطمة والحسن والحسين دون غيرهم وعلى رأس هذه الروايات حديث الكساء.. (١).

وبالإضافة إلى هذه النصوص القرآنية هناك حديث وارد عن الرسول صلى الله عليه وآله يفيد ثبوت العصمة لآل البيت..

وهذا النص النبوي هو حديث الثقلين الذي ذكرناه سابقا في نصوص الإمامة. فهذا النص قد قرن الكتاب بالعترة الطاهرة (كتاب الله وعترتي) وربط العترة بالكتاب دليل على عصمة العترة أئمة آل البيت.

فما دام الكتاب معصوما فلا بد أن تكون العترة المقرونة به معصومة أيضا، إذ ليس من المقبول عقلا أن يربط الرسول بالقرآن فئة غير جديرة بهذا الارتباط وليست على مستواه. فلا بد أن تكون هذه الفئة تتوافر بها مؤهلات حفظ الكتاب من بعد الرسول وإبلاغه للناس على الوجه الأكمل دون تحريف أو تأويل أو ميل للباطل أو القبلية أو الهوى أو الحكام، وهذا الدور في ذاته يتطلب عصمة.

ومثل هذا النص يشير إلى أن العترة هي وارثة الكتاب من بعد الرسول والمعبر الحقيقي عن الإسلام مما يوجب إمامتهم ويوجب بالتالي عصمتهم.

وهذا ينفي فكرة الإمامة عند أهل السنة ويبطل خلافة الثلاثة من بعد الرسول.

كما ينفي من جانب آخر ما قيل حول جمع القرآن من قبل أبو بكر فالرسول قد أورث الكتاب كاملا لعترته ممثلة في رأس العترة الإمام علي ولا يعقل أن يتركه مبعثرا هنا وهناك مهددا بالفقد والضياع والنسيان، ولو صح ما يعتقده أهل السنة من أفضلية أبو بكر على الأمة وعلى الإمام علي، لترك الرسول القرآن لديه أو لدى عمر أو لدى عثمان وعم جميعهم مقدمون على الإمام عندهم. لكن الثلاثة كما هو معروف لم يكونوا من حفظة القرآن ولا من كتبته مما يدل على أن هناك طرفا آخر ورث الكتاب عن الرسول غير هؤلاء، تتوافر لديه مقومات حمل هذه

(١) أنظر باب الرجال فصل آل البيت..
١٧٧
التبعية ويتحلى بمؤهلات ليست في هؤلاء من التقوى والعلم والشجاعة تعينه على القيام بهذه المهمة من بعد الرسول.. صاحب هذه المؤهلات هو الإمام علي. ومهمته هذه هي امتداد لمهمة الرسول ومكملة لها مما يفرض أن يكون معصوما هو ومن يتسلم المهمة من بعد أئمة آل البيت..

غيبة الإمام:

يؤمن أهل السنة والشيعة بالمهدي المنتظر. غير أن الفارق كبير بين الاتجاهين حول الموقف من المهدي..

فشخصية المهدي عند أهل السنة تختلف اختلافا كبيرا عن شخصيته عند الشيعة..

المهدي عند السنة رجل في علم الغيب ليس معروفا لأحد. ربما يكون قد ولد وربما لم يولد بعد، يصلحه الله في يوم وليلة.

والمهدي عند الشيعة هو الإمام الثاني عشر الخاتم لسلسلة الأئمة ابن الإمام الحادي عشر وقد ولد عام ٢٥٥ هـ‍ واختفى من عام ٢٦٠ هـ‍ إلى عام ٣٢٩ هـ‍ فيما سمي بالغيبة الصغرى ثم غاب بعد ذلك غيبته الكبرى.

المهدي عند السنة مجهول الشخصية من الممكن أن يتقمص شخصية أي مدع. وآخر صور الادعاء في الوسط السني ظهرت عام ٧٩ م عندما احتل الحرم المكي مجموعة من شباب التيار السلفي معلنين ظهور المهدي وقد باءت حركتهم بالفشل.

أما عند الشيعة فالمهدي شخصية معروفة شاهدها الكثير من المعاصرين قبل الاختفاء كما كان على صلة بشيعته طوال فترة الغيبة الصغرى عن طريق السفراء الأربعة الذين كانوا حلقة الوصل بين الشيعة والإمام (١).

المهدي عند الشيعة هو م ح م د بن الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام وعقيدة الانتظار عند الشيعة عقيدة إيجابية دافعة نحو التغيير والبناء، فالمؤمن

(١) أنظر أعيان الشيعة وموسوعة الإمام المهدي وتاريخ الغيبة الصغرى ط. بيروت..
١٧٨
الذي يعيش في عصر غيبة الإمام إنما يهيئ النفس ويعدها في حالة ترقب واستعداد لظهور الإمام ليكون من جنده وينال شرف الجهاد تحت لوائه من أجل إعلاء كلمة الله وتحطيم عروش المستكبرين في الأرض. فمن ثم نرى الشيعة يبتهلون إلى الله في صلواتهم على الدوام داعينه سبحانه أن يعجل بظهوره ليضع حدا للظلم والشرك والفساد الذي ساد البلاد والعباد.

ومثل عقيدة الانتظار هذه أن تشكل عامل تعبئة دائمة للمسلم المؤمن بعقيدة الإمامة تجعل منه قوة صدامية في مواجهة الباطل والظلم والعدوان حتى قبل ظهور الإمام. ولولا عقيدة الإمامة ما نجحت الثورة الإسلامية في إيران.

أما أهل السنة فلا عقيدة المهدي أدنى تأثير على سلوكهم ومواقفهم تجاه الواقع والأحداث، وذلك يعود إلى غموض شخصية المهدي وافتقاد فكرة الإمامة بصورتها الشرعية الصحيحة، مما جعل من قضية المهدي قضية هامشية عندهم تظل في طي النسيان حتى يظهر من يفجرها.

ولقد شكلت حادثة الحرم المكي التي تزعمها جهيمان العتيبي والتي أعلنت ظهور المهدي عام ٧٩، شكلت مفاجأة كبيرة للمسلمين السنة في كل مكان، وقد انجذب نحو هذه الحركة الكثير من شباب الحركة الإسلامية في مصر والجزيرة واليمن والكويت وغيرها الذين فوجئوا بظهور المهدي. وبعضهم كان قد رآه في المنام ثم بعد أن فشلت هذه الحركة وقتل المهدي المزعوم اختفت فكرة المهدي من واقع المسلمين وغابت عن الأذهان في انتظار من يحييها بإعلان " مهدي " جديد.

إن فكرة الإمامة المائعة عند أهل السنة والتي دفعت بهم إلى جعل الحكام أئمة، طاعتهم واجبة وإن جاروا وفسقوا، قتلت في نفوس المسلمين روح مقاومة الظلم والفساد والتمرد على الواقع الفاسد. وقتلت بالتالي في نفوسهم عقيدة انتظار المهدي المخلص الذي سوف يقضي على الظلم والفساد ويقيم دولة العدل والأمان والرخاء. وكان لا بد من قتل هذه العقيدة والتعتيم عليها لأن اعتناقها يشكل تهديدا مباشرا للقوى الحاكمة.

١٧٩
ولعل البعض يقول على الرغم من ذلك: إن اعتقاد أهل السنة في المهدي هو أقرب إلى العقل والواقع من اعتقاد الشيعة الذين ينتظرون إماما غاب منذ أكثر من ألف عام وهو على قيد الحياة.

والذين يطرحون مثل هذا التصور إنما يغيب عليهم استيعاب قضية الإمامة عند الشيعة. فهم ينظرون إلى قضية المهدي المنتظر نظرة مجردة معزولة عن قضيتها الأم قضية الإمامة. فإن المهدي هو خاتم سلسلة الأئمة التي بدأت بالإمام علي وغيبته هي نتيجة حتمية لحركة هؤلاء الأئمة.

فإذا أهل السنة والشيعة كلاهما يقر بأن الرسول أبلغ الأمة أن هناك اثني عشر إماما يأتون من بعده، فهؤلاء الأئمة لم يظهر منهم سوى أحد عشر إماما عند الشيعة أما الثاني عشر فلم تتح له فرصة الظهور بسب تربص الحكام وبطشهم واضطر إلى الاختفاء إلى أجل يعلمه الله.

وبما أن هذا الإمام من سلسلة آل البيت أبناء فاطمة ووالده الإمام الحادي عشر كان موجودا فلا بد لولده أن يكون موجودا. إذ لا يعقل أن يظهر الإمام الثاني عشر منفصلا عن أبيه بعدة قرون. نحن هنا أمام عدة احتمالات:

الأول: أن الإمام الحادي عشر مات ولم ينجب وبالتالي يكون الإمام الثاني عشر سوف يظهر من سلسلة أخرى غير سلسلة آل البيت.

الثاني: أن يكون الإمام الثاني عشر قد ظهر ومات.

الثالث: أن يكون الإمام الثاني عشر قد ظهر واختفى.

الاحتمال الثالث هو الراجح فلم يثبت تاريخيا أن الإمام الحادي عشر مات ولم يعقب كما يحاول البعض من أهل السنة أن يشكك في ذلك (١).

والثابت تاريخيا أيضا أن الإمام الثاني عشر اختفى بعد ولادته بخمس سنوات فهو ولد دون أن يؤدي دوره ويعلن حجته.

(١) أنظر منهاج السنة لابن تيمية. والمراجع السابقة..
١٨٠