×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

علي والخوارج - ج 2 / الصفحات: ١ - ٢٠

الصفحات: ١ - ٦ فارغة
[image] - مركز الأبحاث العقائدية


الباب الخامس
التظاهر بالتدين


٧

الفصل الأول
الزهد والعبادة



٨
٩

زهد «الخوارج» وعبادتهم:

لقد عرف عن «الخوارج»: أنهم عباد وزهاد، همهم الدين، والآخرة، وليس لهم في الدنيا الزائلة مأرب ولا رغبة. وهذا هو ما يروج له «الخوارج» أنفسهم.

وعرف عنهم أيضاً أنهم قد وقذتهم العبادة، حتى أصبحت جباههم سوداء، وأصبحوا مضرب المثل في اجتهادهم في العبادة، وفي عزوفهم عن الدنيا، وتشددهم في الالتزام بالحكم الشرعي، هذا إلى جانب قراءتهم للقرآن، حتى عرفوا باسم القراء قبل ظهور الخلاف منهم على أمير المؤمنين (عليه السلام) في صفين.

كما أن مما عرف عنهم هو الصعقة عند قراءة القرآن، فقد سئل أنس عن قوم يصعقون عند القراءة فقال:

«ذلك فعل الخوارج(١)»(٢).

ومعنى ذلك هو أن ما يعرف بين الصوفية من التظاهر بحالات الوجد والغشية، والصعق عند قراءة القرآن.. قد يكون موروثاً عن «الخوارج».

(١) راجع: العقود الفضية للحارثي الإباضي، ص٤٦و٤٧.

(٢) ربيع الأبرار، ج٣ ص٥٨٧.

١٠

هذا هو رأي الأمويين أيضاً:

واللافت للنظر هنا: أننا نجد: أن هذه هي نظرة الأمويين للخوارج، فإن مروان بن الحكم قد اعتبر أن «الخوارج» هم العلماء والزهاد، وذلك في كلام له مع الإمام الحسن (عليه السلام)(١).

وقال عمر بن عبد العزيز لبعض «الخوارج»: «.. إني قد علمت أنكم لم تخرجوا مخرجكم هذا لطلب دنيا، أو متاع، ولكنكم أردتم الآخرة، فأخطأتم سبيلها»(٢).

ماذا يقول المؤلفون:

ومهما يكن من أمر: فإن الكتاب والمؤلفين حين قرأوا ما ذكره المؤرخون عن حالات «الخوارج» وعبادتهم. وما إلى ذلك.. أخذوه منهم بعجره وبجره، ولم يخضعوه للبحث الدقيق والعميق، ليعرفوا مدى صحته، ولأجل ذلك نجد أنهم ما فتئوا يؤكدون على أن «الخوارج» هم الفئة المؤمنة الملتزمة، التي بقيت وفية لمبادئها، ولمثلها العليا(٣).

وقالوا عنهم أيضاً: «إن الخوارج كانوا حزباً ثائراً، كما يدل عليه اسمهم، وحزباً ثائراً تقياً على الحقيقة. فهم لم يقوموا كعرب، ولكن

(١) راجع: بهج الصباغة، ج٥ ص٢٦٦ وج٣ ص٢٣٢ وتذكرة الخواص ص٢٠٧ وراجع: شرح النهج للمعتزلي ج١ ص١١٤و١١٥.

(٢) فجر الإسلام ص٢٦٣ والكامل في التاريخ ج٥ ص٤٦.

(٣) قضايا في التاريخ الإسلامي، بحث الخوارج، ص٦٦و٧٢ و٧٣و٨٩ وفجر الإسلام ص٦٤ شرح نهج البلاغة للمعتزلي، ج٥ ص١٣١و٧٩و١٢٩و١٣١ وتحليلي أز تاريخ إسلام ج١ ص٣٣٢ وتاريخ الفرق الإسلامية، ص٢٨٣ والخوارج والشيعة، ص٣٦و٤٢و٥٩و٣٩ وتاريخ الدولة العربية ص٦٠و٦٢.

١١

كمسلمين، وسلكوا مسلك الأتقياء من المسلمين، وهم القراء».

«وقد وجهت التقوى في الدولة الإسلامية توجيهاً سياسياً، وكانت في أعلى درجاتها عند الخوارج؛ فإن الله تعالى طلب إلى المسلم عندما تعصى أوامره ألاّ يسكت على ذلك»(١).

وقالوا أيضاً: «كانوا حزباً ثورياً، يعتصم بالتقوى، لم ينشأوا عن عصبية العروبة، بل عن الإسلام»(٢).

هذا التصور ليس جديداً:

وقد انخدع الناس بهذه المظاهر منذ بداية ظهورهم، حتى اضطر علي (عليه السلام) وأصحابه إلى مواجهة هذا الفهم الساذج للأمور، فقد ذكر «الخوارج» عند ابن عباس، فقال: «ليسوا بأشد اجتهاداً من اليهود والنصارى، وهم يصلون»(٣) وفي نص آخر: يضلون(٤).

على أنه يكفي في بيان زيف هذه الظاهرة، ما ورد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) في حقهم من تنصيص على أن اجتهادهم في العبادة ما هو إلا زيف ومظاهر، لا حقيقة لها، ولا تعني أن ثمة عمقاً إيمانياً مستقراً في القلوب، بل هي مجرد حركات للخوارج، ليس وراءها سوى الخواء التام عن أية حالة إيمانية صادقة، فليس هناك إلا الجهل الذريع، والحماقة القاتلة.

(١) نظرة عامة في تاريخ الفقه الإسلامي، ص١٧٠ للدكتور علي حسن عبد القادر.

(٢) الإباضية عقيدة ومذهباً، ص٣١ عن الخوارج والشيعة ص٤١.

(٣) المصنف للصنعاني ج١٠ ص١٥٣.

(٤) راجع: الإباضية عقيدة ومذهباً ص٣٨ والتنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع ص١٨٤.

١٢

الإصرار على تكذيب رسول الله (صلى الله عليه وآله):

ولا ندري ما هو السبب الحقيقي لهذا الإصرار على الزعم الذي ستأتي الشواهد الكثيرة على أنه لا واقع له..

وهو صدق تقواهم، وثبات قدمهم في الإيمان، والعمل الصالح..

مع أن الحديث المتواتر عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) يثبت أنهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، وأنهم يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، وقد أكد التاريخ بصورة قاطعة وقوع الإخبارات الغيبية عن وجود ذي الثدية فيهم، وعن أنهم لا يعبرون النهر، وعن أنه لا يقتل من أصحاب علي عشرة ولا يفلت من أهل النهروان عشرة، وغير ذلك..

إن الوقائع هذه قد أثبتت بصورة قاطعة وحسية فضلاً عن تواتر نقلها، وفضلاً عن أن ناقلها هو المعصوم ـ نعم قد أثبتت أن حديث ـ النبي (صلى الله عليه وآله) في مروقهم من الدين، وسائر اوصافهم.. صحيح وثابت..

فما هذه المراوغات من هؤلاء الكتاب؟!.. وما هي دوافعهم لتكذيب هذا النقل القطعي الصادق؟!.

تبريرات لا تصح لتشدّد «الخوارج» في الدين:

إننا في حين نرى هؤلاء الكتاب يحاولون التأكيد على تقوى «الخوارج»، وعلى صلابتهم في أمر الدين..

فإنهم يحاولون إيجاد المخارج لما كان عليه «الخوارج» من جهل وسطحية، ويتلمسون المبررات للنهج الإجرامي الذي يصل بهم إلى حدود ليس ثمة أخطر منها على كل الواقع الديني والإيماني..

هذا النهج الذي تجلَّى في عقائدهم، وظهر في مواقفهم

١٣

وممارساتهم، ليجسِّد أبشع صورة للتخلف والجهل، والقسوة والغلظة، والبعد عن أي معنى إنساني أو إيماني.. كما سنوضحه فيما يأتي من فصول..

وقد كان عمدة ما علل هؤلاء المؤلفون حال الخوارج، وممارساتهم هو الجهل والسذاجة، والسطحية(١).

ولعل النص التالي: قد استنفد جهود هؤلاء في التبرير، يقول أبو زهرة: «إن الخوارج كان أكثرهم من عرب البادية، وقليل منهم كان من عرب القرى، وهؤلاء كانوا في فقر شديد قبيل الإسلام، ولما جاء الإسلام لم تزد حالهم المادية حسناً؛ لأنهم استمروا في باديتهم بلأوائها وشدتها، وصعوبة الحياة فيها. وأصاب الإسلام شغاف قلوبهم، مع سذاجة في التفكير، وضيق في التصور، وبعد عن العلوم؛ فتكوّن من مجموع ذلك نفوس مؤمنة، متعصبة، لضيق نطاق العقول، ومتهورة؛ لأنها نابعة من الصحراء، وزاهدة؛ لأنها لم تجد؟».

إلى أن قال: «ولقد كانت هذه المعيشة التي يعيشونها في بيدائهم دافعة لهم على الخشونة، والقسوة، والعنف؛ إذ النفس صورة لما تألف. ولو أنهم عاشوا عيشة رافهة، فاكهة، في نعيم، أو في نوع منه؛ لخفف من عنفهم؛ وألان صلابتهم، ورطب شدتهم»(١).

وقد أضاف البعض هنا:

(١) راجع: تاريخ المذاهب الإسلامية ص٧٠و٧١ وراجع: تحليلي أز تاريخ إسلام ج١ ص١٣٢.

١٤

أن فقرهم، ورفاهية القبائل الأخرى قد زاد من حقدهم، بالإضافة إلى أن تمسكهم الشديد بالتقاليد، والطبائع البدوية، كالتعصب للقبيلة، والولاء لها، قد جعلهم يبغضون الحكومة السياسية، وتمردوا على نمط الحياة الاجتماعية، فثورتهم تمثل ثورة البدو على سيادة الدولة(١).

ثم عاد نفس هذا البعض ليقول في مورد آخر، ما يردّ ويتنافى مع هذا الذي ذكرناه، حين ادعى أنهم لم يرفضوا فكرة الخلافة، بل أرادوا إقامة دولة على أساس ديمقراطي، فهم جمهوريّو الإسلام، انطلاقاً من فهمهم لعدالة الإسلام.

ويدعي أيضاً: أن طبائع البداوة قد انمحت منهم باعتناقهم الإسلام، وهجرتهم من البادية، وإقامتهم في الأمصار، وانخراطهم في الجيش الإسلامي إلخ(٢).

ثم إن هذا البعض أيضاً يقول: «ومن المؤرخين من ذهب إلى أن ظهور الخوارج يعبر عن رغبة القبائل العربية، من غير قريش في إقصائها عن التشبث بالخلافة، والاستئثار بالحكم. فالخوارج من هذه الناحية حزب سياسي، وحركتهم تمثل ثورة ديمقراطية، ضد الأرستقراطية الثيوقراطية الجديدة من كبار الصحابة، فهم لذلك جمهوريّو الإسلام، ودستوريو الإسلام»(٣).

ونحن.. لا نستطيع أن نوافق أبا زهرة ولا هؤلاء على كثير مما

(١) قضايا في التاريخ الإسلامي ص٣٧و٥٠و٥١ عن أبي زهرة، وعن عمر أبي النصر في كتاب: الخوارج في الإسلام ص١٨.

(٢) المصدر نفسه ص٧٣و٧٤.

(٣) نفس المصدر ص٣٦.

١٥

ذكره وذكروه..

فأولاً: إنه قد ادّعى: أن الإسلام لم يستطع أن يغير شيئاً من حالتهم المادية. فبقوا على ما هم عليه من فقر وحاجة؛ فإن أكثر «الخوارج» كانوا عراقيين في بادئ الأمر، وقسم منهم من الموالي؛ وكانوا قد شاركوا في الحروب، ونالوا من الغنائم التي كانت كثيراًَ ما تحصل، كما نال غيرهم، وكانت بلادهم من البلاد الخصبة، التي يعتمد عليها في التموين للجيوش المحاربة، وقد اختار علي (عليه السلام) الكوفة عاصمة له لأمور منها هذا الأمر بالذات(١).

وقد اختلف حال الناس بعد ظهور الإسلام عن حالهم قبله حتى مع أمرائهم وحكامهم، الذين كانوا يحرمونهم من أبسط الحقوق، ويستأثرون بالامتيازات لأنفسهم.

بل تقدم أن بعض أمراء «الخوارج» كان يشتري السيف بعشرين ألف درهم.

فهل يصح القول بعد هذا: أنهم كانوا يعانون من الحاجة الملحة؛ والفقر المدقع؟!! إذ أنهم لو كانوا كما يدعى لهم ويدعونه، لأنفسهم أهل تقوى ودين، فسوف ينيلون فقراءهم نصيباً من هذه الدنيا التي كانت بين أيديهم.

ثانياً: لقد كانت الفرصة متاحة لهم للاستفادة من العلوم الإسلامية، وقد كان بين ظهرانيهم باب مدينة العلم مدة طويلة، يفقههم في الدين، ويوقفهم على حدود الحلال والحرام، وقد ركز فيهم راية الإيمان. كما

(١) راجع: مقالاً لنا بعنوان: استراتيجية الكوفة في خلافة الإمام علي (عليه السلام) في كتابنا: دراسات وبحوث في التاريخ والإسلام.

١٦

عرفنا فيما تقدم..

إذن.. فإن أي تقصير في مجال الحصول على العلوم والمعارف، إنما يقع على عاتقهم، ويأتي من ناحيتهم، وليس لهم أي عذر في ذلك.

ولكن الحقيقة هي أنهم قد عرفوا كل شيء، لكن الشيطان قد زين لهم أعمالهم كما توضحه هذه الدراسة..

ثالثاً: أما قوله: إن الإسلام قد أصاب شغاف قلوبهم، وكذا قول غيره: إنهم كانوا عباداً مؤمنين، ملتزمين بحرفية الحكم الشرعي، أوفياء لمبادئهم، ولمثلهم العليا.

فهو أيضاً لا يصح؛ فقد عرفنا: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ـ فيما روي عنه ـ قد وصفهم بأنهم يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية، وأنهم يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم.

وقد وصفهم أمير المؤمنين (عليه الصلاة والسلام) بكثير من الأوصاف الناطقة بإنحرافهم عن الصراط السوي، وبأنهم يريدون الدنيا وقد غلب عليهم المراء، واتبعوا أهواءهم. وغير ذلك..

أضف إلى ذلك: أن تاريخهم حافل بالأحداث والتصريحات والمواقف، والممارسات التي تدل على أن الكثيرين منهم، إن لم نقل أكثرهم ـ إذا استثنينا بعض المخدوعين، والسذج والبسطاء ـ حتى على مستوى القيادات فيهم لم يكونوا على هذه الصفة. وإن تلك العبادة، وهاتيكم الشعارات ما كانت إلا أمراً صورياً ظاهرياً، لا يعبر عن واقعٍ حيٍ وأصيل في هذا المجال..

وستأتي طائفة من هذه النصوص في ضمن ما يأتي من مطالب..

١٧

وأما ما ذكره ذلك البعض كإضافات على كلام أبي زهرة، فهو أوضح فساداً، وأبعد عن الصواب، وعن الموضوعية، لأمور عديدة نقتصر منها على ما يلي:

أولاً: إن الوقائع التاريخية تثبت: أن «الخوارج» لم يكونوا ديمقراطيين أبداً، ولم يكونوا يحترمون رأي الأكثرية منهم، بل كانوا يحكمون بالكفر ويتحكمون بجبرية قاسية حتى ببعضهم البعض، فيسقطون أمراءهم لأتفه الكلمات أو التصرفات. أو ينقسمون على أنفسهم، فيكون لكل فرقة منهم أمير، ولم نجد منهم أي احترام لآراء غيرهم، بل كانوا يكفرون ويقتلون كل من خالفهم في الرأي والاعتقاد من المسلمين.. ولكنهم لا يجرؤون على المساس بغير المسلمين.. فأين هي الجمهورية الإسلامية والديمقراطية فيهم..

ثانياً: إن دعوى أن طبائع البداوة قد انمحت باعتناقهم للإسلام، وهجرتهم من البادية إلى الأمصار.. أغرب وأعجب، فإن من بديهيات التاريخ: أن أشد الناس إغراقاً في البداوة في طبائعهم، هم «الخوارج»، وقد بقي ذلك فيهم إلى عصور متأخرة بصورة ظاهرة، ولافتة، وإن بقاياهم لم يزل هذا حالهم إلى يومنا هذا.. رغم أنهم قد غيروا وبدلوا، أو تستروا على كثير من اعتقاداتهم، ليمكنهم البقاء..

ثالثاً: إن الحديث عن رغبة القبائل العربية في إقصاء قريش عن الخلافة غير دقيق، فإن «الخوارج» كانوا خليطاً غير متجانس، وكان فيهم العربي، وغير العربي.. ولم يكن تأمير أمرائهم نتيجة قرار اتخذته القبائل العربية بإقصاء قريش عن الخلافة.

وإلا.. فإن العرب الذين حاربوا «الخوارج» مع علي (عليه السلام)، والذين

١٨

حاربوا «الخوارج» على مدى التاريخ كانوا أكثر عدداً وأعظم نفوذاً، وهم الرؤساء وأهل الرأي.. وإنما كان «الخوارج» مجرد شراذم ورعاع من الناس، لا يجمعهم إلا الطمع والجهل، كما سنرى..

رابعاً: لم نعرف ماذا يقصد بوصفه للخوارج بأنهم دستوريو الإسلام، فأي دستور كانوا يسعون لتطبيقه والالتزام به.

فهل هو دستور الإسلام؟! فإن هذا الدستور يقضي عليهم بلزوم التزامهم بقول إمامهم المنصوب من قبل الله، وهو علي بن أبي طالب (عليه السلام)..

أم هو دستور العرف الإنساني؟ وهذا الدستور أيضاً يقضي عليهم بلزوم الوفاء بالعهود والعقود، واحترامها.. واحترام كلمة العالم الرشيد.. واحترام العهد الذي أعطوه، فلا ينكثون البيعة، ولا يطلبون نقض عهد أبرمه إمامهم وسيدهم وقائدهم..

خامساً: إن ظهور «الخوارج» ـ وإن كان طمعاً في الدنيا، وقد لبَّسوا هذه الأطماع لباس الدين.. ولكن التعليل الذي ذكره لا يمكن قبوله، إذ أنه لو صح لوجب أن يوجد هؤلاء «الخوارج» في كل عصر ومصر، مادام أن البداوة موجودة في جميع العصور وفي مختلف المناطق، وفي مقابلها حياة الرفاهية والترف، وغير ذلك من أمور وحالات، بقيت مغمورة في ضمير هذا الكاتب، ولم ير ضرورة للإفصاح عنها..

سادساً: أضف إلى ذلك: أن غيرهم من أهل قبائلهم ومن سائر القبائل لم يكونوا من حيث الترف والنعيم والبداوة، وغير ذلك أفضل حالاً من «الخوارج»، ولعل كثيرين من هؤلاء كانوا أفضل حالاً من أولئك.

١٩

كانوا أفضل حالاً من أولئك. فلماذا لم يصيروا مثلهم، ولم ينضموا إليهم؟!

سابعاً: وأخيراً، إن ما ظهر من «الخوارج» من افاعيل، ومن اعتقادات لا يقرها عقل ولا شرع، ولا وجدان، لا علاقة له بهذا الترف، ولا بتلك البداوة، ولا بذلك التمرد المزعوم، ولا يصح تعليله به، كما هو معلوم..

وذلك لأننا لم نجدهم يصدرون أي حكم ضد المترفين بما هم مترفون، بل كانت أحكامهم، عامة لا استثناء فيها.

كما أنهم في ممارساتهم لم يرحموا فقيراً لفقره، بل مارسوا كل قسوتهم ضد هؤلاء الفقراء والمسحوقين في الغالب، ولم يشفع لهم فقرهم أو ضعفهم، ولم يخفف من حدة تصرفاتهم تجاههم.. وإن بقرهم لبطون الحبالى خير شاهد ودليل على ذلك.

العجب هو الداء الدوي:

والذي يبدو هو أن عجب «الخوارج» بأنفسهم، وبعبادتهم، قد أسهم في اندفاعهم نحو اتخاذ مواقفهم الرعناء تلك، ودفعهم إلى الإمعان في الانحراف.. وإلى الإغراق فيه.

هذا بالإضافة: إلى أن إعجاب الناس بهم أيضاً قد يكون له تأثير في تشجيعهم على تجاوز حدود الشرع، وخروجهم على أحكام الدين..

فعن أنس قال: ذكر لي: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال ـ ولم أسمعه منه ـ: إن فيكم قوماً يعبدون ويدأبون، حتى يعجب بهم الناس، وتعجبهم نفوسهم، يمرقون

٢٠