×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

علي والخوارج - ج 2 / الصفحات: ٢٨١ - ٣٠٠

٢٨١

مرونة أم تحلل:

قلنا: إن «الخوارج» كانوا يظهرون التزمت في التزامهم الديني، وأن تعاليمهم الدينية قاسية، وحادّة، بحيث أن التخلف عن هاتيك التعاليم، أو عن بعضها يكون مساوقاً للتخلف عن الإسلام نفسه، والعدول عنه إلى الكفر والشرك..

وموقف «الخوارج» من كل من عداهم موقف شديد للغاية، حيث يكفرون جميع من عداهم، ولا يقبلون منهم إلا الإسلام أو السيف، ويحل قتل أطفالهم ونسائهم، والغدر بهم، ويكفرون القعدة عن القتال، ولا يجيز أكثرهم التقية، إلى غير ذلك من أحكام تقدمت الإشارة إلى بعضها..

وعلى هذا فإن أي انسجام يكون بين أي منهم وبين غيرهم يدخل في دائرة المخالفة والخروج عن الدين، بل والكفر الذي يستحق فاعله القتل.

وفي المقابل، فإن الشيعة لا يرون بأساً بالتعامل مع غيرهم من أهل الملل الأخرى إذا لم يكن فيه تأييد للدولة، الظالمة، أو معونة على

٢٨٢

الظلم، بل كان مجرد علاقة مع الناس العاديين منهم. وكان قائماً على أساس الحق والعدل، ومع الالتزام بالأحكام الشرعية..

فإذا رأينا الشيعة يقيمون علاقات ودية مع غيرهم من أهل المذاهب الإسلامية الأخرى، فإنهم يكونون منسجمين مع تعاليم مذهبهم، وأحكام دينهم.. ويستحقون المزيد من الإجلال والإكبار لأجل ذلك، لانسجامه مع فروض المعرفة، وقضاء العقل، وموجب الشرع.

ولكن إذا رأينا بعض «الخوارج» يفعلون ذلك؛ فإنهم ولاشك يكونون في دائرة الطغيان والعصيان لأحكام مذهبهم، ويكشف ذلك عن عدم التزامهم بما يرونه حكماً إلهياً شرعياً، أو عقلياً فطرياً، وهذا نقص، وانحراف، يستحق فاعله الذم، والانتقاص، بل وحتى الامتهان، والاحتقار، والعقوبة.

ونجد في التاريخ نماذج متميزة من هذا التعامل غير المبرر في دينهم ومذاهبهم، فقد قال المسعودي:

١ ـ ابن إباض وهشام بن الحكم:

يقول المؤرخون: «.. وكان عبد الله بن يزيد الإباضي بالكوفة، يختلف إليه أصحابه، يأخذون منه. وكان خزازاً، شريكاً لهشام بن الحكم، وكان هشام مقدماً في القول بالجسم، والقول بالإمامة على مذهب القطعية، يختلف إليه أصحابه من الرافضة، يأخذون عنه.

وكلاهما في حانوت واحد، على ما ذكرنا من التضاد في المذهب،

٢٨٣

من التشري والرفض، ولم يجر بينهما مسابّة، ولا خروج عما يقتضيه العلم، وقضية العقل، وموجب الشرع، وأحكام النظر والسير.

وذكر: أن عبد الله بن يزيد الإباضي قال لهشام بن الحكم في بعض الأيام: تعلم ما بيننا من المودة، ودوام الشركة، وقد أحببت أن تنكحني ابنتك فاطمة:

فقال له هشام: إنها مؤمنة.

فأمسك عبد الله، ولم يعاوده في شيء من ذلك، إلى أن فرق الموت بينهما»(١).

٢ ـ الكميت والطرماح:

قال الزمخشري: «لم ير الناس أعجب حالاً من الكميت والطرماح. كان الكميت عدنانياً عصبياً، وشيعياً من الغالية، ومتعصباً لأهل الكوفة، وكان الطرماح قحطانياً عصبياً، وخارجياً من الصفرية، ومتعصباً لأهل الشام، وبينهما من المخالصة والمخالطة ما لم يكن بين نفسين قط، ولم يكن بينهما صرم ولا جفوة».

وعلى حد تعبير ابن قتيبة: «وكان بينه وبين الطرماح من المودة، والمخالطة، ما لم يكن بين اثنين، على تباعد ما بينهما في الدين والرأي؛ لأن الكميت كان رافضياً، وكان الطرماح خارجياً صفرياً، وكان إلخ..»(٢).

(١) مروج الذهب ج٣ ص١٩٤ وراجع: المحاضرات للراغب ج٢ ص١٣ وراجع: الإلمام ج١ ص٣٧ والبيان والتبيين ج١ ص٤٦ و٤٧.

(٢) ربيع الأبرار ج١ ص٤٤٣ و٤٤٤ والشعر والشعراء ص٣٦٩ وراجع: المحاضرات للراغب ج٢ ص١٣ والبيان والتبيين ج١ ص٤٦ وراجع: «الأغاني ط ساسي ج١٥

=>

٢٨٤

وقيل لهما: كيف اتفقتما مع الخلاف بينكما؟!

فقالا: اتفقنا على بغض العامة(١).

ووصفهما جعفر المصري، فقال:


فنحن في ودٍّ، وحبٍ كماكان كميت والطرماح(٢)

ولكن البعض قد حاول تبرئة الطرماح من نسبة الخارجية إليه.

ولكنها محاولة فاشلة، لأنها مجرد تشكيك، لايعتمد على أساسٍ علمي. وقد أظهر الطرماح أنه لا يتورع عن الوقيعة في سيد الوصيين (عليه السلام)، كما حصل في مجلس معاوية، وفي موارد أخرى(٣) فليرجع إليها في مصادرها.

وقد حاول بعضهم أن يناقش في أن يكون الطرماح خارجياً، قال: وإنما الخارجي هو جده(٤).

ولكن نقل ابن قتيبة، والزمخشري لهذا الأمر، يبعّد ما ذكره هذا البعض.

بالإضافة إلى انه هو نفسه قد ذكر اتصال الطرماح بخالد بن عبد الله القسري، ومدحه له، وأن خالداً كان يكرمه، ويستجيده شعره(٥).. الأمر الذي يؤيد: أن الطرماح هذا لم يكن معروفاً بحبه لأمير المؤمنين (عليه السلام)

<=

ص١١٣ وج١٠ ص١٥٦ و١٥٧ وتهذيب تاريخ دمشق ج٧ ص٥٦.

(١) خلاصة عبقات الأنوار ج٩ ص٢٠١ عن ابن قتيبة.

(٢).........................

(٣) راجع: فرائد السمطين ج١ ص٣٧٤.

(٤) هامش ربيع الأبرار ج١ ص٤٤٥.

(٥) وقد أعطاه مرة خمسين ألف درهم، ليعصي بها الله ويطيع. راجع: لباب الآداب ص١١٤ و١١٥ وفي هامشه عن الأغاني ج١٠ ص١٥٢.

٢٨٥

كما يدعيه المعلق، بل إن تقريب خالد له قرينة قوية على إنه كان من مبغضي أمير المؤمنين (عليه السلام).

كما أن نفس كون صداقته للكميت موجبة لتعجب الناس، واعتبار ذلك أمراً ملفتاً للنظر، يؤيد خارجيته، وبغضه لعلي (عليه السلام) كجده.

وقد كان الشريف الرضي صديقاً لأبي إسحاق الصابي، وأمثلة هذا الأمر كثيرة، لا مجال لاستقصائها.

وبالنسبة لصداقة العلوي مع العثماني وأنها غير معقولة نقول: هذا لا يصلح شاهداً على ما يدعيه، لما يأتي في الفقرة التالية:

٣ ـ زر بن حبيش، وأبو وائل:

إذ أن زر بن حبيش كان أكبر من أبي وائل، فكانا إذا اجتمعا جميعاً، لم يحدث أبو وائل عند زر، وكان زر يحب علياً، وكان أبو وائل يحب عثمان، وكانا يتجالسان، فما سمعتهما يتناثان شيئاً قط»(١). وقد كان أبو وائل خارجياً؛ فصداقته مع زر المحب لعلي لافتة للنظر أيضاً كما تقدم في فصل الجهل.. والعلم..

٤ ـ تزوج الحميري بخارجية:

وفي مورد آخر: نجد الزمخشري يضيف إلى التعجب مما سبق تعجباً آخر فيقول: «ونحوه تزوج السيد الحميري ببنت الفجاءة، واتفاقهما عمرهما»(٢) أي مع أنها كانت خارجية.

(١) طبقات ابن سعد ج٦ ص٧١ وتهذيب تاريخ دمشق ج٥ ص٣٧٩.

(٢) ربيع الأبرار ج١ ص٤٥٥.

٢٨٦

دعبل والشراة:

و«كان دعبل يخرج فيغيب سنين يدور الدنيا كلها ويرجع، وقد أفاد وأثرى، وكانت الشراة والصعاليك يلقونه، فلا يؤذونه. ويؤاكلونه ويشاربونه، ويبرونه. وكان إذا لقيهم وضع طعامه وشرابه، ودعاهم إليه، ودعا بغلاميه ثقيف وشعف، وكانا مغنيين، فأقعدهما يغنيان، وسقاهم، وشرب معهم، وأنشدهم؛ فكانوا قد عرفوه، وألفوه لكثرة أسفاره. وكانوا يواصلونه،؛ ويصلونه»(١).

ودعبل علوي الهوى، والشراة أعداء لعلي، فما هذا التناقض والاختلاف في مواقفهم؟!.

تناقض في المواقف:

هذا.. ولكنهم في المقابل، يقولون: «كان اليمان بن رباب من علية علماء «الخوارج»، وأخوه علي بن رباب من علية علماء الرافضة، هذا مقدم في أصحابه، وهذا مقدم في أصحابه، يجتمعان في كل سنة ثلاثة أيام يتناظران فيها، ثم يفترقان، ولا يسلم أحدهما على الآخر، ولا يخاطبه»(٢).

التساهل عبر الزمن:

وقد ظهر من بعض فصول هذا الكتاب، مثل فصل: نبذة عن عقائد «الخوارج» وأقاويلهم. وفصل: الفقه وأصوله لدى «الخوارج»: ـ ظهر ـ أنه

(١) الأغاني: ط دار إحياء التراث العربي ج ٢ ص ١٣٧.

(٢) مروج الذهب ج٣ ص١٩٤.

٢٨٧
٢٨٨

ولعل لأجل ذلك انتشر مذهب الصفرية في جميع بلاد الإسلام، بما في ذلك المغرب، في أيام آخر الخلفاء الأمويين(١).

الاتجاه في وقت مبكر نحو التخفيف:

هذا.. وقد بدأ تساهل «الخوارج»، يظهر في مواقف عدد من شخصياتهم المعروفة، ثم تبلور على شكل منحى عقائدي، وديني لعدد من فرقهم وطوائفهم.

ومما يشهد لهذه الحقيقة: أن التاريخ يحدثنا: أنه قد كان لجابر بن زيد موقف ودود ومرن جداً من الحجاج(٢).

كما أن ابن الكواء الذي كان من زعماء «الخوارج» قد دخل على معاوية، وأخذ جائزته، وقرضه تقريضاً فائقاً.

حتى لقد قال له: «إنك ركن من أركان الإسلام، سدّت بك فرجة خوفه»(٣).

ولما ظفر الحجاج بعمران بن حطان الشاري قال: إضربوا عنق ابن الفاجرة.

فقال عمران: لبئسما أدبك أهلك يا حجاج! كيف أمنت أن أجيبك بمثل ما لقيتني به؟! أبعد الموت منزلة أصانعك عليها؟!

فأطرق الحجاج استحياءً، وقال: خلوا عنه.

فخرج إلى أصحابه، فقالوا: والله، ما أطلقك إلا الله، فارجع إلى حربه معنا.

(١) راجع: الإسلام، تأليف هنري ماسيه ص١٨٧ والخوارج في العصر الأموي ص٢٣٩.

(٢) شرح عقيدة التوحيد ص٩٢.

(٣) تهذيب تاريخ دمشق ج٧ ص٣٠١ و٣٠٢.

٢٨٩

فقال: هيهات، غلّ يداً مطلقها. واسترق رقبة معتقها، وأنشد:


أأقاتل الحجاج عن سلطانهبيد تقرّ بأنها مولاته
إني إذاً لأخو الدناءة والذيعفت على عرفانه جهلاته

إلى أن قال:


تالله ما كدت الأمير بآلةٍوجوارحي وسلاحها آلاته(١)

وقد قلنا أيضاً: إن عبد الله بن إباض كان «كثيراً ما يبدي النصائح لعبد الملك بن مروان»(٢).

وأنه حاول أن يسعى بالسيد الحميري إلى المنصور، فانقلب السحر على الساحر. ووقع هو في بئر احتفرها لغيره(٣).

واللافت هنا: أننا نجد لهم تفننا ظاهراً في مدح معاوية، فبعض مؤلفيهم يقول: «.. قلت: وكانت لمعاوية في دولته آثار محمودة، فقد تدارك الموقف، وسد الثلمة، وشرع في الجهاد، وحماية البلاد، وركب البحر، وافتتح مناطق مشهورة، وسدد وقارب حتى نسي المسلمون أو كادوا ينسون ما وقع بينهم. وسمى ذلك العام عام الجماعة، وذلك بعد قتل علي، وتسليم الحسن»(٤).

وربما يكون هذا الموقف لهم من معاوية قد انتهوا إليه بسبب شدة بغضهم لعلي (صلوات الله عليه) الذي قتل أسلافهم، فأطروا عدوه،

(١) زهر الآداب ج٤ ص٩٢٤و٩٢٥.

(٢) شرح عقيدة التوحيد ص٩٣ والعقود الفضية ص١٢١.

(٣) ديوان السيد الحميري هامش ص٣٩٧و٣٩٨ عن أعيان الشيعة ج١٢ ص١٧٤.

(٤) العقود الفضية ص٦١.

٢٩٠

وعظموه، ومالوا إليه.

من الانكفاء إلى الانطواء:

غير أن من الواضح: أن ذلك الاعتدال النسبي، وإن أسهم في صرف أنظار الحكام عنهم، وعدم التصدي لإبادتهم، إلا أنه لم يكن يكفي لدمجهم بصورة فعالة في المجتمع الإسلامي؛ ليستفيدوا من الآخرين بعض ما ينفعهم في معاشهم ومعادهم.

وقد تحدث هنري ماسيه عن أن الصفرية قد وقفوا موقفاً وسطاً بين الأزارقة المتشددين جداً، وبين الإباضية المتساهلين، فقبل الصفرية بالامتناع الموقت عن الحرب ضد المسلمين الآخرين، واعتنقوا التقية، وعدم قتل أولاد الكفار، ثم ذاب الصفرية بالإباضيين.

«وهم يمثلون العنصر المعتدل في الخوارج» ثم قال إنه في منتصف القرن الثامن انحرفت فعالية «الخوارج»، واتجهوا شيئاً فشيئاً نحو التجارة وتأليف الكتب الدينية والتاريخية إلخ(١).

كما أن هذا التساهل لم يكن كافياً لتمكين دعوتهم من الانتشار، وذلك لأسباب عديدة:

أحدها: أنها كانت تعاني من الخواء العلمي، ومن المضمون الفكري، الذي يعتمد الدليل والبرهان المعقول والمقبول، ويعطي رؤية متكاملة، وواضحة، وسليمة.

(١) الإسلام لهنري ماسيه ص١٨٦ و١٨٧.

٢٩١

الثاني: أنها بحاجة أيضاً إلى انفتاح حقيقي في العقول والقلوب والمشاعر على الناس، وعلى قضاياهم من موقع الإقناع والاقتناع. وهذا ما لم يستطع «الخوارج» حتى الإباضيون المتساهلون أن يفعلوه لما كانوا عليه من خشونة، ومن عصبيات وجمود، ولأن نفس تلك المفاهيم كانت خاطئة، بالإضافة إلى طبيعة نظرتهم التي كانت تهيمن على عقلياتهم وعلى سلوكهم.

فلم يكن أمامهم سوى الانكفاء إلى أماكن نائية وبعيدة عن مراكز العلم والمعرفة، والتحضر، ثم الانطواء على أنفسهم ـ وذلك هو الحل الوحيد الذي بقي أمامهم، فبقوا محصورين في مناطقهم البعيدة عن الحركة الفكرية والثقافية طيلة قرون طويلة من الزمن.

الثالث: ومما ساعد على هذا الانكفاء على الأعقاب والإنطواء: أن دعوتهم لم تكن منسجمة مع الفطرة الصافية، ومع بديهيات هذا الدين وثوابته. وقد تقدم بعض ما يشير إلى ذلك، فلا نعيد.

الرابع: عدم ثقة المسلمين بهم، وظهور التزييف والتحريف والتقلب غير المسؤول في مواقفهم وفي مبادئهم.

ويكفي أن نذكر: أن الناس قد رأوا: أن ما يظهرونه من تساهل، وما يدعونه من اعتدال فيما يرتبط برأيهم في علي بن أبي طالب (عليه السلام)، قد سلكوا فيه سبيل التمويه والخداع والتزييف لحقيقة ما تنطوي عليه نفوسهم وما يسرونه من مبادئ وتعاليم.

وهذا ما سيتضح في الفصل التالي:

٢٩٢
٢٩٣


الفصل الثالث
الإباضية.. انكفاء.. انطواء..




٢٩٤
٢٩٥

تساهل الإباضية هو سر بقائهم:

إن الاعتدال النسبي في تعاليم وعقائد الإباضية، وكذلك اتساع نطاق معارفهم، رغم أنها كانت ولا تزال متواضعة جداً، ـ ثم وإدراكهم ـ جزئياً ـ لضرورات الحياة، قد قلّل من حدتهم في تعاملهم ليس فقط مع غيرهم، وإنما مع بعضهم البعض أيضاً، وقلل من فرص تفرقهم إلى فرق ومذاهب، كما كان الحال في السابق.

كما أن فرقة الإباضية: قد ثبتت وبقيت، ولم تتصدع وحدتها حتى الآن. ولم يجد الحكام ضرورة لممارسة ضغوط حادة عليها، حيث ظهر لهم أن تعاليمها لا تعارض مصالحهم.

ومما يشير إلى تساهل الإباضية قولهم: إن مخالفيهم من أهل القبلة كفار غير مشركين، وإن دارهم دار إسلام، لا دار كفر، وإن مناكحتهم جائزة. وأجازوا شهادتهم، ووراثتهم. وحرموا قتلهم غيلة، وفي السر.

وإنما يجوز القتل إذا أقاموا على خصومهم الحجة، وأعلنوا لهم بالقتال. وحينئذٍ فلا يجوز من أموالهم إلا ما يغنم من الحرب،

٢٩٦

مما يعين على الحرب، كالسلاح. وما عداه فهو حرام. والمؤمن إذا ارتكب كبيرة فهو كافر كفر نعمة، لا كفر شرك(١).

قال ابن خلدون: «وقول هؤلاء أقرب إلى السنة»(٢).

ويقول فلهوزن: «الخوارج الإباضية ألين عريكة، لم يكن هدفهم ـ مع طهارتهم، وشدة تمسكهم بالدين ـ أن ينتصروا على جماعة المسلمين بالقوة، بل أن يكسبوهم لمذهبهم»(٣).

وقال عز الدين التنوخي، عضو المجمع العلمي بدمشق، بعد ذكره: أن الإباضية ينقلون أقوال المذاهب الأربعة، ويستشهدون بأحاديث الشيخين، وغيرهما: «مما يدل على أن الإباضية في المشرق والمغرب مذهب قريب من مذاهب السنة»(٤).

ونقل الحارثي الإباضي عن المبرد قوله: «.. قول ابن إباض أقرب الأقاويل إلى السنة. وابن حزم حسبما حكاه عنه ابن حجر في الفتح

(١) راجع فيما تقدم: تاريخ الفرق الإسلامية، للغرابي ص٢٧٧و٢٨٣ وتاريخ المذاهب الإسلامية ص٨٣و٨٥ والعبر وديوان المبتدأ والخبر ج٣ ص١٤٥ والعقد الفريد ج١ ص٢٢٣/٢٢٤ والأنوار النعمانية ج٢ ص٢٤٧ والخوارج في العصر الأموي ص٢٣٩ عن المصادر التالية: تلبيس إبليس ص١٩ ومقالات الإسلاميين ج١ ص٢٠٤ و١٨٥ و١٨٦ و١٨٩ والكامل للمبرد ج٣ ص١٠٤ والملل والنحل ج١ ص١٣٥ و١٣٤ ونقل أيضاً عن شرح المواقف ج٣ ص٢٩٢. وراجع: الخوارج عقيدة وفكراً وفلسفة ص٨١ متناً وهامشاً وص٩٠ و٩١.

(٢) العبر وديوان المبتدأ والخبر ج٣ ص١٤٥ والخوارج في العصر الأموي عن الكامل المبرد ج٣ ص١٠٤.

(٣) الخوارج والشيعة ص١١١.

(٤) العقود الفضية ص١٦٦ و١٦٧ عن المقدمة التي كتبها التنوخي لمسند الربيع وشرحه.

٢٩٧

الباري قال: أسوء الخوارج حالاً الغلاة، وأقربهم إلى قول أهل الحق الإباضية»(١).

وقال أيضاً عن فرقة الإباضية: «فرقة من معتدلي الخوارج..

إلى أن قال: والإباضية لا تقول بكفر غير الخوارج، ولا بشركهم، وتبيح الزواج منهم، وترى ضرورة الإمامة بناءً على اختيار الشيوخ وأهل الرأي، وليس بلازم ظهورها دائماً، فقد يبقى اختيار الإمام في طي الكتمان. وتسلم بأصول الفقه التي قال بها أهل السنة فيما عدا الإجماع»(٢).

الفرنساويون.. والإباضية:

وقد أثنى على الإباضية أيضاً السندوبي في تعليقاته على كتاب البيان والتبيين(٣).

ومن الغريب قول مصطفى إسماعيل المصري الذي اعتنق مذهب الإباضية بعد أن قرر أنها هي الفرقة الناجية: «.. ولقد شهد بهذا الحق جميع الفلاسفة الفرنساويين الباحثين في الأديان، الذين وقفوا بكياسة أديانهم، وسلامة قياسهم على أن نقاوة الدين الإسلامي لا تنحصر إلا في مذهب اتباع ابن إباض»(٤).

فهو يعتبر شهادة الفرنساويين للإباضية دليلاً على حقانية هذه الطائفة، وصحة مذهبهم. ويرى أن هؤلاء الفرنساويين لهم قياس سليم،

(١) العقود الفضية ص١٥٦.

(٢) الموسوعة العربية الميسرة ج١ ص١ وراجع العقود الفضية ص١٦٦ عنه.

(٣) العقود الفضية ص١٥٦ عن هوامش كتاب البيان والتبيين.

(٤) العقود الفضية ص١٦٨ و١٦٧.

٢٩٨

وكياسة في أديانهم!!

ولا ندري لماذا اختص الفرنساويون بهذا الأمر دون الفلاسفة البريطانيين، أو غيرهم من فلاسفة أقطار العالم. ولماذا لم يقبل ما يقوله فلاسفة الإسلام، الذين هم أعمق فكراً، وأبعد نظراً، وأشد إخلاصاً وخلوصاً من غيرهم من عملاء المخابرات، وأدوات السياسة والسياسيين.

فجوة بين عقائد الإباضية وسائر «الخوارج»:

وكيف كان، فإن الفجوة كانت قد اتسعت بين عقائد «الخوارج»، وبين الإباضية بدرجة كبيرة حتى قال عامر النجار عنهم: «هناك فروق عديدة بين مبادئ الخوارج، ومبادئ الإباضية. ولا يجمع يكاد بينهما جامع سوى إنكار التحكيم، وأن الإمامة لا تختص بقريش، وجواز الخروج على الحاكم»(١).

وقال أيضاً عنهم: «.. هم أقرب فرقهم [أي الخوارج] إلى الجماعة الإسلامية. ومذهبهم أكثر تسامحاً من كل فرق «الخوارج». ولهذا كتب لهذه الفرقة البقاء دون سائر الفرق الخارجية. فيوجد فيهم إلى الآن جماعات في المغرب العربي، وعمان؛ وذلك بسبب تسامحهم مع مخالفيهم وإنصافهم لهم.

لكن الإباضيين غاضبون ممن يعتبرهم فرقة من فرق «الخوارج». ويقولون: إنما هي دعاية استغلتها الدولة الأموية لتنفير الناس من الذين ينادون بعدم شرعية الحكم الأموي.

(١) الخوارج عقيدة وفكراً وفلسفة ص٨٢.

٢٩٩

بل يقول البعض: إن للإباضية العديد من المواقف ضد الخوارج»(١).

ويعلل البعض سبب اختلاف الإباضية عن بقية «الخوارج» بكونهم لم يغلوا في الحكم على مخالفيهم ـ يعلله ـ بقوله:

«لعل هذا يرجع إلى طبيعة ظروف نشأتهم؛ فإن صاحبهم عبد الله بن إباض لم يخرج إلا بعد أن قضى الأمويون على «الخوارج» أو كادوا. وبعد أن كاد اليأس يدب إلى الأحزاب، وتحول نضالهم حول الحكم إلى آراء ومذاهب تكاد تكون علمية بحتة»(٢).

أما أبو زهرة فيقول عنهم: «هم أكثر الخوارج اعتدالاً، وأقربهم إلى الجماعة الإسلامية تفكيراً، فهم أبعدهم عن الشطط والغلو»(٣).

الإباضية وحكام الجور:

ومما يؤكد الحقيقة التي مرت: أن الإباضية اتجهوا نحو التعامل مع حكام الجور تعاملاً يخدم مصالح أولئك الحكام، ويؤكد هيمنتهم وإمساكهم بالأمور بقوة، الأمر الذي جعل الحكام لا يجدون ضرورة لمواجهتهم، والتخلص منهم. بل إن وجودهم أصبح مفيداً للحكام أحياناً، فلا غرو أن يصبح أيضاً مطلباً لهم في هذه الحالات على الأقل.

والأغرب من ذلك أن يصبح بقاء الحكام أيضاً، واستمرار حكمهم بمزيدٍ من القوة والشوكة مطلباً للإباضية حتى على مستوى قياداتها!!

(١) الخوارج عقيدة وفكراً وفلسفة ـ ص٨١.

(٢) الإباضية عقيدة ومذهباً ص٤٥ عن تاريخ الإسلام السياسي ص٣٩٣.

(٣) الإباضية عقيدة ومذهباً ص٤٥ عن تاريخ الإسلام السياسي ص٨٥.

٣٠٠