×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

علي والخوارج - ج 2 / الصفحات: ٣٠١ - ٣٢٠

ويتجسد لنا مصداق ذلك، فيما يذكرونه عن ابن إباض نفسه، من أنه «كان كثيراً ما يبدي النصائح لعبد الملك بن مروان»(١).

وكان قد بلغ السيد: «أن عبد الله بن إباض، رأس الإباضية يعيب على علي (عليه السلام)، ويتهدد السيد بأن يذكره عند المنصور بما يوجب القتل.

وكان ابن إباض يظهر التسنن، ويكتم مذهب الإباضية.

فكتب إليه السيد قصيدة يمدح بها أمير المؤمنين (عليه السلام) أولها:


لمن طلل كالوشم لم يتكلمونؤي، وآثار كترقيش معجم

فلما وصلت إلى ابن إباض امتعض منها جداً، وأجلب في أصحابه. وسعى به إلى الفقهاء والقراء؛ فاجتمعوا، وساروا إلى المنصور، وهو بدجلة البصرة؛ فرفعوا قصته.

فأحضرهم، وأحضروا السيد؛ فسألهم عن دعواهم، فقالوا: إنه يشتم السلف، ويقول بالرجعة، ولا يرى لك ولأهلك إمامة.

فقال لهم: دعوني أنا، واقصدوا لما في أنفسكم.

ثم اقبل على السيد، فقال: ما تقول فيما يقولون؟!

فقال: ما أشتم أحداً، وإني لأترحم على أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله). وهذا ابن إباض، قل له: يترحم على علي، وعثمان، وطلحة، والزبير.

فقال له: ترحم على هؤلاء!

فتلوّى ساعة، فحذفه المنصور بعود كان بين يديه، وأمر بحبسه،

(١) شرح عقيدة التوحيد ص٩٣ والعقود الفضية ص١٢١.

٣٠١

فمات بالحبس.

وأمر بمن كان معه؛ فضربوا بالمقارع.

وأمر للسيد بخمسة آلاف درهم»(١).

وما يهمنا من إيراد هذه القضية هو الإشارة إلى استنصار ابن اباض بالمنصور، ووشايته بالسيد الحميري له، وإن كان السيد الحميري قد استطاع أن يقلب السحر على الساحر كما رأينا.

هذا.. وقد دخل هذا التناغم مع حكام الجور في مبادئهم، وتوفرت له خلفية وحماية عقائدية.

قال الوارجلاني: «.. ومن الرأي تأمير أمير المؤمنين، وعزله، إن ضيع أمور الدين، وقتله إن امتنع من العزلة إلى الهوان.

ومن الرأي الكون مع أئمة الجور تحت أحكامهم ما أقاموا حكم الله فيك، ولم يحكمك على معصية، وتأدية حقوق الله التي عليه إليهم، وأخذ العطايا من بيوت أموالهم، والجهاد والغزو معهم جميع ملك الشرك، والخروج عليهم إذا جاروا وبغوا»(٢).

وقال محمد بن يوسف أطيفش: «والمصنف مصرح بجواز الإقامة تحت الأئمة الجورة، من أهل التوحيد مطلقاً، من أهل مذهبنا، أو من غيرهم.

(١) راجع: ديوان السيد الحميري [هامش] ص٣٩٧ و٣٩٨ عن أعيان الشيعة ج١٢ ص١٧٤ والقصيدة موجودة في الغدير ج٢ ص٢٠٦ والمناقب ج٢ ص١٣٣ و١٥٩ و١٦٣ و٢٣٩ وج٣ ص١٠٢ و٢٢٧ والكنى والألقاب ج٢ ص٣٠٧.

(٢) الدليل والبرهان المجلد الأول الجزء الثاني ص٧٨.

٣٠٢

وذلك ردّ على الصفرية، والأزارقة، والنجدية، لأنهم أوجبوا الخروج على الجورة، وبراءة كل من خرج عن الإسلام إلى الشرك إلخ..»(١).

وقال محمد بن يوسف أطيفش أيضاً: «ونحن بعد لا نقول بالخروج على سلاطين الجور الموحدين. ومن نسب إلينا وجوب الخروج فقد جهل مذهبنا»(٢).

وله كلام حول كون معسكر السلطان دار بغي، أو لا. وعن المراد من هذا فراجع(٣).

وقال النكارية، وهم فرقة من الإباضية: «بعدم جواز صلاة الجمعة وراء الأئمة الجورة..

مع أن أئمة الإباضية كانوا جميعاً من أيام جابر بن عبد الله يقولون: إن صلاة الجمعة واجبة وراء الأئمة الجورة ما أقاموها، ووجدت شروطها. وكانوا هم أنفسهم يصلونها وراء الحجاج.

وكانوا يقولون: إنه يحل أخذ العطاء من الملوك ما لم يؤد إلى حرام. وكان جابر يأخذ العطاء من عامل الحجاج»(٤).

الإباضية.. وعلي أمير المؤمنين (عليه السلام):

وعلى كل حال: فإن «الخوارج» ـ والإباضية منهم(٥) ـ الذين يعتقدون بكفر الخليفتين: عثمان، وعلي (عليه السلام)، وذلك هو العمدة، والمحور،

(١) شرح عقيدة التوحيد ص١٦٥.

(٢) الإباضية عقيدة ومذهباً ص١٣٩.

(٣) الإباضية عقيدة ومذهباً ص١٣٩.

(٤) الإباضية عقيدة ومذهباً ص٦٧ عن الإباضية في الجزاء ص٥٦.

(٥) راجع: شرح المواقف للإيجي ج٣ ص٢٩٢ والخوارج في العصر الأموي العباسي ص٢٤٠ و٢٤١.

٣٠٣

والمبرر لوجودهم كخوارج..

فقد رأوا بأم أعينهم: كيف أن مصيرهم هو التلاشي، والفناء، أمام واقع التحدي، لكل مثل وقيم الأمة الإسلامية، فاستمرت تلك الفرق على عتوها وعنادها. حتى انقرضت.

ولكن فرقة الإباضية منهم: حاولت التخفيف من حدة عقائدها، ومواقفها منذ البداية.. فاستطاعت أن تحتفظ لنفسها بخيط حياة، وتجاوزت القرون الأولى، وأصبحنا نلاحظ في تأليفات الإباضية: أن علماءهم انصرفوا عن الجهر بالإساءة إلى أمير المؤمنين (عليه السلام).

ولعل مردّ ذلك إلى تأثرهم بأحد كبار علمائهم، وهو عبد الكافي التناوتي التونسي، المتوفي قبل عام ٥٧٠ هجرية.

فقد: «جنح التناوتي إلى الاعتدال في مسألة الحكم على الخليفة علي، وهي دائماً من أمهات المسائل عند الإباضية»(١).

ويحكى عن الحمزية: «أنهم يتوقفون في أمر علي (عليه السلام)، ولا يصرحون بالبراءة منه، كما يصرحون بالبراءة من غيره»(٢).

وهذا هو السر في أن الإباضية يستعملون ـ مؤخراً ـ أسلوب العتاب والشكوى من أمير المؤمنين (عليه السلام)، على موقفه من أسلافهم من أهل النهروان، حيث قتلهم (عليه السلام) قتلاً ذريعاً، ولم ينج منهم إلا الشريد. وقد ذكر البعض أشعاراً ضمنها هذا العتاب له (عليه السلام) ذلك من دون أن يكون فيه تجريح ظاهر وصريح(٣).

ونلاحظ: أنهم في كتبهم يبذلون محاولات للاستدلال على صحة

(١) دارة المعارف الإسلامية ج٥ ص٤٨٨.

(٢) الأنوار النعمانية ج٢ ص٢٤٨.

(٣) راجع: العقود الفضية ص٦٠و٦١ و٧٧ و٨٠.

٣٠٤

إمامة الراسبي، وبطلان إمامة أمير المؤمنين (عليه السلام). بل إنهم يدعون أنه (عليه السلام) قد تاب، ثم عاد فنكث(١).

ويحاولون أيضاً: الاستدلال على خطئه (عليه السلام) في مواقفه، وصحة ما ذهب إليه «الخوارج» الذين خاصموه(٢).

بل لقد وجدناهم يبذلون محاولات لتكفيره (عليه السلام)، كما يظهر من مراجعة كلماتهم(٣). ولكنها محاولات حوارية هادئة، بحسب الظاهر.. لا تبادر إلى السب والشتم والتكفير بصورة صريحة.

قالوا أيضاً: «.. وعند فقهاء الإباضية: أن علياً مستحل في قتلهم، وأنه تجزيه التوبة من غير عزم. وهذا هو حكم المستحل، إن أراد التوبة، بخلاف الذي يأتي الشيء، وهو يعلم أنه حرام، فهذا لا توبة له، إلا بردّ المظالم، والتخلص إلى أربابها»(٤).

بل لقد نقل لي البعض: أن علماءهم الموجودين فعلاً في الجزائر يظهرون الحب لأمير المؤمنين وآله (عليهم السلام) ويتبرؤون من ابن ملجم، وينكرون أن يكون منهم!!

فإن صح هذا، فإنه يكون تطوراً جديداً وهاماً في هذا المجال.

(١) راجع: العقود الفضية ص٥٠.

(٢) راجع: المصدر السابق ص١٦٢ و٦٤ والاستقامة ج١ ص٥٧ و٦٣ وراجع ص١١٨ و١٢٠.

(٣) الاستقامة ج١ ص١١٩.

(٤) العقود الفضية ص٨١.

٣٠٥

ولكن الذي يظهر هو: أن تبرؤهم من ابن ملجم يرجع إلى أمر آخر، وليس هو الحب لأمير المؤمنين (عليه السلام)، ولا لتخطئتهم ابن ملجم في قتله إياه، وهذا الأمر هو الذي أشار إليه المسعودي بقوله: «وكثير من «الخوارج» لا يتولى ابن ملجم؛ لقتله إياه غيلة»(١).

وأما ما نراه: من مهاجمة الإباضية للخوارج والمارقة في كتبهم؛ فلا يدل على حبهم لعلي، ولا على تغير في مواقفهم العدائية له (عليه السلام)..

لأنهم إنما يقصدون بهم خصوص الأزارقة(٢).

قال محمد بن يوسف بن أطيفش: «كان أصحابنا والأزارقة جنداً واحداً، ولما ظهر منهم القول بإباحة الدم والمال بالذنب، فارقهم أصحابنا، كابن وهب، عبد الله»(٣).

فهذا النص يدل على أمرين:

الأول: أن سبب مفارقة الإباضية للأزارقة هو مقالتهم تلك، التي لم يكن الإباضية يحبذونها؛ لميلهم إلى الاعتدال في هذا الأمر.

الثاني: أن الإباضية هم من «الخوارج» أيضاً. وهذا يعني: أن هجومهم على «الخوارج» إنما يقصد به تهجين مقالة الأزارقة لا غير..

وتصريحهم آنفاً بأنهم أتباع عبد الله بن وهب الراسبي يدل على ذلك أيضاً، فإن الراسبي كان رأساً في «الخوارج».

(١) التنبيه والإشراف ص٢٥٧.

(٢) يتضح ذلك بمراجعة كتبهم، مثل كتاب: شرح عقيدة التوحيد، وكتاب: الدليل والبرهان.

(٣) شرح عقيدة التوحيد ص٨٤.

٣٠٦

قال محمد بن يوسف أطيفش: «إذا قلنا: الوهبية، نسب إلى عبد الله بن وهب الراسبي، فلا إشكال في تسمية أصحابنا العمانيين، والخراسانيين، وغيرهم: وهبية.

وإذا قلنا: نسب إلى الإمام عبد الوهاب في المغرب؛ فكيف يسمى اهل المشرق، كأهل عمان وخراسان: وهبية؟

الجواب: أنهم يسمون وهبية؛ لأنهم مقرّون بأنه إمام عدل على الصواب، وأنه وإياهم شملهم مذهب وديانة واحدة»(١).

ويذكرون أيضاً: أن ابن إباض قد ذكر في رسالته لعبد الملك بن مروان: أنه يتولى «الخوارج» الذين حاربهم علي، ويبرأ من ابن الأزرق وأتباعه(٢).

وبذلك يكون قد أرضى عبد الملك من ناحيتين:

الأولى: ببراءته من الذين يحاربونه، وهم خصوص الأزارقة.

والثانية: بإعلانه العداء لعلي (عليه السلام)، من خلال توليه للذين حاربوه من المارقة.

الميزان: هو علي (عليه السلام)

ويبقى أمير المؤمنين (عليه السلام) هو الميزان والمعيار للحق وللصدق.. ولا يفيد «الخوارج» ولا الإباضية أي تنازل لا يتضمن الاعتراف الصادق بأن الحق مع علي وأن علي مع الحق. وقد ظهر أن الإباضية وغيرهم حين أظهروا المرونة بعض الشيء تجاه علي (عليه السلام) لم يكونوا صادقين فيما أظهروه، كما ظهر من بعض مؤلفاتهم التي نشرت في هذا العصر.

(١) شرح عقيدة التوحيد ص٧٧.

(٢) العقود الفضية ص١٢٥.

٣٠٧

فهذا يوسف بن إبراهيم الوارجلاني المتوفي سنة ٥٧٠ هـ.

بعد أن ذكر: قبوله بخلافة الشيخين، ورفضه لإمامة عثمان بسبب ما أحدثه، تحدث عن علي (عليه السلام) فذكر أن ولايته كانت حقاً في أول أمره.

ثم قال: «.. وأما علي فقد حكم بأن من حكم فهو كافر، ثم رجع على عقبيه، وقال: من لم يرض بالحكومة كافر.

فقاتل من رضي الحكومة، وقتله!! وقاتل من أنكر الحكومة وقتله!! وقتل أربعة آلاف أواب من أصحابه. واعتذر.

فقال: إخواننا بغوا علينا؛ فقاتلناهم.

فقد قال الله عز وجل في من قتل مؤمناً واحداً: (ومن يقتل مؤمناً متعمداً.. إلى قوله: عذاباً عظيماً).

فحرمه الله من سوء بخته الحرمين، وعوضه دار الفتنة العراقين، فسلم أهل الشرك من بأسه، وتورّط في أهل الإسلام بنفسه»(١).

وواضح: أن كلام هذا الرجل ينطوي على مغالطات واضحة، فإن الأوابين الذين قتلهم هم الذين أجبروه على قبول التحكيم، وهدّدوه بأنه إن لم يقبل ناجزوه الحرب، وسلموه إلى معاوية. ثم كفروه لأنه استجاب لهم، وقبل ما يريدون ورضخ لتهديداتهم.

ثم هؤلاء الذين وصفهم بـ «الأوابين»: هم الذين وصفهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) بانهم يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية، ويقرؤون القرآن ولا يجاوز تراقيهم.

(١) الدليل والبرهان المجلد الأول جزء١ ص٢٩.

٣٠٨

وبالنسبة لسلامة أهل الشرك من بأسه، وتورطه في أهل الإسلام بنفسه؛ فإن هذا إنما ينطبق عليهم هم، وليس عليه، كما أوضحناه فيما سبق..

وقال الوارجلاني أيضاً عن الزيدية والحسينية: «قد وافقوا جميع المسلمين فيما يقولونه، إلا في التحكيم، الذي صاغوه لعلي. وقد قتل من قال به ومن أنكره؛ فجمع في قتاله بين المحق والمخطئ.

ولعلي تخليط دون شيعته في قوله: إن كل مجتهد مصيب؛ فهدر دم عثمان، وطلحة والزبير، ومعاوية، وعمرو، وعذر نفسه، وعذر أهل النهروان، ولم يعذروه. ففي فحش مذهب الشيعة ما يغني عن الرد عليهم»(١).

وقال الحارثي الإباضي: «على رأي بعض المسلمين، ومنهم الإمام علي: أن كل مجتهد مصيب، وهؤلاء اجتهدوا»(٢).

ولا ندري من أين جاؤوا بهذا الفرية على أمير المؤمنين (عليه السلام) من أنه يقول: كل مجتهد مصيب. فإن هذا القول هو قول مخالفيه ومناوئيه.. وكلماته (عليه السلام) صريحة في خلاف هذا القول(٣).

ولا ندري أيضاً كيف عذر (عليه السلام) أهل النهروان، ومتى؟..

وقال الوارجلاني أيضاً: «ثم إن علياً رجع على عقبيه، ورضي بالحكومة التي كفر راضيها، وضرب ساخطها، فقتل الفريقين جميعاً، الراضي والساخط، والمحق والمبطل.

(١) الدليل والبرهان المجلد الأول جزء١ ص٣٢.

(٢) العقود الفضية ص٦٤.

(٣) راجع: الصحيح من سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) ج١ ـ ص٢١٧ فما بعدها ففيه ما يدل على أن غير علي (عليه السلام) وشيعته الأبرار هم الذين يذهبون إلى هذه المقالة.

٣٠٩

وكنا على الأصل الأول، الذي فارقنا عليه أبا ذر، وابن مسعود، وعمار بن ياسر، الذي جعله رسول الله (صلى الله عليه وآله) علماً للفتنة، حين قال: عمار تقتله الفئة الباغية، فأثبته على الهدى عند الاختلاف. وحين قال: عليكم بهدى عمار، وبهدى ابن أم عبد، فقال: ما لهم ولعمار، يدعوهم إلى الجنة، ويدعونه إلى النار، فوقعنا بحمد الله في حزبه»(١).

والإباضية هم الذين نشروا كتب الوارجلاني، فنشر الإباضية لهذه الكتب التي فيها أمور كهذه، وتبنيهم لها دليل على أنهم يظهرون شيئاً ويبطنون خلافه.

(١) الدليل والبرهان المجلد الأول جزء ١ ص٣٩.

٣١٠
٣١١


الفصل الرابع
الوهابيون.. والخوارج..
صلات.. وسمات




٣١٢
٣١٣

صلات وسمات:

وأخيراً.. فنحن نجد صلات وثيقة، وتشابهاً كبيراً فيما بين كثير من آراء وشعارات «الخوارج»، وشكل ونمط الحياة عندهم، وآراء وشعارات، ونمط الحياة لدى بعض الفرق المعدودة في فرق المسلمين، وأعني بهم الوهابيين. ونذكر على سبيل المثال ما يلي(١):

١ ـ قال أحمد أمين المصري: «وظلت حياتهم الاجتماعية في معيشتهم، ونظرتهم للحياة، وحروبهم، ونحو ذلك، حياة بسيطةً، بدوية لم تتغير كثيراً بتغير الزمان؛ فهم يذكروننا بالوهابيين الآن في بساطتهم، وإن اختلفت تعاليمهم»(٢).

(١) وقد لوحظ وجود هذه الفوارق، بين الفريقين في وقت مبكر كما يظهر من ملاحظة كتاب: صدق الخبر في خوارج القرن الثاني عشر، لمؤلفه عبد الله حسن فضل العلوي الحسيني. وكشف الارتياب للسيد محسن الأمين العاملي.

(٢) ضحى الإسلام ج٣ ص٣٣٣.

٣١٤

٢ ـ إن ثمة شبهاً آخر فيما بين الفرقتين وهو اعتبار «الخوارج» بلاد المسلمين دار حرب، وبلادهم دار إيمان تجب الهجرة إليها.

والوهابيون أيضاً يقولون: «إن الحرمين الشريفين مكة واليمن تكونان بلاد كفر تعبد فيهما الأوثان، وتجب الهجرة منهما.. وإن بلاد نجد بلاد يظهر فيها الإيمان، ويخفى في غيرها»(١).

٣ ـ وهناك فرق آخر: وهو شدتهم على المسلمين، وقتلهم الذريع لهم، بحجة تكفيرهم.

ورفقهم بالكافرين والمشركين، ومودتهم لهم، وإقامتهم العلاقات الحميمة معهم.

فإن الفرقتين تشتركان في هذا الأمر بصورة واضحة وصريحة. فلم ينقل عن الوهابيين أنهم حاربوا سوى المسلمين، أو قتلوهم، أو ساموهم الهوان والذل. ولكنهم قتلوا أهل الطائف، وأهل كربلاء، وألفاً من حجاج اليمن، وأربع مئة حاج من الإيرانيين في ما عرف بمجزرة مكة، قبل سنوات يسيرة، وغزوا بلاد المسلمين المجاورة لهم. إلى غير ذلك مما تشتمل القائمة الطويلة لحروبهم مع المسلمين.

٤ ـ ثم هناك التشابه الكبير بين الوهابيين و«الخوارج»، فيما نشهده من الانسجام التام بين الحكومات الوهابية، وبين قوى الاستكبار العالمي، وحميمية العلاقات فيما بينهم، وقبول هذا الأمر لدى عامة الناس عندهم. تماماً كما هو الحال بالنسبة لتعامل حكام أولئك ورؤسائهم، ونظرة عامتهم إلى قوى الاستكبار والاستعمار.

(١) صدق الخبر في خوارج القرن الثاني عشر ص١١٦.

٣١٥
٣١٦

١١ ـ وكما أن «الخوارج» يرفضون الاجتهاد ـ خصوصاً الأزارقة ـ كذلك الوهابية.

١٢ ـ إن «اليهود ترى أن النظر في الفلسفة كفر، والكلام في الدين بدعة، وأنه مجلبة لكل شبهة. وأنه لا علم إلا ما كان في التوراة، وكتب الأنبياء. وأن الإيمان بالطب، وتصديق المنجمين من أسباب الزندقة، والخروج إلى الدهرية. والخلاف على الإسلام، وأهل القدوة، حتى إنهم ليبهرجون المشهور بذلك، ويحرمون سالك سبيل أولئك»(١).

و«الخوارج» أيضاً لهم هذا المنحى، ويسلكون هذا السبيل، فلا يحلون النظر في كتب الفلسفة.

ثم جاء الوهابيون، فمنعوا من ذلك أيضاً. و«قد هاجم ابن تيمية الفلاسفة المسلمين، وهاجم المأمون أيضاً في كثير من كتبه»(٢). لأنه قرّب المعتزلة، الذين يهتمون بالفلسفة، ويعتمدون العقل في أحكامهم.

وقد حكم الوهابية بوجوب اتلاف كتب المنطق، واستدلوا على وجوب إتلافها بأن كتب المنطق يحصل بسببها خلل في العقائد(٣).

وأذكر قضية حصلت لي شخصياً معهم، حيث بذلت محاولة للاجتماع ببعض علمائهم للمناقشة، فاشترط علينا أن لا نتكلم في المنطق، ولا في التاريخ فوافقنا.

ولكنه رغم ذلك لم يحضر إلى الموعد المقرر!!.

(١) ثلاث رسائل للجاحظ ص١٦.

(٢) راجع: العواصم من القواصم ص١٩٤ و١٩٥ و١٩٦ متناً وهامشاً.

(٣) راجع: كشف الارتياب ص٤٩٥ و٤٩٦.

٣١٧

١٣ ـ إن «الخوارج» سيماهم التحليق أو التسبيد. وعن النهاية في حديث «الخوارج»: التسبيد فيهم فاش. وهو الحلق، واستئصال الشعر.

وكذلك الوهابيون، فإن سيماهم التحليق. ولعلهم هم الذين أخبر عنهم علي (عليه السلام) بقوله: في آخر الزمان قوم يقرؤون القرآن، لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية، سيماهم التحليق(١).

قال في خلاصة الكلام: «في قوله (صلى الله عليه وآله): سيماهم التحليق تنصيص على هؤلاء الخارجين من المشرق، التابعين لمحمد بن عبد الوهاب؛ لأنهم كانوا يأمرون من اتبعهم أن يحلق رأسه، لا يتركونه يفارق مجلسهم إذا اتبعهم حتى يحلقوا رأسه.

قال: ولم يقع من أحدٍ قط من الفرق التي مضت أن يلتزموا مثل ذلك، فالحديث صريح فيهم.

قال: وكان السيد عبد الرحمن الأهدل، مفتي زبيد يقول: لا يحتاج إلى التأليف في الرد على ابن عبد الوهاب، بل يكفي في الرد عليه قوله (صلى الله عليه وآله): سيماهم التحليق، فإنه لم يفعله أحد من المبتدعة.

قال: وكان ابن عبد الوهاب يأمر أيضاً بحلق رؤوس النساء اللاتي يتبعنه، قد دخلت في دينه امرأة، وجددت إسلامها بزعمه، فأمر بحلق رأسها، فقالت: شعر الرأس للمرأة بمنزلة اللحية للرجل، فلو أمرت بحلق لحى الرجال، لساغ أن تأمر بحلق رؤوس النساء، فلم يحر جواباً»(٢).

١٤ ـ وعن ابن عباس: لا تكونوا ك«الخوارج» تأولوا آيات القرآن في

(١) كشف الارتياب ص١٢٥ عن الخصائص للنسائي.

(٢) كشف الارتياب ص١٢٥ و١٢٦.

٣١٨

أهل القبلة، وإنما نزلت في أهل الكتاب والمشركين، فجهلوا علمها، فسفكوا الدماء، وانتهبوا الأموال.

وعن ابن عمر في وصف «الخوارج»: أنهم انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها في المؤمنين، كما رواه البخاري في صحيحه(١).

وكذلك فعل الوهابيون في الآيات النازلة في الكافرين والمشركين، فإنهم طبقوها على المسلمين كقوله تعالى: (إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذباباً). وقوله: (اجعل الآلهة إلهاً واحداً). وغير ذلك من آيات(٢).

١٥ ـ إن «الخوارج» كانوا يتظاهرون بالعبادة والنسك والزهد، وتلاوة القرآن، واستحلوا قتل علي (عليه السلام). والوهابيون أيضاً يتظاهرون بفرط النسك والتعبد، ولكنهم أيضاً يعتبرون رفع الصوت بتلاوة الأوراد والأذكار شركاً أكبر، يقاتل عليه.

١٦ ـ ويلاحظ: أن محمد بن عبد الوهاب تميمي، هو من عشيرة ومعدن ذي الخويصرة التميمي، وقد كان أكثر «الخوارج» الأولين، وكثير من زعمائهم الكبار من بني تميم.

إن جمود «الخوارج» وجفاءهم كالنار على المنار، وكالشمس في رابعة النهار، فبينما نجدهم لا يتعرضون لغير المسلمين بأذى. نجدهم قد حكموا بكفر جميع المسلمين، ودانوا باستعراضهم بالسيف.

وهم في حين يتورعون عن أكل تمرة سقطت على الأرض، وعن قتل الخنزير الشارد، فإنهم يقتلون عبد الله بن خباب والقرآن في عنقه،

(١) راجع المصدر السابق ص١٢٤ وراجع: صدق الخبر في خوارج القرن الثاني ص١٦٠.

(٢) المصدران السابقان.

٣١٩

ويبقرون بطن زوجته، ويقتلون أطفال المسلمين، ويسبون نساءهم. وقد تزايدوا في بعض الوقائع في امرأة مسلمة جميلة، وغالوا في ثمنها. فقام بعضهم وقتلها. على اعتبار أن هذه الكافرة كادت تقع بسببها فتنة بين المسلمين(١).

والوهابيون أيضاً كـ«الخوارج» في جمودهم، وعدم تعمقهم في الأمور، فهم بينما يتوقفون في التلغراف، ويحرمون التدخين، ويعاقبون عليه، فإنهم استحلوا ضرب المسلمين بالمدافع، وكفروهم، وحكموا عليهم بالشرك، ويستحلون دماءهم وأموالهم. لأجل طلبهم الشفاعة من الأنبياء والأولياء.

وبعضهم استحل سبي الذرية. وجعلوا دار المسلمين دار حرب، ودارهم دار إيمان تجب الهجرة إليها، وهذا هو نفس ما فعله «الخوارج» أيضاً(٢).

١٨ ـ وكما أن «الخوارج» يرفعون شعارات براقة كقولهم: لا حكم إلا لله، كذلك الوهابية فإنهم يرفعون شعار العودة إلى التوحيد، والابتعاد عن الشرك، ونبذ البدع..

١٩ ـ وكما أن شعار «الخوارج» هو كلمة حق يراد بها باطل، وهو أنهم يريدون: أنه لا إمارة لأحد، ولا يجوز التحكيم في الأمور الدينية، وفرعوا عليه: أن التحكيم الذي كان بصفين كان معصية وكفراً.

كذلك الوهابيون: فإنهم رفعوا شعار نبذ البدع، والرجوع إلى التوحيد الخالص؛ وهي كلمة حق يراد بها باطل، حيث كفروا من

(١) كشف الارتياب ص١١٦ والكامل في الأدب ج٣ ص ٣٥٥ و ٣٥٦.

(٢) المصدر السابق ص١١٧ و١١٨.

٣٢٠