×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

علي والخوارج - ج 2 / الصفحات: ٣٢١ - ٣٤٠

استشفع بالرسل والأولياء، وتوسل بهم، ومنعوا من تعظيم من عظمهم الله، ومنعوا من الاستشفاع بمن جعله الله شافعاً مغيثاً، وهو تضليل وتمويه إذ لا يوجد أحد يقول: إن محمداً (صلى الله عليه وآله) قادر بنفسه وبدون الله سبحانه. وهذا معناه أنه لا يجوز طلب الدعاء من المؤمن.

كما انهم منعوا من تقبيل ضريح النبي (صلى الله عليه وآله)، لأنه خشب أو حديد، مع العلم بأن القرآن لا يمسه إلا المطهرون، مع انه حبر وورق أيضاً..

٢٠ ـ إن «الخوارج» يظهرون الزهد في الدنيا، ثم ظهر من خلال ممارساتهم وأقوالهم، أنهم طلاب ملك، ودنيا، حتى إنهم ليقاتلون على الثوب يسلب منهم أشد قتال.. إلى غير ذلك مما قدمناه حينما تحدثنا عن زهد «الخوارج»..

وكذلك الوهابيون.. فإنهم يظهرون ذلك.. ويستحلون سلب مجوهرات الحجرة النبوية. والاستئثار بثروات الأمة.. وتلك هي مظاهر بذخهم الجنوني، وتبذيرهم المرعب وانغماسهم في الشهوات والمآثم. قد فحّت روائحها، وزكمت الأنوف بريحها النتن.

٢١ ـ وقد تقدم عن عائشة: أن من سمات «الخوارج»: أن أزرهم إلى أنصاف سوقهم(١).

وهذا تماماً هو حال الوهابيين، فاقرأ واعجب فما عشت أراك الدهر عجباً.

(١) تاريخ بغداد ج١ ص١٦.

٣٢١

وأخيراً:

فهل سيصبح مصير الوهابيين هو نفس مصير «الخوارج».. فيكون آخرهم لصوصاً سلابين؟!

ومن يدري فإن غداً لناظره قريب.

٣٢٢
٣٢٣


الفصل الخامس
شقيق عاقر ناقة صالح




٣٢٤
٣٢٥

علي (عليه السلام) يعرف قاتله، وكيف يقتله:

عن عبيدة قال: إن علياً (عليه السلام) كان إذا رأى ابن ملجم قال:

أريد حباءه ويريد قتليعذيرك من خليلك من مراد(١).

وعن أبي الطفيل قال: كنت عند علي بن أبي طالب، فأتاه عبد الرحمن بن ملجم، فأمر له بعطائه.

ثم قال: ما يحبس أشقاها أن يخضبها من أعلاها، يخضب هذه من هذه، وأومأ إلى لحيته، ثم قال علي:


أشدد حيازيمك للموتفإن الموت آتيكا
ولا تجزع من القتلإذا حل بواديكا (٢)

وعن زيد بن وهب، قال: قدم على علي قوم من «الخوارج»، فيهم رجل يقال له: الجعد بن نعجة، فقال له: اتق الله يا علي، فإنك ميت.

فقال علي (عليه السلام): بل مقتول، ضربة على هذه تخضب هذه ـ

(١) منتخب كنز العمال، مطبوع بهامش مسند أحمد ج٥ ص٦١ عن ابن سعد، وعبد الرزاق، ووكيع في الغرر، وحياة الصحابة ج٣ ص٧٥ عن المنتخب.

(٢) منتخب كنز العمال ج٥ ص٥٩ عن ابن سعد، وأبي نعيم، وحياة الصحابة ج٣ ص٧٥ عن المنتخب.

٣٢٦

وأشار إلى رأسه ولحيته بيده ـ قضاء مقضي، وعهد معهود، وقد خاب من افترى.

ثم عاتب علياً (عليه السلام) في لباسه، فقال: لو لبست لباساً خيراً من هذه؟!

فقال: مالك وللباسي؟! إن لباسي [هذا] أبعد [لي] من الكبر، وأجدر أن يقتدي بي المسلمون(١).

ويذكر المعتزلي: أن علياً (عليه السلام) التقى الزبير في حرب الجمل، فذكّره قول رسول الله (صلى الله عليه وآله) فرجع الزبير إلى أصحابه نادماً واجماً، ورجع علي (عليه السلام) إلى أصحابه جذلاً مسروراً، فقال له أصحابه: يا أمير المؤمنين، تبرز إلى الزبير حاسراً، وهو شاكٍ في السلاح، وأنت تعرف شجاعته؟!

قال: إنه ليس بقاتلي، إنما يقتلني رجل خامل الذكر، ضئيل النسب، غيلة في غير مأقط حرب، ولا معركة رجال. ويلُمه [ويل أمة] أشقى البشر! ليودّن أن أمه هبلت به. أما إنه وأحمر ثمود لمقرونان في قرن(٢).

ويتعذر علينا إحصاء النصوص والمصادر التي تحدثت عن إخبار أمير المؤمنين (عليه السلام) بأن قاتله هو ابن ملجم، وأن ذلك يكون بضربة على رأسه يخضب منها لحيته..

(١) كنز العمال ج١١ ص٢٨٤ ورمز لذلك بـ [ط.وابن أبي عاصم في السنة.عم.حم في الزهد. والبغوي في الجعديات.ك.ق في الدلائل. ض] ومنتخب العمال ج٥ ص٤٣٥ وترجمة الإمام علي (عليه السلام) من تاريخ دمشق [بتحقيق المحمودي] ص ٢٧٨، وفي هامشه عن كتاب الفضائل رقم ٣٢ والزهد والرقائق ص ٣٦١ و١٣٢ ومسند الطيالسي رقم ١٥٧ ج١/٢٣ ومستدرك الحاكم ج٣ ص١٤٣ ـ ومسند أحمد ج١ ص٩١ وكفاية الطالب ص٤٦٠ ـ وتذكرة الخواص ص١٧٣.

(٢) شرح النهج للمعتزلي ج١ ص٢٣٥.

٣٢٧

وربما يكون ذلك منه (عليه السلام) يهدف إلى تحصين الناس من دعوات «الخوارج» وغيرهم، والربط على قلوب المؤمنين، من خلال تلمسهم صدق إخباراته الغيبية، الأمر الذي يرسخ اعتقادهم بالإمامة، على أساس أن الغيب هو أحد أركان هذا المقام العظيم.

وعلى هذا يحمل ما جاء عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): أنه بكى في آخر جمعة من شعبان، فسأله علي (عليه السلام) عن سبب هذا البكاء، فقال له: أبكي لما يستحل منك في هذا الشهر. فقال له علي (عليه السلام): أفي سلامة من ديني.. قال (صلى الله عليه وآله): نعم..

فإن سؤال أمير المؤمنين لرسول الله (صلى الله عليه وآله): أفي سلامة من ديني، لا يعني أنه (عليه السلام) كان غير مطمئن لمصيره، لأن الإنسان قد يموت كافراً أو فاسقاً كما زعمه البعض(١).

بل هو (عليه السلام) يريد أن يعرفنا على لسان رسول الله (صلى الله عليه وآله) بأن قاتله هو الضال، المارق من الدين كما مرق السهم من الرمية. أما علي (عليه السلام)، فإنه على بيّنة من ربه، ولو كشف له الغطاء ما ازداد يقيناً..

فسؤاله (عليه السلام) لأجل أن يسمعنا على لسان الرسول (صلى الله عليه وآله) ما يجعلنا في حصانة ومأمن من الشبهة، لكي لا نغتر بما يظهره «الخوارج» من نسك وعبادة، فنشك في إمامنا ونهلك بسبب ذلك.

(١) إن هذا البعض قد قال ذلك عبر إذاعة تابعة له تبث من بيروت وذلك ليلة ١٩ شهر رمضان المبارك سنة ١٤٢٢ هـ.ق.

٣٢٨

«الخوارج» يقتلون أوصياء الأنبياء:

ثم إن قاتل علي أمير المؤمنين (عليه السلام) هو عبد الرحمن بن ملجم، وهذا مما أجمعت عليه الأمة، فلا حاجة إلى ذكر النصوص والمصادر لذلك غير أننا نكتفي هنا بما قاله ابن اعثم الكوفي، الذي ذكر أن علياً (عليه السلام) استشهد بعد وقعة النهروان بستة أيام.(١) وقد كان له (عليه السلام) معهم في النهروان عدة وقائع.

يقول ابن أعثم؛ بعد ذكره لأحداث النهروان: «وأقبل علي نحو الكوفة، وسبقه عبد الرحمن بن ملجم ـ لعنه الله ـ حتى دخل الكوفة؛ فجعل يبشر أهلها بهلاك الشراة(٢).

قال: ومر بدار من دور الكوفة، فسمع فيها صوت زمر، وصوت طبل يضرب؛ فأنكر ذلك، فقيل له: هذه دار فيها وليمة، قال: فنهى عن صوت الزمر، والطبل قال: وخرجت النساء..»(٣).

ثم يذكر قصة رؤية ابن ملجم قطاماً آنئذ، وأنه عرض عليها الزواج، فقبلت بشرط أن يكون مهرها ثلاثة آلاف درهم، وعبداً، وقينة، وقتل علي (عليه السلام)، ثم تنازلت له عما سوى قتل علي (عليه السلام)، لأنه كان قد قتل أباها، ثم رضيت منه بضربةٍ، على أن يكون سيفه رهينة عندها، فدفع إليها سيفه، وانصرف إلى منزله.

«.. وقدم علي كرم الله وجهه من سفره، واستقبله الناس، يهنئونه بظفره بـ«الخوارج»، ودخل إلى المسجد الأعظم، فصلى فيه ركعتين، ثم

(١) وهو كلام غير صحيح.

(٢) الفتوح ج٤ ص١٣٦ و١٣٧.

(٣) الفتوح ج٤ ص١٣٣ و١٣٤ وراجع كشف الغمة ج٢ ص٦٢ والبحار ج٣٢ ص٢٦٣.

٣٢٩

صعد المنبر، فخطب خطبة حسنة.

ثم التفت إلى ابنه الحسين، فقال: يا أبا عبد الله، كم بقي من شهرنا هذا، يعني شهر رمضان الذي هم فيه.

فقال الحسين: سبع عشرة يا أمير المؤمنين.

قال: فضرب بيده إلى لحيته، وهي يومئذٍ بيضاء، وقال: والله ليخضبنّها بالدم، إذا انبعث أشقاها.

قال: ثم جعل يقول:


أريد حياته ويريد قتليخليلي من عذيري من مراد

فسمع ابن ملجم لعنه الله؛ فكأنه وقع بقلبه شيء من ذلك؛ فجاء حتى وقف بين يدي علي (رض) فقال:

أعيذك بالله يا أمير المؤمنين، فهذه يميني وشمالي بين يديك، فاقطعهما، أو اقتلني.

فقال علي كرم الله وجهه: وكيف أقتلك، ولا ذنب لك عندي، إني لم أردك بذلك المثل. ولكن خبرني النبي (صلى الله عليه وآله): أن قاتلي رجل من مراد، ولو أعلم أنك قاتلي لقتلتك، ولكن هل كان لك لقب في صغرك؟

فقال: لا أعرف ذلك يا أمير المؤمنين.

قال علي: فهل لك حاضنة يهودية، فقالت لك يوماً من الأيام: يا شقيق عاقر ناقة صالح؟!

قال: قد كان ذلك يا أمير المؤمنين.

قال: فسكت علي، وركب، وصار إلى منزله»(١).

(١) الفتوح ج٤ ص١٣٦ و١٣٧ وكشف الغمة ج١ ص٢٧٦.

٣٣٠

ثم يذكر ابن أعثم: «أن ضربة ابن ملجم لعلي (عليه السلام) قد كانت في يوم ثالث وعشرين»(١).

وكان ابن ملجم قد بات في منزل قطام، وكان قد تناول نبيذاً تلك الليلة(٢).

وقال: إنها سقته الخمر العكبري، وأن رفيق ابن ملجم نام، لكن ابن ملجم تمتع معها(٣).

وبعد أن تذكر الرواية: تفصيلات ضربة ابن ملجم لعنه الله لأمير المؤمنين (عليه السلام).

تقول: «ثم احتمل علي إلى صحن المسجد، وأحدق الناس به، فقالوا: من فعل هذا بك يا أمير المؤمنين؟

فقال: لا تعجلوا؛ فإن الذي فعل بي هذا سيدخل عليكم الساعة من هذا الباب.. وأومأ بيده إلى بعض الأبواب.

قال: فخرج رجل من عبد القيس في ذلك الباب؛ فإذا هو بابن ملجم، وقد سدت عليه المذاهب، فليس يدري إلى أين يهرب، فضرب العبدي بيده إليه، ثم قال: ويحك، لعلك ضارب أمير المؤمنين؟

فأراد أن يقول: لا، فقال: نعم.

فكبه، وأدخله المسجد، فجعل الناس يلطمونه من كل ناحية، حتى أقعدوه بين يدي علي.

فقال له: أخا مراد؟ بئس الأمير كنت لك؟

(١) الفتوح ج٤ ص١٣٧.

(٢) الفتوح ج٤ ص١٣٩.

(٣) البحار ج٤ ص٢٣٩ المناقب لابن شهر اشوب ج٣ ص٣١١ ـ المطبعة العلمية ـ قم.

٣٣١

قال: لا، يا أمير المؤمنين»(١).

وفي رواية: أنه قال له: «ولقد كنت أعلم أنك قاتلي، وإنما أحسنت إليك لاستظهر بالله عليك»(٢).

وتذكر النصوص: أن قطاماً دعت بحرير فعصبت به صدر ابن ملجم ورفيقه، حينما تحركوا لتنفيذ جريمتهم بقتل سيد الوصيين (عليه السلام)(٣).

وذكرت بعض النصوص أيضاً: أن ابن ملجم تزوج قطاماً، وبنى بها ثم طالبته بالوفاء بشرطها(٤).

فزت وربِّ الكعبة:

وتقول الروايات: أن أمير المؤمنين (عليه السلام) حين أحسّ بضربة ابن ملجم له قال: «فزت ورب الكعبة»(٥).

وقد تحدثنا عن هذه الكلمة وما بمعناها في كتابنا: الصحيح من سيرة النبي (صلى الله عليه وآله)(٦) وغيره. ولا نريد أن نعيد هنا ما كتبناه هناك. بل نكتفي بإحالة القارئ عليه. ونؤكد عليه بالرجوع إليه.

(١) الفتوح ج٤ ص١٤٠ و١٤١.

(٢) تذكرة الخواص ص١٧٧.

(٣) روضة الواعظين ص١٣٣ وراجع ص١٣٤ والمناقب للخوارزمي ص٢٧٦ ونظم درر السمطين ص١٤٤ وشرح النهج للمعتزلي ج٦ ص١١٦و١١٨ ومقاتل الطالبيين ص٣٣ ومناقب آل أبي طالب ج٣ ص٣١٣ ـ المطبعة العلمية.

(٤) الثقات ج٢ ص٣٠٢ والبداية والنهاية ج٧ ص٣٢٩ و٣٢٧ وتذكرة الخواص ص١٧٦ وأنساب الأشراف ج٢ ص٤٨٧ ـ ٤٩٢.

(٥) شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج٩ ص٢٠٧ وترجمة الإمام علي (عليه السلام) من تاريخ دمشق ج٣ ص٣٠٣. [تحقيق المحمودي] ومقتل أمير المؤمنين (عليه السلام) لابن أبي الدنيا [مطبوع في مجلة تراثنا سنة ٣ عدد ٣ ص٩٦].

(٦) الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) ج٧ ص٣٥٢ و٣٦١.

٣٣٢

علي (عليه السلام) يخبر عن الغيب:

وقد مرت الاشارة عن قريب إلى أن امير المؤمنين (عليه السلام) قد أخبرهم أن قاتله سيخرج عليهم من الباب الفلاني. وقد تحقق ما أخبره (عليه السلام) مباشرة. ويدخل ذلك في سياق سعيه (صلوات الله عليه) لتحصين الأمة من الوقوع في الشبهة فلا تغرهم ما يظهر «الخوارج» المارقون من عبادة وزهادة ونسك وخشوع وذلك عن طريق الإثبات الواضح بالإخبارات الغيبية القاهرة للعقل والملامسة للوجدان أنه (عليه السلام) يملك علم الإمامة الذي يفرض عليهم البخوع والانقياد له من دون أي شبهة أو ريب.

تاريخ الضربة:

وإن ما ذكره: ابن أعثم أن ضربة ابن ملجم لعلي (عليه السلام) كانت في الثالث والعشرين من شهر رمضان بخلاف ما هو معروف ومشهور من أن ذلك كان في التاسع عشر من شهر رمضان، ثم استشهد في الحادي والعشرين منه.

ولو أعلم إنك قاتلي:

وذكر ابن أعثم أيضاً: بأنه (عليه السلام) قال لابن ملجم: لو أعلم انك قاتلي لقتلك.. ولا يمكن قبول ذلك منه فإنه (عليه السلام) ما فتئ يخبر الناس تصريحاً وتلويحاً بأن ابن ملجم هو قاتله، حتى إن بعض النصوص: أنهم قالوا له: لما لا تقتله، فقال: لم يقتلني بعد.

٣٣٣

وإن ادنى مراجعة لكتب الحديث والتاريخ كفيلة بإظهار هذه الحقيقة.

ابن ملجم يشرب الخمر، ويلبس الحرير:

ولسنا بحاجة إلى التأكيد على حقيقة أن «الخوارج» كان يتظاهرون بالتدين، دون أن يكون لهم دين في الواقع.. بل كانوا يرتكبون أعظم المآثم، حتى شرب الخمر والزنى إلى درجة الدعارة الظاهرة. وليس ابن ملجم في شربه للخمر ولبسه للحرير المحرم للرجال إلا المثال الذي تكثر نظائره فيهم. أخزاهم الله.

أصابع اليهود في قتل الوصي (عليه السلام):

وعلى كل حال، فقد كانت مربية ابن ملجم يهودية(١) بل كما ذكره المجلسي، وابن أعثم وغيرهما، لقد روي عن جوين الحضرمي، قال: عرض [على] علي الخيل، فمر عليه ابن ملجم، فسأله عن اسمه، أو قال: [عن] نسبه ـ فانتهى إلى غير أبيه.

فقال له: كذبت.

حتى انتسب إلى أبيه، فقال: صدقت. أما إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) حدثني: أن قاتلي شبه اليهود!!! هو يهودي، فامضه(٢).

(١) البحار ج٣٢ ص٢٦٢.

(٢) ترجمة الإمام علي بن أبي طالب من تاريخ دمشق ج٣ ص٢٩٣ بتحقيق المحمودي وكنز العمال ج١٥ ص١٧٤ وحياة الصحابة ج٣ ص٧٥ ومنتخب كنز العمال [بهامش مسند أحمد] ج٥ ص٦٢.

٣٣٤

وتذكر نصوص أخرى ممالأة الأشعث بن قيس لابن ملجم، وتآمره معه على قتله (عليه السلام)(١).

«الخوارج» ينكرون قتل علي (عليه السلام):

ويذكر البعض: أن بعض مؤرخي «الخوارج» في هذا العصر ينكرون قتل «الخوارج» لعلي (عليه السلام) ويقولون: إن قبيلة بني مراد التي كان عبد الرحمن بن ملجم منها لم يكونوا في جملة «الخوارج».

وقد كذّب مؤرخ الإباضية [وهم من الخوارج] الشيخ سليمان بن داود بن يوسف اشتراك «الخوارج» في قتل علي، استناداً إلى ما ذكرناه آنفاً، ويرى أن الأشعث بن قيس هو قاتل علي (عليه السلام)، وقد يكون معاوية قد أشار إليه بذلك.

ثم هو ينكر تآمر «الخوارج» الثلاثة على قتل علي ومعاوية وعمرو بن العاص، بل هو ينكر حتى أصل وجود هؤلاء الأشخاص الثلاثة(٢) فراجع كلامه.

كما ترى كلام غير منطقي وغير مقبول، بعد إطباق الأمة الإسلامية. وأصبح ذلك من المتواترات القطعية: أن ابن ملجم الخارجي هو قاتل علي (عليه السلام) سواء صدقت رواية تآمر الثلاثة على قتل معاوية وابن العاص، وأمير المؤمنين (عليه السلام)، أم كذبت.. ولا ضرورة لإشغال أنفسنا في الرد على ترهات وأباطيل، تفقد أدنى فرصة للاحتمال المعقول، وحتى غير المعقول.

(١) راجع: أنساب الأشراف ج٢ ص٤٩٣ و٤٩٤.

(٢) تحليلي أز تاريخ إسلام ـ القسم الأول ص١٣٣و١٣٤، ولم يظهر من المؤلف مخالفة لهم في هذا الرأي..

٣٣٥

عقوبة قاتل علي (عليه السلام):

وقد جاء في بعض الروايات: لما ضرب علي (عليه السلام) قال: «ما فعل ضاربي؟ أطعموه من طعامي، واسقوه من شرابي، فإن عشت، فأنا أولى بحقي، وإن مت فاضربوه ولا تزيدوه»(١).

وقال البلاذري: «يقال: إن الحسن ضرب عنقه، وقال: لا أمثل به»(٢).

رواية أخرى قالت: «إنه لما ضرب ابن ملجم علياً (رضي الله عنه) الضربة، قال علي: افعلوا به كما أراد رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يفعل برجل أراد قتله، فقال اقتلوه، ثم حرقوه» وهذه هي رواية أحمد.

وحسب نص ابن شهر آشوب: «إن هلكت فاصنعوا به كما يصنع بقاتل النبي، فسئل عن معناه، فقال: اقتلوه ثم احرقوه بالنار»(٣).

وفي نص آخر، قال علي (عليه السلام): «احبسوه، وأطيبوا طعامه، وألينوا فراشه، فإن أعش فعفو، أو قصاص. وإن أمت فألحقوه بي أخاصمه عند رب العالمين».

لكنه عاد فأضاف قوله: «فمات علي بن أبي طالب غداة يوم الجمعة، فأخذ عبد الله بن جعفر، والحسن بن علي [ومحمد بن الحنفية(٤) عبد الرحمن بن ملجم،

(١) المناقب للخوارزمي ص٢٨٠ و٢٨١.

(٢) أنساب الأشراف ج٢ ص٥٠٥.

(٣) مسند أحمد ج١ ص٩٣.

(٤) في هامش المصدر: زيد بناء على الطبقات ٣/١/٢٦.

٣٣٦

فقطعوا يديه ورجليه، فلم يجزع، ولم يتكلم، ثم كحلوا عينيه بملمول محمى، ثم قطعوا لسانه، وأحرقوه بالنار»(١).

ونقول: الصحيح هو أن الناس هم الذين فعلوا فيه ذلك، فعن عمران بن ميثم: «لقد رأيت الناس حين انصرفوا من صلاة الصبح أتوا بابن ملجم لعنه الله، ينهشون لحمه بأسنانهم كأنهم سباع، وهم يقولون: يا عدو الله، ماذا فعلت؟! إلخ»(٢).

ونص آخر يقول: «إن الحسن (عليه السلام)، قدمّه فقتله، فأخذه الناس فأدرجوه في بواري ثم أحرقوه بالنار»(٣).

وذكر ابن شهر آشوب، أنه (عليه السلام) قال لهم: «ألا لا يقتلن بي إلا قاتلي ونهى عن المثلة»(٤).

وذكر نص آخر: «أن أم الهيثم بنت الأسود النخعية استوهبت جيفته من الإمام الحسن (عليه السلام)، فوهبها لها، فأحرقتها بالنار»(٥).

والخلاصة: أننا لا نشك في أن الإمام الحسن (عليه السلام) لا يخالف وصية أبيه من جهة.

ولا يرتكب مخالفة لحكم شرعي وهو تحريم المثلة، ولو بالكلب العقور من جهة أخرى.

(١) الثقات ج٢ ص٣٠٣ والأخبار الطوال ص٢١٥ وطبقات ابن سعد ج٣ قسم١ ص٢٥و٢٦ وراجع أنساب الأشراف ج٢ ص٤٩٥ و٥٠٢ و٥٠٤.

(٢) مقاتل الطالبين ص٣٧.

(٣) المناقب للخوارزمي ص٢٨٠.

(٤) مناقب آل أبي طالب ج٣ ص٣١٢ ـ المطبعة العلمية ـ قم.

(٥) مناقب آل أبي طالب ج٣ ص٣١٣ المطبعة العلمية ومقاتل الطالبيين ص٤١.

٣٣٧

فإن كان ابن ملجم قد تعرض لشيء من ذلك، فلابد أن لا يكون ذلك عن رضى من قبل الحسنين (عليهما السلام)، بل قد يكون فاعل ذلك هو الناس الذين أخذتهم حالة الهياج والحماس كما هو صريح كلام أبي الفرج.

أو أم الهيثم، كما ذكره أبو الفرج، وابن شهر آشوب.

ابن ملجم صحابي مصيب في قتل علي (عليه السلام):

وقال الحارثي الإباضي: «عدّ ابن حجر عبد الرحمن هذا من الصحابة. وذكر عن الإمام الشافعي: أنه لا يرى ابن ملجم مخطئاً في قتله، لأنه مجتهد. وكل مجتهد مصيب»(١). حتى على رأي علي نفسه كما زعم(٢).

وقال ابن حزم: «إن الشافعيين والمالكيين لا يختلفون في أن من قتل آخر على تأويل، فلا قود في ذلك، ولا خلاف بين أحد من الأمة في أن عبد الرحمن بن ملجم لم يقتل علياً (رضي الله عنه) إلا متأولاً مجتهداً، مقدراً على أنه صواب»(٣).

إذن.. فابن ملجم عند هؤلاء مصيب في قتله علياً، وهو مأجور أيضاً أجرين على ذلك، لأنه مجتهد، وإذا أصاب المجتهد ـ عند هؤلاء أيضاً ـ فله أجران..

فكيف إذا كان ابن ملجم صحابياً، والصحابة عند هؤلاء كلهم عدول أتقياء، ولا يفسقون بما يفسق به غيرهم؟

كما أوضحناه في الجزء الأول من كتابنا الصحيح من سيرة النبي ـ ط ثانية..

(١) العقود الفضية ص٤٣و٦٤.

(٢) العقود الفضية ـ ص٤٣ و٦٤.

(٣) المحلى ج١٠ ص٤٨٢ والغدير ج١ ص٣٢٥ عنه.

٣٣٨

قال الأميني: «.. لكن ابن حزم لا يرضى أن يكون قاتل عمر، أو قتلة عثمان مجتهدين. ونحن أيضاً لا نقول به».

ثم ذكر (رحمه الله): «أن ما نسبه ابن حزم إلى الأمة لا يصح إلا ما عن الخوارج المارقين عن الدين»(١).

وذكر (رحمه الله) أيضاً: موافقة الناس على قتل ابن ملجم عقوبة له. وأن كلاً منهم يودّ أن يكون هو المباشر لقتله.

ثم أضاف قوله: إن فعل ابن ملجم لم يكن مما يتطرق إليه الاجتهاد، فضلاً عن أن يبرره الاجتهاد، ولو كان هناك اجتهاد، فهو في مقابل النصوص المتضافرة(٢).

وأما حديث: أن كل مجتهد مصيب، ونسبة ذلك إلى علي (عليه السلام). فلا شك في أنه غير صحيح ولا يشك ذو مسكة أن علياً لا يقول في التصويب في الاجتهاد، ولهذا البحث مجال آخر.

قاتل علي (عليه السلام) هو معاوية:

هذا.. وقد روي ما يشير إلى أن معاوية كان بتآمره وكيده وراء قتل أمير المؤمنين (عليه السلام) على يد ابن ملجم، وتدل على ذلك أبيات لأبي الأسود الدؤلي، فهو يقول:

(١) الغدير ج١ ص٣٢٦.

(٢) الغدير ج١ ص٣٢٨.

٣٣٩


ألا بلّغ معاوية بن حربفلا قرّت عيون الشامتينا
أفي شهر الصيام فجعتمونابخير الناس طراً أجمعينا
قتلتم خير من ركب المطاياببرّ خير من ركب السفينا

إلى أن يقول:


إذا استقبلت وجه أبي ترابرأيت البدر حار الناظرينا(١)

ولاتستبعد ذلك على معاوية الذي كان من أصول الشجرة الملعونة في القرآن...

والحمد لله، والصلاة والسلام على عباده الذين اصطفى محمد وآله الطاهرين.

(١) قضايا في التاريخ الإسلامي ص٨٥ وفي هامشه تاريخ الدولة العربية ص٩٨/٩٩ عن الطبري، وتذكرة الخواص ص١٨١، ومناقب آل أبي طالب ج٣ ص٣١٥ ـ المطبعة العلمية ـ قم ـ إيران..

٣٤٠