×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

علي والخوارج - ج 2 / الصفحات: ٤١ - ٦٠

وأما أسباب الحقد، فلا تنحصر في أمر المال، بل هو حقد الفاجر على التقي، والجاهل اللئيم على العالم الكريم والحليم الجليل، والخبيث على الطيب، والمجرم على البريء وما إلى ذلك.

صعصعة يصف أحد زعمائهم:

ويكفي أن نذكر: أن صعصعة بن صوحان يصف أحد زعمائهم وهو ـ المنذر بن الجارود ـ بقوله: «إنه نظار في عطفيه، تفال في شراكيه، تعجبه حمرة برديه».

وقد قال صعصعة ذلك لأمير المؤمنين (عليه السلام)(١).

فمن تكون صفاته هي هذه كيف يمكن أن يعطى أوسمة التقوى والورع، والعبادة؟ هذا.

عمال ليزيد:

وقد بلغ بهم حب الدنيا حداً جعل المنذر بن الجارود يتولى الهند من قبل عبيدالله بن زياد، وذلك في إمرة يزيد، فمات هناك سنة ٦١هـ.

تركهم لحدود الله:

وقد قال أمير المؤمنين (عليه السلام) حينما جاؤوه برأس عبد الله بن وهب الراسبي: «قد كان أخو راسب حافظاً لكتاب الله، تاركاً لحدود الله»(٢).

(١) البيان والتبيين ج٣ ص١١٢ وج١ ص٩٩ والحيوان ج٥ ص٥٨٨.

(٢) مروج الذهب ج٣ ص٤٧.

٤١

التطبيق الانتقائي للأحكام والتساهل فيها:

وقد اخذ اتباع شبيب عليه أموراً: منها: أنه كان يستثني قومه من أن يطبق عليهم ما يأمرهم به دين الخوارج، وأموراً أخرى(١).

ولاموه كذلك على أنه كان يقبل الاعتراف تقيّةً، وعلى أنه كان يطلق الأسرى بمجرد قولهم: لا حكم إلا لله، أو يردد عليهم هذا القول ليخلصهم(٢).

لا يعاقب شارب الخمر لنكايته في العدو:

كما أنه لم يعاقب رجلاً في جيشه كان يشرب الخمر، بحجة أنه كان شديد النكاية على العدو(٣).

محاباة وتساهل والكيل بمكيالين:

ومما يشير إلى تساهلهم مع بعضهم البعض: أن قطري بن الفجاءة ـ كما يقول البعض ـ كان:

«لا يؤمن بالقعود عن الشراية والجهاد، وإذا ما تخلف أحد أتباعه عن هذا الواجب المقدس، سرعان ما يلاحقه، ويدفعه إلى ذلك دفعاً، فحينما قعد أبو خالد القناني بعث إليه بقصيدة يقرعه فيها، ويحثه على النفير، ويؤكد له: أن لا عذر لقاعد، ولا هداية له.

كما بعث قصيدة أخرى لسميرة بن الجعد، يعاتبه فيها على ركونه

(١) راجع: الخوارج والشيعة ص٩٨.

(٢) الخوارج والشيعة ص٩٨ وأشار إلى تاريخ الأمم والملوك ج٢ ص٩٦٧.

(٣) الخوارج والشيعة ص٧٣ وراجع: العبر وديوان المبتدأ والخبر ج٣ ص١٤٧.

٤٢

لحياة الاستقرار، وقبوله أن يصبح سميراً للحجاج، في حين أن رسالة الخارجي هي أن يتمنطق بالسلاح، ويجالد الفرسان، ويصبر على شدائد الأمور، بعد أن يذكره بالسلف الصالح، ويلفت نظره إلى مصيره المحتوم، وأنه سيبعث إلى حساب عسير … إلى أن قال: فحمل سلاحه ولحق بقطري، دون أن ينذر الحجاج بذلك الخ»(١).

وقال في موضع آخر: «.. ونجد: أن قطري بن الفجاءة، يعاتب سميرة بن الجعد، الذي صار نديماً للحجاج، وغرته مباهج القصر ـ يعاتبه ـ عتاباً لطيفاً، لا قسوة فيه، ولا يكفره، كما يفعل بغيره، بل يصرح بعدم كفره، ولكنه يكون قاسياً جداً إذا هجا غير الخوارج، ويكفرهم»(٢).

ومعنى ذلك هو أن القضية بالنسبة إليهم ليست قضية دين، والتزام بأحكام الشرع بقدر ما هي هوى النفس، وطموحات يريدون تحقيق ما أمكنهم منها..

ومهما يكن من أمر: فإن كونهم متكلِّفين في دينهم، يظهرون منه خلاف ما يبطنون. وكون دينهم تبعاً لأهوائهم، هو الظاهر من مجمل مواقفهم وممارساتهم. ويبدو أن ذلك كان واضحاً ومعروفاً منذ أوائل

(١) الخوارج في العصر الأموي ص٢٦١/٢٦٢.

(٢) المصدر السابق ص٢٧٩/٢٨٠ وراجع: مروج الذهب ج٣ ص١٣٦/١٣٧.

٤٣

ظهورهم، كما صرح به أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) في أكثر من مورد ومناسبة، حسبما اتضح. كما أن الفزر بن مهزم العبدى يقول:


وشدوا وثاقي ثم الجوا خصومتيإلى قطري ذي الجبين المغلق
وحاججتهم في دينهم وحججتهموما دينهم غير الهوى والتخلق(١)

(١) الكامل في الأدب ـ ج٣ ص٣٣٧ وراجع: شرح النهج للمعتزلي ج٤ ص١٦١.

٤٤
٤٥


الباب السادس
الخوارج طلاب ملك ودنيا




٤٦
٤٧


الفصل الأول
الخوارج في العهد الأموي




٤٨
٤٩

في العهد الأموي:

بعد وفاة وصي رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وبعد خروج الأمر من يد ولده الحسن المجتبى (عليه السلام) إلى معاوية بن أبي سفيان بصورة كاملة، أخذ «الخوارج» على عاتقهم مهمة قتال الأمويين بكل عنف وقسوة..

وقد كانت أهم حركاتهم وأخطرها، وأشدها ضراوة هي تلك التي كانت في عهد بني أمية بالذات.. أما بعد ذلك فقد خبا وهجهم، وتقاصر مدهم، وذبلت زهرتهم، كما سنرى.

بين عهدين:

ولا شك في أن «الخوارج» هم الفرقة المارقة، التي أخبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن ظهورها..

ولا توجد أية فرصة لتأويل الأحاديث الواردة في حقهم، إذ أن الأمر قد حسم منذ بداية ظهورهم، بسبب الإخبارات الغيبية التي أعلنها أمير المؤمنين (عليه السلام) في الناس، وظهر صدقها بصورة لا تقبل أي تأويل أو احتمال. خصوصاً فيما يرتبط بحديث ذي الثدية. وكونه منهم وفيما بينهم، كما أكدته الأحداث بصورة قاطعة..

٥٠

ولعله لولا هذا وذاك. لما استطاع الكثيرون أن يكتشفوا حقيقتهم، ولما أمكن أن ينقادوا حتى لأمير المؤمنين (عليه السلام) في حربهم. أو أن يتوفر لهم التصديق بضلالهم، والتسليم بمروقهم من الدين.

لكن الأمر بعد عهد أمير المؤمنين (عليه السلام) قد خرج عن هذا الإطار، فإن أمر الأمويين كان كالنار على المنار، وكالشمس في رابعة النهار.

والشعارات الدينية التي كان «الخوارج» يطلقونها، ووعودهم بإشاعة العدل، وإعلانهم لرفض الظلم، كان من شأنها أن تنعش الآمال لدى الكثيرين، بالتخلص من الظلم المر، ومن الإذلال والقهر، الذي كان يمارس ضدهم في ظل الحكم الأموي.

ويشير إلى ذلك ما روي من أن عبد الله بن أبي أوفى حينما علم بقتل الأزارقة لوالد سعيد بن جهمان لعنهم، وأخبر سعيداً بقول رسول الله (صلى الله عليه وآله): إنهم كلاب النار.

قال سعيد: قلت: الأزارقة وحدهم، أم «الخوارج» كلها؟

قال: بل «الخوارج» كلها.

قال: قلت: فإن السلطان يظلم الناس، ويفعل بهم.

قال: فتناول يدي إلخ(١).

سَبي «الخوارج»:

ورغم أن الأمويين كانوا ملتزمين بسنة عمر في ما يرتبط بالتأكيد على العرق العربي، ومنع السبي للعرب، فإنهم قد خالفوا سنة عمر في

(١) مسند أحمد ج٤ ص٣٨٢ ومجمع الزوائد ج٦ ص٢٣٢ وج٥ باب كيفية النصح للأئمة في الخلافة، عن الطبراني، وأحمد. ورجال أحمد ثقات.

٥١

ذلك مع «الخوارج»، فسبوا نساءهم وذراريهم، واسترقوهم، ووطأوا نساءهم بملك اليمين. ولم يفعل ذلك بهم علي (عليه السلام)، ولم يكن ذلك هو حكم الله سبحانه فيهم. قالوا: «كانوا يسبون ذراري «الخوارج» من العرب وغيرهم، لما قتل قريب وزحاف الخارجيان سبى زياد ذراريهما، فأعطى شقيق بن ثور السدوسي إحدى بناتهما، وأعطى عباد بن حصين الأخرى. وسبيت بنت لعبيدة بن هلال اليشكري، وبنت لقطري بن الفجاءة المازني، فصارت هذه إلى العباس بن الوليد بن عبد الملك، واسمها أم سلمة، فوطأها بملك اليمين على رأيهم. فولدت له المؤمل، ومحمداً، وإبراهيم، وأحمد، وحصيناً بن عباس بن الوليد بن عبد الملك، وسبي واصل بن عمرو القنا، واسترق. وسبي سعيد الصغير الحروري واسترق الخ..»(١).

جاء الآن ما لاشك فيه:

أما بالنسبة للخوارج أنفسهم، فإن الأمور كانت واضحة جداً لهم، فإنه إذا كان لديهم شك في القتال ضد أمير المؤمنين (عليه السلام) حيث إن مواقفه الرائدة، وجهاده الفذ في سبيل الله، وفضائله الظاهرة، وكراماته الباهرة، وأقوال رسول الله (صلى الله عليه وآله) فيه ـ قد طبقت الآفاق. فإنهم لا يمكن أن يشكوا في قتال بني أمية. وهم القائلون حينما تولى معاوية الحكم: «قد جاء الآن ما لاشك فيه» كما تقدم.

وقد قال صخر بن عروة: «إني كرهت قتال علي بن أبي طالب (رضي الله عنه)، لسابقته، وقرابته. فأما الآن، فلا يسعني إلا الخروج».

(١) شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج١٥ ص٢٤١و٢٤٢.

٥٢

نقاط ضعف «الخوارج»:

ولكن الملاحظة الجديرة بالتسجيل هنا هي: أن ما يظهر منهم من شدة وقسوة كثيراً ما يكون من أجل الحصول على شيء من حطام الدنيا، فكانوا يقاتلون على القدح يؤخذ منهم، أو على السوط، الأمر الذي من شأنه أن يظهر حقيقة طموحاتهم، وأنها طموحات إلى أمور دنيوية.

ثم هي طموحات إلى أمور تافهة وحقيرة.

أضف إلى ذلك: أن بعض الأساليب الشنيعة التي كانوا يمارسونها ضد خصومهم كانت تنفر الناس منهم، وتجعلهم معزولين في محيطهم الخاص، فلم يكن لهم هيمنة على عواطف الناس، ولا على مشاعرهم.

وكان التأييد الذي ينالونه سرعان ما يتلاشى، ويذهب أدراج الرياح، وليتحول إلى تأييد التقية والخوف، الأمر الذي كانت له آثار سلبية على مسار الحرب مع الأمويين.

وعلينا أن لا ننسى كثرة انقساماتهم، وكون تعاليمهم فيها الكثير من القسوة والعنف. ولاسيما فيما يرتبط بآرائهم وتعاملهم مع غيرهم، أو مع مرتكب الذنب منهم، أو من الآخرين.. مع شدة مراعاتهم لأهل الأديان الأخرى.

هذا إلى جانب تأثير الإغراءات التي كان الأمويون يلوحون بها لزعماء القبائل ولغيرهم من طلاب اللبانات، مع وجود الكثير من القسوة والاضطهاد، والحرمان من كثير من الملذات إلى جانب «الخوارج».

٥٣

فكل ما تقدم وسواه قد ضيع على «الخوارج» فرصاً كثيرة وكبيرة في مواجهتهم لخصومهم من بني أمية وبني العباس، وإن كان الزخم القوي والعارم، كان يغطي أحياناً الكثير من حالات النقص الناجم عما ألمحنا إليه.

«الخوارج» ينهكون الحكم الأموي:

وإن الآثار السيئة التي تركتها حروب «الخوارج» على الحكم الأموي قد جعلت أبا مسلم الخراساني يتابع انتصاراته على عاملهم نصر بن سيار، في حين لم يكن مروان الجعدي [الحمار] قادراً على مدّ يد العون له، بسبب انشغاله بحرب «الخوارج» (١). وقد تمكن أبو مسلم بالتالي من القضاء على الحكم الأموي قضاءً مبرماً ونهائياً.

ومن الملامح لصورة ما جرى نذكر هنا: أن الأزارقة: «بايعوا نافع بن الأزرق، وسموه: أمير المؤمنين، وانضم إليهم خوارج عمان، واليمامة، فصاروا أكثر من عشرين ألفاً، واستولوا على الأهواز، وما وراءها من أرض فارس وكرمان، وجبوا خراجها. وعامل البصرة يومئذٍ عبد الله بن الحارث الخزاعي، من قبل عبد الله بن الزبير»(٢).

والضحاك بن قيس أيضاً: «بايعه ماءة وعشرون ألف مقاتل على مذهب الصفرية، وملك الكوفة وغيرها، وبايعه بالخلافة وسلّم عليه بها جماعة من قريش»(٣). وقتل سنة ١٢٨هـ.

(١) البداية والنهاية ج١٠ ص٥.

(٢) الفرق بين الفرق ص٨٥، والملل والنحل ج١ ص١١٨/١١٩، وفجر الإسلام ص٢٥٧/٢٥٨.

(٣) جمهرة أنساب العرب ص٣٢٢ والخوارج والشيعة ص١٠٣ وتاريخ الطبري ج٦ ص١٦ وراجع الكامل لابن الأثير ج٥ ص٣٣٥ ـ ٣٣٧ وغيرها. والعيون والحدائق ص١٥٩.

٥٤

أما نجدة الحروري فقد: «أقام خمس سنين، وعماله بالبحرين، واليمامة، وعمان، وهجر، وطوائف من أرض العرض»(١).

ويقول البلاذري، عن عبد الله بن الزبير: «أتته الخوارج؛ فظللهم [كذا](٢)، وعاب قولهم، حتى فارقه نافع بن الأزرق الحنفي، وبنو ماحوز؛ فانصرفوا عنه، وغلبوا على اليمامة ونواحيها إلى حضرموت، وعامة أرض اليمن»(٣).

وعند المعتزلي: «واستولى نجدة على اليمامة، وعظم أمره حتى ملك اليمن، والطائف، وعمان، والبحرين، ووادي تميم، وعامر»(٤).

وقال فلهوزن: «وتكاد جميع ثورات الخوارج التي نسمع بها في العصر الأموي المتأخر أن تكون قد خرجت من الموصل، ومن آل بكر»(٥).

ولا ريب في أن سياسة الحكم الأموي تجاه الناس، قد ساهمت في إقبالهم على الانخراط في صفوف الدعوات المناهضة له، ومواجهته بالحرب(٦).

وكان «الخوارج» هم الفئة المبادرة في هذا الاتجاه. فكان الناس يستجيبون لدعواتهم، ويقاتلون تحت لوائهم. حتى ليبلغ عدد جيوش «الخوارج» في بعض المعارك مئة وعشرين ألفاً، كما هو معلوم..

(١) تاريخ اليعقوبي ج٢ ص٢٧٢/٢٧٣.

(٢) لعل الصحيح: ضللهم أي حكم عليهم بالضلال.

(٣) أنساب الأشراف ج٤ ص٢٨.

(٤) شرح النهج للمعتزلي ج٤ ص١٣٣.

(٥) الخوارج والشيعة ص١٠١.

(٦) الخوارج والشيعة ص٩٤.

٥٥

ولا مجال هنا لتفصيل حروبهم وحركاتهم العسكرية ضد الأمويين ولاسيما حروبهم مع المهلب بن أبي صفرة، فإن ذلك يحتاج إلى توفر تام، وتأليف مستقل.

ولكنها كانت حروباً مرتجلة، وغير قادرة على إسقاط الحكم الأموي، وإرساء قواعد حكم جديد لأكثر من سبب وسبب، كما ربما يتضح في فصول هذا الكتاب.

غير أن مما لاشك فيه هو ان هذه الحروب قد أنهكت الحكم الأموي وأثارت أمامه الكثير من المشكلات، وواجهته بالعديد من العقبات الحقيقية التي ألحقت الأذى به، وعجلت عليه..

أهل الكتاب يستعملون نفوذهم:

وقد أدرك أحبار أهل الكتاب ممن أظهر الإسلام منهم خطورة ما يواجهه الحكم الأموي، فبادروا منذ اللحظات الأولى إلى مدّ يد العون له، وتأييده، وإضعاف شوكة «الخوارج» باستخدام ما يزعمونه لأنفسهم من هيمنة علمية وثقافية، فنجد كعب الأحبار يقول: «للشهيد نور، ولمن قاتل الحرورية عشرة أنوار. وكان يقول: لجهنم سبعة أبواب. ثلاثة منها للحرورية. قال: ولقد خرجوا في زمن داود النبي»(١).

ومن الواضح: أن كعب الأحبار لم يكن ليؤيد علياً (عليه السلام) في حربه لهم، لأنه لم يكن من محبيه ولا من مؤيديه. فهو إنما يتحدث بذلك تأييداً لمعاوية وتقوية له.

(١) المصنف للصنعاني ج١٠ ص١٥٥.

٥٦

الأمويون، واسم علي (عليه السلام):

كما أن الملهب بن أبي صفرة، الذي كان يقاتلهم في العهد الزبيري الأموي قد التجأ إلى رفع شعارات طالما جهد الأمويون والزبيريون معاً على طمسها، والقضاء عليها، حيث نراه يحاول الاستفادة من اسم، وعظمة، وشخصية، وموقف رجل يعتقد الحكم الأموي والزبيري أيضاً: أن أساس بقائه واستمراره يقوم على محو اسم تلك الشخصية، وطمس كل فضائلها وكراماتها، ومحاربة كل ما يرتبط بها.. ألا وهي شخصية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه الصلاة والسلام).

فها نحن نرى المهلب يخطب أصحابه محرضاً لهم على قتال «الخوارج»، فيقول: «.. يا أيها الناس، قد عرفتم مذهب هؤلاء الخوارج...

إلى أن قال: فقاتلوهم على ما قاتل عليه أولهم علي بن ابي طالب (صلوات الله عليه)..»(١).

كما أن المهلب هذا قد قال يوماً لأصحابه: «إن هؤلاء الخوارج قد يئسوا من ناحيتكم إلا من جهة البيات؛ فإن يكن ذلك، فاجعلوا شعاركم: حم، لا ينصرون؛ فإن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يامر بها..

ويروى: أنه كان شعار أصحاب علي بن أبي طالب (عليه السلام)..»(٢).

(١) الكامل للمبرد ج٣ ص٣١٥ وشرح النهج ج٤ ص١٤٨.

(٢) شرح النهج للمعتزلي ج٤ ص١٥٣

٥٧

وروى ابن دريد: أن شعار أصحاب علي (عليه السلام) يوم الجمل، كان: «حم، لا ينصرون»(١).

وقد روي: أنه قيل لعبيد الله بن زياد، بعد موت يزيد، وأفول نجمه: ندمت على ما كان منك، من قتلك الخوارج، من أهل البصرة بالظنة والتوهم؟

فقال: «.. وأما قتلي من قتلت من الخوارج؛ فقد قتلهم قبلي من هو خير مني علي بن أبي طالب (رضي الله عنه)»(٢).

فتراه يحتج لصواب فعله، بفعل العدو الألد له ولكل أسياده، ومن كانوا يجهدون لطمس كل فضيلة له، وتشويه سمعته، ومحو آثاره، ألا وهو أمير المؤمنين (عليه الصلاة والسلام).

«الخوارج».. وقريش.. وخزاعة..:

وملاحظة هامة، لابد منها هنا، هي:

أن عبد المطلب كان قد عقد مع خزاعة حلفاً، بقي النبي (صلى الله عليه وآله) يعمل على الوفاء به. كما أن خزاعة قد كانت عيبة نصح لرسول الله (صلى الله عليه وآله)..

وبسبب نقض قريش لصلح الحديبية، بالاعتداء على خزاعة، كان فتح مكة، فبقيت قريش تحقد على خزاعة بسبب ذلك كله أشد الحقد..

وقد قال معاوية: «إن نساء خزاعة لو قدرت على أن تقاتلني، فضلاً عن رجالها فعلت»(٣). وقد استمر هذا الحقد عشرات السنين، ففي سنة ١٣٠

(١) الاشتقاق ص١٤٥.

(٢) الأخبار الطوال ص٢٨٤و٢٨٥.

(٣) صفين للمنقري ص٢٤٧.

٥٨

هجرية حين هاجم أبو حمزة الحروري بلاد الحجاز: «اتهمت قريش خزاعة أن يكونوا داهنوا عليهم الحرورية..»(١).

وعلى حد تعبير أبي الفرج حول مهاجمة أبي حمزة لجمع الناس في قديد: «زعم بعض الناس: أن خزاعة دلت أبا حمزة على عورتهم، وأدخلوهم عليهم، فقلتوهم. وكانت المقتلة على قريش، وهم كانوا أكثر الناس، وبهم كانت الشوكة الخ»(٢).

وفي نص آخر: إن أبا حمزة حينما واقع أهل المدينة بقديد، وقتل وأسر منهم الكثيرين: «كان إذا رأى رجلاً من قريش قتله، وإذا رأى رجلاً من الأنصار أطلقه»(٣).

ويذكرون أيضاً أن عتبان بن وصيلة يخاطب عبد الملك، فيقول:


فإنك إلاّ ترض بكر بن وائليكن لك يوم بالعراق عصيب
فلا ضير إن كانت قريش عدىً لنايصيبون منا مرة، ونصيب

كما أن شاعراً آخر منهم يفتخر بتحقيق النصر على قريش، فيقول:


ألم تر أن الله أنزل نصرهوصلّت قريش خلف بكر بن وائل

ولعل ذلك يرجع إلى: أن «الخوارج» اليمانية القحطانية قد قويت شوكتهم، ولأن الأنصار محبّي علي (عليه السلام)، وأنصاره كانوا يمانية قحطانية أيضاً مثلهم. أما قريش فكانت عدنانية.

(١) تاريخ اليعقوبي ج٢ ص٣٣٩ وتاريخ الأمم والملوك ج٦ ص٥٨ والكامل لابن الأثير ج٥ ص٣٨٩ والأغاني [ط ساسي] ج٢٠ ص١٠٠.

(٢) الأغاني ـ ط ساسي ج٢٠ ص١٠٠ والعقود الفضية ص٢٠١.

(٣) شرح النهج للمعتزلي ج٥ ص١١٣ والأغاني ج٢٠ ص١٠٢ والعيون والحدائق ص١٦٩.

٥٩
٦٠