×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

علي والخوارج - ج 2 / الصفحات: ٦١ - ٨٠

فقد حاربوهم في عمان سنة ١٣٤هـ وقتل منهم العباسيون عشرة آلاف.

ثم حاربوهم في الجزيرة سنة ١٣٧هـ.

وفي نواحي الموصل سنة ١٤٨هـ.

وفي خراسان سنة ١٦٠هـ.

وفي الموصل والجزيرة سنة ١٦٨هـ حيث خرج فيها يسر التميمي، واستولى على أكثر ديار ربيعة، وعلى الجزيرة.

ثم خرج بالجزيرة سنة ١٦٩هـ حمزة بن مالك الخزاعي.

وخرج الصحصح بالجزيرة، واستولى على أكثر ديار ربيعة. فوجه إليه الرشيد من قتله سنة ١٧١هـ.

وفي سنة ١٧٨هـ خرج الوليد بن طريف بالجزيرة، فقتله يزيد بن مزيد(١).

وقد كانت ثورته قوية، ومخيفة للحكم العباسي. حتى قال مسلم بن الوليد الأنصاري، يمدح يزيد بن مزيد الذي كان يكنى في الحرب بأبي الزبير ـ يمدحه على انتصاره على الوليد:


لولا سيوف أبي الزبير وخيلهنشر الوليد بسيفه الضحاكا

وفيه يقول:


لولا يزيد وأيام له سلفتعاش الوليد مع الغاوين أعواما

الأبيات(٢).

(١) راجع ضحى الإسلام، ج٣ ص٣٣٧ـ٣٣٩ وتاريخ ابن خلدون ج٣ ص١٦٧ـ١٦٩.

(٢) البيان والتبيين، ج١ ص٣٤٢ وراجع: وفيات الأعيان ج٦ ص٣٢٨.

٦١

ويذكر من ثورات «الخوارج» هنا أيضاً: «أتباع حمزة بن أكرك، الذي عاش في سجستان، وخراسان، ومكران، وقهستان، وهزم الجيوش الكثيرة.. إلى أن قال: وكان ظهوره في أيام هارون الرشيد، سنة تسع وسبعين وماءة. وبقي الناس في فتنته إلى أن مضى صدر من أيام خلافة المأمون»(١).

نعم.. وقد حكم «الخوارج» ـ ولاسيما الإباضيون منهم ـ بعض البلاد مدداً طويلةً نسبياً، أو قصيرة، ومن ذلك سيطرتهم على عسكر مكرم، في كرمان، وحضرموت، وعمان، واليمن، وغير ذلك مما تقدم. ومن أراد الاطلاع على المزيد فعليه بمراجعة كتب التاريخ وغيرها.

قال ابن خلدون: «وانقرضت كلمة هؤلاء بالعراق والشام، فلم يخرج بعد ذلك إلا شذاذ متفرقون، يستلحمهم الولاة بالنواحي، إلا ما كان من خوارج البربر بأفريقية الخ..»(٢).

وقال المسعودي: «خرج منهم بديار ربيعة على بني حمدان، وذلك في سنة ثمان عشرة وثلاثمائة. وهو المعروف بعرون، وخرج ببلاد كفرتوتي، وورد إلى نصيبين، فكانت له مع أهلها حرب أسر فيها وقتل منهم خلق عظيم..

والمعروف بأبي شعيب، خرج في بني مالك وغيرهم من ربيعة، وقد كان أدخل على المقتدر بالله.

(١) الفرق بين الفرق ص٩٨ـ٩٩.

(٢) تاريخ ابن خلدون ج٣ ص١٦٩.

٦٢

وقد كان بعد العشرين والثلاثمئة للإباضية ببلاد عمان مما يلي بلاد بروى وغيرها حروب، وتحكيم، وخروج، وإمام نصبوه؛ فقتل، وقتل من كان معه..»(١).

هذا.. ويعدون في جملة ثورات «الخوارج» في العهد العباسي ثورة صاحب الزنج التي استمرت حوالي أربعة عشر عاماً، وقالوا: إن قائد الثورة، وهو علي بن محمد كان خارجياً أزرقياً(٢).

ولكن الظاهر هو: أن ذلك غير دقيق؛ فإن هؤلاء إنما ثاروا بسبب الظلم الذي حاق بهم، لا من جهة قولهم بمقالة «الخوارج».. وقد اختلف في رئيسهم. وقد وصل نسبه بعلي (عليه السلام). وربما يقال بأنهم إسماعيلية. وقد تكون نسبتهم إلى الأزارقة تهدف إلى تهجين أمرهم، وحمل الناس على تصديق ما ينسبونه إليهم من أنهم قد ارتكبوا جرائم بشعة لا يرتكبها إلا الأزارقة من «الخوارج»، فنسبوهم إلى هذه النحلة من أجل ذلك.

«الخوارج» في الشمال الأفريقي:

قال ابن خلدون بالنسبة لـ: «خوارج البربر بإفريقية؛ فإن دعوة الخارجية فشت فيهم، من لدن مسيرة الظفري سنة ثلاث وعشرين وماءة، ثم فشت دعوة الإباضية والصفرية منهم في هوارة، ولماية، ونغزة، وفعيلة، وفي مغراوة، وبني يفرن من زناته، حسبما يذكر في أخبار البربر لبني رستم من «الخوارج» بالمغرب دولة في تاهرت من الغرب الأوسط نذكرها في أخبار البربر أيضاً.

(١) مروج الذهب للمسعودي ج٣ ص١٣٩.

(٢) راجع: إسلام درايران ص٦٧.

٦٣

ثم سار بإفريقية منهم على دولة العبيديين خلفاء القيروان أبو يزيد بن مخلد المغربي. وكانت له معهم حروب وأخبار نذكرها في موضعها.

ثم لم يزل أمرهم في تناقص إلى أن اضمحلت ديانتهم، وافترقت جماعتهم، وبقيت آثار نحلتهم في أعقاب البربر الذين دانوا بها أوّل الأمر، ففي بلاد زناتة بالصحراء منها أثر باق لهذا العهد في قصور ربع وواديه وفي مغراوة من شعوب زناته ويسمعون الراهبية»(١). نسبة إلى عبد الله بن وهب الراهبي أول من بويع منهم أيام علي بن أبي طالب. وهم في قصور هنالك مظهرين لبدعتهم لبعدهم عن مقال أهل السنة والجماعة. وكذلك في جبال طرابلس وزناته أثر باق من تلك النحلة، يدين بها أولئك البربر في مجاورة لهم مثل ذلك(٢).

وقالوا أيضاً: «وقد دخل مذهب الخوارج إلى المغرب في النصف الأول، من القرن الثاني الهجري في صورة الإباضية والصفرية. وانتشر بسرعة بين البربر، حتى أصبح المذهب القومي لهم»(٣).

ويقول هنري ماسيه: «.. وفي أيام آخر الخلفاء الأمويين كان الصفرية منتشرين في جميع بلاد الإسلام، بما في ذلك المغرب؛ حيث آزروا الإباضية في ثورة البربر العامة»(٤).

وقد ثار «الخوارج» في المغرب [تونس وما حولها]، من صفرية وإباضية، وانضم كثير من البربر إلى «الخوارج»، واستولى «الخوارج» على

(١) لعل الصحيح: الواهبية او الوهبية نسبة إلى عبد الله بن وهب الراسبي. كما هو الصحيح والراهبي تصحيف.

(٢) تاريخ ابن خلدون ج٣ ص١٦٩.

(٣) دائرة المعارف الإسلامية ج١ ص١٣.

(٤) الإسلام ص١٨٧.

٦٤

القيروان.. حتى أخرجها [أخرجهم منها] منهم يزيد بن حاتم بن قبيصة، الذي أرسله المنصور العباسي، وقتلهم، بعد معارك دامت نحو خمسة عشر سنة.

وقد قيل: إن مجموع المعارك التي دارت بين «الخوارج» من لدن ظهورهم إلى أن قضي عليهم قد بلغت نحواً من [٣٧٥] معركة(١).

ويقولون أيضاً: «.. وقد تنازع الصفرية والإباضية على القيروان، التي كان يحكمها رجل إباضي، اسمه ابن رستم، وبعد ذلك بقليل استولى الخوارج على أفريقيا الشمالية كلها، ولم يتوصل العباسيون إلى إقرار النظام إلا في عام ٧٧٢ ميلادية»(٢).

كما أن بعض أسر «الخوارج»: «قد حكمت تاهرت لأكثر من [١٣٠] عاماً، حتى أزالهم الفاطميون، فتفرقوا في صحراء تونس، والجزائر، وجربا. ولا يزالون يعيشون في هذه المناطق حتى الآن»(٣).

ويقول ألفرد بل: «.. ومن ناحية أخرى، عاشت دويلات صغيرة بربرية خارجية، بعد هزيمة سنة ١٢٤هـ. وأمكن قيامها في النواحي الأقل تعرضاً لضربات الولاة العرب، مثال ذلك المملكة الصفرية، التي لم تعش إلا قليلاً جداً، والتي أنشأها أحد البربر، وهو أبو قرة في منطقة تلمسان وملوية، أو دولة بني مدرار في تافيلالت التي عاشت أطول منها»(٤).

(١) ضحى الإسلام ج٣ ص٣٣٨/٣٣٩.

(٢) الإسلام ص١٨٨.

(٣) راجع: دائرة المعارف الإسلامية ج١ ص١٣ والإسلام تأليف هنري ماسيه ص١٨٨ ومعجم البلدان ج٢ ص٨ والفرق الإسلامية في الشمال الأفريقي ص١٤٩.

(٤) الفرق الإسلامية في الشمال الأفريقي ص١٤٩.

٦٥

هذا ويلاحظ: أن مسلمي الجزائر: «لا يختلطون بالمسلمين من أهل السنة إلا لضرورات تجارتهم النافعة، وقلّما يصاهرون أهل السنة؛ لأن هذا الزواج مما تبرأ منه الجماعة»(١).

البربر.. و«الخوارج»:

ولعل تمكن «الخوارج» من النفوذ إلى بلاد المغرب، أو بالأحرى إلى الشمال الأفريقي بصورة عامة، هو لأنهم تمكنوا من النفوذ إلى البربر، الذين أعانوهم على السيطرة على القيروان..

ولعل ذلك يرجع إلى أسباب عديدة، أهمها: وجه الشبه الكبير الذي كان قائماً في ذلك الحين بين البربر و«الخوارج» في عقليتهم، وظروف ونمط حياتهم، ووضعهم الثقافي العام..

يقول ياقوت ـ وإن كان في كلامه تحامل شديد، يصل إلى حد الشتم والسباب ـ: «.. البربر أجفى خلق الله، وأكثرهم طيشاً، وأسرعهم إلى الفتنة، وأطوعهم لداعية الضلالة، وأصغاهم لنمق الجهالة.

ولم تخل جبالهم من الفتن وسفك الدماء قط.

ولهم أحوال عجيبة، واصطلاحات غريبة. وقد حسّن لهم الشيطان الغوايات، وزين لهم الضلالات، حتى صارت طبائعهم إلى الباطل مائلة، وغرائزهم في ضد الحق جائلة؛ فكم من ادّعى فيهم النبوة، فقبلوا. وكم زاعم فيهم أنه المهدي الموعود به؛ فأجابوا داعيه، ولمذهبه انتحلوا. وكم ادّعى فيهم من مذاهب «الخوارج»؛ فإلى مذهبهم بعد الإسلام

(١) المصدر السابق ص١٥٠ ودائرة المعارف الإسلامية ج٨ ص٤٧٠.

٦٦

انتقلوا.. ثم سفكوا الدماء المحرمة، واستباحوا الفروج بغير حق، ونهبوا الأموال، واستباحوا الرجال..»(١).

وهذه الصفات ـ عموماً ـ هي بعينها من مميزات «الخوارج»، وخصائصهم، كما سنرى..

إلا أننا نعتقد أن السبب الأهم في فشوّ مذهب «الخوارج» بين البربر، هو سذاجة البربر، وسطحيتهم، ثم الشعارات البراقة، التي كان «الخوارج» يرفعونها، باسم الدين والإسلام، كما أن لظروف البربر أثراً في ذلك أيضاً.. ولأجل ذلك رأينا: أنه بعد ظهور الفاطميين كان البربر وكتامة، الذين تشيعوا ـ كانوا ـ دعامة حكم الفاطميين، ولعل بعض الحملات التي وجهها إليهم ياقوت آنفاً، وغيره سببها هذا الأمر فيهم.

كما أننا نرى البعض يشير هنا: إلى المعاملة السيئة، التي كان البربر يعانون منها، من قبل الحكم الأموي، قد سهّل لدعوة «الخوارج» بشعاراتها البراقة، أن تجد السبيل إلى نفوسهم، بيسر وسهولة(٢).

خارجي يحكم مصر:

ورغم أن «الخوارج» لم يكن لهم ذلك الانتشار الكبير في مصر، إلا أن بعض من ينسب إليهم قد استطاع أن يصل لأعلى المراتب فيها، يقول ابن حزم؛ عن عنبسة بن إسحاق، الذي ولي مصر في زمن المتوكل أربع سنين:

(١) معجم البلدان ج١ ص٣٦٩ وراجع: المهدية في الإسلام ص١٨٥.

(٢) تاريخ الشعوب الإسلامية ص١٥٨/١٥٩.

٦٧

«.. وكان يتهم بمذهب الخوارج، لشدة عدله، وتحريه للحق، وهو آخر من ولي مصر..»(١).

(١) جمهرة أنساب العرب ص٢٠٤.

٦٨
٦٩


الفصل الثاني
القتال من أجل الملك




٧٠
٧١

بداية:

قد قرأنا في الفصل السابق: أن علياً (عليه السلام) قد وصفهم بأن الشيطان قد زين لهم أنهم ظاهرون.. وأنهم كانوا ينطلقون في حروبهم له مما يجدونه في أنفسهم من حقد وضغينة.. وأن الأماني قد غرتهم، وأن أنفسهم الامارة وأمانيهم قد زينت لهم المعاصي.. وأن الهوى قد صدهم عن الحق. وأن النزق قد طمح بهم.. إلى غير ذلك من كلماته (عليه السلام)، التي بينت لنا دوافعهم لخوض تلك الحرب ضد أهل الإيمان والإسلام، وضد الأخوة والآباء والأبناء.. والأصدقاء..

إن إصرارهم على خوض تلك الحرب، وقولهم المتقدم ذكره: يرى علي أنا نخافه؟! رغم إقامة الحجة عليهم، وانقطاع عذرهم، ليدل دلالة واضحة على أن ما يسعون إليه كان بنظرهم أهم من الالتزام بحقائق الدين، وأحكامه وشرائعه..

ولاشك أن الدنيا وحطامها، والحصول على الأموال والغنائم كان أحد أهدافهم من حروبهم التي خاضوها.. ولكنه ليس هو الهدف الوحيد، بل هناك هدف آخر مهم جداً أيضاً، وهو الذي يجلب لهم المال، والسبايا ذوات الجمال.. ألا وهو الوصول إلى الحكم، والإمساك

٧٢

بالسلطان. وسنجد في هذا الفصل شواهد عديدة على ذلك، فإلى ما يلي من مطالب.

الأهداف الباطلة:

وفي عهد أمير المؤمنين (عليه السلام)، فإنه بعد أن قتل بعض فرسان «الخوارج»، نجد عبد الله بن وهب الراسبي يبرز للقتال، ويعلن أنه إنما يفعل ذلك لأجل هدفين اثنين هما:

١ـ أخذ ثار من قتل من أصحابه.

٢ـ إزالة دولة أمير المؤمنين، وصيرورة الأمر إلى أصحابه «الخوارج»، فإنه جعل يرتجز بين الصفين، ويقول:


أنا ابن وهب الراسبي الشاريأضرب في القوم لأخذ الثار
حتى تزول دولة الأشرارويرجع الحق إلى الأخيار(١)

ألاعيبهم في سبيل الحكم:

والخريت بن راشد أيضاً كان يسعى إلى الدنيا، حيث إنه كان يحاول إرضاء كل الفرقاء، ولا يلزم نفسه بشيء.

فقد قال لمن معه من «الخوارج»: «إنا على رأيكم، وإن علياً لم ينبغ له أن يحكّم!!

وقال للآخرين، من أصحابه: حكّم، ورضي، فخلعه حكمه الذي ارتضاه.

وهذا كان الرأي الذي خرج عليه من الكوفة، وإليه كان يذهب.

(١) الفتوح لابن أعثم ج٤ ص١٣٢ ومناقب آل أبي طالب ج٣ ص١٩٠ ونقل أيضاً عن شرح نهج البلاغة للمعتزلي.

٧٣

وقال سراً للعثمانية: أنا والله على رأيكم. قد ـ والله ـ قتل عثمان مظلوماً.

فأرضى كل صنف منهم.

وقال لمن منع الصدقة: شدوا أيديكم على صدقاتكم، وصلوا بها أرحامكم»(١).

مع أنه قد علل خروجه على أمير المؤمنين بما يدل على أنه كان حرورياً خارجياً، حيث قال لأمير المؤمنين (عليه السلام) أول خروجه عليه، وعصيانه له: «.. لأنك حكمت، وضعفت عن الحق، وركنت إلى القوم الذين ظلموا، فأنا عليك زارٍ، وعليهم ناقم، ولكم جميعاً مباين»(٢).

يوليه، فينصرف عن خارجيته:

وقد كاتب عبد الملك بن مروان شبيباً الخارجي ـ في الطاعة، على أن يوليه اليمامة، ويهدر له ما أصاب من الدماء، فاتهموه في هذه المكاتبة(٣).

(١) تاريخ الأمم والملوك ج٤ ص٩٦ والكامل في التاريخ ج٣ ص٣٦٨. وشرح النهج للمعتزلي ج٣ ص١٤٠/١٤١ وتاريخ الدولة العربية ص٨١.

(٢) الكامل في التاريخ ج٣ ص٣٦٤ وتاريخ الأمم والملوك ج٤ ص٨٧ وأنساب الأشراف [بتحقيق المحمودي] ج٢ ص٤١١ والبداية والنهاية ج٧ ص٤١٧ وشرح النهج ج٣ ص١٢٨ وراجع كتاب الغارات ج١ ص٣٣٣.

(٣) العبر وديوان المبتدأ والخبر ج٣ ص١٤٧.

٧٤

وبلغ زياداً عن رجل يدعى أبا الخير، من أهل الباس والنجدة: أنه يرى رأي «الخوارج»؛ فدعاه؛ فولاه جندي سابور، وما يليها. ورزقه أربعة آلاف درهم في كل شهر، وجعل عمالته في كل سنة مئة ألف.

فكان أبو الخير يقول: ما رأيت شيئاً خيراً من لزوم الطاعة، والتقلب بين أظهر الجماعة(١).

ندماء الملوك:

وقد كان زياد بن أبيه يبعث إلى الجماعة منهم، فيقول: ما أحسب الذي يمنعكم من إتياني إلا الرجلة [أي عدم وجود ما يركبونه] فيقولون: أجل.

فيحملهم، ويقول: اغشوني الآن، واسمروا عندي.

وقد مدحه عمر بن عبد العزيز على ذلك، فراجع(٢).

وقد صار سميرة بن الجعد نديماً للحجاج، وغرّته مباهج القصر، فلما عاتبه قطري بن فجاءة على ذلك، حمل سلاحه، ولحق به، دون أن ينذر الحجاج بذلك(٣).

مدائحهم للطواغيت:

وقد مدح الطرماح وهو خارجي الوالي من قبل بني أمية، خالد بن عبد الله القسري(٤).

(١) راجع: الكامل في الأدب ج٣ ص٢٦١/٢٦٢.

(٢) المصدر السابق.

(٣) راجع: الخوارج في العصر الأموي ص٢٦١/٢٦٢ و٢٧٩/٢٨٠ وراجع أيضاً مروج الذهب ج٣ ص١٣٦/١٣٧.

(٤) راجع: الأغاني ج١٠ ص١٥٨.

٧٥

وسيأتي أن ابن الكواء يفد على معاوية، ويأخذ جائزته، ويمدحه، ويبين له أيضاً حالات أهل الأمصار.

صداقات ومحبة:

كما أن المنذر بن الجارود العبدي، الذي كانت ابنته زوجة لعبيد الله بن زياد قد كان من أكرم الناس على ابن زياد، ولكنه حينما أجار عليه ابن مفرغ لم يقبل منه(١).

كما أنه كان قريباً إلى معاوية، ويحضر مجلسه(٢).

بيعتهم لابن زياد:

وحينما ظهر أمر ابن زياد قال الناس لعبد الله بن زياد: «أخرج لنا إخواننا من السجون، وكانت مملوءة من «الخوارج»، قال: لا تفعلوا. فأبوا، فأخرجهم. فجعلوا يبايعونه، فما تكامل آخرهم حتى أغلظوا إليه، ثم عسكروا، وقيل: خرجوا يمسحون الجدر بأيديهم، ويقولون: هذه بيعة ابن مرجانة الخ»(٣).

وفاء حروري للعرش الأموي!!:

وكان عقفان حرورياً خرج في أيام يزيد بن عبد الملك في ثلاثين رجلاً، فأراد أن يرسل إليه جنداً فقيل له إن قتل عقفان بهذه البلاد اتخذها «الخوارج» دار هجرة.

(١) راجع: الأغاني ـ ط ساسي ج١٧ ص٥٦.

(٢) راجع: الأغاني ج١٣ ص٤٨.

(٣) سير أعلام النبلاء ج٣ ص٥٤٦و٥٤٧.

٧٦

فبعث لكل رجل من أصحاب عقفان بعض قومه ليكلمه ويردّه، فلما بقي عقفان وحده بعث إليه يزيد أخاه، فاستعطفه، وردّه.

فلما ولي هشام الخلافة ولاه أمر العصاة بعد أن أراد أن يوليه إمرة مصر.

ولما ولي عقفان أمر العصاة، وعظم أمره قدم ابنه من خراسان عاصياً، فشده وثاقاً، وبعث به إلى الخليفة هشام، فأطلقه هشام لأبيه، وقال: لو خاننا عقفان لكتم أمر ابنه عنا، فاستعمله على الصدقة فبقي عقفان على الصدقة، إلى أن مات هشام، وولي الخلافة مروان الجعدي الحمار(١).

الوصول إلى الحكم هدفهم:

ومما يدل على أن «الخوارج» كانوا طامعين في الوصول إلى الحكم: أن زعيمهم وخليفتهم الأول، عبد الله بن وهب الراسبي، قد قال لرسول علي (عليه السلام):

نقاتلكم كي تلزموا الحق وحده ونضربكم حتى يكون لنا الحكم وفي رسالة «الخوارج» لعلي (عليه السلام) نجدهم يطلبون منه أن يبايع لابن وهب الراسبي(٢). فلو أنه بايع له، انحلت عقدتهم تجاهه.

وقد صرح أمير المؤمنين (عليه الصلاة والسلام) بأنهم غرتهم الأماني، وزينت لهم المعاصي، ونبأتهم بأنهم ظاهرون(٣).

(١) النجوم الزاهرة ج١ ص٢٥١ وفي هامشه عن الكامل في التاريخ.

(٢) العقود الفضية ص٤٩.

(٣) ذكرنا مصادر هذا النص حين الكلام حول وصف علي (عليه السلام) لهم.

٧٧

الهرب في الحروب، والتفرق، والبغضاء:

وإن هروبهم في الحروب، ثم اختلافاتهم، وما كان ينشأ فيما بينهم من احقاد ليدل دلالة واضحة: على حبهم للدنيا، وطلبهم لها.

وقد قال زيد بن جندب في الاختلاف الذي وقع بين الأزارقة:


قل للمحلين قد قرت عيونكمبفرقة القوم والبغضاء والهرب
كنا أناساً على دين ففرقناطول الجدال وخلط الجد باللعب
ما كان اغنى رجالاً ضل سعيهمعن الجدال وأغناهم عن الخطب
إني لأهونكم في الأرض مضطرباًما لي سوى فرسي والرمح من نشب(١)

يقتلون إخوانهم للخلاص من السجن!!:

والأدهى من ذلك كله: أننا نجدهم مستعدين لأن يقتل بعضهم بعضاً اختياراً وقد فعلوا ذلك من دون أي مبرر، في مقابل أن يطلق ابن زياد سراحهم من السجن، وكان منهم طواف بن غلاق.

وقد تبادلت «الخوارج» بعد ذلك اللوم. وندم طواف بن غلاق وأصحابه على فعلتهم بإخوانهم، وأخذوا يبكون على ما فعلوه بأصحابهم. ثم عرضوا الدية والقود على أولياء المقتولين، فأبوا(٢).

(١) البيان والتبيين ج١ ص٤٢ وشرح النهج للمعتزلي ج٤ ص٢٠٥.

(٢) راجع: الكامل في التاريخ ج٣ ص٥١٦/٥١٧ والعبر وديوان المبتدأ والخبر، ص١٤٤ وراجع العقود الفضية ص١٠٨/١٠٩ لكن فيه: أن ابن زياد إنما سجن الأحرار والموالي وفتن بعضهم بعضاً وقتل الأحرار الموالي.

٧٨

الغدر والخيانة وتطبيق الأحكام انتقائياً:

ويستظهر البعض أن شبيباً الخارجي قد قتل على يد «الخوارج» أنفسهم، حيث إنهم حينما هزموا وكان شبيب يعبر الجسر، قطع بعض أنصاره الحبال(١)؛ فغرق شبيب بسبب ذلك.

ويقول البعض: إن هذه الرواية أقرب إلى التصديق من رواية نزو فرسه على فرسٍ أنثى كانت امامه، فنفرت منه، فوقع. ثم هو يقول: «وكان بين الجماعة التي يقودها نفر لم يكونوا له مخلصين تمام الإخلاص. وهو أمر من السهل جداً أن يوجد في قوم لا لواء لهم يعترفون به غير الله تعالى، أخذ هؤلاء عليه: أنه كان يستثني قومه أن يطبق عليهم ما يأمر به دين الخوارج»(٢).

القعود عن الحرب، والفرار:

إنهم كانوا يدّعون: أن الفرار من الحرب ذنب يوجب الخروج من الدين. وكذلك القعود عن جهاد العدو.

وقد كان هروبهم هذا هو السمة المميزة لهم في كثير من حروبهم. وقد أشار زيد بن جندب إلى هذا الأمر في شعره المتقدم..

ثم إن الكثيرين منهم قد ركنوا إلى الدنيا، فلا يعملون بما يدعون: أنه دينهم وعقيدتهم، بل لقد أظهروا في أكثر من موقع، وأكثر من مناسبة: أنهم طلاب بقاء، لا طلاب موت وفناء.

(١) الطبري ـ ط ليدن ج٢ ص٩٧٥ فما بعدها.

(٢) الخوارج والشيعة ص٩٨.

٧٩

فهذا أبو خالد التناني يتخلف عن الخروج للحرب، خوفاً على بناته، لأنهن ضعاف، ويخشى عليهن الفقر والعري بعده(١).

فهو إذن لا يرى أن الله هو الكافي له ولهن.

وقد سجل لنا التاريخ فرارهم من الحرب في العديد من المواطن، التي يطول المقام بذكرها(٢).

ويحمس البهلول الشيباني الخائفين من الموت، المتخاذلين بقوله:


فلا التقدم في الهيجاء يعجلنيولا الحذار ينجيني من الأجل

وكان عمران بن حطان ـ مادح عبد الرحمن بن ملجم لقتله علياً ـ من قعدة الصفرية. وكان يهرب من مكان إلى آخر، تخفياً من عيون الحجاج(٣).

وقد التجأ إلى بيت روح بن زنباغ، الذي كان سمير عبد الملك بن مروان، مدعياً أنه من الأزد، وكاد أن يقع في يد عبد الملك، فغادر منزل ابن زنباغ، وخلف رقعة في كوة عند فراشه، فيها ابيات من جملتها:


يوماً يمان إذا لاقيت ذا يمنٍوإن لقيت معدياً فعدناني
لو كنت مستغفراً يوماً لطاغيةكنت المقدم في سري وإعلاني(٤)

(١) الكامل في الأدب ج٣ ص١٦٧ وراجع: الخوارج في العصر الأموي ص٢٧٦ و٢٦١.

(٢) الأغاني ـ ط ساسي ج٢٠ ص١٠٩و١١٣ والبرصان والعرجان ص١٧٦ والعقد الفريد ج١ ص٢٢٠و٢٢١ وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج٥ ص١٠١ و١٢١ وج٤ ص٢٧١ و١٦٦ والخوارج والشيعة ص٩٦ و١٠١ والعقود الفضية ص٢٢٠.

(٣) خزانة الأدب ج٢ ص٤٣٨ والأغاني ـ ط ساسي ج١٦ ص١٥٢و١٥٤.

(٤) الأغاني ـ ط ساسي ج١٦ ص١٥٣. وراجع: سير أعلام النبلاء ج٤ ص٢١٤و٢١٥ والكامل في الأدب ج٣ ص١٧٠ وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج٥ ص٩٢ـ٩٤.

٨٠