×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

فاسألوا أهل الذكر (تحقيق مركز الأبحاث العقائدية) / الصفحات: ٢١ - ٤٠

<=

العلماء: سمّيا ثقلين لعظمهما وكبير شأنهما، وقيل: لثقل العمل بهما".

وقال الحافظ الزرندي المدني: "سمّاهما ثقلين; لأنّ الأخذ بهما والعمل بهما والمحافظة على رعايتهما ثقيل" نظم درر السمطين: ٢٣١.

وقال ابن الأثير: ".. إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي. سمّاهما ثقلين; لأنّ الأخذ بهما والعمل بهما ثقيل، ويقال لكلّ شيء خطير نفيس: ثقل، فسمّاهما ثقلين اعظاماً لقدرهما وتفخيماً لشأنهما" النهاية في غريب الحديث ١: ٢١١ مادة (ثقل).

وقال ابن حجر المكّي في الصواعق: "وقد جاءت الوصية الصريحة بهم في عدّة أحاديث، منها حديث: إنّي تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي: الثقلين، أحدهما أعظم من الآخر: كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ولن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما، قال الترمذي: حسن غريب.. ولم يصب ابن الجوزي في إيراده في العلل المتناهية، كيف! وفي صحيح مسلم، وغيره..." الصواعق المحرقة: ٩٠.

وقال القرطبي: "قوله: وأنا تارك فيكم ثقلين يعني كتاب الله وأهل بيته، قال ثعلب: سمّاهما ثقلين لأنّ الأخذ بهما والعمل بهما ثقيل، والعرب تقول لكلّ شيء خطير نفيس: ثقل" المفهم ٦: ٣٠٣.

فإذاً، علماء السنّة قبل غيرهم فهموا من حديث مسلم وغيره أنّه آمر بالتمسّك بالكتاب والعترة; للروايات الأُخرى، ولأنّه سمّاهما ثقلين، وليست المسألة مقتصرة على التذكير بأهل البيت فقط.

وثانياً: لو سلّمنا أنّ رواية مسلم ذكّرت بأهل البيت (عليهم السلام) فقط ولم تأمر بالتمسّك بهم، ولكن بقية الروايات الواردة في غير صحيح مسلم تصرّح بلزوم التمسّك بأهل البيت وأنّهم عدل القرآن، وهي صحيحة وثابتة، فقد صحّحها كثير من أئمة الحديث كأحمد بن حنبل والهيثمي والحاكم والذهبي وابن كثير والترمذي

=>

٢١

<=

والطحاوي والسيوطي والمناوي والألباني وغيرهم، وعليه فلا يوجد تضارب بين الرواية الواردة في صحيح مسلم وبين بقية الروايات الصحيحة الآمرة بالتمسّك بأهل البيت (عليهم السلام) ; لأنّ رواية مسلم تذكّرنا بأهل البيت ولزوم محبتهم، والرويات الأُخرى أمرتنا مضافاً على ذلك لزوم إتباع أهل البيت (عليهم السلام) والأخذ عنهم، وهذا كما لو قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لشخص: أُحبّ علياً، ثمّ قال له: اتبع علياً، فهنا أيضاً لا تنافي بين القولين; لأنّ الأمر الثاني مشتمل على الأمر الأول وزيادة، فالرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أمرنا بحبّ أهل البيت، وأمرنا باتباع أهل البيت (عليهم السلام)، وعليه فيكون الأمر الثاني شاملاً للأمر الأوّل وزيادة، ويجب العمل به عند العلماء، وهذا يعرفه أصاغر الطلبة فضلاً عن العلماء.

وإن احتجّ أحدٌ بأننا نتمسّك برواية مسلم ونطرح بقية الروايات الواردة في غير صحيح مسلم.

قلنا: هذا خطأ كبير وطعن في بقية الروايات والمصادر المخرجة لها، وهذا من الجهل الفظيع، قال الشيخ الألباني في صحيحته ١: ٨٥١ ح٤٧٤ ردّاً على سعيد الأفغاني في تضعيفه لحديث "أيتكن تنبح عليها كلاب الحوأب" قال: "يظنّ الأستاذ الصديق أنّ إهمال أصحاب الصحاح لحديث ما إنّما هو لعلّة فيه، وهذا خطأ بيّن عند كلّ من قرأ شيئاً من علم المصطلح وتراجم أصحاب الصحاح، فإنّهم لم يتعمّدوا جمع كلّ ما صحّ عندهم في صحاحهم، والإمام مسلم منهم قد صرّح بذلك في صحيحه كتاب الصلاة، وما أكثر الأحاديث التي ينصّ الإمام البخاري على صحتها أو حسنها ممّا يذكره الترمذي عنه في سننه، وهو لم يخرجها في صحيحه".

فإذاً، عدم ذكر مسلم للحديث بلفظ التمسّك بهما لا يعني عدم صحته، كما أوضح الشيخ الألباني ذلك.

وثالثاً: هناك قاعدة معروفة في علم الحديث لا تخفى على طالب علم ابتدأ

=>

٢٢

وإذا كان هذا الحديث صحيحاً عند الطرفين، بل عند كلّ المسلمين على اختلاف مذاهبهم، فما بال قسم من المسلمين لايعمل به؟ ولو عمل المسلمون كافة بهذا الحديث لنشأت بينهم وحدة إسلامية قوية لا تزعزعها الرّياح، ولا تهدّها العواصف، ولا يبطلها الإعلام، ولا يفشلها أعداء الإسلام.

وحسب اعتقادي أنّ هذا هو الحلّ الوحيد لخلاص المسلمين ونجاتهم، وما سواه باطل وزخرف من القول، والمتتّبع للقرآن والسنّة النبوية، والمطّلع على التاريخ والمتدبر فيه بعقله يوافقني بلا شكّ على هذا.

أمّا إذا فشل الاتجاه الأوّل، وهو فاشل من أوّل يوم فارق فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الحياة، حيث اختلف الصحابة وتسبب ذلك في انقسام الأُمة وتمزيقها، وحيث فشلت الأُمة عبر قرون في الرجوع إلى الاتجاه الثاني، وهو الاعتصام بالكتاب والعترة، لما بثّته وسائل الإعلام قديماً في العهدين الأموي والعباسي، وحديثاً في عصرنا الحاضر من تشويه وتضليل وتكفير لأتباع أهل البيت النبوي، فلم يبق أمامنا حينئذ إلاّ المواجهة بصراحة،

<=

الدراسة في الأزهر أو غيرها، وهي أنّ زيادة الثقة حجّة ويؤخذ بها، والرواية التي في مسلم أمرتنا بالتمسّك بالكتاب فقط ـ على فرض تسليم ذلك ـ، وذكرنا بأهل البيت، ولكن الروايات الأُخرى التي رواها الثقات ـ وهي كثيرة جدّاً وصحيحة - ذكرت لزوم التمسّك بأهل البيت (عليهم السلام) مع الكتاب، وهذه زيادة من ثقات فيجب الأخذ بها، وبالتالي ينتج لزوم التمسّك بأهل البيت (عليهم السلام) إلى جنب القرآن الكريم.

ومن هذا يتضح أنّ ما ذكره صاحب كتاب كشف الجاني في ص١٢٧ ما هو إلاّ ترّهات فكرية مخالفة لأبسط قاعدة حديثية يعرفها صبية الأزهر الشريف فضلا عن علمائه الأجلاء، وما حاوله في كتابه ناشئٌ من الجهل بما ذكرناه.

٢٣

وإظهار الحقّ لكلّ من يرغب فيه، متوخّين في ذلك أُسلوب القرآن الكريم; إذ يتحدّى فيقول: {... قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ}(١).

والبرهان والحجّة لا يُفرضان بالقوّة ولا بالأموال، ولا يطرحان بوسائل الترغيب والترهيب عند الأحرار الذين باعوا أنفسهم لله وحده، ولم ولن يرضوا بديلا للحقّ، ولو كلّفهم ذلك إزهاق النّفوس.

فيا ليت علماء الأُمّة اليوم يعقدون مؤتمراً ليبحثوا فيه هذه المسائل بقلوب متفتّحة، وعقول واعية، ونفوس صافية، ويخدمون بذلك الأُمّة الإسلامية، ويعملون على لَمِّ شتاتها، وتضميد جراحاتها، وتوحيد صفوفها، وجمع كلمتها.

إنّ هذه الوحدة قادمة لا محالة أحبّوا أمْ كرهوا; لأنّ الله سبحانه رصد لها إمَاماً من ذريّة المصطفى سيملؤها قسطاً وعدلا كما ملئتْ ظلماً وجوراً، وهذا الإمام هو من العترة الطاهرة، وكأنّ الله سبحانه جلّت حكمته يمتحنُ هذه الأُمّة طيلة حياتها، حتى إذا قرب أجلُها كشف لها عن خطأ اختيارها، وأعطاها فرصة للرجوع إلى الحقِّ، واتباع النهج الأصيل الذي دعا إليه محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)، الذي كان يقول: "اللهمّ أهدِ قومي فإنّهم لا يعلمون"(٢).

وإلى أن يحين ذلك الوقت أقدّم كتابي هذا "فاسألوا أهل الذكر"، وهو جملة من الأسئلة مع الإجابة عليها من خلال مواقف وتعاليم أئمّة أهل البيت سلام الله عليهم، عسى أن يستفيد منها المسلمون في كلّ البلاد

١- البقرة: ١١١.

٢- الشفا للقاضي عياض ١: ١٠٥، الدر المنثور ٢: ٢٩٨، تفسير ابن كثير ٣: ٥٧٥.

٢٤
٢٥

بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وآله الطاهرين
رسالة مفتوحة إلى السيّد أبو الحسن الندوي العالم الهندي


السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته وبعد:

أنا محمّد التيجاني السماوي التونسي الذي منّ الله عليه بالهداية والتوفيق، فاعتنق مذهب أهل البيت النبوي بعد بحث طويل، وبعدما كنتُ مالكياً ومن أتباع الطريقة الصوفية المشهورة في شمال إفريقيا وهي التيجانية، وعرفتُ الحـقّ من خـلال رحلة موفّقة إلى علماء الشـيعة، وكتبتُ في ذلك كتاباً أسميته " ثمّ اهتديت "، تمَّ طبعه عنـدكم في الهند من طرف المجمع العلمي الإسلامي بعدّة لغات، وبالمناسبة دُعيتُ لزيارة الهند.

سيّدي العزيز، قدمتُ إلى الهند في زيارة قصيرة، وكان أملي أن ألتقي بحضرتكم لما أسمعه عنكم، ولما أعلمه بأنّكم المشار إليه بين أهل السنّة والجماعة عندكم، ولكن عاقني عن ذلك بعد المسافة وضيق الوقت، واكتفيتُ بزيارة مدينة بومباي، وبونة، وجبل بور، وبعض المدن الأُخرى في كوجراتي، وتألّمت كثيراً لما شاهدته في الهند من عداوة وبغضاء بين أهل السنّة والجماعة وإخوانهم المسلمين من الشيعة.

وقد كنتُ أسمع بأنهم يتحاربون ويتقاتلون أحياناً، وتُسفك دماء بريئة

٢٦

من الطرفين باسم الإسلام.

ولم أكن أُصدّق، معتقداً بأنّه مبالغة في التشويه، ولكنّ ما شاهدته وما سمعته من خلال زيارتي يبعث حقّاً على الحيرة والاستغراب، وأيقنتُ بأنّ هناك نوايا خسيسة ومؤامرات خطيرة تُحاك ضدّ الإسلام والمسلمين للقضاء عليهم جميعاً سنّة وشيعة.

وممّا زاد يقيني وضـوحاً وعلمي رسوخاً تلك المقابلة التي دارت بيني وبين مجموعة من علماء أهل السنّة، يتقدّمهم الشيخ عزيز الرحمن مفتي الجماعة الإسلامية، وكان اللقاء في مسجدهم ببومباي وبدعوة منهم.

وما أن حللتُ بينهم حتّى بدأ الأزدراء والتهكّم والسبُّ واللّعنُ لشيعة آل البيت، وقد أرادوا بذلك استفزازي وإثارتي لعلمهم مسبقاً بأنّي قد ألّفتُ كتاباً يدعو للتّمسك بمذهب أهل البيت سلام الله عليهم.

ولكنّي فهمتُ قصدهم، وتمالكتُ أعصابي، وابتسمتُ لهم قائلا: أنا ضيف عندكم وأنتم الذين دعوتموني فجئتكم مُسرعاً مُلبياً، فهل دعوتموني لتسبّوني وتشتموني؟ وهل هذه هي الأخلاق التي علّمكم إيّاها الإسلام؟ فأجابوني بكلّ صلافة بأنّي لم أكن يوماً في حياتي مسلماً; لأنني شيعي، والشيعة ليسوا من الإسلام في شيء، وأقسموا على ذلك.

قلتُ: اتّقوا الله يا إخوتي، فربّنا واحد، ونبيّنا واحد، وكتابنا واحد، وقبلتنا واحدة، والشيعة يوحّدون الله، ويعملون بالإسلام اقتداءً بالنبي وأهل بيته، وهم يقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة ويحجّون بيت الله الحرام، فكيف يجوز لكم تكفيرهم؟!

أجابوني: أنتم لا تؤمنون بالقرآن، أنتم منافقون تعملون بالتقية، وإمامكم

٢٧

قال: "التقية ديني ودين آبائي"، وأنتم فرقة يهودية أسّسها عبد الله بن سبأ اليهودي.

قلتُ لهم مبتسماً: دعونا من الشيعة، وتكلّموا معي أنا شخصياً، فقد كنتُ مالكياً مثلكم، واقتنعتُ بعد بحث طويل بأنّ أهل البيت هم أحقّ وأولى بالاتّباع، فهل عندكم حجّة تجادلوني بها، أو تسألوني ما هو دليلي وحجّتي عسى أن نفهم بعضنا بعضاً؟

قالوا: أهل البيت هم نساء النبي وأنت لا تعرف من القرآن شيئاً.

قلت: فإنّ صحيح البخاري وصحيح مسلم يُفيدان غير ما ذكرتم!

قالوا: كلّ ما في البخاري ومسلم وكتب السنّة الأُخرى من حجج تحتجّون بها هي من وضع الشيعة دسّوها في كتبنا.

أجبتهم ضاحكاً: إذا كان الشيعة وصلوا للدّس في كتبكم وفي صحاحكم فلا عبرة ولا قيمة لها، ولا لمذهبكم القائم عليها!! فسكتوا وأفحموا، ولكنّ أحدهم عَمَدَ إلى التهريج والإثارة من جديد فقال: من لا يؤمن بخلافة الخلفاء الراشدين: سيّدنا أبي بكر، وسيّدنا عمر، وسيّدنا عثمان، وسيّدنا علي، وسيّدنا معاوية، وسيّدنا يزيد رضي الله عنه وأرضاه، فليس بمسلم!

ودهشت لهذا الكلام الذي ما سمعتُ مثله في حياتي، وهو تكفير من لا يعتقد بخلافة معاوية وابنه يزيد، وقلتُ في نفسي: معقول أن يترضّى المسلمون على أبي بكر وعمر وعثمان فهذا أمرٌ طبيعي، أمّا على يزيد فلم أسمع ذلك إلاّ في الهند. والتفتُّ إليهم جميعاً أسألهم: أتوافقون هذا على رأيه! فأجابوا كلّهم: نعم.

وعند ذلك عرفتُ بأن لا فائدة في مواصلة الكلام، وفهمتُ بأنّهم إنّما

٢٨

يريدون إثارتي حتّى ينتقموا منّي، وربّما يقتلوني بدعوى سبّ الصحابة فمن يدري؟

ورأيتُ في أعينهم شرّاً، وطلبتُ من مرافقي الذي جاء بي إليهم أن يُخرجني فوراً، فأخرجني وهو يتحسّر ويعتذر إلىَّ على ما وقع.

وهذا الشخص البريء الذي كان يرمي من وراء هذا اللقاء أن يتعرّف على الحقيقة هو الشاب المهذّب شرف الدين، صاحب المكتبة والمطبعة الإسلامية في بومباي، فهو شاهد على كلّ ما دار بيننا من هذه المحاورة المذكورة، ولم يُخفِ استياءه من هؤلاء الذين كان يعتقد بأنّهم من أكبر العلماء.

وغادرتهم وأنا ساخط متأسّف على ما وصلت إليه حالة المسلمين، وخصوصاً الذين يتزعّمون مراكز الصدارة ويتسمّون بالعلماء، وقلتُ في نفسي: إذا كان العلماء بهذه الدرجة من التعصّب الأعمى، فكيف يكون عامة النّاس وجهّالهم؟!

وعرفتُ عندئذ كيف كانت تقوم المعارك والحروب التي تسفك فيها الدماء المحرّمة، وتُهتك فيها الأعراض والحُرمات باسم الدفاع عن الإسلام، وبكيتُ على مصير هذه الأُمة التّعيسة المنكوبة التي حمّلها الله سبحانه مسؤولية الهداية، وحمّلها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أيضاً مسؤولية إيصال النور إلى القلوب المظلمة، فإذا بها تصبح بحاجة إلى بصيص من النّور.

وفي وقت يكون فيه في الهند وحدها سبعمائة مليون نسمة يعبدون غير الله تعالى، ويقدّسون البقر والأصنام والأوثان، وبدلا من أن تتوحّد جهود المسلمين لهدايتهم وإرشادهم وإخراجهم من الظلمات إلى النور حتى

٢٩

يُسلموا لربّ العالمين، نرى أنّ المسلمين اليوم وخصوصاً في الهند هم بحاجة إلى الهداية والتصحيح.

لهذا سيّدي أرفع كتابي إليكم داعياً إيّاكم باسم الله الرحمن الرحيم، وباسم رسوله الكريم، وباسم الإسلام العظيم، ولقوله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا}(١)أدعوكم أن تقفوا وقفة المسلم الشجاع الذي لا يخشى في الله لومة لائم، ولا تأخذه العصبية ولا الطائفية إلى حيث يحبّ الشيطان وأولياءه.

أدعوكم لوقفة مخلصة وصريحة، فأنتم من الذين حمّلهم الله المسؤولية مادمتم تتكلّمون باسم الإسلام في تلك الربوع، فلا يرضى الله منكم أن تقفوا وقفة المتفرّج الراضي بما يقعُ هنا وهناك من مآس، يدفع ثمنها الأبرياء من المسلمين سنّة وشيعة، والله سائلكم يوم القيامة عن كلّ صغيرة وكبيرة، ومحاسبكم عن كلّ شاردة وواردة; لأنّه لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون.


فعلى قدر أهل العزم تأتي العزائموتأتي على قدر الكرام المكارم

ومادمتم تتزعّمون علماء الهند، فمسؤوليتكم عظمى لا شكّ فيها، وكلمة منكم قد يكون فيها صلاح الأُمّة في الهند، كما قد يكون فيها هلاك الحرث والنسل، فاتقوا الله يا أُولي الألباب!

وبما أنّ الله سبحانه أعطى للعلماء المرتبة الأُولى بعد الملائكة، فقال عزّ

١- آل عمران: ١٠٣.

٣٠

من قائل: {شَهِدَ اللّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلا هُوَ وَالمَلائِكَةُ وَاُوْلُوا العِلْمِ قَائِماً بِالقِسْطِ}(١).

وإذا كان سبحانه يأمرنا جميعاً بقوله: {وَأقِيمُوا الوَزْنَ بِالقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا المِيزَانَ}(٢).

وإذا كان المفسّرون يذهبون إلى ضرورة إقامة العدل في الموازين المادّية ذات القيمة المحدودة، فما بالكم بإقامة العدل في القضايا العقائدية التي تتأرجح بين الحقّ والباطل، وتتوقّف عليها هداية البشرية، ونجاة الإنسانية بأسرها؟!

قال الله تعالى: {وَإذَا حَكَمْتُمْ بَـيْنَ النَّاسِ أنْ تَحْكُمُوا بِالعَدْلِ}(٣).

وقال أيضاً: {يَا دَاوُدُ إنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأرْضِ فَاحْكُمْ بَـيْنَ النَّاسِ بِالحَقِّ وَلا تَـتَّبِـعِ الهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللّهِ}(٤).

وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "قل الحقّ ولو على نفسك"(٥)، "قل الحقّ ولو كان مُرّاً"(٦).

سيّدي العزيز، إلى كتاب الله أدعوكم، وإلى سنّة رسوله أدعوكم، فقولوها صريحة مُدوّية ولو كانت مرّة تكون لكم شهادة عند الله، بربّك هل الشيعة عندكم غير مسلمين؟

١- آل عمران: ١٨.

٢- الرحمن: ٩.

٣- النساء: ٥٨.

٤- ص: ٢٦.

٥- البحار ٧٤: ١٧١.

٦- صحيح ابن حبان ٢: ٧٩، الجامع الصغير للسيوطي ١: ٤٢٨ ح٢٧٩٣.

٣١

هل تعتقدون حقّاً أنّهم كفّار؟ هل أتباع أهل البيت النّبوي الذين يوحّدون الله، ويعظّمونه أكثر من كلّ الفرق ـ لقولهم بتنزيهه عن المشابهة والمشاكلة والتجسيم ـ ويؤمنون برسوله محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)، ويعظّمونه أكثر من كلّ الفرق ـ لقولهم بعصمته المطلقة حتى قبل البعثة ـ هل هؤلاء تحكمون بكفرهم؟

هل الذين يتولّون الله ورسوله والذين آمنوا، ويهوون هوى عترة النّبي ويوالونهم، كما عرّفهم ابن منظور في "لسان العرب" في مادة "شيعة"، فهل تقولون أنتم بأنّهم غير مسلمين؟

هل هؤلاء الشيعة الذين يُقيمون الصلاة كأفضل قيام، ويؤتون الزكاة، ويزيدون عليها خمس أموالهم طاعة لله ولرسوله، ويصومون رمضان وغيره من الأيام، ويحجّون البيت، ويعظّمون شعائر الله، ويحترمون أولياء الله، ويتبرؤون من أعداء الله وأعداء الإسلام، هل هؤلاء عندكم مشركون؟

هل الذين يقولون بإمامة اثني عشر إماماً من أهـل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، وقد نصّ عليهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، كما أخرج ذلك البخاري ومسلم وغيرهما من صحاح أهل السنّة(١)، هل هؤلاء عندكم مارقين عن الإسلام؟

هل كان المسلمون يوماً يجهلون الإمامة ولا يقرّون بها، سواء كان ذلك في حياة الرسول أو بعد وفاته، حتى نلصق نظرية الإمامة ومبادئها بالفرس والمجوس؟

١- يقصد حديث "الخلفاء الاثني عشر" الوارد في صحيح البخاري ٨: ١٢٧، كتاب الأحكام باب ٥٢، صحيح مسلم ٦: ٣ كتاب الامارة باب الناس تبع لقريش والخلافة في قريش.

٣٢

وهل تقولون فعلا بكفر من لايعترف بإمامة يزيد بن معاوية الذي عرف فسقه الخاصّ والعامّ من المسلمين، ويكفي يزيد خسّة وسقوطاً ما أجمع عليه المسلمون من إباحته المدينة المنوّرة لجيشه وجنده يفعلون فيها ما يشاؤون لأخذ البيعة له بالقهر على أنّهم له عبيد، فقتلوا عشرة آلاف من خيرة الصحابة والتابعين، وهتكوا فيها أعراض المحصنات من النساء والفتيات المسلمات حتّى ولدن من سفاح ما لا يُحصي عدده إلاّ الله.

ويكفيه عاراً وشناراً وخزياً مدى الدهر قتله سيّد شباب أهل الجنّة، وسبيه بنات الرسول، وضربه ثنايا الحسين بقضيبه، وتمثله بالأبيات المعروفة:

"ليت أشياخي ببدر شهدوا" إلى قوله: "لعبت هاشم بالملك فلا خبرٌ جاء ولا وحي نزل".

وهو صريح بأنّه لا يؤمن بنبوّة محمّد ولا بالقرآن الكريم، فهل حقّاً توافقون على تكفير من تبرّأ من يزيد وأبيه معاوية الذي كان يلعن عليّاً ويأمر بلعنه، بل ويقتلُ كلّ من امتنع عن ذلك من خيرة الصحابة كما فعل مع حجر بن عدي الكندي وأصحابه، وسنّها سنّة متبعة دامت سبعون عاماً، وهو يعلم قول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): "من سبّ علياً فقد سبّني ومن سبّني فقد سبّ الله"(١). كما أخرج ذلك صحاح أهل السنّة.

١- المستدرك للحاكم ٣: ١٢١ ووافقه الذهبي في تلخيص المستدرك، الجامعالصغير للسيوطي ٢: ٦٠٨ ح٨٧٣٦، تاريخ دمشق ٤٢: ٥٣٣، وفي مسند أحمد ٦: ٣٢٣ صدر الحديث فقط، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٩: ١٣٠: "رواه

=>

٣٣

إضافة إلى ما قام به من أعمال تتنافى مع الإسلام، وقتله الأبرياء والصلحاء من أجل أخذ البيعة لابنه يزيد بالقهر والقوّة، وقتله الحسن بن علي عن طريق جعدة بنت الأشعث، إلى جرائم أُخرى كثيرة يذكرها له التاريخ عند أهل السنّة، كما يشهد له بها شيعة علي.

فما أظنّكم سيّدي توافقون على كلّ ذلك، وإلاّ فعلى الإسلام السّلام، وعلى الدنيا العفا، وعندها لا يبقى بعد ذلك مقاييس ولا عقل، ولا شرع، ولا منطق، ولا دليل، والله سبحانه وتعالى يقول: {يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّـقُوا اللّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ}(١).

ولقد صدق والله عالم الباكستان المغفور له أبو الأعلى المودودي (رحمه الله)

<=

أحمد ورجاله رجال الصحيح غير أبي عبد الله الجدلي وهو ثقة".

وقال الشيخ الألباني في صحيحته المجلد السابع القسم الثاني: ٩٩٦ ح٣٣٣٢:

" (كان يحب علياً) أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط ٦: ٣٨٩/٥٨٢٨، والمعجم الصغير ١١٩ هندية: حدّثنا محمّد بن الحسن أبو حصين القاضي، قال: حدّثنا عون بن سلام، قال: حدثنا عيسى بن عبد الرحمن السلمي عن السدي عن أبي عبد الله الجدلي قال: قالت لي أُم سلمة: أيُسب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بينكم على المنابر؟!

قلت: سبحان الله، وأنى يسبّ رسول الله؟!

قالت: أليس يسب علي بن أبي طالب ومن يحبّهُ; وأشهد أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يحبّه":

وقال الطبراني: لم يروه عن السدي إلاّ عيسى.

قلت: ومن طريقه أخرج أبو يعلى في مسنده ١٢: ٤٤٤/٤٤٥، والطبراني أيضاً في المعجم الكبير ٢٣: ٣٢٣/٧٣٨ من طرق أُخرى عن عيسى به.

قلت: وهذا إسناد جيّد رجاله كلّهم ثقات.." انتهى كلام الألباني.

١- التوبة: ١١٩.

٣٤

عندما ذكر في كتابه المسمّى بـ "الخلافة والملك" في صفحة ١٠٦ نقلا عن الحسن البصري قوله:

أربع خصال كنّ في معاوية لو لم تكن له إلاّ واحدة لكانت موبقة له:

١ ـ أخذه الأمر من غير مشورة المسلمين، وفيهم بقايا الصحابة ونور الفضيلة.

٢ ـ استخلافه بعده ابنه السكير الخمير الذي يلبس الحرير ويضرب الطنابير.

٣ ـ إدّعاؤه زياداً، وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "الولد للفراش وللعاهر الحجر".

٤ ـ قتله حجراً وأصحاب حجر، فيا ويلا له من حجر وأصحاب حجر (أعادها ثلاثاً)(١).

فرحم الله أبا الأعلى المودودي الذي صدع بالحقّ ولو شاء لزاد فوق هذه الخصال الأربع أربعين، ولكنّه رحمه الله رأى أنّ في ذلك كفاية لتكون موبقة لمعاوية، والمعروف أنّ كلمة موبقة معناه (توبق في النار).

ولعلّ المودودي كان يراعي عواطف النّاس الذين تعلّموا من أسلافهم تقديس معاوية واحترامه والترضّي عليه، بل وحتّى على ابنه يزيد أيضاً كما سمعت ذلك بنفسي من علمائكم في الهند، فلا حول ولا قوّة إلاّ بالله العلي العظيم.

١- وانظر: شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٢: ٢٦٣ عن الموفقيات للزبير بن بكار، تاريخ الطبري ٤: ٢٠٨.

٣٥

ولكلّ ذلك راعيتُ أنا أيضاً عواطف أُولئك الذين دعوني ليستفزّوني، فلم أذكر لهم شيئاً من ذلك خوفاً على نفسي.

فأنا أهيب بكـم سيّدي أن تقفوا وقفة صـريحة تبغون بها وجه الله تعالى، فإنّ الله لا يسـتحيي من الحـقّ، ولا أطلب منكم الاعتراف بمساوئ هؤلاء ولا بنشر فضائحهم، فالتاريخ كفانا وإياكم مؤونة ذلك، ولكن المطلوب منكم أن تعترفوا وتُعلّموا أتباعكم بأنّ الذين لا يعترفون بإمامة هؤلاء ولا يوالونهم، هم مسلمون حقيقيون جديرون بالاحترام وليس في ذلك شكّ، أن تقولوا بأنّ الشيعة مظلومون على مرّ التاريخ; لأنّهم لم يتّبعوا ولم يعترفوا بإمامة الشجرة الملعونة التي ضربها الله مثلا في القرآن.

فما هو ذنب الشيعة بربّكم، إذا كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يأمر المسلمين باتّباع أهل بيته من بعده حتى جعلهم كسـفينة نوح ينجو من يركب فيها ويهلك من يتخلّف عنها؟! وما ذنب الشيعة إذا امتثلوا لأمر الرسول بقوله: "تركت فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي، ما إن تمسكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً" كما تشهد بذلك صحاح السنّة فضلا عن كتب الشيعة؟!

وبدلا من شكرهم وتقديمهم وتفضيلهم على غيرهم لامتثالهم أوامر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، نشتمهم ونكفّرهم ونتبرّأ منهم، فما هذا بإنصاف ولا هو معقول!!

دعونا سيّدي من أقوال التخريف والتزييف التي لم تعدّ تقوم على دليل وبرهان، ولم تعدّ تنطلي على المثقّفين من أبناء أمّتنا، من أنّ الشيعة لهم قرآن خاصّ بهم، أو أنّهم يقولون بأنّ صاحب الرسالة هو علي، أو أنّ عبد

٣٦

الله بن سبأ اليهودي هو مؤسس التشيّع... إلى غير ذلك من الأقوال السـخيفة المغرضة التي يشهد الله أنّها من خيال أعداء الإسلام وأعداء أهـل البيت وشيعتهم، والتي ما أوجدها إلاّ التعصّب الأعمى والجهل المقيت.

وأنا أسأل سيّدي العزيز: أين علماء الهند من علماء الأزهر الشريف الذين أفتوا بجواز التعبّد بمذهب الشيعة الإمامية منذ ثلاثين عاماً؟ ومن علماء الأزهر الأعلام من يرى بأنّ الفقه الجعفري الذي تعمل به الشيعة هو أشمل وأثرى وأقرب إلى روح الإسلام من المذاهب الإسلامية الأُخرى التي هي عيالٌ عليه، وعلى رأس هؤلاء فضيلة الشيخ محمود شلتوت رحمه الله الذي ترأس الأزهر في حياته، فهل أمثال هؤلاء العلماء لا يعرفون الإسلام والمسلمين؟ أم أنّ علماء الهند أعلم منهم وأعرف؟ فما أظنّكم تقولون بذلك...!!

سيّدي الكريم أملي فيكم وطيد، وقلبي إليكم مفتوح بالمحبّة والشـفقة والحنان، وقد كنتُ فيما مضى مثلكم محجوب عن الحقيقة وعن أهـل البيت وشـيعتهم، فهداني الله سـبحانه إلى الحقّ الذي ليس بعده إلاّ الضّـلال، وتحررتُ من قيود التعصّب والتقليد الأعمى، وعرفتُ بأنّ أغلب المسلمين لا زالت تحجبهم الإشاعات والأباطيل، وتصدّهم الدعايات عن الوصول إلى الحقيقة ليركبوا جميعاً في سفينة النجاة، ويعتصموا بحبل الله المتين.

فليس هناك ـ كما تعلمون ـ بين السنّة والشيعة فرقٌ إلاّ فيما اختلفوا فيه بعد الرسول من أجل الخلافة، وأساس الفرقة هو اعتقادهم في الصحابة، والصحابة رضي الله عنهم اختلفوا فيما بينهم حتّى لعنوا بعضهم، بل

٣٧

وتحاربوا، وقتل بعضهم بعضاً.

فإن يكن الاختلاف فيهم خروجاً عن الإسلام، فالصحابة هم أولى بهذه التهمة والعياذ بالله، ولا أعتقد بأنّكم ترضون بذلك. والإنصاف يدعوكم أن لا ترضوا بإخراج الشيعة عن الإسلام، وكما دأب الشيعة على تقديس أهل البيت واحترامهم، كذلك دأب السنّة على احترام الصحابة وتقديسهم أجمعين، وشتّان بين الموقفين.

فإذا كان الشيعة في ذلك مُخطئين فأهل السنّة أولى بالخطأ; لأنّ الصحابة بأجمعهم يُقدّمون على أنفسهم أهل البيت، ويصلّون عليهم كصلاتهم على النّبي، ولم نعرف أحداً من الصحابة رضوان الله عليهم قدّم نفسه أو فضّلها على أهل بيت المصطفى في علم أو في عمل.

فالوقتُ قد حان لرفع المظلمة التاريخية عن شيعة أهل البيت، والتقارب معهم والتآخي والتعاون على البرّ والتقوى، ويكفي هذه الأُمة إراقة الدِّماء وإثارة الفتن.

فعسى الله سبحانه يجمع بكم الكلمة، ويلمّ بكم الشتّات، ويرتق بكم الفتق، ويُداوي بكم هذه الجراح، ويُخمدَ بكم نار الفتنة، ويُخزي بكم الشيطان وحزبه، فتكونون عند الله من الفائزين، خصوصاً وأنّكم من سلالة العترة الطاهرة على ما أسمع، فاعملوا على أن تُحشروا معهم.

{إنَّ هَذِهِ اُمَّتُكُمْ اُمَّةً وَاحِدَةً وَأنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ}(١)، {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللّهُ

١- الأنبياء: ٩٢.

٣٨
٣٩

{فاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ}(١)

إنّ هذه الآية الكريمة تأمر المسلمين بالرّجوع إلى أهل الذكر في كلّ ما أشكل عليهم حتّى يعرفوا وجه الصواب; لأنّ الله رشّحهم لذلك بعدما علّمهم، فهم الرّاسخون في العلم الذين يعلمون تأويل القرآن.

وقد نزلت هذه الآية لتعرّف بأهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم، وهم: محمّد، وعلي، وفاطمة، والحسن، والحسين، وذلك في عهد النُبوّة، أمّا بعد النّبي وحتّى قيام السّاعة فهم هؤلاء الخمسة المذكورين أصحاب الكساء، يضاف إليهم الأئمّة التسعة من ذرية الحسين الذين عيّنهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في عدّة مناسبات، وسمّاهم أئمّة الهدى، ومصابيح الدّجى، وأهل الذكر، والراسخون في العلم الذين أورثهم الله سبحانه علم الكتاب.

وهذه الروايات ثابتة صحيحة ومتواترة عند الشيعة منذ عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقد أخرجها بعض علماء أهل السنّة ومفسّروهم، معترفين بنزولها في أهل البيت عليهم الصّلاة والسّلام، أذكر من هؤلاء على سبيل المثال:

١ ـ الإمام الثعلبي في تفسيره الكبير في معنى هذه الآية من سورة النّحل.

٢ ـ "تفسير القرآن" لابن كثير في جزئه الثاني الصفحة ٥٧٠.

١- الأنبياء: ٧.

٤٠