×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

فاسألوا أهل الذكر (تحقيق مركز الأبحاث العقائدية) / الصفحات: ٤٢١ - ٤٤٠

المسلمين، بل يقولون كما تقدّم بأنّ أفضل الناس أبو بكر ثمّ عمر ثمّ عثمان، ثمّ نترك أصحاب النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لا نفاضل بينهم، والنّاس بعد ذلك سواسية.

ألا تعجبون من هذه الأحاديث التي يخرجها البخاري، وكلُّها ترمي إلى هدف واحد، وهو تجريد علي بن أبي طالب من كلّ فضيلة!!

ألا يفهمُ من ذلك بأنّ البخاري كان يكتبُ كلّ ما يُرضي بني أُميّة وبني العبّاس، وكل الحكّام الذين قاموا على أنقاض أهل البيت!! إنّها حجج دامغة لمن أرَاد الوقوف على الحقيقة.

البخاري ومسلم يذكران أي شيء لتفضيل أبي بكر وعمر

أخرج البخاري في صحيحه من كتاب بدء الخلق، باب حدّثنا أبو اليمان من جزئه الرابع صفحة ١٤٩، وأخرج مسلم في صحيحه من كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أبي بكر الصديق (رضي الله عنه):

عن أبي هريرة قال: صلّى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) صلاة الصّبح، ثمّ أقبل على النّاس فقال: "بينما رجُلٌ يَسُوقُ بقرةً إذْ رَكبَها فضربها فقالت: إنّا لم نخلق لهذا; إنّما خُلقنَا للحرثِ"، فقال النّاسُ: سبحان الله! بقرةٌ تتكلّمُ؟ فقال: "فإنّي أؤمنُ بهذا أنا وأبو بكر وعُمرُ وما هُمَا ثُمَّ، وبينما رجل في غنمه إذْ عَدَا الذئب فذهب منها بشاة، فطلبه حتّى كأنّه استنقذها منه، فقال له الذئبُ: ها إنّك استنقذتها منِّي، فمن لها يومَ السّبع، يوم لا رَاعي لها غيري؟" فقال النّاس: سبحان الله! ذئب يتكلَّمُ؟ قال: "فإني أُومِنِ بهذا أنا وأبو بكر وعُمرُ" وما هما ثَمَّ.

وهذا الحديث ظاهر التكلّف، وهو من الأحاديث الموضوعة في فضائل

٤٢١

الخليفتين، وإلاّ لماذا يُكذَب النّاس وهم صَحابة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وما يقولُه لهم، حتّى يقول في المرّتين: أُومن بهذا أنا وأبو بكر وعمر، ثمّ أنظر كيف يؤكّد الرّاوي على عدم وجود أبي بكر وعمر في المرّتين!!

إنّها فضائل مضحكة ولا معنى لها، ولكنّ القوم كالغرقى يتشبثون بالحشيش، والوضّاعون عندما لم يجدوا مواقف أو أحداث هامة تُذكر لهما تتخيّلُ أوهامهم مثل هذه الفضائل، فيجي أغلبها أحلاماً وأوهاماً وتأوّلات لا تقوم على دليل تاريخي أو منطقي أو علمي.

كما أخرج البخاري في صحيحه من كتاب فضائل أصحاب النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) باب قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): لو كنت متخذاً خليلا، ومسلم في صحيحه من كتاب فضائل الصّحابة، باب من فضائل أبي بكر الصديق.

عن عمرو بن العاص، أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بعثَهُ على جيش ذات السلاسل، فأتيتُه فقُلتُ: أيُّ النّاسِ أحبُّ إليكَ؟ قال: "عائشة"، فقلتُ: من الرّجالِ؟ قال: "أبُوها"، قلت: ثمّ من؟ قال: "عمر بن الخطّاب"، فعدّ رجالا.

وهذه الرّواية وضعها الوضّاعون، لمّا عرفوا أنّ التاريخ سجّل في سنة ثمان من الهجرة (يعني سنتين قبل وفاته (صلى الله عليه وآله وسلم)) بأنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بعث جيشاً فيه أبو بكر وعمر بقيادة عمرو بن العاص إلى غزوة ذات السّلاسل، وحتى يقطعوا الطريق على من يريد القول بأنّ عمرو بن العاص كان مقدّماً في المنزلة على أبي بكر وعمر، تراهم اختلقوا هذه الرواية على لسان عمرو نفسه للإشادة بفضل أبي بكر وعمر، وأقْحمُوا عائشة حتّى يبعِدُوا الشكّ من ناحية، وحتّى تحظى عائشة بأفضلية مطلقة من ناحية أُخرى.

ولذلك ترى الإمام النووي في شرحه لصحيح مسلم يقول: "هذا تصريح

٤٢٢

بعظيم فضائل أبي بكر وعمر وعائشة رضي الله عنهم، وفيه دلالة بيّنة لأهل السنّة في تفضيل أبي بكر ثمّ عمر على جميع الصحابة"(١).

وهذه كأمثالها من الروايات الهزيلة التي لم يتورّع الدجّالون لوضعها حتّى على لسان علي بن أبي طالب نفسه; ليقطعوا بذلك على زعمهم حجّة الشيعة الذين يقولون بتفضيل علي بن أبي طالب على سائر الأصحاب من ناحية، وليوهموا المسلمين بأنّ عليّاً لم يكن يتظلّم ولا يتشكّى من أبي بكر وعمر من ناحية أُخرى، فقد أخرج البخاري في صحيحه من كتاب فضائل أصحاب النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) باب مناقب عمر بن الخطاب أبي حفص، ومسلم في صحيحه من كتاب فضائل الصحابة باب من فضائل عمر رضي الله تعالى عنه:

عن علي، عن ابن عبّاس قال: وضِعَ عمرُ على سريره، فتكنّفَهُ النّاسُ، يدعون ويصلّونَ قبل أن يرفع، وأنا فيهم، فلم يُرعني إلاّ رجُلٌ أَخذ مَنْكِبي، فإذا عليٌّ، فترحّم على عُمَرَ وقال: ما خَلَّفتَ أحداً أحبَّ إليَّ أن ألقى الله بمثل عمَلِهِ منكَ، وأيُّمُ الله، إن كنتُ لأظُنُّ أن يجعلك الله مع صاحبيك، وحسبتُ أنّي كنتُ كثيراً ما أسمع النبىُّ (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: ذهبتُ أنا وأبو بكر وعمر، ودَخلتُ أنا وأبو بكر وعمر، وخرجتُ أنا وأبو بكر وعمر.

نعم، هذا وضعٌ ظاهر يشمُّ منه رائحة السّياسة التي لعبتْ دورها في إقصاء فاطمة الزهراء، وعدم دفنها قرب أبيها رغم أنّها أوّل اللاحقين به، وفات الرّاوي هنا أنْ يضيفَ بعد قوله: ذهبت أنا وأبو بكر وعمر، ودخلتُ أنا

١- شرح مسلم للنووي ١٥: ١٥٣.

٤٢٣

وأبو بكر وعمر، وخرجتُ أنا وأبو بكر وعمر، وسأُدفنُ أنا وأبو بكر وعمر!!

ألا يتورّع هؤلاء الذين يحتجّون بمثل هذه الروايات الموضوعة التي يكذّبها التاريخ والواقع، وكتب المسلمين مشحونة بتظلّم علي وفاطمة الزهراء ممّا فعله أبو بكر وعمر طيلة حياتهما؟!

ثمّ تمعّن في الرواية لترى بأنّ الرّاوي يصوّر عليّاً وكأنّه رجُلٌ أجنبي، جاء ليتفرّج على ميّت غريب، فوجد النّاس يكتظون عليه يدعون ويصلّون، فأخذ بمنكب ابن عباس، وكأنّه همس في أذنه تلك الكلمات وانسحب، والمفروض أن يكون علي في مقدمة النّاس وهو الذي يصلّي بهم، ولا يفارق عمر حتى يواريه حفرته.

ولمّا كان النّاس في عهد بني أُميّة يتسابقون في وضع الحديث بأمر من "أمير المؤمنين" معاوية، الذي أراد أن يرفع قدر أبي بكر وعمر مقابل فضائل علي بن أبي طالب، فقد جاءت أحاديث الفضائل هزيلة مُضحكة، ومتناقضة في بعض الأحوال حسب هوى الرّاوي، فمنهم التيمي الذي كان لا يقدّم على أبي بكر أحداً، ومنهم العدوي الذي لا يقدّم على عمر أحداً، وبنو أُميّة الذين كانوا معجبين بشخصية ابن الخطّاب الجريء على النّبي، والفظّ الغليظ الذي لا يتورّع من شيء ولا يهاب شيء، فكانوا كثيراً ما يمدحونه ويضعون الأحاديث التي تُفضّله على أبي بكر.

وإليك أيها القارئ بعض الأمثلة.

أخرج مسلم في صحيحه في كتاب فضائل الصّحابة، باب من فضائل عمر رضي الله تعالى عنه، وأخرج البخاري في صحيحه من كتاب الإيمان

٤٢٤

باب تفاضل أهل الإيمان في الأعمال:

عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): بينما أنا نائمٌ رأيتُ النّاس يُعرَضُونَ عليَّ، وعليهم قُمُصٌ، منها ما يبلُغُ الثدِيَّ، ومنها ما دونَ ذلك، وعرِضَ عليَّ عُمَرُ بن الخطّاب وعليه قميص يجرُّهُ، قالوا: فما أوّلتَ ذلك يا رسول الله؟ قال: الدِّين.

وإذا كان تأويل النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لهذه الرؤيا، هو الدِّين، فمعنى ذلك أنّ عمر بن الخطّاب أفضل من كل النّاس; لأنّ الدّين بالنسبة إليهم لم يبلغ إلى الثدي وما تجاوز الدّين قلوبَهم، بينما عمر مليء بالدّين من رأسه إلى أخمص قدميه، وأكثر من ذلك فهو يجرّ الدين وراءه جراً، كما يُجرّ القميص، فأين أبو بكر الصديق الذي يرجَحُ إيمانه إيمان الأُمّة بأكملها؟!

كما أخرج البخاري في صحيحه من كتاب العلم باب فضل العلم، وأخرج مسلم في صحيحه من كتاب فضائل الصّحابة باب فضائل عمر:

عن ابن عمر، قال: سمعتُ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: بينما أنا نائمٌ أتيتُ بقدحِ لبن، فشربتُ حتّى إنّي لأرى الريَّ يخرجُ في أظفاري، ثم أعطيتُ فضلي عمر بن الخطّاب، قالوا: فما أوّلتَهُ يا رسول الله؟ قال: العلم.

أقول: فهل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون؟ وإذا كان ابن الخطّاب قد فاق الأُمّة بأكملها أو النّاس بأجمعهم في الدّين بما فيهم أبو بكر، ففي هذه الرواية صراحة بأنّه فاقهم أيضاً في العلم، فهو أعلم النّاس بعد الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم).

بقيت هناك فضيلة أُخرى يتبارى النّاس في التحلّي بها والانتماء إليها،

٤٢٥

وهي من الصفات الحميدة التي يحبّها الله ورسوله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ويحبّها جميع النّاس ويحاولون الوصول إليها، ألا وهي الشجاعة فلا بدّ للرّواة أن يضعوا فيها حديثاً لفائدة أبي حفص وقد فعلوا.

أخرج البخاري في صحيحه من كتاب فضائل أصحاب النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، باب قول النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لو كنت متخذاً خليلا، وأخرج مسلم في صحيحه من كتاب فضائل الصّحابة، باب من فضائل عمر:

عن أبي هريرة: قال: سمعتُ النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: بينما أنا نائم رأيتُني على قليب، عليها دَلْوٌ، فنزعتُ منها ما شاء الله، ثم أخذها ابن أبي قحافة فنزع بها ذنوباً أو ذنوبين وفي نزعِهِ ضَعْفٌ، والله يغفر له ضعفَهُ، ثم استحالَتْ غرباً فأخذها ابن الخطّاب، فلم أرَ عبقرياً من الناس ينزعُ نزعَ عُمَرَ، حتى ضربَ النّاسَ بعطَن.

فإذا كان الدّين وهو مركز الإيمان والإسلام، والتقوى والتقرّب إلى الله سبحانه قد حازه عمر بن الخطّاب حتّى جرّه وراءه، بينما النّاس لم يكن نصيبهم منه إلاّ ما يبلغ الثدي وبقيت أجسامهم عارية، وإذا كان العلم اختصّ به عمر بن الخطّاب، فلم يترك للنّاس شيئاً من فضل الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم) إذْ أعطاه إليه فشربه كلّه، ولم يفكّر حتّى في صاحبه أبي بكر الصّديق ـ وهو لا شكّ العلم الذي خوّل عمر أن يغيّر أحكام الله بعد وفاة النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، باجتهاده ولا شكّ أنّ اجتهاده من فضل ذلك العلم ـ وإذا كانت القوة والشجاعة قد اختصّ بها ابن الخطّاب أيضاً، بعد الضعف الذي بدا على صاحبه أبي بكر ـ وهذا صحيح، ألم يقل له أبو بكر مرّة (لقد قلتُ لك: إنّك أقوى على هذا الأمر منّي

٤٢٦

ولكنّك غلبتني) فيغفر الله لأبي بكر لضعفه ولتقدّمه في الخلافة عليه، لأنّ أنصار عمر من بني عدي وبني أُميّة، ما رأوا رخاءً وانتفاعاً وغنائم وفتوحات مثل ما رأوه في زمانه.. نعم كل هذا فضل عمر بن الخطّاب في الحياة الدنيا; فلا بدّ أن يضمنوا له الجنّة في الآخرة ـ أيضاً ـ بمرتبة أكبر وأفضل من صاحبه أبي بكر، وقد فعلوا.

أخرج البخاري في صحيحه من كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في صفة الجنة وأنّها مخلوقة، وأخرج مسلم في صحيحه في كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل عمر:

عن أبي هريرة (رضي الله عنه) قال: بينما نحن عند رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، إذ قال: بينما أنا نائمٌ، رأيتُنِي في الجنَّة، فإذا امرأةٌ تتوضَّأُ إلى جانب قصر، فقلت: لمن هذا القصْرُ؟ فقالوا: لعمر بن الخطّاب، فذكرتُ غَيْرَتَهُ فولّيتُ مدبراً، فبكى عُمرُ، وقال: أعليكَ أغَارُ يا رسول الله؟!

أخي القارئ أظنّك فطنت إلى تنسيق هذه الروايات المكذوبة، وقد سطّرتُ على كلّ منها تحت عبارة واحدة مشتركة في كلّ الروايات التي اختصّت بفضائل عمر بن الخطّاب، ألا وهي قول الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم) (وحاشاه طبعاً): بينما أنا نائم، فتجدها دائماً في كلّ الرّوايات: بينما أنا نائم رأيت النّاس يعرضون علىَّ، بينما أنا نائمٌ أُتيتُ بقدحِ لبن، بينما أنا نائمٌ رأيتني على قليب، وبينما أنا نائمٌ رأيتني في الجنّة.

ولعلّ راوي الحديث كان كثير الحلم والأضغاث، فكان يتأوّل ويختلق الروايات على لسان النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فكم كُذِبَ عليه في حياته وهو موجود بين

٤٢٧

ظهرانيهم، فكيف بعد وفاته، وقد انحرفت الأُمّة وتقاتلوا وأصبحوا مذاهب وأحزاباً كلّ حزب بما لديهم فرحون.

ولكن بقي شيء واحدٌ سجّلَهُ المؤرّخون، والصّحابة الذين كانوا من أنصار عمر بن الخطاب نفسه، ألا وهو الخلق الذي كان يمتاز به عُمرُ في الغلظة والفظاظة والشدّة على الناس وحدّة الطبع، ومن كان هذا طبعه عادة لا يحبّه الناس، قال تعالى: {وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ القَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ}(١).

ولكنّ المعجبين بعمر يقلّبون الموازين، ويجعلون من النقيصة منقبة ومن الرذيلة فضيلة، فقد عمدوا إلى اختلاق رواية في شدّة السخافة والبلاهة، والمسّ بكرامة النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي يشهد الله سبحانه بأنّه ليس فظّاً ولا غليظاً، وإنّما هو ليّن الطبع {فَبَِما رَحْمَة مِنَ اللّهِ لِنْتَ لَهُمْ}(٢)، {وَإنَّكَ لَعَلى خُـلُق عَـظِيم}(٣)، {بِالمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ}(٤)، و {رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}(٥)، فلنستمع إلى هؤلاء الحمقى ماذا يقولون فيه:

أخرج البخاري في صحيحه من كتاب بدء الخلق، باب صفة إبليس وجنوده، وأخرج مسلم في صحيحه من كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل عمر:

عن سعد بن أبي وقّاص، قال: استأذن عمر على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وعندَهُ

١- آل عمران: ١٥٩.

٢- آل عمران: ١٥٩.

٣- القلم: ٤.

٤- التوبة: ١٢٨.

٥- الأنبياء: ١٠٧.

٤٢٨

نساءٌ من قريش يكلّمنَهُ، ويستكثرنَهُ، عالية أصواتُهنَّ، فلما استأذن عمرُ قُمْنَ يبتدرنَ الحجابَ، فأذنَ لَهُ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ورسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يضحَكُ، فقال عمرُ: أضحك اللّهَ سِنَّك يا رسول اللّه؟ قال: "عجبتُ من هؤلاء اللاّتي كنَّ عندي، فلمَّا سمعنَ صوتكَ ابتدرنَ الحجابَ".

قالَ عُمرُ: فأنتَ يا رسول الله كنتَ أحقَّ أن يهبنَ، ثمّ قال: أي عديّاتِ أنفسهنّ! أتهبنني ولا تهبن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، قلن: نعم! أنتَ أفظُّ وأغلظُ من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، قالَ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "والذي نفسي بيده ما لقيَكَ الشيطانُ قطٌّ سالِكاً فجّاً إلاّ سَلك فجّاً غير فجّكَ"!!

كَبُرَتْ كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلاّ كذباً، أُنظر إلى فظاعة الرّواية، وكيف أنّ النّساء يهبنَ عمر ولا يهبنَ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ويرفعن أصواتهن فوق صوت النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولا يحترمنه فلا يحتجبن بحضرته، وبمجرّد سماع صوت عمر سكتنَ وابتدرن الحجاب؟!

عجبتُ والله من أمر هؤلاء الحمقَى الذين لا يكفيهم كلّ ذلك حتّى ينسبون إليه أنّه فظٌّ غليظ بكلّ صراحة، لأنّ عمر أفظّ وأغلظ من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فهي من أفعال التفضيل، فإن كانت هذه فضيلة لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فعمر أفضل منه، وإن كانت رذيلة فكيف يقبل المسلمون وعلى رأسهم البخاري ومسلم مثل هذه الأحاديث؟!

ثمّ لم يكفهم كلّ ذلك حتّى جعلوا الشيطان يلعبُ ويمرحُ بحضرة النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ولا يخافه، فلا شكّ أنّ الشيطان هو الذي استفزّ النسوة حتى يرفعن أصواتهنّ ويخلعن حجابهنّ، ولكنّ الشيطان هربَ وسلك فجّاً آخر

٤٢٩

بمجرّد دخول عمر بيت الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم).

هل رأيتَ أيُّها المسلم الغيور ما هي قيمة الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم) عندهم، وكيف أنّهم يقولون من حيث يشعرون أو لا يشعرون بأنّ عمر أفضل منه؟!

وهو بالضبط ما يقع اليوم عندما يتحدّثون عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ويعدّدون أخطاءه المزعومة، ويبرّرون ذلك بأنّه بشر غير معصوم، وبأنّ عمر كثيراً ما كان يصلح أخطاءه، وأنّ القرآن كان ينزل بتأييد عمر في العديد من المرّات، ويستدلّون بعبسَ وتَولَّى، وبتأبير النخل، وبأسرى بدر وغيرها.

ولكنّك عندما تقول أمامهم بأنّ عمر أخطأ في تعطيل سهم المؤلّفة قلوبهم، أو في تحريم المتعتين، أو في التفضيل في العطاء; فإنّك ترى أوداجهم تنْتفخ، وأعينهم تحمّر، ويتّهمونك بالخروج عن الدّين، ويقال لك: من أنت يا هذا حتى تنتقد سيّدنا عمر الفاروق الذي يفرق بين الحقّ والباطل!! وما عليك إلاّ أن تُسَلّمَ ولا تحاول الكلام معهم ثانية، وإلاّ قد يلحقك منهم الأذى.

البخاري يدلّس الحديث حفاظاً على كرامة عمر بن الخطّاب

نعم، إنّ الباحث إذا ما تتّبع أحاديث البخاري لا يفهم الكثير منها، وتبدوا كأنّها ناقصة أو مقطّعة، وأنّه يخرج نفس الحديث بنفس الأسانيد، ولكنّه في كلّ مرّة يعطيه ألفاظاً مختلفة في عدّة أبواب، كلّ ذلك لشدّة حبه لعمر بن الخطاب.

ولعلّ ذلك هو الذي رغّب أهل السنّة فيه فقدّموه على سائر الكتب، رغم أنّ مسلماً أضبط، وكتابه مرتّب حسب أبواب، إلاّ أنّ البخاري عندهم أصحّ

٤٣٠

الكتب بعد كتاب الله لأجل هذا، ولأجل انتقاصه فضائل علي بن أبي طالب، فالبخاري عمل من جهة على تقطيع الحديث وبتره إذ كان فيه مسٌّ بشخصية عمر، كما عمل نفس الأُسلوب مع الأحاديث التي تذكر فضائل علي، وسنُوافيك ببعض الأمثلة على ذلك قريباً إن شاء الله.

بعض الأمثلة على تدليس الحديث التي فيها حقائق تكشف عن عمر ابن الخطاب:

١ ـ أخرج مسلم في صحيحه في كتاب الحيض باب التيمّم، قال: جاء رجل إلى عمر فقال: إنّي أجنبتُ فلم أجد مَاءً؟ فقال عمر: لا تُصلِّ، فقال عمّار: أما تذكر يا أمير المؤمنين إذ أنَا وأنتَ في سريّة، فأجنبنا فلم نجد ماءً، فأما أنتَ فلم تُصلِّ، وأما أنَا فتمعّكتُ في التّراب وصلّيتُ، فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "إنّما كان يكفيكَ أنْ تضربَ بيديك الأرض، ثمّ تنفُخ ثمّ تمسح بهما وجهك وكفّيكَ"، فقال عمر: إتّق الله يا عمّار! قال: إن شئتَ لم أحدّثْ به.

وأخرج هذه الرّواية كلّ من أبي داود في سننه، وأحمد بن حنبل في مسنده، والنّسائي في سننه، والبيهقي، وابن ماجه أيضاً(١).

ولكنّ البخاري خان الأمانة أمانة نقل الحديث، كما هو ومن أجل الحفاظ على كرامة عمر دلّس الحديث; لأنّه لم يعجبهُ أن يعرف النّاس جهل الخليفة بأبسط قواعد الفقه الإسلامي، وإليك الرواية التي تصرّف فيها البخاري.

١- مسند أحمد ٤: ٢٦٥، سنن ابن ماجة ١: ١٨٨ ح٥٦٩، سنن النسائي ١: ١٦٦، السنن الكبرى للبيهقي ١: ٢٠٩، سنن أبي داود ١: ٨١ ح٣٢٢.

٤٣١

أخرج البخاري في صحيحه من كتاب التيمّم، باب المتيمّم هل ينفخ فيهما:

قال: جاء رجل إلى عمر بن الخطّاب، فقال: إنّي أجنبتُ فلم أصبِ الماءَ، فقال عمّار بن ياسر لعمر بن الخطاب: أمَا تذكر أنّا كنَّا في سفر أنا وأنتَ... الحديث.

وهو كما ترى حذف منه البخاري "فقال عمر: لا تُصلِّ" لأنّها أربكت ولا شكّ البخاري، فحذفها وتخلّص منها لئلا يكشف للنّاس عن مذهب عمر الذي كان يرتئيه في حياة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، واجتهاده مقابل نصوص القرآن والسنّة، وبقاءه على مذهبه هذا حتّى بعدما أصبح أميراً للمؤمنين، وأخذ ينشر مذهبه في أوساط المسلمين، وقد قال ابن حجر: "هذا مذهبٌ مشهور عن عمر"(١)، والدّليل على أنّه كان يشدّد على ذلك قول عمّار له: إن شئت لم أحدّث به. فاقرأ وأعجب!!

٢ ـ أخرج الحاكم النيسابوري في المستدرك من جزئه الثاني صفحة ٥١٤، وصحّحه الذهبي في تلخيصه.

عن أنس بن مالك قال: إنّ عمر بن الخطّاب قرأ على المنبر قوله: {فَأَنْبَتْنا فِيها حَبّاً * وَعِنَباً وَقَضْباً * وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً * وَحَدائِقَ غُلْباً * وَفاكِهَةً وَأَبّاً} قال: كلّ هذا عرفناه فما الأَبُّ؟ ثمّ قال: هذا لعمر الله هو التكلّف، فما عليك أن لا تدري ما الأبُّ، اتبعوا ما بيّنَ لكم هداه من الكتاب فاعملوا به، وما لم تعرفوه فكلوه إلى ربّه.

١- فتح الباري ١: ٣٧٦.

٤٣٢

وهذه الرّواية قد نقلها أغلب المفسّرين في كتبهم وتفاسيرهم لسورة عبس، كالسّيوطي في الدر المنثور، والزمخشري في الكشاف، وابن كثير في تفسيره، والرّازي في تفسيره، والخازن في تفسيره(١).

ولكنّ البخاري وكعادته حذف الحديث وأبتره; لئلا يعرف النّاس جهل الخليفة بمعنى الأبُّ، فروى الحديث كالآتي:

أخرج البخاري في صحيحه من كتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة، باب ما يكره من كثرة السؤال وتكلّف ما لا يعنيه، قول الله تعالى: {لا تَسْألُوا عَنْ أشْيَاءَ إنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ}(٢):

عن أنس بن مالك قال: كنّا عند عُمر فقال: نهينا عن التكلّفِ.

نَعم، هكذا يفعل البخاري بكلّ حديث يشمُّ منه انتقاصاً من عمر، فكيف يفهم القارئ من هذا الحديث المبتور حقيقة الأشياء، فهو يستُر جهل عمر بمعنى الأبّ، ويقول فقط قال: نهينا عن التكلّف.

٣ ـ أخرج الحاكم في المستدرك ٢: ٥٩، وأبو داود في سننه ٢: ٣٣٩، والبيهقي في سننه ٨: ٢٦٤، وابن حجر في فتح الباري ١٢: ١٠٧، وأحمد في مسنده ١: ٣٣٥ بسند صحيح، وابن ماجة ١: ٦٥٩، ح٢٠٤٢ مختصراً وغيرهم، عن ابن عباس أنّه قال: أُتي عمر بمجنونة قد زنتْ، فاستشار فيها أُناساً فأمر بها أن تُرجم، فمرّ بها علي بن أبي طالب فقال: "ما شأنها"؟

١- تفسير الطبري ٣٠: ٧٧، تفسير القرطبي ١٩: ٢٢٣، تفسير ابن كثير ١: ٦، الدر المنثور ٦: ٣١٧، وانظر الغدير للأميني ٦: ٩٩.

٢- المائدة: ١٠١.

٤٣٣

قالوا: مجنونة بني فلان زنت، فأمر بها عمر أن تُرجم، قال: "ارجعوا بها"، ثمّ أتاه فقال: "ألم تعلم أنّ القلَم رُفعَ عن المجنون حتّى يعْقل، وعن النائم حتّى يستيقظ، وعن الصبىّ حتّى يحتلم"؟ فخلّى عنها عمر وقال: "لولا علىّ لهلك عمر"(١).

ولكن البخاري أربكته هذه الرواية، فكيف يعرف النّاس جهل عمر بأُمور الحدود التي رسمها كتاب الله وبيّنها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فكيف يترأس على منصّة الخلافة من كانت هذه حاله، ثمّ كيف يذكر البخاري هذه الرواية وفيها فضيلة لعلىّ بن أبي طالب الذي كان يسهر على تعليمهم ما يجهلون، واعتراف عمر بقوله أنّه "لولا علىّ لهلك عمر"، فلننظر للبخاري كيف يحرّف الرواية ويدلّسها:

أخرج البخاري في صحيحه من كتاب المحاربين من أهل الكفر والردّة، باب لا يرجَمُ المجنون والمجنونة، قال البخاري بدون ذكر أي سند:

وقال عليٌّ لعمر: "أما علمت أنَّ القَلَمَ رفع عن المجنون حتّى يفيق، وعن الصبىّ حتى يُدرِكَ، وعن النائم حتى يستيقظ"؟.

نعم، هذا مثالٌ حىٌّ لتصرّف البخاري في الأحاديث، فهو يبتر الحديث إذا كان فيه فضيحة لعمر، و يُـبترُ الحديث أيضاً إذا كان فيه فضيلة أو منقبة للإمام علي فلا يطيق تخريجه.

٤ ـ أخرج مسلم في صحيحه من كتاب الحدود، باب حدّ شارب الخمر:

١- هذه الزيادة وردت في فيض القدير ٤: ٤٧٠، المناقب للخوارزمي: ٨١ ح٦٥، التذكرة للسبط: ٦٥.

٤٣٤
٤٣٥

"أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفْد بنحو ما كنت أجيزهم" ونسيتُ الثَّالثة.

نعم، هذه هي رزيّة يوم الخميس التي لعب فيها عمر دور البطولة، فعارض رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ومنعه أنّ يكتب، وبتلك الكلمة الفاحشة التي تعارض كتاب الله، ألا وهي أنّ النّبي يهجر، والبخاري ومسلم نقلاها هُنا بالعبارة الصحيحة التي نطق بها عمر، ولم يُبدِّلاها ما دام اسم عمر غير وارد، ونسبة هذا القول الشنيع للمجهول لا يضرّ.

ولكن عندما يأتي اسم عمر في الرواية التي تذكر بأنّه هو الذي تلفّظ بها، يصعب ذلك على البخاري ومسلم أن يتركاها على حالها; لأنّها تفضَحُ الخليفة، وتظهره على حقيقته العارية، وتكشف عن مدى جُرأته على مقام الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، والذي كان يعارضُه طيلة حياته في أغلب القضايا.

وعرف البخاري ومسلم ومن كان على شاكلتهم بأنّ هذه الكلمة وحدها كافية لإثارة عواطف كلّ المسلمين حتّى أهل السنّة ضدّ الخليفة، فعمدوا إلى التّدليس، فهي مهنتهم المعروفة لمثل هذه القضايا، وأبدلوا كلمة "يهجُر" بكلمة "غلب عليه الوجع"، ليبعدوا بذلك تلك العبارة الفاحشة، وإليك ما أخرجه البخاري ومسلم في نفس موضوع الرزيّة:

عن ابن عباس، قال: لما حُضر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطّاب، قال النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "هلّم أكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده"، فقال عمر: إنّ النبىّ قد غلب عليه الوجع، وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله.

فاختلف أهل البيت فاختصموا، منهم من يقول: قرّبوا يكتب لكم النّبي كتاباً لن تضلّوا بعده، ومنهم من يقول ما قال عمر، فلمّا أكثروا اللّغو

٤٣٦

والاختلاف عند النّبي قال لهم: قوموا. قال عبد الله بن مسعود: فكان ابن عباس يقول: إنّ الرزيّة كلّ الرّزية ما حال بين رسول الله وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم(١).

وبما أنّ مسلماً أخذها عن أُستاذه البخاري، فنحنُ نقول للبخاري: مهْما هذّبْتَ العبارة، ومهما حاولت تغطية الحقائق، فإنّ ما أخرجته كاف وهو حجةٌ عليك وعلى سيّدك عمر; لأنّ لفظ "يهجر" ومعناه يهذي، أو "قد غلب عليه الوجع"، تؤدّي إلى نفس النتيجة; لأنّ المتمعّن يجد أنّ النّاس حتّى اليوم يقولون: مسكين فلان تغلّبت عليه الحُمَّى حتى أصبح يهذي.

وخصوصاً إذا أضفنا إليها كلامه: "عندكم القرآن حسبنا كتاب الله" ومعنى ذلك أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) انتهى أمره، وأصبح وجوده كالعدم!!

وأنا أتحدّى كلّ عالم له ضمير أن يتمعّن فقط في هذه الواقعة بدون رواسب وبدون خلفيّات، فسوف تثور ثائرته على الخليفة الذي حرم الأُمّة من الهداية، وكان سبباً مباشراً في ضلالتها.

ولماذا نخشى من قول الحقّ ما دام فيه دفاعٌ عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وبالتالي عن القرآن وعن المفاهيم الإسلاميّة بأكملها، قال تعالى: {فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَاُوْلَئِكَ هُمُ الكَافِرُونَ}(٢).

فلماذا يحاول بعض العلماء حتى اليوم في عصر العلم والنور جهدهم

١- صحيح البخاري ٧: ٩ كتاب المرضى، باب قول المريض: قوموا عني، صحيح مسلم ٥: ٧٦ كتاب الوصية، باب ترك الوصية.

٢- المائدة: ٤٤.

٤٣٧

تغطية الحقائق بما يختلقونه من تأويلات متكلّفة لا تُسْمِنُ ولا تُغْني من جوع؟!

فإليك ما ابتكره العالم محمّد فؤاد عبد الباقي في شرحه لكتاب "اللؤلؤُ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان" عند إيراده لحديث رزيّة يوم الخميس قال يشرح الواقعة: "ائتوني بكتاب" أي ائتوني بأدوات كتاب كالقلم والدواة، أو أراد بالكتاب ما من شأنه أن يكتب فيه نحو الكاغد والكتف; والظاهر أنّ هذا الكتاب الذي أراده إنّما هو في النصّ على خلافة أبي بكر، لكنّهم لمّا تنازعوا واشتدّ مرضه (صلى الله عليه وآله وسلم) عدل عن ذلك، معوّلا على ما أصَّلَهُ من استخلافه في الصّلاة.

ثمّ أخذ يشرح معنى هَجَر قال: هجر: ظنّ ابن بطّال أنّها بمعنى اختلط، وابن التين أنّها بمعنى هَذَى; وهذا غير لائق بقدره الرفيع، ويحتمل أن يكون المراد أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) هجركم، من الهجر الذي هو ضدّ الوصل، لما قد وردَ عليه من الواردات الإلهية، ولذا قال: في الرفيق الأعلى، وقال ابن الأثير: إنّه على سبيل الاستفهام وحذفتْ الهمزة، أي هل تغيّرَ كلامه واخْتَلَطَ لأجل ما به من المرض، وهذا أحسن ما يقالُ فيه، ولا يجعل إخباراً فيكون إمّا من الفحش أو الهذيان، والقائل كان عمر ولا يُظنُّ به ذلك(١). انتهى كلامه.

ونحن نردّ عليك يا سيادة العالم الجليل أنّ الظنّ لا يغني من الحقّ شيئاً، ويكفينا اعترافك بأنّ قائل هذا الفحش هو عُمر! ومن أنبأك بأنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أراد أن يكتب خلافة أبي بكر؟ وهل كان عمر ليعترض على ذلك؟

١- اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان ٢: ١٦٦، كتاب الوصية.

٤٣٨

وهو الذي شيّد أركان الخلافة لأبي بكر، وحملَ النّاس عليها غصباً وقهراً حتّى هدَّد بحرق بيت الزّهراء، وهل هناك من ادّعى هذا غيرك يا سيادة العالم الجليل؟

والمعروف عند العلماء قديماً وحديثاً(١)بأنّ علىَّ بن أبي طالب هو المرشّح للخلافة من قبل الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم) إن لم يعترفوا بالنصّ عليه، ويكفيك ما أخرجه البخاري في صحيحه من كتاب الوصايا من جزئه الثالث صفحة ١٨٦، قال: ذكروا عند عائشة أنَّ عليّاً رضي الله عنهما كان وصيّاً، فقالت: متى أوصى إليه وقد كنتُ مسندته إلى صدري فدعا بالطسَّتِ، فلقد انخنث في حجري فما شعرتُ أنّه قد ماتَ، فمَتى أوصى إليه؟(٢).

والبخاري أخرج هذا الحديث لأنّ فيه إنكار الوصيّة من طرف عائشة، وهذا ما يعجب البخاري، ولكن نحن نقول: بأنّ الذين ذكروا عند عائشة أنّ

١- إنّ هذا الأمر كان معلوماً لدى الصحابة فضلا عن العلماء ويدلّ عليه أُمور:

منها: ما قاله عليّ (عليه السلام): "قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأنا أرى أنّي أحق بهذا الأمر..." (اُسد الغابة ٤: ٣١)، ومنها: ما قاله العباس لعليّ بعد ما توفّي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "يا علي قم حتى أبايعك ومن حضر... فقال عليّ: وأحدٌ؟ يعني يطمع فيها غيرنا..." (الطبقات لابن سعد ٢: ١٩٠ ط دار الكتب العلمية). فالمسألة إذاً كانت معلومة واضحة لدى الصحابة ولذا تأخّر قوم عن البيعة وذهبوا إلى بيت فاطمة (عليها السلام) وليس ذلك إلاّ لاعتقادهم أحقية عليّ (عليه السلام) بالأمر دون غيره.

٢- لا بأس بذكر ما أورده الشوكاني في نيل الأوطار ٦: ١٤٥ على القرطبي حينما استشهد بكلام عائشة على نفي الوصية، فقال: "ولا يخفى أنّ نفي عائشة للوصية حال الموت لا يستلزم نفيها في جميع الأوقات، فإذا أقام البرهان الصحيح من يدّعي الوصاية في شيء معين قبل".

٤٣٩

رسول الله أوصى لعلي صادقين; لأنّ عائشة لم تكذّبهم ولم تنْفِ هي نفسها الوصية، ولكنّها سألت كالمستنكرة متى أوصى إليه؟

ونجيبها بأنّه أوصى إليه بحضور أُولئك الصحابة الكرام وفي غيابها هي، ولا شكّ بأنّ أُولئك الصّحابة ذكروا لها متّى أوصى إليه، ولكنّ الحكّام المتسلّطين منعوا ذكر مثل هذه المحاججات، كما منعوا ذكر الوصيّة الثالثة ونسوها، وقامتْ السياسة على طمس هذه الحقيقة.

على أنّ عمر نفسه صرّح بأنّه منع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من كتابة الكتاب لعلمه بأنّه يختصّ بخلافة علي بن أبي طالب، وقد أخرج ابن أبي الحديد الحوار الذي دار بين عمر بن الخطّاب وعبد الله بن عبّاس، وفيه قال عمر وهو يسأل ابن عباس: هل بقي في نفس عليّ شيء من أمر الخلافة؟ فقال ابن عبّاس: نعم، فقال عمر: ولقد أراد رسول الله في مرضه أن يصرّح باسمه، فمنعتُه من ذلك اشفاقاً وحيطة على الإسلام(١).

فلماذا تتهرّب يا سيادة العالم من الواقع، وبدلا من إظهار الحقّ، بعدما ولّى عصر الظلمات مع بني أُميّة وبني العبّاس، ها أنتم تزيدون تلك الظلمات غشاوة وأستاراً، فتحجبوا غيركم عن إدراك الحقيقة والوصول إليها؟! وإن كنت قُلتَ الذي قُلتَ عن حسن نيّة، فإني أسأل الله سبحانه أن يهديك ويفتح بصيرتك.

١- شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي ١٢: ٢١، وذكر ابن أبي الحديد أنّ الخبر نقله أحمد بن أبي طاهر صاحب كتاب تاريخ بغداد في كتابه مسنداً. (المؤلّف).

٤٤٠