×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

فاسألوا أهل الذكر (تحقيق مركز الأبحاث العقائدية) / الصفحات: ٤٤١ - ٤٦٠

٦ ـ كما أنّ البخاري فعل الكثير من أجل تبديل وتدليس وتخليط الأحاديث النّبوية; التي يشعر من خلالها أنّ هناكَ توهيناً وانتقاصاً لهيبة أبي بكر وعمر، فها هو يعمدُ إلى حادثة تاريخية مشهورة قال فيها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حديثاً لم يعجب الإمام البخاري، فأعفاه تماماً وكمالا; لأنّه يرفع مكانة علي على حساب أبي بكر.

فقد روى علماء السنّة في صحاحهم ومسانيدهم، كالترمذي في صحيحه، والحاكم في مستدركه وأحمد بن حنبل في مسنده، والإمام النسائي في خصائصه، والطبري في تفسيره، وجلال الدّين السيوطي في تفسيره الدرّ المنثور، وابن الأثير في تاريخه، وصاحب كنز العمّال، والزمخشري في الكشّاف، وغير هؤلاء كثيرون، أخرجوا كلّهم:

إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بعث أبا بكر (رضي الله عنه) وأمره أن ينادي بهذه الكلمات (وهي براءة من الله ورسوله..)، ثمّ أتبعَهُ عليّاً (رضي الله عنه) وأمره أن ينادي بها هو، فقام علىٌّ (رضي الله عنه) في أيام التشريق فنادى: "إنّ الله برىء من المشركين ورسولُه، فسيحوا في الأرض أربعة أشهر، ولا يحجّنّ بعد العام مشرك، ولا يطوفنّ بالبيت عريان"، ورجع أبو بكر (رضي الله عنه) فقال: يا رسول الله نزل فىّ شيءٌ؟ قال: "لا، ولكنّ جبرئيل جاءني فقال: لن يؤدّي عنك إلاّ أنتَ أو رجلٌ منك"(١).

١- راجعه بألفاظه المختلفة: مسند أحمد ١: ١٥١ وقال محقّق المسند أحمد شاكر:

سنده حسن، ذخائر العقبى: ٦٩، الدر المنثور ٣: ٢٠٩، تاريخ دمشق ٤٢: ٣٤٨، سنن الترمذي ٤: ٣٣٩، المستدرك ٣: ٥١، المصنّف لابن أبي شيبة ٧: ٥٠٦ ح٧٢، السنن الكبرى للنسائي ٥: ١٢٨ والخصائص له أيضاً: ٩١، مسند أبي يعلى ١: ١٠٠ ح١٠٤، صحيح ابن حبان ١٥: ١٧، تفسير الطبري ١٠: ٨٤، شواهد التنزيل ١: ٣٠٥، أنساب الأشراف: ١٥٥، تاريخ الطبري ٢: ٣٨٣، فتح القدير للشوكاني ٢: ٣٣٤، كتاب السنة لابن أبي عاصم: ٥٩٥ ح١٣٨٤.

٤٤١

لكنّ البخاري كعادته دائماً أخرج الحادثة بطريقته المعروفة والمألوفة، قال في صحيحه من كتاب تفسير القرآن باب قوله: فسيحوا في الأرض أربعة أشهر:

قال: أخبرني حميد بن عبد الرحمن أنّ أبا هريرة (رضي الله عنه) قال: بعثني أبو بكر في تلك الحجّة في مؤذّنين، بعثهم يوم النّحر يؤذّنون بمنْى: أن لا يحجّ بعد العام مشركٌ، ولا يطوف بالبيت عريان، قال حميد بن عبد الرحمن: ثم أردف رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بعلي بن أبي طالب، وأمره أن يؤذّنَ ببراءة، قال أبو هريرة: فأذّن معنا علي يوم النحر في أهل منىً ببراءة، وأنّ لا يحجّ بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريانٌ(١).

فانظر أيها القارئ كيف تتمُّ عملية التشويه للأحاديث والأحداث حسب الأغراض والأهواء المذهبية، فهل هناك شبهٌ بين ما رواه البخاري في هذه القضية، وما رواه غيره من المحدّثين والمفسّرين من علماء أهل السنة؟!

والبخاري هنا يجعل أبا بكر هو الذي بعث أبا هريرة، ومؤذّنين يؤذّنون بمنى أن لا يحجّ بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريانٌ، ثمّ يدخلُ قول حميد بن عبد الرحمن بأنّ رسول الله أردف بعلي بن أبي طالب، وأمره أنْ يؤذّن ببراءة.

ثمّ يأتي من جديد قول أبي هريرة بأنّ علي شاركهم في الأذان يوم

١- صحيح البخاري ٥: ٢٠٢.

٤٤٢

النحر ببراءة، وأن لا يحجّ بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان!!

وبهذا الأُسلوب قضى البخاري على فضيلة علي بن أبي طالب، في أنّه هو الذي أَردفه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ليبلّغ عنه براءة، بعدما جاءهُ جبرئيل وأمره عن الله بعزل أبي بكر من تلك المهمة، وقال له: "لن يؤدي عنك إلاّ أنتَ أو رجلٌ منك".

فصعب على البخاري أن يعزل أبو بكر بوحي من الله تعالى، ويُقدّم عليّ ابن أبي طالب عليه، وهذا ما لا يرتضيه البخاري أبداً، فعمد إلى الرواية فدَلّسها كغيرها من الرّوايات.

وكيف لا يتنبّه الباحث لهذا الدّس والتزوير، وخيانة الأمانة العلمية، خصوصاً وهو يقرأ أنّ أبا هريرة يقول: بعثني أبو بكر في تلك الحجّة في مؤذّنين بعثهم يوم النحر! فهل كان أبو بكر هو الذي يُسيّرُ الأُمورَ حتى في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)؟ وكيف أصبح المبعوث هو البَاعث الذي يختارُ مؤذّنينَ من بين الصحابة يا تُرى؟

وتمعّن في أُسلوب البخاري كيف قلَّب كلّ شيء، فأصبح علي بن أبي طالب ـ المبعوث من قبل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لأداء تلك المهمّة التي لا يصلح لها سِواهُ ـ شريكَ النّداء مع أبي هريرة وبقية المؤذّنين، دون التعرّض لعزل أبي بكر ولا رجوعه يبكي ـ كما في بعض الروايات ـ ولا التعرّض إلى قول النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "جاءني جبرئيل فقال: لن يؤدّي عنك إلاّ أنت أو رجلٌ منك"؟!

لأنّ ذلك الحديث هو بمثابة وسام الشّرف الذي قلّده رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لابن عمِّه ووصيّه على أُمّته علي بن أبي طالب، ثمّ هو صريح بأنّ ذلك

٤٤٣

ماجاء به جبرئيل حسب الحديث النّبوي، فلا يبقى بعده مجال للمتأوّلين أمثال البخاري في أنّه رأيُ محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي هو كسائر البشر، والذي يُخطئُ، كغيره، فالأولى للبخاري حينئذ أنْ يُبعدَ هذه الرواية ويطرحها كلّياً من حسابه كما طرح غيرها.

فتراه يخرج في صحيحه في كتاب الصلح، باب كيف يكتب هذا ما صالحَ فلان بن فلان، قول الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لعلي بن أبي طالب: "أنتَ منِّي وأنا منك" في قضية اختصام علي وجعفر وزيد على ابنة حمزة، في حين أنّ ابن ماجة، والترمذي، والنسائي، والإمام أحمد، وصاحب كنز العمّال، كلّهم يخرجون قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "علي منّى وأنَا من علي، ولا يؤدّي عنّي إلاَّ أنَا أو علي"(١)قالها في حجّة الوداع، ولكن أنّى للبخاري أن يُخرجَ ذلك؟!

٧ ـ أضف إلى ذلك أنّ الإمام مسلم أخرج في صحيحه من كتاب الإيمان، باب الدّليل على أنّ حبّ الأنصار وعلىّ من الإيمان وعلاماته وبغضهم من علامات النّفاق:

عن علىّ قال: "والذي فلق الحبّة، وبرأ النسمة، إنّه لعهْدُ النبىُّ الأُمّي (صلى الله عليه وآله وسلم) إليَّ: أنْ لا يُحبّني إلاّ مؤمنٌ، ولا يبغضُني إلاّ منافِقٌ".

١- مسند أحمد ٤: ١٦٥، سنن ابن ماجة ١: ٤٤ ح١١٩، سنن الترمذي ٥: ٢٩٩ ح٣٨٠٣ وصححه، المصنف لابن أبي شيبة ٧: ٤٩٥ ح٨، كتاب السنة لابن أبي عاصم: ٥٨٤ ح١٣٢٠، السنن الكبرى للنسائي ٥: ٤٥ ح٨١٤٧، المعجم الكبير للطبراني ٤: ١٦، الجامع الصغير للسيوطي ٢: ١٧٧ ح٥٥٩٥، كنز العمال ١١: ٦٠٣ ح٣٢٩١٣، تاريخ دمشق ٤٢: ٣٤٥، تهذيب الكمال للمزي ٥: ٣٥، سير أعلام النبلاء ٨: ٢١٢ وسنده صحيح.

٤٤٤

وأكّد المحدّثون وأصحاب السنن قول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لعَلي: "ولا يحبّك إلاّ مؤمن، ولا يبغضك إلاّ منافقٌ"(١).

أخرجه الترمذي في صحيحه، والنسائي في سننه، ومسند أحمد بن حنبل، والبيهقي في سننه، والطبري في ذخائر العقبى، وابن حجر في لسان الميزان، ولكنّ البخاري رغم ثبوت هذا الحديث عنده، والذي أخرجه مسلم ورجاله كلّهم ثقات لم يخرج هذا الحديث; لأنّه فكّر ثمّ قدّر، بأنّ المسلمين سيعرفون نفاق كثير من الصّحابة، ومن المقرّبين للرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم).

بهذه الإشارة التي رسمها من لا ينطق عن الهَوى إن هُو إلاّ وحيٌّ يُوحَى، كما أن الحديث في حدّ ذاته فضيلة كبرى لعلي وحدَه دونَ سائر الناس، إذ به يُفرقَ الحقّ من الباطل، ويعرفُ الإيمان من النّفاق.

فهو آية الله العُظمى، وحجّته الكبرى على هذه الأُمة، وهو الفتنةُ التي يختبر الله بها أُمّة محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد نبيّها، ورغم أن النّفاق هو من الأسرار الباطنية التي لا يطّلعُ عليها إلاّ من يعلم خائنة الأعيُن وما تُخفي الصدور، ولا يعرفها إلاّ علاّم الغيوب، فإنّ الله سبحانه تفضّلا منه ورحمةً بهذه الأُمّة وضع لها علامةً، ليهلك من هلك عن بيّنة، وينجو من نجا عن بينة.

١- مسند أحمد ١: ٩٥ وقال الشيخ أحمد شاكر: "إسناده صحيح وهو مكرّر ٦٤٢"، سنن الترمذي ٥: ٣٠٦ ح٣٨١٩ وصحّحه، السنن الكبرى للنسائي ٥: ١٣٧ ح٨٤٨٧، مسند أبي يعلى ١: ٢٥١ ح٢٩١، المعجم الأوسط ٢: ٣٣٧، تاريخ بغداد ٨: ٤١٦، تاريخ دمشق ٤٢: ٢٧١، أُسد الغابة ٤: ٢٦، تذكرة الحفاظ للذهبي ١: ١٠، سير أعلام النبلاء للذهبي ٥: ١٨٩، الإصابة ٤: ٤٦٨، البداية والنهاية ٧: ٣٩١ وغيرها من المصادر.

٤٤٥

وأضْربُ لذلك مثالا واحداً على ذكاء البخاري وفطنته من هذه النّاحية، ولذلك أعتقد شخصيّاً بأنّ أهل السنّة من الأسلاف فضّلوه وقدّموه لهذه الخاصيّة التي يمتاز بها على غيره، فهو يحاول جهده أن لا يتناقض بأحاديث تخالف مذهبه الذي اختاره وتبنّاه.

فقد أخرج في صحيحه من كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها، باب هبة الرّجل لامرأته والمرأة لزوجها:

قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله، قالت عائشةُ رضي الله عنها: لما ثَقُلَ النّبيُّ (صلى الله عليه وآله وسلم) فاشتدّ وجعُهُ، استأذن أزواجه أن يُمرضَ في بيتي فأذِنَّ لَهُ، فخرجَ بينَ رجُلينِ تَخُطُّ رجلاَهُ الأرضَ، وكانَ بينَ العبّاسِ وبين رجل آخَرَ، فقال عبيد الله: فذكرتُ لابن عبّاس ما قالتْ عائشةُ، فقال لي: وهلْ تدري من الرَّجُلُ الذي لم تُسَمِّ عائشة؟ قلتُ: لا! قال: هو علىّ بن أبي طالب.

وهذا الحديث بالضبط أخرجه ابن سعد في طبقاته بسند صحيح في جزئه الثاني في صفحة ٢٩، وكذلك صاحب السيرة الحلبية، وغيرهم من أصحاب السنن وفيه: "إنّ عائشة لا تَطيبُ له نفساً بخير"(١).

والبخاري أسقط هذه الجملة التي يستفاد منها أنّ عائشة تبغض عليّاً ولا تَطيق ذكر اسمه، ولكن فيما أخرجه كفاية ودلالة واضحة لمن له دراية بمعارض الكلم; وهل يخفى على أىّ باحث قرأ التاريخ ومحّصة، بغض أُمّ

١- مسند أحمد ٦: ٢٢٨، عنه الألباني في إرواء الغليل ١: ١٧٨ وصحّحه، الطبقات الكبرى ٢: ٢٣٣، السيرة الحلبية ٣: ٤٨٦.

٤٤٦

المؤمنين لسيّدها ومولاها علي بن أبي طالب(١)، حتّى إنّها عندما وصلَ إليها خَبرُ قتلِه سجدتْ شكراً لله(٢).

وعلى كلّ حال رحمَ الله أُمّ المؤمنين وغفرَ لهَا كرامةً لزوجها، ونحنُ لا نضيّق رحمة الله التي وسعتْ كلّ شي، وكان بودّنا لو لم تكن تلك الحروب والفتن والمآسي، التي تسبّبتْ في تفريقنا وتشتيت شملنا وذهاب ريحنا، حتى أصبحنا اليوم طعمة الآكلين، وهدف المستعمرين، وضحيّة الظّالمين، فلا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم.

انتقاصُ أهل البيت روايات تعجب البخاري

ومع الأسف الشديد فإنّ الإمام البخاري اختار طريقه، وسلك سبيله ضمن مدرسة الخُلفاء التي شيّدتها السلطة الحاكمة، أو أنّ تلك المدرسة هي التي اختارت البخاري وأمثاله، وصنعتْ منهم ركائز وأركان ورموز لتدعيم سلطانهم، وترويح مذهبهم، وتصريف اجتهاداتهم التي أصبحتْ في عهد الأمويين والعباسيين سوقاً رائجة، وسلعة رابحة لكلّ العلماء الذين تسابقوا وتَباروا لتأييد الخليفة، بكلّ أساليب الوضع والتّدْليس الذي يتماشى

١- جاء في الغدير ١: ٦٦٦ عن الحافظ ابن سمان كما في الرياض النضرة ٣: ١١٥، وذخائر العقبى: ٦٨، ووسيلة المآل: ١١٩، والمناقب للخوارزمي: ١٦٠ ح١٩١، والصواعق المحرقة: ١٧٩ عن الحافظ الدارقطني عن عمر وقد جاءه أعرابيان يختصمان فقال لعليّ: اقض بينهما، فقال أحدهما: هذا يقضي بيننا؟ فوثب إليه عمر وأخذ بتلبيبه وقال: ويحك ما تدري من هذا، هذا مولاي ومولى كلّ مؤمن، ومن لم يكن مولاه فليس بمؤمن.

٢- مقاتل الطالبيين: ٥٥ وفيه: "لما أن جاء عائشة قتل عليّ سجدت".

٤٤٧

والسّياسة القائمة، كلّ ذلك لينالوا عند الحاكم الجاه والمال، فباعوا أُخراهم بدنياهم، فما ربحت تجارتهم، ويوم القيامة يندمون ويخسرون.

فالناس ناس، والزمان زمان، فأنتَ ترى اليوم نفس الأساليب ونفس السّياسة، فكم من عالم جليل هو حبيس داره لا يعرفه النّاس، وكم من جاهل تربّع على منبر الخطابة، وإمامة الجماعة، والتحكّم بمصير المسلمين; لأنّه من المقرّبين الذين نالوا رضَى النظام وتأييده، وإلاّ قل لي بربّك كيف يفسّر عزوف البخاري عن أهل بيت النبي الذين أذهب الله عنهم الرّجس وطهّرهم تطهيراً؟

كيف يفسّر عداء البخاري لهدي الأئمة الذين عاصر وعايش البعض منهم زمن البخاري، ولم يروِ عنهم إلاّ ما هو مكذوب عليهم; للحطّ من قدرهم السّامي، والطعن في عصمتهم الثابتة بالقرآن والسنّة، وسنوافيك ببعض الأمثلة على ذلك.

ثمّ إنّ البخاري ولّى وجهه شطر النّواصب والخوارج الذين حاربوا أهل البيت وقتلوهم، فتراه يروي عن معاوية، وعن عمرو بن العاص، وعن أبي هريرة، وعن مروان بن الحكم، وعن مقاتل بن سليمان الذي عُرف بالدّجال(١)، وعن عمران بن حطّان عدوّ أمير المؤمنين وعدوّ أهل البيت،

١- قال ابن حبان في كتاب المجروحين ٣: ١٤ "كان يأخذ عن اليهود والنصارىعلم القرآن الذي يوافق كتبهم وكان شبيهاً يشبّه الرب بالمخلوقين" وعن أبي حنيفة قال: "أتانا من المشرق رأيان خبيثان: جهم معطل، ومقاتل مشبه" سير أعلام النبلاء ٧: ٢٠٢، ومقاتل هذا وقع في سند رواية رواها البخاري في تاريخه

=>

٤٤٨

<=

الكبير ٤: ٢٩٢ ح٢٨٦٦. وقال الذهبي في كتاب ميزان الاعتدال ١: ١٦٠ رقم ٥٩٦٠ ترجمة علي بن هاشم: "ترك البخاري إخراج حديثه فإنّه يتجنّب الرافضة كثيراً... ولا نراه يتجنّب القدريّة ولا الخوارج ولا الجهميّة".

وقد ذكر صاحب كتاب كشف الجاني: ١٣٩ أنّ معاوية وعمرو بن العاص وأبا هريرة صحابة، والصحبة كافية للحكم بالعدالة كما هو مبنى السنّة، وقد قدّمنا فيما سبق بعض أحوال معاوية، وبعض تصرّفات أبي هريرة وتدليساته؟.

وذكر صاحب كشف الجاني أنّ مروان بن الحكم غير متّهم في حديثه.

وهذا رميٌ للكلام بدون تثبت; إذ ذكره الذهبي في كتابه المغني في الضعفاء ٢: ٣٩٧ ترجمة ٦١٦٦، وقد ذكر في مقدّمة كتابه أنّه خصّصه في: (ذكر الكذابين الوضاعين، ثمّ على ذكر المتروكين الهالكين ثمّ على الضعفاء من المحدّثين الناقلين، ثمّ على الكثير الوهم من الصادقين، ثمّ على الثقات الذين فيهم شيء من اللين.. ثمّ على خلق كثير من المجهولين..".

وفي صحيح ابن حبّان ٣: ٣٩٦: "قال أبو حاتم رضي الله عنه: عائذ بالله أن نحتجّ بخبر رواه مروان بن الحكم وذووه في شيء من كتبنا".

وقال عنه الشيخ الألباني في مختصر صحيح البخاري ١: ١٩٠: "فيه كلام معروف عند المحدّثين".

وقال ابن حجر في تهذيب التهذيب ١٠: ٩٢: "وعاب الإسماعيلي على البخاري تخريج حديثه وعدّ من موبقاته أنّه رمى طلحة أحد العشرة يوم الجمل".

وقال ابن حزم: "مروان بن الحكم أوّل من شقّ عصى المسلمين بلا شبهة ولا تأويل، وإنه قتل النعمان بن بشير أوّل مولود في الإسلام للأنصار" المغني في معرفة رجال الصحيحين: ٢٣٥. هذا من جهة منزلة مروان بن الحكم عند المحدّثين.

وأمّا سيرته وأفعاله فهي كالنار على المنار، مليئة بالخيانة والحقد على المسملين، قال عنه الذهبي في ميزان الاعتدال ٤: ٨٩: "له أعمال موبقة، نسأل

=>

٤٤٩

<=

الله السلامة، رمى طلحة بسهم".

وفي سير أعلام النبلاء ١: ٣٥: "عن قيس قال: رأيت مروان بن الحكم حين رمى طلحة يومئذ بسهم فوقع في ركبته فما زال ينسح حتى مات، رواه جماعة عنه.

ولفظ عبد الحميد بن صالح: هذا أعان على عثمان ولا أطلب بثأري بعد اليوم.

قلت: قاتل طلحة في الوزر بمنزلة قاتل علياً".

وقال عنه الذهبي في تاريخ الإسلام ١: ٢٣٤: "كان يوم الحرّة مع مسلم بن عقبة، وحرّضه على أهل المدينة..."، وارجع إلى حديث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في صحيح مسلم ٤: ١٢١ "من أراد أهلها بسوء (يريد المدينة) أذابه الله كما يذوب الملح في الماء" فهو ممّن شمله دعاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو من أصحاب النار.

وفي سير أعلام النبلاء ٣: ٤٧٧: "كان مروان أميراً علينا، فكان يسبّ رجلا كلّ جمعة، ثمّ عزل بسعيد بن العاص، وكان سعيد لا يسبه، ثمّ أُعيد مروان فكان يسبّ، فقيل للحسن: ألا تسمع ما يقول؟ فجعل لا يردّ شيئاً.." وقد ذكر في تاريخ الإسلام ١: ٢٣٥ اسم ذلك الرجل الذي كان يسبه مروان وهو علي بن أبي طالب (عليه السلام).

وذكر في كشف الجاني أيضاً بأنّ المؤلّف كذب حينما قال: بأنّ البخاري يروي عن المجسّمة والمجاهيل!

وهذا ـ أيضاً ـ من جهل صاحب كتاب كشف الجاني إذ بمراجعة بسيطة لمقدّمة فتح الباري وغيرها يجد أنّ هنالك العديد من المجاهيل بل والمتهمين بالكذب ممّن روى البخاري عنهم، نورد بعض الأسماء ومن أراد الاستزادة فليرجع إلى مقدّمة فتح الباري:

فمن الرواة المجاهيل الذين روى عنهم البخاري:

١ـ إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي ربيعة: قال القطان الفاسي: لا يعرف حاله. هدي الساري إلى فتح الباري، ابن حجر ٥٤٨.

٢ـ أسباط أبو اليسع: قال أبو حاتم: مجهول. المصدر السابق ٥٤٩.

=>

٤٥٠
٤٥١

<=

ص٥٩٦.

٤ـ أحمد بن صالح أبو جعفر المصري: قال النسائي: ليس بثقة ولا مأمون. وقال أيضاً: تركه محمّد بن يحيى ورماه يحيى بن معين بالكذب، هدي الساري: ٣٨٣ وقال معاوية بن صالح عن ابن معين: أحمد بن صالح كذاب يتفلسف، الضعفاء والمتروكين ٥٦، تهذيب التهذيب ١: ٣٩.

٥ـ إسماعيل بن عبد الله بن أبي أُويس بن مالك بن أبي عامر المدني: قال يحيى ابن معين، مخلط يكذب ليس بشيء.

وقال الدولابي: سمعت النظر بن سلمة المروزي يقول: كذّاب كان يحدث عن مالك بمسائل ابن وهب. ميزان الاعتدال ١: ٢٢٢ رقم ٨٥٤ تهذيب التهذيب ١: ٣١٠، الضعفاء والمتروكين: ٥١، المغني في معرفة رجال الصحيحين: ٣٥، ١٩٢.

٦ـ الحسن بن مدرك بن بشير أبو علي البصري الطحان: قال أبو داوود: الحسن ابن مدرك كذّاب، كان يأخذ أحاديث فهد بن عوف فيقلبها على يحيى بن حمّاد. ميزان الاعتدال ١: ٥٢٢ رقم ١٩٤٩.

٧ـ كعب بن مانع المعروف بكعب الأحبار: كان يهودياً فأسلم، وقد شكّك في إخلاصه للإسلام وتركه اليهودية، كذّبه ابن عباس وابن مسعود وحذيفة في قولهم: كذب كعب (البداية والنهاية ٣: ٣١٦)، وما ترك يهوديته، أو ما تنكت اليهودية في قلب عبد فكادت أن تفارقه (تفسير القرطبي ١٤: ٢٢٧، تفسير ابن كثير ٣: ٥٦٢).

وذكر السيّد رشيد رضا في كتابه بما جاء عنه في صحيح البخاري على لسان معاوية: كان كعب الأحبار من أصدق المحدّثين الذين يحدّثون عن أهل الكتاب. قال السيّد رشيد رضا: أدخل على المسلمين شيئاً كثيراً من الاسرائيليات الباطلة والمخترعة، وخفي على كثير من المحدثين كذبه ودجله لتعبده. تفسير المنار ٨: ٤٤٩.

الرواة المغموز فيهم وهم كثير نذكر بعضهم:

=>

٤٥٢

شاعر الخوارج وخطيبهم الذي كان يتغنّى بمدحه لابن ملجم المرادي على قتله علي بن أبي طالب.

كما كان البخاري يحتجّ بحديث الخوارج والمرجئة والمجسمة، وبعض المجاهيل الذين لا يعرف الدّهرُ لهم وجوداً(١).

<=

١ـ أيوب بن عائذ الطائي الكوفي:

ممّن أخرج له البخاري وأورد اسمه في كتاب الضعفاء (الضعفاء الصغير للبخاري: ٢٤) قال الذهبي: والعجب من البخاري يغمزه وقد احتجّ به. ميزان الاعتدال ١: ٢٨٩.

٢ـ ثابت بن محمّد الكوفي الشيباني: ذكره في الضعفاء وقال أبو زرعة العراقي: والعجب من البخاري من ذكره في الضعفاء مع احتجاجه به في الصحيح. الجرح والتعديل ٢: ٤٥٧، المغني في معرفة رجال الصحيحين: ٤٨، ٣٠٤، ديوان الضعفاء والمتروكين ١: ١٣٦.

إلى غير ذلك، وهناك الكثير من الرواة المصرّح بضعفهم روى عنهم البخاري، من شاء يرجع إلى مقدّمة ابن حجر لكتابه فتح الباري.

وأمّا المجسّمة الذين روى عنهم البخاري، فقد قدّمنا ذكر مقاتل بن سليمان الذي روى عنه البخاري في التاريخ الكبير، وكان مجسّماً كما ذكر ابن حبّان.

ونقول بعد هذا: إنّ صاحب كتاب كشف الجاني وغيره ممّن يحذو حذوه من المتعصّبين يسارعون في الطعن على غيرهم، مع جهلهم الشديد بما هو مسطور ومدوّن في أُمهات مصادرهم، فكان الأحرى بهم إصلاح عيوبهم قبل التفتيش عن عيوب الآخرين.

١- كما روى عن حمّاد بن حميد في صحيحه ٨: ١٥٨ وقال الذهبي في ميزان الاعتدال ١: ٥٨٩ رقم: ٢٢٤٣ "محدّث لا يدرى من هو" ومنهم عطاء أبو الحسن السوائي قال ابن حجر في تهذيب التهذيب ٧: ١٩٥ "قرأت بخط الذهبي: لا يعرف".

٤٥٣

وقد جاء في صحيحه إضافة إلى الكذب والتدليس من الرّواة المشهورين بذلك، بعض الرّوايات السّخيفة والبشعة، مثال ذلك ما رواه في صحيحه من كتاب النكاح باب ما يحلّ من النّساء وما يحرُمُ وقوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ اُمَّهَاتُكُمْ} إلى آخر الآية.

قال في آخر الباب: لقوله تعالى {وَاُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} ، وقال عكرمة عن ابن عبّاس: إذا زنى بأُخت أمرأتِهِ لم تحرم عليه أمرأتُهُ، ويروى عن يحيى الكندي عن الشعبي وأبي جعفر فيمن يلعبُ بالصبىِّ إن أدخله فيه فلا يتزوّجنَّ أُمَّهُ.

وقد علّق على هذا الكلام شارح البخاري في الهامش بقوله: "اللاّئق بمنصب العلماء أن يجلّوا قدرهم عن كتب مثل هذا الكلام والتفوّه به".

كما أخرج في صحيحه من كتاب تفسير القرآن، باب "نساؤكم حرث لكم" عن نافع قال: كان ابن عمر رضي الله عنهما إذا قرأ القرآن لم يتكلّم حتّى يفرُغُ منه، فأخذت عليه يوماً فقرأ سورة البقرة حتى انتهى إلى مكان، قال: تدري فيما أُنزلتْ؟ قلت: لا، قال: أُنزلت في كذا أو كذا، ثمّ مضى.

وعن نافع عن ابن عمر "فأتوا حرثكم أنّى شِئتم" قال: يأتيها في(١). وعلّق الشارح بقوله: قوله في... بحذف المجرور وهو الظرف أي في الدّبر، قيل: وأسقط المؤلّف ذلك لاستنكاره، كذا في الشارح.

كنت يوماً في جامعة السربون بباريس أتحدّث عن أخلاق النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وخُلقه العظيم الذي تحدّث عنه القرآن، وعُرفَ به النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى قبل البعثة

١- صحيح البخاري ٥: ١٦٠.

٤٥٤

فسمّوه الصّادق الأمين، ودامت المحاضرة ساعة تقريباً، أوضحت خلالها بأنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكنْ محارباً ولا غاصباً لحقوق الإنسان في تقرير مصيره، وفرض دينه بالقوّة والقهر كما يدّعي بعض المستشرقين.

وخلال المناقشة التي شارك فيها نخبةٌ من الأساتذة والدكاترة المختصّين بالإسلام وتاريخ المسلمين وجلّهم مستشرقون، وانتصرتُ نوعاً ما على المناوئين الذين أثاروا بعض الشُبهات، ولكنّ أحدَهُم وهو عربي مسيحي طاعنٌ في السنّ (أعتقد أنّه لبناني) اعترض علىَّ بأُسلوب فيه خبث ودهاء، فكاد يقلب انتصاري إلى هزيمة نكراء.

قال هذا الدكتور بلسان عربي فصيح: بأنّ ما ذكرته في المحاضرة فيه كثير من المبالغة، وبالخصوص فيما يتعلّق بعصمة النبي، إذ أنّ المسلمين أنفسهم لا يوافقُونك على ذلك، وحتّى محمّد نفسه لا يوافق على ذلك، فقد قال عديد المرّات، بأنّه بَشَرٌ يجوز عليه الخطأ، وقد سجّل له المسلمون أخطاءً عديدة نحن في غِنىً عن التعريف بها، وكُتب المسلمين الصحيحة والمعتمدة عندهم تشْهَدُ على ذلك.

ثمّ قال: وأما بخصوص الحروب فما على حضرة المحاضر إلاّ مراجعة التاريخ، ويكفي أن يقرأ فقط كتب الغزوات التي قام بها محمّد في حياته، ثم واصلها الخلفاء الراشدون بعد وفاته حتى وصلوا إلى (poitier) مدينة بواتييه بغرب فرنسا، وفي كلّها كانوا يفرضون دينهم الجديد على الشعوب بالقهر وقوّة السّيف.

وقابل الحاضرون كلامه بالتصفيق مؤيدين مقالتَهُ، وحاولتُ بدوري

٤٥٥

إقناعهم بأنّ ما ذكرَهُ الدكتور المسيحي غير صحيح، وإن أخرجه المسلمون في كُتُبهم، وارتفعت ضجة من الضّحك في القاعة استهزاء وسخرية منّي.

وتدخّل الدكتور المسيحي من جديد ليقول لي بأنّ ما ذكره ليس من الكتب المطعون فيها، وإنّما هو في صحيح البخاري ومسلم.

وقلت: بأنّ هذه الكتب صحيحة عند أهل السنّة، أمّا عند الشيعة فلا يقيمون لها وزناً، وأنا مع هؤلاء.

فقال: نحن لا يهمّنا رأي الشيعة الذين يكفّرهم أغلب المسلمين، والمسلمون السنّة وهم أكثر من الشيعة عشر مرّات لا يقيمون لآراء الشيعة وزناً، ثمّ أضاف قائلا: إذا تفاهمتم أنتم المسلمون مع بعضكم البعض، وأقنعتم أنفسكم بعصمة نبيّكم، عند ذلك يمكن أن تُقنعونا نحن (قال ذلك ضاحكاً متهكماً).

ثمّ التفت إلىَّ من جديد قائلا: وأمّا بخصوص الأخلاق الحميدة، فأنا أسألك أن تقنع الحاضرين كيف تزوّج محمّد الذي بلغ من العمر أربعاً وخمسين بعائشة وعمرها ستّ سنين؟

وارتفعت من جديد ضجة الضّحك وأشرأبّت الأعناقُ تنتظر ردّي، وحاولتُ جهدي إقناعهم بأنّ الزواج عند العرب يتمّ على مرحلتين، المرحلة الأولى وهو العقد وكتب النّكاح، والمرحلة الثانية وهو البناء والدخول، وقد تزوّج النّبي عائشة وعمرها ستّ سنوات، ولكن لم يدخل بها إلاّ بعد أن بلغت تسع سنوات.

واستطردت بأنّ هذا ما يقوله البخاري إن كان مُناقشي يحتجّ علىَّ بما فيه.

٤٥٦

وأنا شخصياً أشكّ في صحة الرواية; لأنّ النّاس في ذلك الزمان لم يكن لهم حالة مدنية، ولا تسجيل تاريخ الميلاد ولا تاريخ الوفاة، وعلى فرض صحة الرواية فإنّ عائشة بلغتْ سنّ الرشد في التاسعة من عمرها، فكم رأينا اليوم على شاشة التلفزيون بعض الفتيات الروسيات والرومانيات لاعبات "الجمباز" اللاّتي عندما تراهنّ وترى كمال أجسامهن تستغرب عندما يُعلنُون عن عمرها، وأنّها لم تتجاوز إحدى عشر عاماً، فلا شكّ بأنّ النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يدخل بها إلاّ بعدما رشدت وأصبحت تحيض، والإسلام لا يقول بالرشد لمن بلغ ثمانية عشر عاماً كما هو معروف عندكم في فرنسا، بل الإسلام يعتبر الرشد بالحيض للنّساء وبخروج المني للرّجال، وكلّنا يعلم حتّى اليوم بأنّ من الذكور من يمنون في سنّ العاشرة، ومن الإناث من يحضن في سنّ مبكرة قد لا تتجاوز العاشرة.

وهنا قامت سيدةٌ وتدّخلت لتقول: نعم وعلى فرض أنّ ما أوردتَه قد يكون صحيحاً وهو صحيح علميّاً، ولكنْ كيف نقبل بزواج شيخ كبير أوشكّ عمره على نهايته بفتاة صغيرة ما زالت في العقد الأول من عمرها؟

قلتُ: إنّ محمّداً نبىّ الله ولا يفعل شيئاً إلاّ بوحي منه، ولا شكّ أنّ لله في كلّ شيء حكمة، وإن كنتُ شخصيّاً أجهل الحكمة في ذلك.

قال الدكتور المسيحي: لكنّ المسلمين اتّخذوا ذلك سنّة، فكم من فتاة صغيرة زوّجها أبوها غصْباً عنها برجل يوازيه في السنّ، ومع الأسف فإن هذه الظاهرة بقيت حتّى اليوم موجودة.

انتهزتُ هذه الفرصة لأقول: ولذلك أنا تركتُ المذهب السنّي واتّبعتُ

٤٥٧

المذهب الشيعي، لأنّه يعطي حقّ المرأة في أن تزوّج نفسها بمن شاءتْ هي لا بما يفرضه عليها الولي.

قال: دعنا من السنّة والشيعة ولنعد إلى زواج محمّد بعائشة، والتفت إلى الحاضرين ليقول بكلّ سخرية: إن محمّداً النبىّ والبالغ من العمر أكثر من الخمسين يتزوج بُنيّةً صغيرة لا تفهم من الزواج قليلا ولا كثيراً، والبخاري يحدّثنا بأنّها كانت في بيت زوجها تلعبُ بالدُّمَى، وهذا يؤكّد على براءة الطفولة، فهل هذه هي الأخلاق العالية التي يمتاز بها النّبي؟

وحاولت من جديد إقناع الحاضرين بأنّ البخاري ليس حجّة على النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولكن بدون جدوى، فقد لعب هذا المسيحي اللّبناني بأفكارهم كما أرَادَ، وما كان لي إلاّ أنْ أوقفْتُ النّقاشَ متذرّعاً بأنّنا لا نتكلّم نفس اللّغة; لأنّهم يحتجّون علىّ بالبخاري في حين أنّني لا أؤمن بكلّ ما ورد فيه.

وخرجتُ ناقماً على المسلمين الذين أعطوا لهؤلاء ولأعداء الإسلام وأعداء محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) السّلاح النافذ الذي يحاربوننا به وعلى رأس هؤلاء البخاري، ورجعت للبيت يومها مهموماً، وأخذت أتصفّح صحيح البخاري وما ذكره في فضائل عائشة وأحوالها، فإذا بي أقولُ: الحمد لله الذي فتح بصيرتي، وإلاّ لبقيتُ متحيّراً في شخصية الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، وربّما داخلني الشكّ فيه والعياذ بالله.

ولابدّ من إظهار بعض الروايات التي أُثيرتْ خلال المناقشة، حتى يتبين للقارئ بأنّ هؤلاء المنتقدين لم يفتروا علينا، وإنّما وجدوا بغيتهم في صحاحنا فاستعانوا بها علينا.

٤٥٨

فقد أخرج البخاري في صحيحه من كتاب بدء الخلق، باب تزويج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عائشة وقدومه المدينة وبنائه بها:

عن عائشة رضي الله عنها قالت: تزوجني النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأنا بنتُ ستّ سنين، فقدمنا المدينة فنزلنا في بني الحرث بن خزرج، فوعكت فتمرّقَ شعري فوفى جميمةٌ، فأتتني أمّي أمّ رومان وإنّي لفي أرجوحة ومعي صواحبُ لي، فصرختْ بي فأتيتها لا أدري ما تريدُ بي، فأخذت بيدي حتى أوقفتني على باب الدّار، وإنّي لأنهجُ حتّى سكنَ بعض نفسي، ثمّ أخذت شيئاً من مَاء فمسحت به وجهي ورأسي، ثمّ أدخلتني الدار فإذا نسوةٌ من الأنصار في البيت، فقلن: على الخير والبركة وعلى خير طائر، فأسلمتني إليهنّ فأصلحن من شأني، فلم يرعني إلاّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ضُحىً فأسلمتني إليه، وأنا يومئذ بنتُ تِسْعِ سنينَ.

وأترك لك أيها القارئ لتعلّق بنفسك على أمثال هذه الرّوايات!!

كما أخرج البخاري في صحيحه من كتاب الأدب، باب الانبساط إلى النّاس:

عن عائشة رضي الله عنها قالت: كنتُ ألْعبُ بالبناتِ عند النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وكان لي صواحِبُ يلعبْنَ معي، فكان رسولُ الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا دخل يتَقمَّعْنَ منه فيسرَّ بهنَّ إلىَّ فيلْعَبْنَ مَعِي.

يقول الشارح: ألعب بالبنات، يعني التماثيل المسمّاة بلعب البنات، ويسربهنّ إلىَّ: أي يبعثهن ويرسلهن إلىَّ.

وأنت تقرأ مثل هذه الروايات في صحيح البخاري، أيبقى عندك

٤٥٩

اعتراض بعدها على نقد بعض المستشرقين إن كنت منصفاً؟!

قل لي بربّك! عندما تقرأ قول عائشة لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) "ما أرى ربّك إلاّ يُسَارِعُ في هواكَ"(١).

ماذا يبقى في نفسك من احترام وتقدير لامرأة كهذه التي تشكّك في نزاهته (صلى الله عليه وآله وسلم)؟! وهل لا يبعثُ ذلك في نفسك أنّها تصرّفات مراهقة لم يكتمل عقلها؟!

وهل يلامُ بعد ذلك أعداء الإسلام الذين كثيراً ما يثيرون حبّ محمّد للنّساء وأنّه كان شهوانيّاً، فإذا قرأوا في البخاري بأنّ الله يسارع في هواه، ويقرأون في البخاري بأنّه كان يجامع إحدى عشرة زوجة في ساعة واحدة وقد أُعطِيَ قوّة ثلاثين، فاللّوم على المسلمين الذين أقرّوا مثل هذه الأباطيل واعترفوا بصحّتها، بل واعتبروها كالقرآن الذي لا يتطرّق إليه الشكّ، ولكنّ هؤلاء مسيّرون في كلّ شيء حتّى في عقيدتهم، وليس لهم خيارٌ في شيء، لقد فرضتْ عليهم هذه الكتب من الحكّام الأوّلين، وهلّم بنا الآن إلى الرّوايات التي أخرجها البخاري للطّعن على أهل البيت:

فقد أخرج في صحيحه من كتاب المغازي، باب شهود الملائكة بدراً ٥: ١٦:

عن علي بن حسين، أنّ حسين بن علي أخبره أنّ عليّاً قال: كانتْ لي شارف من نصيبي من المغنم يوم بدر، وكان النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أعطاني ممّا أفاء الله

١- صحيح البخاري ٦: ٢٤، كتاب تفسير القرآن، باب قوله تعالى: (تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكَ).

٤٦٠