×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

فاسألوا أهل الذكر (تحقيق مركز الأبحاث العقائدية) / الصفحات: ٤١ - ٦٠

٣ ـ "تفسير الطبري" في جزئه الرابع عشر الصفحة ١٠٩.

٤ ـ تفسير الآلوسي المسمّى "روح المعاني" في جزئه الرابع عشر الصفحة ١٣٤.

٥ ـ "تفسير القرطبي" في جزئه الحادي عشر الصفحة ٢٧٢.

٦ ـ تفسير الحاكم المسمّى "شواهد التنزيل" في جزئه الأوّل الصفحة ٣٣٤.

٧ ـ "إحقاق الحقّ" في جزئه الثالث الصفحة ٤٨٢. [وقد أورد نزول الآية في أهل البيت عن مصادر أهل السنّة].

٨ ـ "ينابيع المودّة" للقندوزي الحنفي الصفحة ٥١ و١٤٠.

ولمّا كان أهل الذكر في ظاهر الآية هم أهل الكتاب من اليهود والنّصارى، كان لزاماً علينا أن نوضّح بأنّهم ليسوا المقصودين من الآية الكريمة.

أولاً: لأنّ القرآن الكريم ذكر في العديد من الآيات بأنّهم حرّفوا كلام الله، وكتبوا الكتاب بأيديهم، وقالوا هو من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلا، وشهد بكذبهم وتقليبهم الحقائق، فلا يمكن والحال هذه أن يأمر المسلمين بأن يرجعوا إليهم في المسائل التي لا يعلمونها.

ثانياً: روى البخاري في صحيحه في كتاب الشهادات باب لا يسألُ أهل الشرك من الجزء الثالث صفحة ١٦٣:

عن أبي هريرة، قال النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "لا تُصدّقوا أهلَ الكتاب ولا تكذّبوهم، وقولوا: آمنا بالله وما أُنزل... الآية".

٤١

وهو يفيد عدم الرجوع إليهم في المسألة وتركهم وإهمالهم; لأنّ عدم التصديق وعدم التكذيب ينفيان الغرض، وهو السؤال الذي ينتظر الجواب الصحيح.

ثالثاً: روى البخاري في صحيحه من كتاب التوحيد باب قول الله تعالى: {كُلَّ يَوْم هُوَ فِي شَأن} من جزئه الثامن صفحة ٢٠٨:

عن ابن عبّاس قال: "يا معشر المسلمين، كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء وكتابكم الذي أنزل الله على نبيكم (صلى الله عليه وآله وسلم) أحدث الأخبار بالله محضاً لم يُشبْ، وقد حدّثكم الله أنّ أهل الكتاب قد بدّلوا من كتب الله وغيّروا، فكتبوا بأيديهم وقالوا: هو من عند الله ليشتروا بذلك ثمناً قليلا، أولا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسألتهم؟! فلا والله ما رأينا رجُلا منهم يسألكم عن الذي أنزل عليكم".

رابعاً: لو سألنا أهل الكتاب من النّصارى اليوم، فإنّهم يدّعون بأنّ عيسى هو إله، واليهود يكذّبونهم ولا يعترفون به حتى نبيّاً، وكلاهما يكذّب بالإسلام ونبيّ الإسلام ويقولون عنه: كذّاب ودجّال! لكلّ هذا لا يمكنُ أن يُفهم من الآية بأنّ الله أمرنا بمساءلتهم.

ولمّا كان أهل الذكر في ظاهر الآية هم أهل الكتاب من اليهود والنصارى، فإنّ هذا لا ينفي أنّها نازلة في أهل بيت النبوّة كما ثبت عند الشيعة والسنّة من طرق صحيحة، وبذلك يُفهم منها أنّ الله سبحانه وتعالى أورث علم الكتاب الذي ما فرّط فيه من شيء إلى هؤلاء الأئمة الذين اصطفاهم من عباده; ليرجع إليهم النّاس في التفسير والتأويل، وبذلك تضمّن

٤٢

هدايتهم إذا ما أطاعوا الله ورسوله.

ولأنّ الله سبحانه وجلّتْ حكمته أراد أن يُخضِع النّاس عامّة إلى نخبة منهم، اصطفاهم وعلّمهم علم الكتاب، لكي تسهل القيادة وتنتظم أحوال النّاس بذلك، فلو غاب هؤلاء عن حياة النّاس لأصبح المجال مفتوحاً أمام المُدَّعين والجاهلين، ولَرَكِبَ كلُّ واحد هَوَاهُ، واضطربت أُمور النّاس ما دام كلّ واحد يمكنُه ادّعاء الأعلمية.

ولأُبَرْهِنَ على هذا الرأي، بعد اقتناعي بأنّ أهل البيت هم أهل الذكر فسأوردُ بعض الأسئلة التي ليس لها جواب عند أهل السنّة والجماعة، أو أنّ لها جواباً ولكن متكلّف لا يستند إلى حجّة يقبلها الباحث المحقّق، أمّا جوابُها الحقيقي فهو عند هؤلاء الأئمة الأطهار الذين ملأوا الدنيا علماً ومعرفةً، وعملا وصلاحاً.

٤٣

الفصل الأوّل
في ما يتعلّق بالخَالِق جلّ جلاله

السّؤال الأوّل: حول رؤية الله سبحانه وتجسيمه:

يقول الله سبحانه في كتابه العزيز: {لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ}(١)، {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}(٢)، ويقول لموسى لمّا طلب رؤيته: {لَنْ تَرَانِي}(٣).

فكيف تقبلُون بالأحاديث المرويّة في "صحيح البخاري" و"صحيح مسلم" بأنّ الله سبحانه يتجلّى لخلقه ويَروْنَه كما يرون القمر ليلة البدر(٤)، وأنّه ينزل إلى سماء الدنيا في كلّ ليلة(٥)، ويضع قدمه في النار فتمتلئ(٦)،

١- الأنعام: ١٠٣.

٢- الشورى: ١١.

٣- الأعراف: ١٤٣.

٤- صحيح البخاري ٧: ٢٠٥ كتاب مواقيت الصلاة، باب فضل صلاة الفجر، صحيح مسلم ١: ١١٢ كتاب الإيمان، باب معرفة طريق الرؤية.

٥- صحيح البخاري ٢: ٤٧ كتاب التهجّد، باب الدعاء والصلاة من آخر الليل، صحيح مسلم ٢: ١٧٥ كتاب صلاة المسافر، باب الترغيب في الدعاء والذكر في آخر الليل.

٦- صحيح البخاري ٨: ١٨٦ كتاب التفسير، باب (وتقول هل من مزيد).

٤٤

وأنّه يكشف عن ساقه لكي يعرفهُ المؤمنون(١)، وأنّه يضحك ويتعجّب. وإلى غير ذلك من الرّوايات التي تجعل من الله جسماً متحرّكاً ومتحوّلا، له يدان ورجلان، وله أصابع خمسة يضع على الأوّل منها السماوات، وعلى الإصبع الثاني الأرضين، والشجر على الإصبع الثالث، وعلى الرابع يضع الماء والثرى، ويضع بقية الخلائق على الإصبع الخامس(٢)، وله دار يسكُن فيها، ومحمدٌ (صلى الله عليه وآله وسلم) يستأذن للدخول عليه في داره ثلاث مرّات(٣)، تعالى الله عن ذلك عُلوّاً كبيراً، سبحان ربّك ربّ العزة عمّا يصفون.

والجواب على هذا عند أئمة الهُدى ومصابيح الدّجى هو التنزيه الكامل لله سبحانه وتعالى عن المجانسة، والمشاكلة، والتصوير، والتجسيم، والتشبيه، والتّحديد، يقول الإمام علي (عليه السلام) في ذلك:

"الحمد لله الذي لا يبلغ مدحته القائلون، ولا يُحصي نعماءهُ العادّون، ولا يؤدّي حقّه المجتهدون، الذي لا يدركه بعد الهمم، ولا ينالُه غوصُ الفطن، الذي ليس لصفته حدّ محدود، ولا نعت موجود، ولا وقتٌ معدود، ولا أجل ممدُودُ... فمن وصف الله سبحانه فقد قرنَهُ، ومن قرنَهُ فقدْ ثنّاهُ، ومن ثنَّاهُ فقد جزّأه، ومن جزّأه فقد جهلَه، ومن جهلَهُ فقد أشار إليه، ومن أشار إليه فقد حَدَّهُ، ومن حدّهُ فقد عَدَّهُ، ومن قَال فِيمَ فقدْ ضمَّنه، ومن قال علامَ فقد أخلَى

١- صحيح البخاري ٨: ١٨٢ كتاب التفسير، باب يوم يكشف عن ساق.

٢- صحيح البخاري ٦: ٣٣ كتاب التفسير، باب قوله: (وماقدروا الله حقّ قدره).

٣- صحيح البخاري ٨: ١٨٣ كتاب التفسير، باب قوله (وعلّم آدم الأسماء كلها)، صحيح مسلم ١: ١٢٤ كتاب الإيمان، باب أدنى أهل الجنّة منزلة فيها.

٤٥

منه، كائنٌ لاَ عن حَدَث، موجودٌ لا عن عَدَم، مع كلّ شيء لا بمُقارنة، وغيرُ كلّ شي لا بمزايلة، فاعِلٌ لا بمعنى الحركات والآلةِ، بصيرٌ إذْ لا منظور إليه من خلقِهِ..."(١).

وإنّي أُلفِتُ نظر الباحثين من الشباب المثقفين إلى الكنوز التي تركها الإمام علي (عليه السلام)، والتي جُمعتْ في "نهج البلاغة"، ذلك السفر القيّم الذي لا يتقدّمه إلاّ القرآن، والذي بقي مع الأسف مجهولا لدى أغلبية النّاس، نتيجة الإعلام والإرهاب والحصار المضروب من قبل الأمويين والعبّاسيين على كل ما يتّصل بعلي بن أبي طالب (عليه السلام).

ولستُ مبالغاً إذا قلتُ بأنّ في "نهج البلاغة" كثيراً من العلوم والنصائح التي يحتاجها النّاس على مرّ العصور، وفي "نهج البلاغة" علم الأخلاق، وعلم الاجتماع، وعلم الاقتصاد، وإشارات قيّمة في علم الفضاء والتكنولوجيا، إضافة إلى الفلسفة، والسّلوك، والسياسة، والحكمة.

وقد أثبتُ ذلك شخصياً في الأطروحة التي قدّمتها إلى جامعة السوربون، والتي نُوقِشتْ على مواضيع أربعة اخترتها من "نهج البلاغة"، وحصلتُ من خلالها على شهادة الدكتوراه.

فيا ليتَ المسلمين يولون "نهج البلاغة" عناية خاصّة، فيبحثون فيه كلّ الأطروحات وكل النّظريات، فهو بحر عميق كلّما غاص فيه الباحث استخرج منه اللؤلؤ والمرجان.

١- نهج البلاغة: ١: ١٥، الخطبة الأولى.

٤٦

تعليق

هناك فرق واضح بين العقيدتين:

عقيدة أهل السنّة والجماعة التي تقول بالتجسيم، وتجعل من الله سبحانه وتعالى جسماً وشكلا يُرى، وتصوّره وكأنّه إنسان، فهو يمشي وينزل، ويحوي جسمه دارٌ، إلى غير ذلك من الأشياء المنكرة، تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً.

وعقيدة الشيعة الذين ينزّهون الله عن المشاكلة والمجانسة والتجسيم، ويقولون باستحالة رؤيته في الدنيا وفي الآخرة.

وأعتقد شخصيّاً بأنّ الروايات التي يحتجّ بها أهل السنّة والجماعة كلّها من دسّ اليهود في زمن الصحابة ; لأنّ كعـب الأحبار اليهودي الذي أسلم في عهد عمر بن الخطّاب هو الذي أدخل هذه المعتقدات التي يقول بها اليهود، عن طريق بعض البسطاء من الصحابة أمثال أبي هريرة، ووهب بن منبّه.

فأغلب هذه الروايات مروية في البخاري ومسلم عن أبي هريرة، وقد تقدّم في بحث سابق كيف أنّ أبا هريرة لا يفرّق بين أحاديث النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأحاديث كعب الأحبار حتّى ضربه عمر بن الخطّاب، ومنعه من الرواية في قضية خلق الله السماوات والأرض في سبعة أيام.

وما دام أهل السنّة والجماعة يثقون في البخاري ومسلم، ويجعلون منهما أصحّ الكتب، وما دام هؤلاء يعتمدون على أبي هريرة حتى أصبح عمدة المحدّثين، وأصبح عند أهل السنّة راوية الإسلام; فلا يمكن والحال هذه أن

٤٧

يغيّر أهل السنّة والجماعة عقيدتهم إلاّ إذا تحرّروا من التقليد الأعمى، ورجعوا إلى أئمة الهدى، وعترة المصطفى، وباب مدينة العلم الذي منه يُؤتى.

وهذه الدعوى لا تختصّ بالكبار والشيوخ بل الشباب المثقّف من أهل السنّة والجماعة كذلك، ومن واجبه أن يتحرّر من التقليد الأعمى، ويتّبع الحجّة والدليل والبرهان.

السؤال الثاني: حول العدل الإلهي والجبر:

يقول الله سبحانه في كتابه العزيز: {وَقُلِ الحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ}(١).

{لا إكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ}(٢).

{فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّة خَيْراً يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّة شَرّاً يَرَه}(٣).

{إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِر}(٤).

فكيف تقبلون بالأحاديث المروية في "صحيح البخاري" و"صحيح مسلم" بأنّ الله سبحانه قدّر على عباده أفعالهم قبل أنْ يخلقهم؟ فقد روى البخاري في صحيحه قال: أحتجَّ آدم وموسى، فقال له موسى: يا آدم أنت أبونَا خيّبتنا وأخرجتنا من الجنَّة، قال له آدمُ: يا موسى اصطفاك الله بكلامه،

١- الكهف: ٢٩.

٢- البقرة: ٢٥٦.

٣- الزلزلة: ٧ ـ ٨.

٤- الغاشية: ٢١ ـ ٢٢.

٤٨

وخطّ لك بيده، أتلومني على أمر قدّرَهُ الله عليَّ قبل أن يخلقني بأربعين سنة، فحجَّ آدمُ موسى ثلاثاً..."(١).

كما روى مسلم في صحيحه قال: إنّ أحدكم يُجمَعُ خَلْقُهُ في بطن أُمّهِ أربعين يوماً، ثمّ يكون في ذلك علقةً مثل ذلك، ثمّ يكون في ذلك مُضغة مثل ذلك، ثم يُرسل الملكُ فينفُخُ فيه الرّوح، ويُؤْمَرُ بأربع كلمات بِكَتْبِ رِزِقِهِ وأجلهِ وعَملِهِ وشقىٌ أو سَعِيدٌ.

فوالذي لا إله غيرهُ إنّ أحدكم ليعملُ بعمل أهل الجنّة حتى ما يكون بينُه وبينها إلاّ ذراعٌ، فيسبقُ عليه الكتابُ فيعملُ بعمل أهل النار فيدخلها، وأن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلاّ ذراعٌ، فيسبق عليه الكتاب فيعملُ بعمل أهل الجنّة فيدخلُها"(٢).

كما روى مسلم في صحيحه عن عائشة أُمّ المؤمنين قالت: دُعي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى جنازة صبىّ من الأنصار، فقلتُ: يا رسول الله طوبى لهذا، عصفورٌ من عصافير الجنّة لَمْ يعمل السّوء ولم يدركْهُ، قال: "أو غير ذلك يا عائشة، إن الله خلق للجنّة أهلا، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنّار أهلا، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم"(٣).

وروى البخاري في صحيحه قال رجلٌ: يا رسول الله أيُعرفُ أهلُ الجنة

١- صحيح البخاري ٧: ٢١٤ كتاب القدر، باب تحاج آدم وموسى، صحيح مسلم ٨: ٤٩ كتاب القدر، باب حجاج آدم وموسى (عليهما السلام).

٢- صحيح مسلم ٨: ٤٤ كتاب القدر، باب كيفية خلق الآدمي في بطن أُمه، صحيح البخاري ٧: ٢١٠ كتاب القدر باب في القدر.

٣- صحيح مسلم ٨: ٥٥ كتاب القدر، باب كلّ مولود يولد على الفطرة.

٤٩

من أهل النّار؟ قال: "نعم"، قال: فلم يعمَلُ العاملون؟ قال: "كلٌّ يعملُ لما خُلقَ له، أو لما يُسِّرَ لَهُ"(١).

سبحانك ربّنا وبحمدك تباركت وتعاليتَ عن هذا الظلم علوَّاً كبيراً، فكيف نصدّق بهذه الأحاديث المناقضة لكتابك العزيز الذي قُلت فيه وقولك الحقّ:

{إنَّ اللّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلَكِنَّ النَّاسَ أنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}(٢).

{إنَّ اللّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّة}(٣).

{وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أحَداً}(٤).

{وَمَا ظَلَمَهُمُ اللّهُ وَلَكِنْ أنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}(٥).

{فَمَا كَانَ اللّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}(٦).

{وَمَا ظَـلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ}(٧).

{ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أيْدِيكُمْ وَأنَّ اللّهَ لَيْسَ بِظَلام لِلْعَبِيدِ}(٨).

{مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَـلام لِلْعَبِيدِ}(٩).

١- صحيح البخاري ٧: ٢١٠ كتاب القدر، باب جفّ القلم على علمِ الله.

٢- يونس: ٤٤.

٣- النساء: ٤٠.

٤- الكهف: ٤٩.

٥- آل عمران: ١١٧.

٦- التوبة: ٧٠، العنكبوت: ٤٠، الرّوم: ٩.

٧- الزخرف: ٧٦.

٨- الأنفال: ٥١.

٩- فصلت: ٤٦.

٥٠

وكما قال في حديث قدسي: "يا عبادي إني حرّمتُ الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرّماً فلا تظالموا"(١)؟

فكيف يصدّق مسلم آمن بالله وبعدالته ورحمته أنّ الله سبحانه خلق الخلق، وحكم على بعضهم بالجنّة وعلى الآخرين بالنار حسب اختياره هو، وقدّر لهم أعمالهم فكلّ ميسّرٌ لما خُلِقَ له، على حسب هذه الروايات المعارضة للقرآن الكريم، وللفطرة التي فطر الله الناس عليها، وللعقل والوجدان، ولأبسط حقوق الإنسان؟

كيف نؤمن بهذا الدّين الذي يحجّر العقول على أنّ هذا الإنسان هو دمية تُحرِّكُها أَيْدي القدر كيف شاءت، لتُلقي بها بعد ذلك في التنّور؟ هذا الاعتقاد الذي يمنع العقول من الخلق والابتكار، والإبداع والتطوّر، والمنافسة التي تأتي بالأعاجيب، ويبقى الإنسان جامداً راض بما هو فيه وبما عنده، بدعوى أنّه ميسّر لما خُلقَ لَهُ.

كيف نقبلُ هذه الرّوايات التي تصادمُ العقول السليمة، وتصوّر لنا بأنّ الله سبحانه هو خالقُ، جبّارٌ، قوىٌ، قاهرٌ، وله أن يخلق عباده الضعفاء ليزجّ بهم في نار جهنم لا لشيء إلاّ لأنّه يفعل ما يشاء، وهل يسمّي العقلاء هذا الإله حكيماً أو رحيماً أو عادلا؟

كيف لو تَحدّثنا مع المثقّفين والعلماء من غير المسلمين، وعَرفُوا بأنّ رَبّنا على هذه الصّفات، وأنَّ دِيننا قد حكم على النّاس قبل ولادتهم بالشقاء،

١- صحيح مسلم ٨: ١٧ كتاب البر والصلة باب تحريم الظلم، السنن الكبرى للبيهقي ٦: ٩٣، الجامع الصغير للسيوطي ٢: ٢٣٧ ح٦٠٢٠.

٥١

فهل سيقبلون الإسلام ويدخلون في دين الله أفواجاً؟

سبحانك! إنّ هذا زورٌ من القول ركَّزَهُ الأمويّون، وروّجوا له لحاجة في نفوسهم، والباحث يعرف سرّ ذلك، وهو زورٌ من القول لأنّه يعارض كلامك، وحاش رسولك أنّ يتقوّل عليك بما يُناقضُ وَحْيُك الذي أوحيتَ إليه، وقد ثبت أنَّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: "إذا جاءكم الحديث عنّي فاعرضوه على كتاب الله، فما وافق الكتاب فخذوه، وما خالف كتاب الله فاضربوا به عرض الجدار"(١).

وكلّ هذه الأحاديث وأمثالها كثيرة تعارض كتاب الله وتعارض العقل، فليضرب بها عرض الجدار، ولا يُلتفتُ إليها وإن كان أخرجها البخاري ومسلم، فما كان معصوميْن عن الخطأ.

ويكفينا دليلا واحداً للردّ على هذا الادّعاء الباطل هو بعثة الأنبياء والمرسلين من قبل الله إلى خلقه، وعلى طول التاريخ البشري ليُصلحوا مفاسد العباد، ويوضّحوا لهم الصراط المستقيم، ويعلّموهم الكتاب والحكمة، ويبشّروهم بالجنّة إن كانوا صالحين، وينذروهم من عذاب الله في النّار إن كانوا مُفسدين.

ومن عدالة الله سبحانه في خلقه ورحمته بهم أنّه لا يعذّب إلاّ من بعث إليه رسولا، وأقام عليه الحجّة، قال تعالى: {مَنِ اهْتَدَى فَإنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ اُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا}(٢).

١- تفسير أبي الفتوح الرازي ٣: ٣٩٢، باختلاف يسير.

٢- الإسراء: ١٥.

٥٢

فإذا كانت هذه الروايات التي أخرجها البخاري ومسلم، والتي تقول بانّ الله كتب على عباده أعمالهم قبل أن يخلُقهم، وحكم على البعض منهم بالجنّة وعلى البعض بالنّار ـ كما قدّمنا سابقاً ـ وكما يؤمنُ بذلك أهل السنّة والجماعة، أقول: إن كان هذا صحيح، فإن إرسال الرّسل وانزال الكتب يصبح ضرباً من العبث! تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً، وما قدروا الله حق قدره، فما يكون لنا أن نتكلّم بهذا، سبحانك هذا بهتان عظيم.

{تِلْكَ آيَاتُ اللّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالحَقِّ وَمَا اللّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعالَمِينَ}(١). والجواب على هذا عند أئمة الهدى، ومصابيح الدُّجى، ومنار الأمّة، هو تنزيه الله سبحانه عن الظلم والعبث، فلنستمع إلى باب مدينة العلم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وهو يشرح للنّاس هذا الاعتقاد الذي بقي لغزاً عند بعض المسلمين الذين تركوا الباب، يقول (عليه السلام) لمّا سأله أحد أصحابه: أكان مسيرنا إلى الشّام بقضاء من الله وقدره؟

"ويحك لعلّك ظنَنْتَ قضاءً لازماً وقدراً حاتماً، ولو كان كذلك لبطَلَ الثوابُ والعقابُ، وسقط الوعْدُ والوعيدُ، إنّ الله سبحانه أمَرَ عبادَهُ تخييراً، ونهاهُم تحذيراً، وكلَّف يسيراً، ولم يُكلّف عسيراً، وأعْطَى على القَليل كثيراً، ولم يُعْصَ مغلوباً، ولم يُطَعْ مُكْرِهاً، ولم يُرسلِ الأنْبياءَ لَعِباً، ولم يُنزلِ الكُتبَ للعباد عَبثاً، ولا خَلَقَ السّماواتِ والأرضَ وما بينَهُما باطلا، ذلك ظنُّ الذين كَفَروا فويل للّذين كَفروا من النّار"(٢). صدق الإمام (عليه السلام) فويلٌ للذين يُنسبون

١- آل عمران: ١٠٨.

٢- نهج البلاغة شرح محمّد عبده ٤: ١٧، الخطبة: ٧٨.

٥٣

العبث والظلم لله من عذاب أليم.

والجدير بالذكر والحقُّ يقال بأنّ أهل السنّة والجماعة ينزّهون الله عن العبثِ والظلم، فإذا ما سألت أحدهم فسوف لن يُنسب الظّلم لجلال الله سبحانه، ولكنّه سوف يَجِدُ نفسه متحرّجاً لرفض أحاديث أخرجها البخاري ومسلم، ويعتقد ضمنيّاً أنّها صحيحة، ولذلك تراه عندما تجادله بالمنطق المعقول، يدّعي بأنّ ذلك لا يُسمّى ظلماً عنْد الله; إذ أنّه الخالق، وللخالق أن يفعل في مخلوقاته ما يشاء! فهو لا يسأل عمّا يَفْعَلُ وهم يُسأَ لُون.

وعندما تسأله: كيف يحكم الله على عبد بالنّار قبل خَلقِه لأنّه كتب عليه الشقاء، ويحكم على آخر بالجنّة قبل خلقه لأنّه كتب عليه السّعادة؟ أليس في ذلك ظُلم للاثنين؟ لأنّ الّذي يدخل الجنّة لا يدخلها بعمله وإنّما باختيار الله له، وكذلك الّذي يدخل النار لا يدخلها بما اقترفه من ذنوبه وإنّما بما قدّره الله عليه، أليس في ذلك ظلم، وهو يناقضُ القرآن؟ فسيجيبك: بأنّ الله فعّالٌ لما يريد! فلا تفهم من موقفه المتناقض شيئاً.

وهذا بديهي إذ أنّه يُنزل البخاري ومسلم بمنزلة القرآن، ويقول: أصحّ الكتب بعد كتاب الله البخاري ومسلم، وفي البخاري ومسلم عجائب وغرائبٌ ومصائبٌ ابتُليَ بها المسلمون، وقد نجح الأمويون ومن بعدهم العبّاسيون نجاحاً كبيراً في بثّ بِدَعهم وعقائدهم التي تتماشى وسياستهم العقيمة، وبقيتْ آثارهم حتى اليوم إذ يعتبرها المسلمون أعزّ وأعظم تُراث; لأنّه جمع الأحاديث النبويّة الصحيحة على حدّ زعمهم، ولو يعلم المسلمون مقدار ما كَذَبُوا على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من أجل أغراضهم السّياسية لما صدّقوا

٥٤

بتلك الأحاديث، وخصوصاً منها المتناقض مع كتاب الله.

ولأنّ القرآن الكريم تكفّل الله بحفظه، ولأنّه كان محفوظاً عند الصّحابة، وكانوا يعرضونه على النّبي، لذلك لم يتمكّنوا من تحريفه وتبديله، فعمدوا إلى السنّة المطهّرة فوضعوا ما شاؤوا لمن شاؤوا.

وبما أنّهم كانوا أعداءً لأهل البيت حفظة القرآن والسنّة اختلقوا لكلّ حادثة حديث نسبوه للنّبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وموّهوا على المسلمين بأنّ هذه الأحاديث هي أصحّ من غيرها، فقبلها النّاس على حسن نيّة، وهم يتداولونها بالوراثة جيلا بعد جيل.

وللإنصاف أقول بأنّ الشيعة هم الآخرون ضحية الدس والتمويه في كثير من الأحاديث التي تُنسب للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أو لأحد الأئمة الأطهار سلام الله عليهم، فهذا الدس والتمويه لم يسلم منه المسلمون سنّة وشيعة على مرّ التاريخ، ولكن الشيعة يمتازون على أهل السنّة والجماعة بثلاثة أشياء ميّزتهم على غيرهم من الفرق الإسلامية الأُخرى، وأبرزتْ عقائدهم سليمة ومتّفقة مع القرآن والسنّة والعقل، وهذه الأشياء الثلاثة هي:

أوّلا: انقطاعهم لأهل البيت النّبوي، فهم لا يقدّمون عليهم أحداً، وكلّنا يعلم من هم أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً.

ثانياً: عدد أئمة أهل البيت، وهو اثني عشر إماماً، امتدتْ حياتهم وآثارهم طوال ثلاثة قرون، وقد وافق بعضهم بعضاً في كل الأحكام والأحاديث، ولم يختلفوا في شيء، ممّا جعل شيعتهم وأتباعهم متعلّمين في كلّ مجالات العلم والمعرفة بوضوح وبدون تناقض في العقائد أو في غيرها.

٥٥
٥٦

والسند، وما لا يتعارض مع القرآن والعقل.

أمّا أهل السنّة والجماعة فقد ألزموا أنفسهم بكتب سمّوها الصحّاح الستّة باعتبار أنّ كلّ ما فيها صحيح، وأغلبهم يتناقلون هذا الرأي بالوراثة بدون بحث ولا تمحيص، وإلاّ فإنّ كثيراً من الأحاديث التي رُويتْ في هذه الكتب لا تقومُ على دليل علمي، وفيها الكفرُ الصريح، وبما يتناقض والقرآن، وأخلاق الرسول وأفعاله والحطّ من كرامته.

ويكفي الباحث أن يقرأ كتاب الشيخ المصري محمود أبو رية "أضواء على السنّة المحمدية" ليعرف ما هي قيمة الصحاح الستّة.

والحمد لله فإنّ كثيراً من الشباب الباحث اليوم تحرّر من تلك القيود، وأصبح يُفرّق بين الغث والثمين، بل حتّى الشيوخ المتعصّبين للصحّاح أصبح الكثير منهم اليوم يُنكرها، لا لأنّه ثبت لديه ضعف بعض الأحاديث فيها، ولكن لأنّه وجد فيها حجّة الشيعة التي يقولون بها سواء في الأحكام الفقهية أو في العقائد الغيبيّة، فما من حُكم أو عقيدة يقول بها الشيعة إلاّ ولها وجودٌ فعلي في أحد الصحاح الستّ لدى أهل السنّة والجماعة.

وبالمقابل قال لي بعض المتعصّبين: ما دُمتم تعتقدون بأنّ أحاديث البخاري ليست صحيحة، فلماذا تحتجّون بها عليَنا؟

أجبت: ليس كلّ ما في البخاري صحيح، وليس كلّ ما فيه مكذوب، فالحقّ حقّ والباطل باطل، وعلينا أن نُغربل ونصفّي(١).

١- مضافاً إلى أن أُسلوب المناظرة والاحتجاج يقتضي الإتيان بالمشتركات، ومايؤمن الخصم به، فإذا كان مؤمناً بصحيح البخاري، وكان في البخاري ما يؤكّد عقيدة الشيعة ـ مثلا ـ ويدعمها فالاحتجاج به يكون أفضل وأكمل والزام للخصم بما ألزم به نفسه. وهذا الإشكال لا يورده إلاّ المبتدئ الذي لم يسمع بالحوار والاستدلال، أو المتعصب الذي أعماه حب الهوى فأصم سمعه وبصره.

٥٧

قال: هل عندك مِجْهرٌ خاصّ تعرف به الصحيح من المكذوب؟

قلت: ليس عندي أكثر ممّا عندك، ولكن ما اتفق عليه السنّة والشيعة فهو صحيح; لأنّه ثبتت صحّته عند الطرفين، ونُلزمهم به كما ألْزموا أنفسهم، وما اختلفوا فيه حتّى لو كان صحيحاً عند أحدهم فلا يُلزمُ الطرف الثاني بقبوله، كما لا يُلزمُ الباحث الحيادي قبوله والاحتجاج به لأنّه دورىٌ.

وأضربُ لذلك مثلا واحداً حتّى لا يبقى هناك إشكال في هذا الموضوع، وحتّى لا يعاد نفس الانتقاد بأساليب متعدّدة:

يدّعي الشيعة بأنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) نصّب عليّاً خليفة للمسلمين في غدير خم يوم الثامن عشر من شهر ذي الحجّة بعد حجّة الوداع وقال بالمناسبة:

"من كنت مولاه فهذا علىّ مولاه، اللّهم وال من والاه، وعاد من عاداه"(١). فهذه الحادثة وهذا الحديث نقله كثير من علماء أهل السنّة

١- حديث الغدير حديث ثابت صحيح متواتر، نصّ على صحته وتواتره أعلام القوم، وقد أخرجه أكثر المحدّثين وأرباب التصانيف، راجع على سبيل المثال: مسند أحمد ١: ١١٨، المستدرك للحاكم ٣: ٣٧١، مجمع الزوائد ٩: ١٠٣، المصنف لابن أبي شيبة ٧: ٤٩٩ ح٢٨، السنن الكبرى للنسائي ٥: ١٣٢ ح٨٤٧٣، صحيح ابن حبان ١٥: ٣٧٦.

وأخرجه الشيخ الألباني في صحيحته ٤: ٣٣٠ ح١٧٥٠، وأثبت صحة الحديث وتواتره، وردّ على شيخ السلفية ابن تيمية المتسرع في الطعن بأحاديث فضائل أهل البيت من دون نظر في طرق ورأي العلماء فيها.

٥٨

والجماعة في صحاحهم ومسانيدهم وتواريخهم، فيمكن للشيعة عندئذ أن يحتجّوا به على أهل السنّة والجماعة.

ويدّعي أهل السنّة والجماعة بأنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عيّن أبا بكر ليُصلّي بالنّاس في مرض موته، وقال بالمناسبة: "ويأبى الله ورسولَه والمؤمنون إلاّ أبا بكر"(١).

فهذه الحادثة وهذا الحديث لا وجـود له في كتب الشيعة، وإنّما يروون بأنّ رسول الله بعث إلى علىّ، فبعثت عائشة إلى أبيها ولمّا عرف رسول الله ذلك قال لعائشة: "إنكنّ لصويحبات يوسف"(٢)وخرج هو ليصلّي بالنّاس وزحزح أبا بكر.

فلايمكن وليس من الإنصاف أن يحتجّ أهل السنّة والجماعة على الشيعة بما انفردوا هم به، وخصوصاً إذا كانت الروايات متناقضة ويكذّبها الواقع والتاريخ; لأنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) عيّنَ أبا بكر ليكون ضمن جيش أُسامة، وتحت امرته وقيادته، ومن المعلوم أنّ أمير الجيش في السّرية هو إمام الصّلاة.

وقد ثبت تاريخياً بأنّ أبا بكر لم يكن موجوداً في المدينة عند وفاة الرّسول، وكان بالسّنح يتجهّز للخروج مع أميره وقائده أُسامة بن زيد الذي لم يبلغ من العمر إلاّ سبعة عشر عاماً، فكيف والحال هذه يمكن لنا أن نصدّق بأنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عيّنه لإمامة الصّلاة؟ اللّهم إلاّ إذا صدّقْنا بقول

١- أورده ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ١١: ٤٩ وقال: "إنّهم وضعوه في مقابل الحديث المروي عنه في مرضه: ائتوني بدواة وكتف...".

٢- الصراط المستقيم للبياضي ٣: ١٣٤.

٥٩

عمر بن الخطاب بأنّ رسول الله يهجر ولا يدرِ ما يفعل ولا ما يقول، وهذا أمرٌ لا سبيل إليه، فهو مستحيلٌ ولا يقول به الشيعة.

فعلى الباحث هنا أن يتقي الله في بحثه، ولا تأخذه العاطفة فيميل عن الحقّ، ويتّبع الهوى فيضلّ عن سبيل الله، إنّما واجبُه أن يخضع للحقّ ولو كان الحقّ مع غيره، ويحرّر نفسه من الرّواسب والعواطف والأنانيّة، فيكون من الذين امتدحهم الله عزّ وجلّ في قوله: {فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَـتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ اُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللّهُ وَاُوْلَئِكَ هُمْ اُوْلُوا الألْبَابِ}(١).

فليس من المعقول إذاً أنْ يقول اليهود: إنّ الحقّ عندنا، ويقول النّصارى: إنّ الحقّ عندنا، ويقول المسلمون: إنّ الحقّ عندنا، وهم مختلفون في العقائد والأحكام!

فلا بدّ للباحث أنْ يُمحّص أقوال الديانات الثلاثة، ويقارن بعضها ببعض حتّى يتبيّن له الحقّ.

وليس من المعقول أيضاً أن يقول أهل السنّة بأنّ الحقّ معهم، ويقول الشيعة بل الحقّ عندهم وحدهم، وهم يختلفون في بعض المفاهيم والأحكام، فالحقّ واحدٌ لا يتجزأ.

فلا بدّ للباحث أن يتجرّد ويُمحّص أيضاً أقوال الطّرفين، ويقارن بعضها ببعض، ويُحَكِّمَ عقلَهُ حتّى يتبيّن له الحقّ، وذلك هو نداء الله سبحانه لكلّ فرقة تدّعي الحقّ; إذ يقول: {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ}(٢).

١- الزمر: ١٧ ـ ١٨.

٢- البقرة: ١١١.

٦٠