×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

فاسألوا أهل الذكر (تحقيق مركز الأبحاث العقائدية) / الصفحات: ٦١ - ٨٠

فليست الأكثرية بدالّة على الحقّ، بل العكس هو الصّحيح، قال تعالى: {وَإنْ تُطِعْ أكْثَرَ مَنْ فِي الأرْضِ يُضِلُّـوكَ عَنْ سَبِيلِ اللّهِ}(١).

وقال أيضاً: {وَمَا أكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ}(٢).

مثلما أنّ التقدّم الحضاري والتكنولوجي والثّراء ليس دليلا على أنّ الغرب على حقّ والشرق على باطل قال تعالى: {فَلا تُعْجِبْكَ أمْوَالُهُمْ وَلا أوْلادُهُمْ إنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ}(٣).

قول أهل الذكر في الله تعالى

يقول الإمام علي (عليه السلام): "الحمد لله الّذي بطن خفيات الأُمور، ودلّتْ عليه أعلام الظهور، وامتنع على عين البصير، فلا عينُ من لم يره تُنكرهُ، ولا قلبُ من أثبتَهُ يبصره، سبقَ في العلوِّ فلا شيء أعلى منه، وقرُبَ في الدُنوِّ فلا شيء أقربُ منه، فلا استعلاؤه بَاعدَهُ عن شيء من خلقِه، ولا قُربُه سَاواهم في المكان بِهِ.

لم يُطلع العقولَ على تحديد صفته، ولم يحجبها عن واجِبِ معرفِتِه، فهو الذي تشهد له أعلام الوجود على إقرارِ قلب ذي الجحود، تعالى الله عمّا يقول المشبّهونَ به والجاحدونَ له علوّاً كبيراً"(٤).

"والحمد لله الذي لم تسبق له حالٌ حالا، فيكون أوَّلا قبل أن يكون

١- الأنعام: ١١٦.

٢- يوسف: ١٠٣.

٣- التوبة: ٥٥.

٤- نهج البلاغة ١: ٩٩، الخطبة: ٤٩.

٦١

آخراً، ويكون ظاهراً قبل أن يكون باطناً، كلّ مسمّى بالوحدة غيره قليل، وكلُّ عزيز غيره ذليل، وكل قوىّ غيره ضعيف، وكلّ مالك غيره مملوك، وكلّ عالم غيره متعلّمٌ، وكلّ قادر غيره يقدر ويعجزُ، وكلّ سميع غيره يصَمُّ عن لطيف الأصواتِ ويُصمُّهُ كبيرها، ويذهبُ عنه ما بعدَ منها، وكلّ بصير غيرُه يعمى عن خفىّ الألوانِ ولطيف الأجْسام، وكلّ ظاهر غيره باطن، وكلّ باطن غيره ظاهر.

لم يخلق ما خلقَه لتشديد سلطان، ولا تخوّف من عواقب زمان، ولا استعانة على ندّ مثاور، ولا شريك مكاثر ولا ضدّ مُنافر، ولكن خلائق مربوبون، وعباد داخرون.

لم يحلل في الأشياء فيقال: هو فيها كائن، ولم ينأَ عنها فيقالُ: هو منها بائنٌ، لم يؤُدْهُ خلقُ ما ابتدأ ولا تدبير ما ذرأَ، ولا وقفَ به عجزٌ عمّا خلق، ولا ولجتْ عليه شبهة فيما قضى وقدّر، بل قضاءٌ متقنٌ، وعلمٌ محكمٌ، وأمرٌ مبرمٌ، المأمول مع النِّقم، والمرهوبُ مع النِّعَم"(١).

"ليس لأوليته ابتداءٌ، ولا لأزليته انقضاء، هو الأوّل ولم يزلْ، والباقي بلا أجل، خرّتْ له الجباه، ووحّدتْهُ الشفاهُ، حدّ الأشياء عند خلقه لها إبانَة له من شبهها لا تقدّره الأوهام بالحدود والحركات، ولا بالجوارح والأدوات، لا يقالُ له: متى، ولا يضربُ له أمدٌ بحتّى. الظاهرُ لا يقالُ ممَّ، والباطن لا يقالُ فيم، لا شبحٌ فيتقصّى، ولا محجوبٌ فيحوَى... تعالى عمّا ينحلهُ المحدّدون من صفاتِ الأقدار، ونهايات الأقطارِ، وتأثّل المساكنِ، وتمكّن الأماكن،

١- نهج البلاغة ١: ١١٤، الخطبة: ٦٥.

٦٢

فالحدّ لخلقه مضروبٌ وإلى غيره منسوبٌ.

لم يخلق الأشياء من أُصول أزلية، ولا من أوائل أبدية، بل خلق ما خلق فأقام حدّه، وصوّر ما صوّر فأحسنَ صورتَهُ، ليس لشيء منه امتناع، ولا له بطاعة شيء انتفاعٌ، علمه بالأموات الماضين كعلمه بالأحياء الباقين، وعلمه بما في السماوات العُلَى كعلمِهِ بما في الأرضينَ السفْلى"(١).

١- نهج البلاغة ٢: ٦٦، الخطبة: ١٦٣.

٦٣

الفصل الثاني
في ما يتعلّق بالرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)

السؤال الثالث: حول عصمة الرَسول (صلى الله عليه وآله وسلم)؟

يقول الله سبحانه وتعالى في حقّ نبيّه محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم): {وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ}(١).

وقال أيضاً: {وَمَا يَـنْطِقُ عَنِ الهَوَى * إنْ هُوَ إلا وَحْيٌ يُوحَى}(٢).

وقال: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا}(٣).

وتدلّ هذه الآيات دلالة واضحة على عصمته المطلقة في كلّ شيء، وتَقُولون بأنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) معصوم فقط في تبليغ القرآن(٤)، وما عدا ذلك

١- المائدة: ٦٧.

٢- النجم: ٣ ـ ٤.

٣- الحشر: ٧.

٤- لا يقال: إنّ أهل السنّة يعتقدون بعصمة النبي (صلى الله عليه وآله) في تبليغ السنّة والقرآن معاً،فإنّه يقال: نعم، هذا هو معتقدكم عند التنظير، ولكن الواقع العملي وتبريركم ودفاعكم عن الخليفة الثاني عندما نسب النبي (صلى الله عليه وآله) بالهجر ـ كما أقرّه ابن تيمية في منهاج السنة ٦: ٢٤ و٣١٥ وغيره ـ يخالف ذلك التنظير ويردّه، إذ أنّ النبي (صلى الله عليه وآله) أراد أن يتحف الأُمة بشيء هام جداً يعصمهم من الضلالة، ولكن اعتقاد الخليفة واعتقاد من يبرّر عمله بعدم عصمة النبي (صلى الله عليه وآله) في تبليغ السنّة، حرم الأُمة الإسلامية منها، فكيف يجرأون بعد هذا التفوّه بعصمته (صلى الله عليه وآله) في تبليغ الرسالة؟!

٦٤

فهو كسائر البشر يُخطِىءُ ويُصيب، وتستدلّون على خطئه في عدّة مناسبات بأحداث تروونها في صحاحكم!

فإذا كان الأمر كذلك، فما هي حجّتكم وما هو دليلكم في ادّعائكم التمسّك بكتاب الله وسنّة نبيّه، ما دامت هذه السنّة عندكم غير معصومة، ويمكن فيها الخطأ؟

وعلى هذا الأساس فالمتمسّك بالكتاب والسنّة على حسب معتقداتكم لا يأمن من الضلالة، وخصوصاً إذا عرفنا بأنّ القرآن كُلّه مفسَّرٌ ومُبَيّنٌ بالسنّة النبويّة، فما هي حجّتكم في أنّ تفسيره وتبيانه لم يكن مخالفاً لكتاب الله تعالى؟

قال لي أحَدهُم معبّراً عن هذا الرأي: لقد خالف الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في القرآن في كثير من الأحكام حسب ما تقتضيه المصلحة.

قلتُ متعجّباً: أعطني مثلا واحداً على مخالفته.

أجاب: يقول القرآن: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِد مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَة}(١)، بينما حكم الرّسول على الزاني والزانية بالرّجم، وهو غير موجود في القرآن.

قلت: إنّما الرّجم على المحصن إذا زنى، ذكراً كان أم أنثى، والجلد على الأعزب إذا زنى، ذكراً كان أم أنثى.

قال: في القرآن ليس هناك أعزب أو مُحصن; لأنّ الله لم يخصّص بل

١- النور: ٢.

٦٥

أطلق لفظ الزانية والزاني بدون تخصيص.

قلت: إذاً على هذا الأساس فكلّ حكم مطلق في القرآن خصّصه الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم) فهو مخالفٌ للقرآن؟ فأنتَ تقول بأن الرّسول خالف القرآن في أكثر أحكامه؟

أجاب متحرّجاً: القرآن وحده معصوم; لأنّ الله تكفّل بحفظه، أمّا الرّسول فهو بشر يخطىء ويصيب، كما قال القرآن في حقّه: {قُلْ إنَّمَا أنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ}(١).

قلتُ: فلماذا تُصلّي الصبح والظهر والعصر والمغرب والعشاء، وقد أطلق القرآن لفظ الصّلاة بدون تخصيص لأوقاتها؟

أجاب: القرآن فيه: {إنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى المُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً}(٢)والرّسول هو الذي بيّن أوقات الصلاة.

قلت: فلماذا تُصدّقْه في أوقات الصّلاة، وتردّ عليه في حكم رجم الزاني؟

وحاول جهده أن يُقنعني بفلسفات عقيمة متناقضة لا تقوم على دليل عقلي ولا منطقي كقوله: بأنّ الصّلاة لا يمكن الشكّ فيها; لأنّ رسول الله فعلها طيلة حياته، وفي كلّ يوم خمس مرّات، أمّا الرّجم فلا يمكن الاطمئنان إليه; لأنّه لم يفعله في حياته غير مرّة أو مرّتين.

وكقوله بأنّ الرّسول لا يُخطئ عندما يأمره الله بأمره، أمّا عندما يحكمُ بفكره فهو ليس معصوم، ولذلك كان الصّحابة يسألونه في كلّ أمر: هل هو

١- الكهف: ١١٠.

٢- النساء: ١٠٣.

٦٦

من عنده أم من عند الله؟ فإذا قال: هو من عند الله، امتثلوا بدون نقاش، وإذا قال: هو من عندي، عند ذلك يُناقشونه ويجادلونه وينصحونه، ويتقبّل نصائحهم وآراءهم، وقد ينزل القرآن أحياناً موافقاً لآراء بعض الصّحابة ومُخالفاً لرأيه، كما في قضيّة أسرى بدر، وقضايا أُخرى مشهورة.

وحاولتُ بدوري إقناعهُ ولكن بدون جدوى; لأنّ علماء أهل السنّة والجماعة مقتنعون بذلك، وصحاحُهم مشحونةٌ بمثل هذه الرّوايات التي تَخدِش في عصمة الرّسول، وتجعل منه شخصاً أقلّ مستوى من الرّجل الذكي، أو القائد العسكري، أو حتى شيخ الطريقة عند الصوفية.

ولست مبالغاً إذا قلت: أقلَّ مستوى حتى من الرجل العادي، فإذا ما قرأنا بعض الرّوايات في صحاح أهل السنّة والجماعة، يتبينُ لنا بوضوح إلى أيّ مدى وصل التأثير الأموي في عقول المسلمين من عهدهم، وبقيتْ آثاره حتى يوم الناس هذا.

وإذا ما بحثنا الغرض أو الهدف من ذلك، فسوف نخرجُ بنتيجة حتمية ومُرّة، ألا وهي: إنّ أُولئك الّذين حكموا المسلمين في عهد الدولة الأموية، وعلى رأسهم معاوية بن أبي سفيان، لم يعتقدوا يوماً من الأيّام بأنّ محمّداً ابن عبد الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، هو مبعوث برسالة من عند الله أو هو نبىّ الله حقّاً.

وأغلب الظن أنّهم كانوا يعتقدون بأنّه كان سَاحِراً(١)، وقد تغلّب على

١- قال الدكتور الرحيلي في كتابه "الانتصار للصحب والآل" ص١٧٥ تعليقاً

=>

٦٧

<=

على كلام المؤلف: "فهذا حكم خطير على المسلمين الذين جاءوا بعد الخلفاء الراشدين واستغرق حكمهم جلّ قرن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي هو خير القرون، والثلث الأوّل من القرن المفضل الثاني.. واشتهر من أخبارهم في العدل والتقوى والصلاح بين الأُمّة.. خصوصاً ما ثبت من ذلك في حق الصحابي الجليل معاوية ابن أبي سفيان!!".

وهذا الكلام لا يتفّوه إلاّ من أُشرب حبّ البيت الأموي، ورضع من بقاياه من أهل النصب، فأيّ جلالة لمعاوية؟ وأيّ عدل قام به؟ وأيّ تقوى فعلها؟

فإنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: "إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه" ولهذا الحديث عدّة طرق:

١ ـ رواه جماعة من الثقات عن علي بن زيد بن جد عان، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري (تاريخ ابن عساكر ٥٩/١٥٥ ـ ١٥٦).

٢ ـ روي عن ابن مسعود من أربعة طرق (ابن حبان في المجروحين ٢/١٧٢، وابن عدي في الكامل ٢/٢٠٩، الذهبي في سير أعلام النبلاء ٣/١٤٩).

وهناك طرق أُخرى للحديث وبعضها قوّي صحيح الإسناد.

وورد في حقّ معاوية أيضاً عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "لعن الله الراكب والقائد والسائق" ولهذا الحديث طرق عديدة وهو صحيح، وارجع إلى مسند البزار ٩/٢٨٦، أنساب الأشراف ١٢٩، المعجم الكبير للطبراني ٣/٧١، وابن عساكر في تاريخ دمشق ٥٩/٢٠٤، وهناك طرق أخرى كثيرة.

وورد عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في حقّ معاوية قوله: "يطلع عليكم من هذا الفج رجل يموت على غير ملّتي" قال: وكنت تركت أبي قد وضع له وضوء، فكنت كحابس البول، مخافة أن يجي، قال: فطلع معاوية! فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "هذا هو".

كتاب البلاذري ٢/٤٤٩، وقعة صفين لنصر بن مزاحم: ٢١٧.

إلى غير ذلك من الروايات الواردة عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في حقّ معاوية وبني أُمية، مضافاً إلى وصفه بالباغي على لسان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في حديث "عمّار تقتله الفئة

=>

٦٨

النّاس وشيّد ملكه على حساب المستضعفين من النّاس، وبالخصوص العبيد الذين أيّدوا دعوته وناصروه.

وليس هذا مجرّد ظنّ فإنّ بعض الظنّ إثم، ولكن عندما نقرأ في كتب التاريخ لنتعرف على شخصيّة معاوية وأحواله، وما فعله طيلة حياته خصوصاً مدّة حُكمه فالظنّ يصبحُ حقيقة لا مفرَّ منها.

فكلّنا يعرفُ من هو معاوية، ومن هو أبوه أبو سفيان، ومن هي أمّهُ هند، فهو الطّليق ابن الطّليق الذي قضى شبابه في رحاب أبيه، وفي تعبئة الجيوش لمحاربة رسول الله والقضاء على دعوته بكلّ جهوده، حتّى إذا ما فشلت جميع محاولاته، وتغلّب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عليه وعلى أبيه استسلم للأمر الواقع في غير قناعة، ولكن الرّسول لكرمه ولعظمة خُلقه عفى عنه وسمّاه الطّليق.

وبعد موت صاحب الرسالة حاول أبوه إثارة الفتنة والقضاء على الإسلام، وذلك عندما جاء في اللّيل للإمام علىّ يحرّضه على الثورة ضد أبي بكر وعمر، ويمنّيه بالمال والرجال، ولكن الإمام علي سلام الله عليه عرف قصده

<=

الباغية يدعوهم إلى الجنّة ويدعونه إلى النار" والحديث أخرجه البخاري ٤: ٢٧ في كتاب الصلح، والترمذي في المناقب ٢٧٧٣ وقال عنه: "حسن صحيح".

فمعاوية ملعون، ومستحقّ للقتل، وهو من البغاة الّذين يدعون إلى النار، وممّن لم يسلم ويدخل الايمان قلبه..كلّ هذه الأوصاف قالها النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) في حقّ معاوية بن أبي سفيان، فكيف يتجرّأ الدكتور الرحيلي ويقول: انّه صحابي جليل عادل متقي؟!! أليس هذا ردّاً على الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، وتحكيم الأهواء الأموية على الأحاديث النبوية؟!

وهذا يدلّل على أنّ عصر الطلقاء لم ينته بعد، وإنّما هناك طلقاء في كل مكان وزمان يتقوّلون على الله ورسوله بما تمليه عليهم الأهواء وأصحاب المطامع.

٦٩

فطرده، وبقي يعيش حاقداً على الإسلام والمسلمين طيلة حياته حتى آلت الخلافة إلى ابن عمّه عثمان، عند ذلك أظهر ما في نفسه من كفر ونفاق، فقال: "تلقّفوها تلقّف الكرة يا بني أُمية، فوالذي يحلف به أبو سفيان ليس هناك جنّة ولا نار"(١).

وأخرج ابن عساكر في تاريخه من الجزء السادس في صفحة ٤٠٧ عن أنس: أنّ أبا سفيان دخل على عثمان بعدما عمي فقال: هل هنا أحد؟ فقالوا: لا. فقال: اللّهم اجعل الأمر أمر جاهلية، والملك ملك غاصبية، واجعل أوتاد الأرض لبني أميّة(٢).

وأما ابنهُ معاوية وما أدراك ما معاوية، فحدّث ولا حرج، وما فعله بأُمّة محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) طيلة ولايته في الشّام، ثمّ بعد تسلّطه على الخلافة بالقهر والقوة، وما ذكره المؤرّخون من هتكه للقرآن والسنّة، وتعدّيه كلّ الحدود التي رسمتها الشريعة، والأعمال التي يتنزّه القلم عن كتابتها، واللّسان عن ذكرها لقُبحها وفحشها، وقد ضربنا عنها صفحاً مُراعاةً لعواطف إخواننا من أهل السنّة والجماعة، والذين أشربوا في قلوبهم حبّ معاوية والدفاع عنه.

ولكن لا يفوتنا أن نذكر هنا نفسيات الرجل، وعقيدته في صاحب الرسالة، فهي لا تبعد عن عقيدة أبيه، وقد رضعها من حليب أُمّه آكلة

١- تاريخ الطبري ٨: ١٨٥، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٩: ٥٣.

٢- تاريخ دمشق ٢٣: ٤٧١، وفي كتاب النزاع والتخاصم للمقريزي: ٣١ قال: "إنّ أبا سفيان دخل على عثمان رضي الله عنه حين صارت الخلافة إليه فقال: قد صارت إليك بعد تيم وعدي فادرها كالكرة، واجعل أوتادها بني أُمية، فإنّما هو الملك، ولا أدري ما جنّة ولا نار ".

٧٠
٧١

<=

لَهُمْ عَذَابٌ أليم)، وقوله تعالى: (وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عظيم)، وتعني العمى الذي أصابه. راجع سير أعلام النبلاء ٢: ٥١٢ ـ ٥١٧، ترجمة ١٠٦.

مسطح بن أثاثة، حيث شارك في قصة الافك، وكان أبو بكر ينفق عليه وقطع النفقة بعد الحادثة.. وقد ذكر ذلك البخاري في صحيحه ٣: ١٥٧ كتاب الشهادات، حديث الافك. راجع ترجمته في سير أعلام النبلاء ١: ١٨٧، ترجمة ٢٠. بل إنّ أهل السنّة هم الّذين رووا في كتبهم ما يدلّ على الطعن بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وزوجاته، فقد رووا عن عبد الله بن الزبير عن أبيه قال: "أرسلني رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في غداة باردة، فأتيته وهو مع بعض نسائه في لحافه، فأدخلني في اللحاف، فصرنا ثلاثة" مستدرك الحاكم ٣: ٤١٠، وصحّحه، ووافقه الذهبي في تلخيص المستدرك، السنة لابن أبي عاصم ٢: ٥٩٧.

ومع ذلك يحكم عثمان وأمثاله بعدالة هؤلاء، ويرمي الشيعة بتهم رخيصة تبرأ منها براءة أخي يوسف من السرقة.

٢ـ "يروون أنّ عمر بن الخطاب كان مصاباً بداء في دبره..." ونسب ذلك إلى كتاب "الأنوار النعمانية".

وهذا جهل من عثمان الخميس وتدليس على القارئ; لأنّ صاحب "الأنوار النعمانية" نقل هذا الكلام عن مصدر سنّي إذ قال: (وأمّا أفعاله ـ يعني عمر ـ الجميلة فقد نقل منها متابعوه ما لم ينقله أعداؤه، منها ما نقله صاحب الاستيعاب...ومنها: ما قاله المحقّق جلال الدين السيوطي في حواشي القاموس عند تصحيح لغة (الأبْنَة)، وقال هناك: "وكانت في جماعة في الجاهلية، أحدهم سيّدنا عمر".

وأقبح منه ما قاله الفاضل وابن الأثير، وهما من أجلاّء علمائهم قال: "زعمت الروافض أنّ سيّدنا عمر كان مخنّثاً، ولكن كان به داء دواؤه ماء الرجال".

وغير ذلك ممّا يستقبح نقله، وقد قصّروا في إضاعة مثل هذا السرّ المكنون المخزون، ولم أرَ في كتب الرافضة مثل هذا.. وقد نقلت أهل السنّة ها هنا عن

=>

٧٢

الذي ما عرف الإسلام يوماً إلى قلبه سبيلا.

وكما عرفنا نفسية الأب، فها هو الابن يعبّر بنفس التعبير، ولكن على طريقته في الدّهاء والنّفاق.

فقد روى الزبير بن بكار، عن مطوف بن المغيرة بن شعبة الثقفي قال: دخلت مع أبي على معاوية، فكان أبي يأتيه يتحدّث عنده ثمّ ينصرف إلىّ

<=

إمامهم ما هو أقبح من هذا، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم" الأنوار النعمانية ١: ٦٣.

٣ـ "كان عثمان ممّن يلعب به..."، وهذا من خيانة النقل والتقول على الآخرين بما لم يذكروه، فإنّ المؤلّف نقل هذا الكلام عن الكلبي في كتابه مثالب العرب، فذكر فيه مثالب قريش ومنهم عثمان (الصراط المستقيم ٢: ٣٣٤).

ومسألة اللعب بعثمان لا كما فهمه عثمان الخميس حيث فسّر اللعب بما ذكره الطبرى في تاريخه: "قال علي: عياذ الله ياللمسلمين اني قعدت في بيتي قال لي عثمان: (تركتني وقرابتي وحقي)، وأنّي إن تكلّمت فجاء ما يريد يلعب به مروان، فصار سيّقه له يسوقه حيث شاء بعد كبر سنه.." تاريخ الطبري ٣: ٣٩٠.

فاللعب به: يعني عليه فيما يصدره ويفعله في خلافته من أوامر وأحكام وتصرّفات. وأمّا لفظ (المخنث) فلم يذكر في مصدر شيعي أو سنّي وهو من افتراءات عثمان الخميس وتقولاته الفاسدة.

وهذه الأُمور التي ذكرها عثمان والأُمور الأُخرى كلّها لا تؤمن بها الشيعة ولا تعتقد، بها، بل هي تنزّه ألسنتها عن نسبة التهم بالفحشاء إلى الآخرين، مضافاً إلى أنّ ما ذكره من أمثلة كلّها واردة في كتب لا تعتّد الشيعة بمؤلّفيها أو بالكتاب الذي نقل هذه المسائل عن مصادر أهل السنّة.

وأمّا هند بنت عتبة زوجة أبي سفيان فقد ذكرنا المصادر السنّية التي ذكرت هذا الأمر في حقّها، وأمّا كلامها التي ردّت فيه على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بقولها: (أو تزني الحرّة)، فهذا لا يدلّ على عدم ركوبها لهذا الفعل، إذ كيف يستدلّ بكلامها على نفي الفعل عنها؟ إذ من الواضح أنّ الإنسان لا يفشي سرّه ولا يبيّنه للآخرين، وهل يطلب عثمان الخميس من هند أن تقرّ بالزنا وتعترف به أمام الناس؟!.

٧٣

فيذكر معاوية وعقله، ويعجب ممّا يرى منه، إذ جاء ذات ليلة فأمسك عن العشاء فرأيته مغتمّاً، فانتظرته ساعة وظننتُ أنّه لشيء حدث فينا أو في عملنا، فقلتُ له: ما لي أراك مُغتمّاً منذ الليلة؟

قال: يا بني إنّي جئتُ من عند أخبث الناس، قلتُ له: وما ذاك، قال: قلتُ لمعاوية وقد خلوتُ به: إنّك قد بلغتَ مُناك يا أمير المؤمنين، فلو أظهرت عدلا، وبسطت خيراً، فإنّك قد كبرتَ، ولو نظرتَ إلى إخوتك من بني هاشم فوصلتَ أرحامهم، فوالله ما عندهم اليوم شيء تخافه، وإنّ ذلك ممّا يبقى لك ذكره وثوابه.

فقال لي: هيهات هيهات! أيّ ذكر أرجو بقاءه؟ ملك أخو تيم فعدل وفعل ما فعل، فما غدا أن هلك فهلك ذكره إلاّ أن يقول قائل: أبو بكر، ثمّ ملك أخو عدي فاجتهد وشمّر عشر سنين، فوالله ما غدا أن هلك فهلك ذكره إلاّ أن يقول قائل: عمر، ثمّ ملك أخونا عثمان فملك رجل لم يكن أحد في مثل نسبه، فعمل ما عمل وعُمل به، فوالله ما غدا أن هلك فهلك ذكره وذكر ما فُعل به، وإن أخا هاشم يصرخ به في كلّ يوم خمس مرّات: أشهد أنّ محمّداً رسول الله، فأيّ عمل وأي ذكر يبقى مع هذا لا أمّ لك؟ والله إلاّ دفناً دفناً(١).

خسئتَ وَخبتَ وأخزاك الله يا من أردت دفنَ ذكر رسول الله بكلّ جهودك، وأنفقت في سبيل ذلك كلّ ما تملكه، ولكنّ جهودك كلّها باءتْ بالفشل، لأنّ الله سبحانه لك بالمرصاد، وهو القائل لرسوله: {وَرَفَعْنَا لَكَ

١- شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٥: ١٣٠، مروج الذهب ٣: ٤٥٤ في نداء المأمون بسب معاوية.

٧٤

ذِكْرَكَ}(١).

فلستَ أنت بقادر على دفن ذكره الذي رفعه ربّ العزّة والجلالة، فكدْ كيدك، واجمع جمعك، فأنت غير قادر على إطفاء نور الله بفيك، والله متمّ نوره رغم نفاقك، فها قد مَلكْتَ الأرض شرقاً وغرباً، وما إن هلكْتَ حتّى هلك ذكرك، إلاّ أن يذكرك ذاكر بأفعالك الشنيعة التي أردْتَ بها هدم الإسلام، كما جاء ذلك على لسان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)(٢).

وبقي ذكر محمّد بن عبد الله بن هاشم عبر القرون والأجيال إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، كلّما ذكره ذاكر إلاّ صلّى عليه وعلى آله وسلّم رغم أنفك، وأُنوف بني أُميّة الذين حاولوا بقيادتك وزعامتك القضاء عليهم وعلى فضائلهم، فما زادهم ذلك إلاّ رفعة وسمّواً، وسوف تلقون الله يوم القيامة غاضباً عليكم لما أحدثتموه في شريعته، فيجزيكم بما تستحقّون.

وإذا ما أضفنا إلى هؤلاء فرخهم يزيد بن معاوية الماجن الفاسق، شارب الخمور، والمجاهر بالفسق والفجور، فسوف نجده هو الآخر يحمل نفس العقيدة التي ورثها عن أبيه معاوية وجدّه أبي سفيان، كما ورث عنهم الخسّة والدناءة، وشرب الخمر، ومعاقرة العاهرات، ولعب القمار.

ولو لم يرث كلّ هذه الصفات البشعة لما أورثه أبوهُ معاوية الخلافة، وسلّطه على رقاب المسلمين، وكلّهم يعرفوه حقّ معرفته، وفيهم فضلاء الصحابة كالحسين بن علي سيّد شباب أهل الجنة. ولا أشكّ في أنّ معاوية

١- الشرح: الآية ٤.

٢- كتاب صفين: ٤٤.

٧٥

قضى حياته، وأنفق ماله الذي اكتسبه من حرام في سبيل القضاء على الإسلام والمسلمين الحقيقيين.

ولقد رأينا كيف كان يريد دفن ذكر محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) وما قدر على ذلك، فأشعلها حرباً على ابن عمّه علي وصىّ النّبي، حتى إذا ما قضى عليه ووصل للخلافة بالقهر والغش والنفاق سنَّ سُنّته المشؤومة، وأمر عمّاله في كلّ الأقطار بلعن علي وأهل البيت النّبوي على كلّ المنابر وفي كلّ صلاة، وهو بذلك يريد سبّ ولعن رسول الله(١)، ولما أعيته الحيل، وأدركه الأجل، ولم

١- أخرج ابن عبد ربّه في العقد الفريد ٥: ١١٤ في أخبار معاوية، قال: إن معاوية لعن علياً على المنبر وكتب إلى عمّاله أن يلعنوه على المنابر ففعلوا، فكتبت أمّ سلمة زوج النبي (صلى الله عليه وآله) إلى معاوية: إنّكم تلعنون اللّه ورسوله على منابركم. وذلك أنّكم تلعنون علي بن أبي طالب ومن أحبّه، وأنا أشهد أنّ اللّه أحبّه ورسوله، فلم يلتفت معاوية إلى كلامها. (المؤلّف).

وفي سنن ابن ماجة ١: ٥٦، ح١٢١ قال: "حدّثنا علي بن محمّد، حدّثنا أبو معاوية، حدّثنا موسى بن مسلم، عن ابن سابط ـ وهو عبد الرحمن ـ عن سعد بن أبي وقّاص قال: لما قدم معاوية في بعض حجاته فدخل عليه، فذكروا علياً، فنال منه، فغضب سعد وقال: تقول هذا لرجل سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه وسلم) يقول: "من كنت مولاه فعلي مولاه"، وسمعته يقول: "أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبي بعدي"، وسمعته يقول: "لأعطين الراية اليوم رجلا يحب اللّه ورسوله". وصحح الحديث الشيخ الألباني في صحيح سنن ابن ماجة ١: ٧٢ ح١٢٠، وعلّق عليه بقول: "قوله: فنال منه، أي نال معاوية من علي وتكلّم فيه".

وفي عون المعبود بشرح سنن أبي داود ١٢: ٣١٢ ح٤٦٣٦: "حدّثنا ابن العلاء عن ابن ادريس، أنبأنا حصين عن هلال بن يساف.. عن عبد اللّه بن ظالم

=>

٧٦

يصل إلى مأربه، إنتدب ابنه وولاّه على الأُمة ليواصل ذلك المخطط الذي رسمه هو وأبوه أبو سفيان، ألا وهو القضاء على الإسلام وإعادة الأمر إلى الجاهلية.

فاستلم ذلك الماجن الفاسق الخلافة، وشمّر سواعده للقضاء على الإسلام حسب رغبة أبيه، فبدأ باستباحة مدينة الرسُول (صلى الله عليه وآله وسلم) لجيشه الكافر، ففعل فيها ما فعل طيلة ثلاثة أيّام، وقتل فيها عشرة آلاف من خيرة الصحابة، بعد أن قتل سيّد شباب أهل الجنة وريحانة النبىّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وكلّ أهل البيت النّبوي، وهم أقمار الأمّة، حتّى أخذت حرائر أهل البيت سبايا،

<=

المازني قال: ذكر سفيان رجلا فيما بينه وبين عبد اللّه بن ظالم المازني قال: سمعت سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل قال: لمّا قدم فلان إلى الكوفة أقام فلان خطيباً، فأخذ بيدي سعيد بن زيد فقال: ألا ترى إلى هذا الظالم، فاشهد على التسعة أنّهم في الجنّة..".

قال العظيم آبادي في شرح الحديث: (لمّا قدم فلان إلى الكوفة أقام فلان خطيباً)، قال في فتح الودود: "ولقد أحسن أبو داوود في الكناية عن اسم معاوية والمغيرة بفلان ستراً عليهما في مثل هذا المحل.. قال بعض العلماء: كان في الخطبة تعريضاً بسبّ علي (رضي الله عنه)..").

وقد صحّح الحديث الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود ٣: ١٣٠ ح٤٦٤٨، وفي صحيحته ٢: ٥٣١ ح٨٧٥.

فمعاوية مؤسّس الدولة الأموية من أوّل يوم لدولته وتشكيلته الحكومية باشر هذا الفعل، وهو سبّ علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وإخفاء فضائل أهل البيت (عليهم السلام)، وإعطاء الأموال لإضفاء فضائل مزيفة له، والتحديث بتنقيص علي وآل علي، وهذا أمرٌ واضح من سيرة معاوية، ومن سيرة ولاته الذين نصبهم على البلاد والعباد، ومن يدافع عن بني أُمية ومعاوية ما هو إلاّ متبع لهوىً أو متعصب لدين الأجداد والآباء.

٧٧

فإنا لله وإنا إليه راجعون.

ولو أنّ الله لم يقصف عمره لتمكّن ذلك الوغد اللئيم من القضاء على الإسلام والمسلمين. والذي يهمّنا في هذا البحث هو الكشف عن عقيدته هو الآخر، كما كشفنا عن عقيدة أبيه وجدّه.

فقد حدّث المؤرخون أنّه بعد وقعة الحرّة المشؤومة، وقتل عشرة آلاف من خيرة المسلمين سوى النساء والصبيان، وأفتضّ فيها نحو ألف بكر، وحبلتْ ألف امرأة في تلك الأيام من غير زوج، ثمّ بايع من بقيَ من النّاس على أنّهم عبيد ليزيد ومن امتنع قتل، ولمّا بلغ يزيد خبر تلك الجرائم والمآسي التي يندى لها الجبين، ولم يشهد لها التاريخ مثيلا حتى عند المغول والتتار وحتى عند الإسرائيليين فرح بذلك وأظهر الشماتة بنبىّ الإسلام، وتمثّل بقول ابن الزبعّرى الّذي أنشده بعد موقعة أحد قائلا:


ليتَ أشياخي ببدر شهدواجزع الخزرج من وقع الأسلْ
لأهلّوا واستهلّوا فرحاًثمّ قالوا: يا يزيد لا تشلْ
قد قتلنا القرم من ساداتهموعدلنا ميل بدر فاعتدلْ
لست من خندف إن لم أنتقممن بني أحمد ما كان فعلْ
لعبت هاشم بالملك فلاخبرٌ جاء ولا وحىٌ نزلْ(١)

١- أنظر: تاريخ الطبري ٨: ١٨٧، الأخبار الطوال للدينوري: ٢٦٧، شرح نهجالبلاغة لابن أبي الحديد ١٥: ١٧٨، وقال ابن كثير في البداية ٨: ١٥٥: "ثم أباح مسلم بن عقبة الذي يقول فيه السلف مسرف بن عقبة ـ قبّحه الله من شيخ سوء ما أجهله ـ المدينة ثلاثة أيام كما أمره يزيد ـ لا جزاه الله خيراً ـ، وقتل خلقاً من

=>

٧٨

<=

أشرافها وقرّائها، وانتهب أموالا كثيرة منها، ووقع شرّ عظيم وفساد عريض... ووقعوا على النساء، حتى قيل: إنّه حبلت ألف امرأة في تلك الأيام من غير زوج".

وقال ابن حجر العسقلاني في الإصابة ٦: ٢٣٢ رقم ٨٤٣٤: "مسلم بن عقبة بن أسعد.. المري أبو عقبة، الأمير من قبل يزيد بن معاوية على الجيش الذين غزوا المدينة يوم الحرة، ذكره ابن عساكر وقال: أدرك النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وشهد صفين مع معاوية.. وقد أفحش مسلم القول والفعل بأهل المدينة، وأسرف في قتل الكبير والصغير حتى سمّوه مسرفاً، وأباح المدينة ثلاثة أيام لذلك العسكر، ينهبون ويقتلون ويفجرون، ثمّ رفع القتل وبايع من بقي على أنهم عبيد ليزيد بن معاوية، وتوجّه بالعسكر إلى مكة ليحارب ابن الزبير لتخلّفه".

وقال النووي في شرحه لحديث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (ولا يريد أحدٌ أهل المدينة بسوء إلاّ أذابه الله في النار ذوب الرصاص أو ذوب الملح في الماء)، "قال: لمن أرادها في الدنيا فلا يمهله الله ولا يمكن له سلطان، بل يذهبه عن قرب، كما انقضى شأن من حاربها أيام بني أُمية مثل مسلم بن عقبة، فإنّه هلك في منصرفه عنها، ثمّ هلك يزيد بن معاوية مرسلة على ذلك" شرح مسلم، النووي ٩: ١٣٨.

وراجع ذلك أيضاً في المصادر التالية: سير أعلام النبلاء للذهبي ٣: ٣٢٢، المستدرك للحاكم النيسابوري ٣: ٥٥٠، الثقات لابن حبان ٢: ٣١٢، أُسد الغابة لابن الأثير ٤: ٣٩٧، فتح الباري لابن حجر ٨: ٢٤٥ و٤٩٩ و١٣: ٦٠، الديباج على مسلم للسيوطي ٣: ٤٠٧، فيض القدير في شرح الجامع الصغير ١: ٥٧، الطبقات الكبرى لابن سعد ٥: ٣٩، تاريخ خليفة بن الخياط ١٤٧، تهذيب التهذيب لابن حجر ١١: ٣١٦.

وغيرها من المصادر الكثيرة المتعرضة لهذه الواقعة المفجعة التي قتل خلق كثير فيها من الصحابة والتابعين، واستبيحت فيها نساؤهم وبناتهم وولدن الكثير من السفاح، حتى أنّ من صار منهم يسمّون أولاد الحرّة لعدم معرفة آبائهم، وأنّ

=>

٧٩

فإذا كان الجدّ أبو سفيان العدوّ الأوّل لله ورسوله يقول صراحة:

"تلقّفوها يا بني أُمية تلقّف الكرة، فوالذي يحلف به أبو سفيان فما من جنّة ولا نار".

وإذا كان الأب معاوية العدوّ الثاني لله ورسوله يقول صراحة، عندما يسمع المؤذن يشهد أنّ محمّداً رسول الله: "أيّ عمل وأيّ ذكر يبقى مع هذا لا أمَّ لك؟ والله إلاّ دفناً دفناً".

وإذا كان الابن يزيد العدوّ الثالث لله ورسوله يقول صراحة:


لعبت هاشم بالملك فلاخبرٌ جاء ولا وحىٌ نزلْ

وإذا ما نحنُ عرفنا عقيدة هؤلاء في الله ورسوله وفي الإسلام، وإذا ما نحن عرفنا أعمالهم الشنيعة التي أرادوا بها هدم أركان الإسلام، والإساءة إلى نبي الإسلام، والتي لم نذكر منها إلاّ النزر اليسير روماً للاختصار، ولو أردنا التوسّع لملأنا مجلداً ضخماً في أعمال معاوية وحده التي بقيت عليه عاراً وشناراً وفضيحة مدى الدهر، ولو تجنّد لتغطيتها وسترها بعض علماء السّوء الذين كان لبني أُمية عليهم أيادي وعطايا أعمت عيونهم، فباعوا

<=

الرجل بعد وقعة الحرّة كان يزّوج ابنته من دون أن يضمن بكارتها.

والملفت للنظر في هذا الأمر أنّ قائد الجيش الذي فعل هذه الأفعال الشنيعة في المدينة ـ وهو مسلم بن عقبة المري ـ ذكره بعضهم كابن حجر العسقلاني وغيره أنّه صحابي كما تقدّم، فعند ذلك يقع تضارب واضح بين من يؤمن بعدالة جميع الصحابة وأنّهم في الجنّة وبين الحديث المتقدّم عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "ولا يريد أحدٌ أهل المدنية..." مع أفعال هذا الصحابي الشنيعة، فهل هذا عادل؟! وهل هو في الجنّة، لأنّه صحابي ولا يضّره ما فعل؟!

٨٠