×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

فرق أهل السنة / الصفحات: ٢٤١ - ٢٦٠

تصحيح المفاهيم.

تصحيح المواقف(١).

ولما كان أهل السنة على وجه العموم اليوم يرفضون التصحيح، فهم سوف يصطدمون حتماً بحالات التمرد الواقعة في دائرتهم، بل قد اصطدموا بها فعلا وتخطتهم الفرق الجديدة التي برزت على ساحة الواقع منذ أكثر من نصف قرن وهي مستمرة حتى اليوم في تخطّي الفرق القديمة العاجزة عن مواكبة الواقع والمتغيرات.

ولما كانت فرقة الجهاد تواجه ضغوطاً شديدة من قبل أهل السنة ومن قبل الحكومات اليوم، فإنا نستطيع التنبأ أن هذا الضغط سوف ينتج عنه فرق جهادية أكثر تطرفاً في مواجهة الواقع والحكومات وأهل السنة أيضاً.

وطالما استمر الواقع في تخطي القيم والابتعاد عن الدين فسوف تستمر حالة التفريخ للفرق المتطرفة في دائرة أهل السنة وعلى رأسها فرق التكفير.

واعتقد أن فرق الجهاد والتكفير هي الفرق التي سوف تكون لها السيادة والانتشار في واقع أهل السنة مستقبلا، بينما لن يكون هناك وجود للفرق التقليدية كفرق السلفيين والوهابيين والفرق ذات التوجه السياسي كفرقة الإخوان وفرقة حزب التحرير.

إن هناك انهياراً قادماً لعدد من الحكومات التقليدية التي تستثمر الورقة الإسلامية من خلال أهل السنة، وانهيارها هذا سوف تكون نتائجه

١- انظر لنا أهل السنة والتصحيح.

٢٤١
بالغة الخطورة على فرق أهل السنة التي تعمل تحت مظلة هذه الحكومات والتي أخذ بعضها يضغط على حكوماته لتلافي هذا الانهيار الذي يهددهما(١).

إن التاريخ قد طوى لنا صفحات الكثير من فرق أهل السنة بحيث لم يبق من هذه الفرق سوى نصوص تحويها صفحات الكتب تدرس في المدارس الدينية وتعمل بها بعض المؤسسات الدينية الحكومية.

وبرزت محلها فرقاً أخرى جديدة مثل فرق التكفير والجهاد والإخوان والجماعة الإسلامية والسلفيين واستحوذت على الجيل الجديد من شباب أهل السنة.

والفرق الجديدة الكثير منها في الطريق إلى الزوال لتصبح في ذمة التاريخ وتلحق بسابقتها من الفرق القديمة.

ولا يعود سبب الانهيارات الدائمة في دائرة أهل السنة وغياب فرق وظهور فرق إلى الخلل في الطرح السني وضعف عقائدهم وأفكارهم في مواجهة الواقع فقط بل يعود الى ارتباطهم الدائم بالحكومات التي كان

١- ضغط رموز الفرقة الوهابية على حكّام آل سعود في الفترة الأخيرة كي يتخذوا موقفاً معارضاً للموقف الأمريكي تجاه الفرق الجهادية في أفغانستان وغيرها وقام آل سعود بالضغط على الأنشطة الوهابية المتطرّفة وتمثّل هذا مؤخراً في الحد من نشاط جماعات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وبرز في باكستان مؤخراً موقفاً متشدّداً من قبل حكومة "مشرف" تجاه الفرق السنية خاصة تلك التي تحالفت منها مع فرقة طالبان مثل فرقة شريعة محمد وفرقة جند الصحابة.

٢٤٢
زوالها سبباً في زوال الفرق التي ارتبطت بها.

واليوم أسهمت الحكومات في قيام الكثير من الفرق مثل الجماعة الإسلامية والسلفيين والإخوان في مصر وطالبان في أفغانستان وجند الصحابة في باكستان والفرق الوهابية في جزيرة العرب، ثم انقلبت عليها فيما بعد وقررت القضاء عليها لمّا تبيّن أنها تشكّل خطراً على أمنها ونفوذها(١).

ولا شك أن القضاء على فرقة طالبان وفرقة الجهاد في أفغانستان سوف تكون له ردود أفعال تسهم في خلق فرق أكثر تطرّفاً في أوساط أهل السنة.

والفرق القادمة في محيط أهل السنة لن تنحصر في حدود العالم الإسلامي وإنما سوف تمتد إلى أوربا حيث تبعث على هيئة متطورة على يد المسلمين الأوربيين تنذر بخطر داهم يهدد أوروبا من قبل العالم الإسلامي.

١- أخرج السادات الإخوان والتكفير والقطبيين من المعتقل بعد أن تسلّم السلطة في مصر، ودعم السلفيين والجماعة الإسلامية في محيط الجامعة المصرية كي تطوق النشاطات الناصرية واليسارية المعادية له في ساحتها ودعمت السعودية وباكستان وأمريكا فرقة طالبان في البداية ومهّدت لها الطريق للاستيلاء على الحكم في أفغانستان.

٢٤٣

ملاحق الكتاب

٢٤٤
٢٤٥

ملحق (١)
قراءة في كتاب الفرق بين الفرق للبغدادي

كيف نقرأ التراث؟

سؤال يفرض نفسه عند محاولة القراءة في أطروحات السلف، وهو يفرض علينا من جهة أخرى تحديد ماهية التراث.

إن التراث هو الناتج البشري الحادث فوق القرآن، أي أن التراث شيء والقرآن شيء آخر.

القرآن ثابت لا يتغير ولا يؤخذ فيه ولا يرد.

والتراث غير ثابت يتغير ويؤخذ فيه ويرد.

القرآن يحوي كلام الله.

والتراث يحوي كلام البشر.

ومن هذا المنظور تعد كتب الحديث والفقه والتاريخ والفرق والآداب والشعر كلها من التراث.

وإذا سلّمنا بهذا التعريف للتراث فإن قراءتنا لأطروحاته سوف تكون قراءة مختلفة تخضع للنقد والمراجعة.

أما إذا سلّمنا برؤية فرق أهل السنة التي تقدّس التراث وتشركه مع القرآن وتربطه به، فهذا يعني أننا سوف نتعامل مع أطروحاته بمنطق

٢٤٦
التسليم الذي يجعل النقد والمراجعة درب من دروب الزندقة والزيغ والضلال.

وهذا هو جوهر الخلاف بين فرق أهل السنة والفرق الأخرى.

أهل السنة يرفضون النقد والمراجعة واستخدام العقل في مواجهة التراث.

والفرق الأخرى توجب النقد والمراجعة واستخدام العقل.

من هنا كان الصراع عنيفاً بينهما خرج من طور الحوار والجدال ليصل إلى البطش والقتل والتشريد الذي كان من نصيب خصوم أهل السنة على الدوام وبمساعدة الحكّام الذين حقّقوا السيادة والانتشار لهم على حساب الفرق الأخرى.

من هنا أيضاً ساد الإرهاب الفكري الذي حال بين المسلمين وبين أن يخوضوا في قضايا التراث ويعملوا عقولهم في أطروحاته.

وبمرور الزمن تلقّت الأجيال المسلمة جيلا بعد جيل التراث بمنظور الفرقة السائدة المتمكنة المدعومة من السلطة.

وحتى نتمكّن من قراءة التراث قراءة صحيحة لابدّ لنا من تحقيق ما يلي:

قراءة العصر.

قراءة المؤلف.

قراءة الفرقة التي ينتمي لها المؤلف.

وهذا ما سوف نطبّقه في قراءتنا لكتاب الفرق بين الفرق.

٢٤٧

عصر المؤلف:

نشأ المؤلف في أواخر العصر العباسي، وهو عصر ركدت فيه الحركة العلمية وكثرت فيه الاضطرابات والفوضى وتسلّط فيه البويهيون.

وكان البويهيون يلتزمون بمذهب الشيعة الإمامية، وقد استظل الشيعة بظلهم في بغداد وأشهروا شعائرهم وأعلنوا عن أنفسهم، فكان أن استفز أهل السنة واصطدموا بهم ووقعت الكثير من الفتن(١).

وفي حياة البغدادي مرّ على بغداد سبعة من الخلفاء العباسيين هم:

ـ القاهر بالله.

ـ الراضي بالله.

ـ المتقي لله.

ـ المطيع لله.

ـ الطائع لله.

ـ القادر بالله.

ـ القائم بأمر الله.

وهذا الأمر يدلّ على مدى حالة الضعف والتردي التي كان يعيشها

١- انظر حوادث عام ٤٠٨هـ وعام ٤٢١هـ وعام ٤٢٢هـ في كتب التاريخ، وقد كثرت الفتن والاضطرابات والقحط وهجمات اللصوص، وكثر السلب والنهب والبلاء ببغداد وما حولها طوال النصف الثاني من القرن الرابع وأوائل القرن الخامس فترة حياة البغدادي. انظر المراجع التاريخية.

٢٤٨
الحكم العباسي في بغداد آنذاك.

هذا في الوقت الذي برزت فيه الخلافة الفاطمية الشيعية في مصر والشام لتزيد العباسيين ضعفاً على ما هم فيه من ضعف.

وبرزت فيها أيضاً حركة القرامطة بالإضافة إلى نشاط الفرق الأخرى مثل المعتزلة والقدرية والكرامية.

ولعل هذا الوضع هو ما دفع بعائلة البغدادي إلى الرحيل من بغداد والاتجاه إلى خراسان حيث كانت الحركة العلمية ناشطة هناك(١).

ونخرج مما سبق عرضه بما يلي:

ـ أن عصر البغدادي كان عصر اضطرابات سياسية واجتماعية.

ـ إن الفرق المناوئة لأهل السنة برزت بقوة على ساحة الواقع.

ـ إن أهل السنة نشطوا في الدفاع عن أنفسهم ومهاجمة الفرق الأخرى.

ولا شك أن عصر هذه أوضاعه لابدّ وأن ينعكس على أهل الفقه والفكر والقلم الذين يعيشون في ظله وعلى رأسهم البغدادي الذي نرى ردّ الفعل تجاه عصره واضحاً من خلال كتاباته.

نراه واضحاً من خلال ردوده الشديدة اللهجة على المخالفين.

ونراه في تعصّبه الشديد لأهل السنة.

ونراه في تركيزه على فكرة الإمامة والحكم ووجوب السمع

١- نشأ البغدادي مع أسرته في بغداد ثم رحلوا إلى خراسان، وسكن نيسابور، ودرس على أهل العلم والحديث فيها وفارقها عام وفاته ٤٢٩هـ، بعد نشوب فتنة التركمان فيها إلى أسفراين، وتوفي فيها ودفن إلى جوار استاذه وشيخه الأسفراييني.

٢٤٩
والطاعة للحكام.

وعلى الرغم من هذه المؤلفات الكثيرة التي صنّفها البغدادي إلاّ أن الفقهاء والمؤرخين لم يعدوه في زمرة الفقهاء والمحدّثين، وإنما عدوه من زمرة الأصوليين وشهد له الكثير من الفقهاء بطول باعه في هذا الجانب(١).

حياة المؤلف:

نشأ عبدالقادر البغدادي في بيئة سنية ببغداد، ثم سكن نيسابور ودرس الفقه والحديث على يد فقهاء أهل السنة.

ومن أبرز أساتذة البغدادي أبو إسحاق الاسفراييني الفقيه الأصولي المتوفى عام ٤١٨هـ، كما تفقّه على يد أئمة الحديث في زمانه.

وكانت ميول البغدادي تتجه نحو أصول الدين، وقد تخصص في هذا الجانب وذاع صيته فيه حتى أنه حل محل شيخه الأسفراييني بعد وفاته، وأصبح أشهر علماء خراسان، وروى عنه الكثير من فقهاء أهل السنة.

ويروى أن البغدادي كان على قدر من الثراء وأنه أنفق ما له على أهل العلم وصنف الكثير من الكتب.

ومن مؤلفاته:

ـ أصول الدين.

١- قال عنه السبكي في طبقات الشافعية: حبر لا يساجل في الفقه وأصوله وعلم الكلام وقال عنه الرازي: كان يسير في الرد على المخالفين سير الآجال في الآمال. وقال عنه أبو عثمان الصابوني: كان من أئمة الأصول بديع الترتيب غريب التأليف.

٢٥٠
ـ الناسخ والمنسوخ.

ـ فضائح المعتزلة.

ـ تأويل المتشابهات في الأخبار والآيات.

ـ الإيمان وأصوله.

ـ الملل والنحل.

ـ نفي خلق القرآن.

ـ فضائح القدرية.

ـ الصفات.

ـ فضائح الكرامية.

ـ بلوغ المدى في أصول الهدى.

ـ إبطال القول بالتولد.

ـ معيار النظر.

ـ العماد في مواريث العباد.

ـ الكلام على الوعد والوعيد.

ويظهر لنا من هذه المؤلفات أنّها تدل على عصبية المؤلف ووقوفه موقف التحدّي والتربّص بالفرق الأخرى، والعصبية والتربص صفتان تلازمان رموز أهل السنة في مواجهة خصومهم على الدوام.

فرقة المؤلف:

وكما هو واضح من نشأته ومؤلفاته أن البغدادي ينتمى إلى فرقة الشافعية في الفقه والأشاعرة في الاعتقاد.

٢٥١
ومن هنا نستطيع القول أن كتابه الفرق بين الفرق كتب بمنظور أهل السنة وليس بمنظور البحث العلمي المجرّد، وهو المتوقع من كاتب سخّر قلمه للذود عن أهل السنة والتشنيع بالخصوم وفضح المخالفين كما هو واضح من كم المؤلفات التي صنّفها وكما سوف يتّضح من خلال استعراض نصوص كتابه الفرق بين الفرق.

ومن الملاحظ أن جميع الكتب التي صدرت عن الفرق خرجت من دائرة أهل السنة، وهذا يدل على أن هذه الكتب لم تنصف الخصوم من الفرق المخالفة بل ركّزت على فضحهم وتعريتهم بغير حق وذلك بهدف تثبيت أتباع أهل السنة.

ويدلّ من جانب آخر على مدى حالة الحصار والتعتيم التي فرضت على الفرق الأخرى وحالت دون وصول صوتها إلى المسلمين والدفاع عن نفسها في مواجهة أهل السنة والحكّام.

نصوص الكتاب:

يبدأ البغدادي كتابه بذكر السبب الذي دعاه إلى تصنيفه بقوله:

سألتم أسعدكم الله بمطلوبكم شرح معنى الخبر المأثور عن النبي(صلى الله عليه وسلم)في افتراق الأمة ثلاثاً وسبعين فرقة منها واحدة ناجية تصير إلى جنة عالية وبواقيها عادية تصير إلى الهاوية والنار الحامية، وطلبتم الفرق بين الفرقة الناجية التي لا يزل بها القدم ولا تزول عنها النعم، وبين فرق الضلال الذين يرون ظلام الظلم نوراً واعتقاد الحق ثبوراً وسيصلون سعيراً ولا يجدون من الله نصيراً. فرأيت إسعافكم بمطلوبكم من الواجب في إبانة الدين

٢٥٢
القويم والصراط المستقيم. وتميزها من الأهواء المنكوسة والآراء المعكوسة ليهلك من هلك عن بينة، ويحيا من يحيا عن بينة، فأودعت مطلوبكم مضمون هذا الكتاب(١).

من هنا بدا البغدادي في كتابه في بيان الحديث الخاص بافتراق الأمة، وقد توسّع في هذا الباب في شرح طرقه وأسانيده ونقله من ثلاث طرق:

عن أبي هريرة.

وعن عبدالله بن عمر.

وعن أنس بن مالك.

وقال البغدادي: للحديث الوارد في افتراق الأمة أسانيد كثيرة، وقد رواه عن النبي(صلى الله عليه وسلم) جماعة من الصحابة كأنس وأبي هريرة وأبي الدرداء وجابر وأبي سعيد الخدري وأُبي بن كعب وعبدالله بن عمرو بن العاص وأبي إمامه وواثلة بن الأسقع وغيرهم، وقد روى عن الخلفاء الراشدين أنهم ذكروا افتراق الأمة بعدهم فرقاً وذكروا أن الفرقة الناجية منها فرقة واحدة وسائرها على الضلال في الدنيا والبوار في الآخرة.

وسبق لنا الإشارة إلى هذا الحديث في مقدمات الكتاب وأنه على الرغم من طرقه الكثيرة لم يرق إلى مستوى الصحة التي تجعله في مصاف الأحاديث الصحيحة، فإن طرقه الكثيرة تفتح الباب واسعاً لنقد سنده هذا

١- تأمل كلام البغدادي ولغته الخطابية وتعصّبه لفرقته وضمان صوابها المطلق ومحاولة تأكيد أن الحديث خاص بهم وأنهم الفرقة المقصودة بالنجاة، ولغته بشكل عام تحاول توطين هذه الفكرة في نفوس الاتباع والسائلين.

٢٥٣
بالإضافة إلى متنه الذي لا يستقيم مع العقل ومع نصوص القرآن كما ذكرنا.

وقد حاول البغدادي استثناء فرق الفقهاء من الفرق المذمومة أهل النار مشيراً إلى أن الرسول(صلى الله عليه وسلم) لم يقصدهم بحديثه عن الفرق التي عدّها من أهل النار(١).

وذكر البغدادي أن فرق الفقهاء اختلفوا في فروع الفقه مع اتفاقهم على أصول الدين.

والسؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: هل الفرق المخالفة لأهل السنة لم تتفق فيما بينها على أصول الدين؟

وما هي أصول الدين بالتحديد؟

في منظور البغدادي أن أهل السنة هم أهل الأصول، وبالتالي فإن الفرق التي اختلفت معهم إنما هي فارقت الأصول، وهذا التصور نابع من كونهم الفرقة الناجية ويوضّح لنا البغدادي ذلك بقوله:.. وإنما فصل النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)بذكر الفرق المذمومة فرق أصحاب الأهواء الضالة الذين خالفوا الفرقة الناجية في أبواب العدل والتوحيد أو في الوعد والوعيد أو في بابي القدر والاستطاعة أو في تقدير الخير والشر أو في باب الهداية والضلال أو في باب الإرادة والمشيئة أو في باب الرؤية والإدراك أو في باب صفات الله عزوجل وأسمائه أو في باب من أبواب التعديل والتجوير أو في باب من أبواب النبوة وشروطها ونحوها من الأبواب التي اتفق عليها أهل السنة والجماعة من فريقي الرأي والحديث على أصل واحد خالفهم فيها أهل

١- انظر نماذج من هذه الأحاديث في فصل أهل السنة الإطار المذهبي.

٢٥٤
الأهواء الضالة من القدرية والخوارج والروافض والنجارية والجهمية والمجسمة والمشبهة ومن جرى مجراهم من فرق الضلال.

وهذه الأبواب التي ذكر البغدادي أن الفرق الأخرى خالفتهم فيها هي بمثابة الأصول عندهم، وقد بيّنا سابقاً أن هذه الأمور ليست من أصول الدين في شيء، وهي لا تخرج عن كونها مجموعة من القضايا الكلامية والفلسفية التي لا تمس جوهر الدين ولا أصوله، بل أن أهل السنة لهم من العقائد والآراء ما يساويهم بهذه الفرق بل ويجعلهم في وضع أكثر حرجاً من جانب العقيدة وأصول الدين من هذه الفرق.

وإذا كانت أصول الدين هي الإيمان بالله ورسوله وكتبه ورسله وملائكته واليوم الآخر والحساب والجنة والنار، فهذه الأمور لا يقتصر الإيمان بها على أهل السنة وحدهم بل تؤمن بها جميع الفرق(١).

والخلط بين الأمور السابقة وبين أصول الدين جاء عن طريق علم الكلام، وهو من ابتداع أهل السنة من أجل حماية عقائدهم الخاصة بربطها بأصول الدين حتى تضفي عليها القداسة ولا تمس كما ابتدعوا فكرة ربط السنة بالكتاب من قبل(٢).

١- جاء في كتب السنن أن الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وبلقائه وبرسله وتؤمن بالبعث. كذلك عنه(صلى الله عليه وآله وسلم) قوله: بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلاّ الله وأن محمداً رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والحج وصوم رمضان. انظر مسلم والبخاري كتاب الإيمان وجميع فرق المسلمين تقرّ بهذه الأمور، ويبقى الخلاف بين فرق أهل السنة وغيرهم منحصراً في الفروع.

٢- انظر تفصيل هذه المسألة في كتابنا أزمة الحركة الإسلامية المعاصرة.

٢٥٥
وقد خلص البغدادي في نهاية هذا الباب إلى أن الفرق الأخرى مختلفة فيما بينها في العدل والتوحيد والقبور، والأسلاف متحدوا الرؤية والصفات والتعديل والتجوير وفي شروط النبوة والإمامة يكفّر بعضهم بعضاً، فصح تأويل الحديث المروي في افتراق الأمة ثلاثاً وسبعين فرقة إلى هذا النوع من الاختلاف دون الأنواع التي اختلف فيها أئمة الفقه من فروع الأحكام في أبواب الحلال والحرام، أو ليس فيما بينهم تكفير ولا تضليل فيما اختلفوا فيه من أحكام الفروع.

والبغدادي من خلال هذا الكلام يؤكّد أن الفرق الأخرى مختلفة في الأصول بينما فرق أهل السنة مختلفة في الفروع، وعلى هذا الأساس تكون الفرق الأخرى هي ما ينطبق عليها حديث افتراق الأمة بينما أهل السنة ينطبق عليهم حديث الفرقة الناجية.

وهذا الكلام ينم عن سذاجة بالغة إذ أن جميع الفرق المخالفة لأهل السنة فضلا عن كونها تتمسّك بأصول الدين هي مختلفة فيما بينها في فروع الدين وليس الخلاف في الفروع ينحصر في دائرة أهل السنة وحدهم.

وإذا كان من حق البغدادي أن يؤوّل حديث افتراق الأمة والفرقة الناجية لصالح أهل السنة، فمن حق الفرق الأخرى أن تؤوله لصالحها أيضاً.

بين الافتراق والاختلاف:

في الباب الثاني من الكتاب يستعرض البغدادي كيفية افتراق الأمة إلى

٢٥٦
ثلاث وسبعين فرقة، ويحدّد أولا المعنى الجامع للفرق المختلفة في اسم ملة الإسلام.

ويعرض لآراء الفرق الذين يدخلون بالاسم العام في ملة الإسلام.

الرأي الأول يقول: إن أمة الإسلام تقع على كل مقر بالنبوة لمحمد(صلى الله عليه وآله وسلم)، وإن كل ما جاء به حق كائناً قوله بعد ذلك ما كان.

الرأي الثاني: أن أمة الإسلام كل من يرى وجوب الصلاة إلى جهة الكعبة.

الرأي الثالث: إن أمة الإسلام جامعة لكل من أقر بشهادتي الإسلام لفظاً وكل من قال لا إله إلاّ الله محمد رسول الله فهو مؤمن حقاً وهو من أهل ملة الإسلام سواء كان مخلصاً فيه أو منافقاً.

ونقض البغدادي في هذه الآراء باستثناء الرأي الثاني، حيث قال فيه: رضي بعض فقهاء الحجاز هذا القول وأنكره أصحاب الرأي لما روي عن أبي حنيفة أنّه صحّح إيمان من أقرّ بوجوب الصلاة إلى الكعبة وشك في موضعها.

وأصحاب الحديث لا يصحّحون إيمان من شك في موضع الكعبة كما لا يصححون إيمان من شك في وجوب الصلاة إلى الكعبة.

ثم قال: والصحيح عندنا أن أمة الإسلام تجمع المقرين بحدوث العالم وتوحيد صانعه وقدمه وصفاته وعدله وحكمته ونفي التشبيه عنه، والمقرين بنبوة محمد ورسالته إلى الكافة وبتأييد شريعته وبأن كل ما جاء به حق وبأن القرآن منبع أحكام الشريعة وأن الكعبة هي القبلة التي تجب

٢٥٧
كتاب فرق أهل السنة للكاتب صالح الورداني (ص ٢٥٨ - ص ٢٨٢)
٢٥٨

رابعاً: إن البغدادي حدد أن من يقر بما ذكر من صفات هو السني الموحّد ما لم يشبه ببدعة تؤدّي إلى الكفر، وهذا بهذا قد قيّد كلامه بهذا الشرط وكأنه خشى أن يلام على قوله أو يستثمر من قبل المخالفين.

إلاّ أن ما يستوقفنا هنا هو أن البغدادي لم يحدّد لنا ماهية هذه البدعة التي تؤدّي إلى الكفر؟

ومن الذي يملك الحق في الحكم على الآخرين بالبدعة؟

وإذا كان أهل السنة قد أعطوا لأنفسهم هذا الحق فما هو سندهم الشرعي في هذا الحق؟

لندع البغدادي يجيب على السؤال الأول والثاني وأمّا السؤال الثالث فليس له إجابة عند أهل السنة.

يقول البغدادي: وان ضم إلى الأقوال بما ذكرناه بدعة شنعاء، نظر، فإن كان على بدعة الباطنية أو البيانية أو المغيرة أو الخطابية الذين يعتقدون إلهية الأئمة أو إلهية بعض الأئمة أو كان على مذهب الحلول أو التناسخ أو الذين أباحوا نكاح بنات البنات وبنات البنين، أو الذين قالوا بأن شريعة الإسلام تنسخ في آخر الزمان أو أباح ما نص القرآن على تحريمه أو حرم ما إباحه نصاً لا يحتمل التأويل، فليس هو من أمة الإسلام ولا كرامة له.

وهذه الفرق التي ذكرها البغدادي بدعها ليست فرقاً كما أن بدعتها

٢٥٩
ليست بدعة فهي كفر وضلال لا يقول به أحد من المسلمين، وما كان من المفروض على البغدادي أن يشغلنا بأمثال هؤلاء الخارجين على الإسلام ويسمّى كفرهم وردتهم بدعة.

ومن الطريف أن البغدادي ذكر صنف آخر من أهل البدع في منظوره هم أقرب إلى الإسلام من الصنف الأول.

قال البغدادي: وإن كانت بدعته من جنس بدع المعتزلة أو الخوارج أو الرافضة الإمامية أو الزيدية أو البخارية أو الجهمية أو الضرارية أو المجسّمة فهو من الأمة في بعض الأحكام وهو جواز دفنه في مقابر المسملين وإلاّ يمنع حظه من الفيء والغنيمة ان غزا مع المسلمين وإلاّ يمنع من الصلاة في المساجد، ولا تجوز الصلاة عليه ولا خلفه ولا تحل ذبيحته ولا نكاحه لامرأة سنية، ولا يحل للسني أن يتزوج المرأة منهم إذا كانت على اعتقادهم.

والحمد لله على هذا الاعتدال غير المتوقع من البغدادي إذ فرق بين البدعة التي تؤدّي إلى الكفر والبدعة التي لا تؤدّي إليه، لكنه في الوقت نفسه تدارك الأمر وحدّد الفواصل التي تفرّق بين المسلمين وتزرع بذور الشقاق بينهم وتحرمهم من التلاقي والتحاور والتزاوج وحتى الصلاة معاً.

وهذه الفواصل التي ذكرها البغدادي هي أشبه بالقرارات والقوانين الحكومية فهي لغة أصحاب النفوذ والسلطان لا لغة أهل الفقه والعلم.

ثم قام البغدادي بعد ذلك بإحصاء الفرق التي ظهرت في تاريخ المسلمين، والتي عاصرها وهي تشمل على ثنتين وسبعين فرقة منها:

٢٦٠