×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

فرق أهل السنة / الصفحات: ٢٦١ - ٢٨٠

عشرون روافض وعشرون خوارج وعشرون قدرية وعشرة مرجئة وثلاثة بخارية وبكرية وضرارية وجهمية وكرامية فهذه ثنتان وسبعون فرقة، أما الفرقة الثالثة والسبعون فهي أهل السنة والجماعة من فريق الرأي والحديث دون من يشتري لهو الحديث منهم وفقهاء هذين الفريقين وقراؤهم ومحدّثوهم ومتكلموا أهل الحديث منهم متفقون على مقالة واحدة.

وقد أشرنا سابقاً إلى مثل هذه الإحصائيات الغير واقعية والغير منطقية في نفس الوقت.

والبغدادي هذا وقع في خطأ حسابي إذ أن عدد الفرق التي ذكرها يفوق الثنتين والسبعين، هذا بالإضافة إلى كونه ذكر أن أهل السنة فرقتين لا فرقة واحدة: فريق الرأي وفريق الحديث.

وعاد البغدادي ليؤكّد في نهاية هذا الباب أن من قال بما ذكر من صفات وأمور هي تشكل معتقدات أهل السنة ولم يخلط إيمانه بها بشيء من بدع الخوارج والروافض والقدرية وسائر أهل الأهواء فهو من جملة الفرقة الناجية إن ختم الله بها، وقد دخل في هذه الجملة جمهور الأمة وسوادها الأعظم من أصحاب مالك والشافعي وأبي حنيفة والأوزاعي والثوري وأهل الظاهر.

عاد البغدادي ليؤكّد مرة اخرى من خرج عن دائرة أهل السنة فمصيره الهلاك والبوار ودخول النار بعد أن ذكر سابقاً هذا الصنف من المبتدعين ـ إن صحّت هذه التسمية ـ مستثنون من بدعة الكفر وبدعتهم من جنس البدع التي هي في دائرة الإسلام.

٢٦١
بقي أن نشير في الختام أن جملة الفرقة الناجية التي أشار إليها البغدادي لم تشمل الحنابلة ولا الأشاعرة ولا الماتريدية.

مقالات الفرق:

في الباب الثالث من الكتاب استعرض البغدادي الأقوال المنسوبة للفرق المخالفة تحت عنوان: مقالات فرق الأهواء وبيان فضائح كل فرقة منها على التفصيل.

واستعرض بداية مقالات من اسموهم بفرق الرفض، وقد حصرهم في عشرين فرقة الزيدية ثلاث والكيسانية فرقتان والإمامية خمس عشر فرقة.

أما فرق الزيدية فهم الجارودية والسليمانية أو الجريرية ثم البترية.

قال البغدادي: اجتمعت الفرق الثلاث من الزيدية على القول بأن أصحاب الكبائر مخلدين في النار، فهم من هذا الوجه كالخوارج، وذكر أن هذه الفرق الثلاث على خلاف في الموقف من أبي بكر وعمر بين الموالاة والتكفير.

وما أخذه البغدادي على فرق الزيدية هو تكفير صاحب الكبيرة والقول في أبي بكر وعمر، وكلا الأمرين لا يصطدمان بأصول الدين لكنهما يصطدمان بنهج أهل السنة، وهذا هو مربط الفرس، أن أهل السنة يقيسون الآخرين ويحكمون عليهم وفق مذهبهم وعقائدهم لا وفق أصول الدين.

أما الكيسانية فهم من قالوا بإمامة محمد بن الحنفية بن علي بن أبي طالب، وقد أخذ عليهم أهل السنة هذا المأخذ الذي يعد في منظورهم

٢٦٢
صورة من صور الانحراف العقائدي إذ أن الإقرار بإمامة رمز من رموز آل البيت يضرب إمامة الحكام ويشكّك في شرعيتهم وعقيدة أهل السنة في الحكام أنهم الأئمة الواجب السمع والطاعة لهم وبروز فكرة الإمامة خارج دائرة الحكام يعني الخروج عليهم، وهو ما يرفضه أهل السنة بقوة(١).

وفيما يتعلق بالإمامية فقد حددهم البغدادي فيما يلي: كاملية ومحمدية وباقرية وناووسية وشميطية وعمارية وإسماعيلية ومباركية وموسوية وقطعية واثني عشرية وهشامية وزرارية ويونسية وشيطانية.

وهذه الفرق المزعومة نسب إليها البغدادي القول بتكفير الصحابة وإمامة علي بن أبي طالب والقول بتفضيل النار على الأرض والقول بأن محمد بن عبدالله بن الحسن بن الحسين هو المهدي المنتظر والقول بإمامة محمد الباقر بن علي بن الحسين، كذلك القول بإمامة موسى بن جعفر وأنه المهدي والقول بإمامة محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق والقول بإمامة علي بن موسى الرضا، ونسب إلى الهشامية قولها بالتجسيم والتشبيه كذلك اليونسية، أما الشيطانية فنسبة إلى شيطان الطاق ونسب إليهم ما نسب إلى اليونسية.

وهذه التسميات والتقسيمات التي جاء بها البغدادي فهي من اختراع أهل السنة، وليس لها وجود على ساحة الواقع، وما هي في الحقيقة إلاّ فرقة واحدة هي الشيعة الإمامية الاثني عشرية التي تؤمن بإمامة علي بن

١- انظر مسلم كتاب الإمارة وشرحه للنووي، وانظر البخاري كتاب الأحكام وشرحه لابن حجر في فتح الباري وانظر كتب العقائد.

٢٦٣
أبي طالب ثم الحسن ثم الحسين ثم علي بن الحسين "زين العابدين" ثم محمد بن علي "الباقر" ثم جعفر ابن محمد "الصادق" ثم موسى بن جعفر "الكاظم" ثم علي بن موسى "الرضا" ثم محمد بن علي "الجواد" ثم علي بن محمد "الهادي" ثم الحسن بن علي "العسكري" ثم محمد بن الحسن "المهدي" وهم الأئمة الاثني عشر، وتعد الإمامية الإمامة من أصول الدين بالإضافة إلى أصل التوحيد والنبوة والعدل والمعاد.

واتباع الإمام الباقر الذين سمّاهم البغدادي وأهل السنة بالباقرية ليسوا إلاّ الشيعة الإمامية الذين كانوا يتبعون الإمام الباقر الإمام الخامس في زمانه، وكذلك الحال بالنسبة إلى الموسوية التي كانت تتبع الإمام موسى الكاظم في زمانه ومحاولة تقسيم أتباع الشيعة الإمامية على هذا النحو ضرب من السذاجة والغفلة، وأما بقية الأسماء التي ذكرها فليسوا إلاّ شيعة إمامية كانوا من أتباع الأئمة الاثني عشر، وقد اشتهرت هذه الرموز بينهم فنعتهم أهل السنة بها من باب اثبات الفرقة والتعددية والخلاف في واقع الإمامية.

أما القول بإمامة محمد بن اسماعيل بن جعفر الصادق فلا تقول به الإمامية وهو صورة من صور الخلط التي وقع فيها البغدادي.

ومن بين الفرق التي عرض لها البغدادي فرق الخوارج وقد ذكر أنهم عشرون فرقة على رأسهم فرقة الأزارقة والنجدات والصفرية والعجاردة.

وليس هناك خلاف حول الخوارج، فهم شر وبلاء على الإسلام والمسلمين، إلاّ أن ما يؤخذ على البغدادي وأهل السنة أنهم أصحاب لغة واحدة في مواجهة الفرق، فتتساوى في نظرهم الخوارج والإمامية

٢٦٤
والمعتزلة، مع أن البون شاسع بين الخوارج والفرق الأخرى، فإن الخوارج لا يحملون نهجاً عقائدياً كحال بقية الفرق إنما حملوا بعض الأفكار التكفيرية واستحلوا أموال المسلمين ودمائهم على أساسها ودخلوا في مواجهات مسلحة مع خصومهم.

والفرق الأخرى حملت شعار العقل والفكر والكلام والحوار والمنطق، هذه الأمور التي محل رفض من قبل أهل السنة الذين سلكوا في مواجهة خصومهم سلوكاً يعد امتداداً لسلوك الخوارج(١).

وعند حديث البغدادي عن المعتزلة والقدرية قال: إن المعتزلة افترقت فيما بينها عشرين فرقة كل فرقة تكفر سائرها.

والمعتزلة فرقة تقدّس العقل، فمن ثم هي ترفض الأحاديث الخاصة بصفات الله وترفض عذاب القبر، وتعتبر العدل أصل من أصول الدين، وتقول بخلق القرآن، وهذه الأمور كافية للحكم بضلالهم وزيغهم عند أهل السنة.

إلاّ أن هذه الأمور بمقياس الدين لا تمثّل خرقاً له ولا تصطدم بأصوله فقضية إنكار الأحاديث ونفي الصفات الواردة فيها الخاصة بالله عزوجل

١- انظر فتن الحنابلة في كتب التاريخ.

وفتن الوهابيين في جزيرة العرب وخارجها.

وفتن الفرق الجهادية والتكفيرية في مصر والجزائر وأفغانستان.

وفتن فرقة طالبان في أفغانستان.

وهذه الفرق جميعها سلكت سلوك الخوارج في مواجهة خصومها من المسلمين.

٢٦٥
وإنكار عذاب القبر والقول بخلق القرآن كل هذه الأمور تدور في محيط النزاع العقلي وليست هناك نصوص قطعية تفيد ارتباطها بجوهر الدين.

ونالت المرجئة نفس أحكام الفرق السابقة وقد حدّدهم البغدادي في ثلاثة أصناف:

صنف قال بالإرجاء في الإيمان.

وصنف قال بالإرجاء بالإيمان وبالجبر في الأعمال على مذهب جهم بن صفوان.

وصنف خارج عن الجبر والقدرية.

والمرجئة فرقة تقرّ أن الإيمان في القلب واللسان أنه هو المعرفة بالله تعالى والمحبة والخضوع إليه بالقلب والإقرار باللسان وأنه واحد ليس كمثله شيء.

وليست معرفة تفصيل ما جاء به الرسل إيماناً ولا من جملته.

وبعضهم يقول إن الإيمان هو الإقرار أو المحبة لله تعالى وتعظيمه وترك الاستكبار عليه. وهو يزيد ولا ينقص.

ومثل هذه الرؤية المعتدلة للإيمان لا تستحق هذا الموقف من قبل البغدادي وأهل السنة في مواجهتها.

وتحدّث البغدادي عن الجبرية أو الجهمية أتباع جهم بن صفوان الذي قال بالإجبار والاضطرار إلى الأعمال وأنكر الاستطاعات كلها، وزعم أن الجنة والنار تبيدان وتفنيان، وأن الإيمان هو المعرفة بالله تعالى فقط، وأن الكفر هو الجهل به فقط، وقال لا فعل ولا عمل لأحد غير الله تعالى وإنما

٢٦٦
تنسب الأعمال إلى المخلوقين على المجاز.

وقال بعضهم: أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى وإكساب للعباد.

ثم تحدّث عن الكرامية ونسب إليهم ما يلي:

إن المقرّ بالشهادتين مؤمن حقاً وإن اعتقد بالكفر بالرسالة.

وأن المنافقين كانوا مؤمنين حقاً وأن إيمانهم كان كإيمان الأنبياء والملائكة.

وأن مخالفيهم عذابهم في الآخرة غير مؤبد.

وإن الله جسم له حد ونهاية.

وأقوال الجبرية لا تنفي الإيمان عنهم ولا تخرجهم من دائرة الإسلام أما أقوال الكرامية فهناك شك في نسبتها لهم.

وفيما يتعلق بالمشبهة، ذكر البغدادي أن المشبهة صنفان:

صنف شبهوا ذات الله تعالى بذات غيره.

وصنف شبهوا صفاته بصفات غيره.

وبعد أن استعرض فرقهم قال: عدّهم المتكلمون في فرق الملة، لإقرارهم بلزوم أحكام القرآن وإقرارهم بوجوب أركان شريعة الإسلام وإن ضلوا وكفروا في بعض الأصول العقلية.

وهذا الكلام الذي نقله البغدادي عن المتكلمين واضح التناقض إذ حكم بإسلام المشبهة وفي الوقت نفسه حكم بكفرهم.

ومثل هذا التخبّط في شأن الفرق تكتظ به كتب التراث التي تاه مصنفوها بين عقيدتهم السنية وبين أصول الدين، وقد ذهبت الكثير من

٢٦٧
الفرق ضحية هذا التخبط، وحكم بكفر فرق وضلالها وهي بعيدة عن الكفر والضلال وحكم في الوقت نفسه بإسلام بعض الفرق لمجرّد توافقها وقربها من فرقة أهل السنة.

والغريب أن البغدادي وضع باباً تحت عنوان: بيان الفرق التي انتسبت إلى الإسلام وليست منه، وما كانت هناك حاجة لهذا الباب بعد أن عرض لعشرات الفرق سابقاً وشكك في انتسابها للإسلام.

وأول الفرق التي عدها البغدادي في هذا الباب، هي فرقة ابن سبأ أو السبئية وهي فرقة استثمرها أهل السنة على الدوام في ضرب الشيعة عن طريق محاولة ربطها فرقة استثمرها أهل السنة على الدوام في ضرب الشيعة عن طريق محاولة ربطها بالسبئيين.

وابن سبأ هو الذي تنسب إليه فكرة نسبة الألوهية إلى علي(عليه السلام)والتحريض على الفتنة أيام عثمان وزرع بذور التشيع لآل البيت(عليهم السلام)في أوساط المسلمين.

والحق أنّ البحث العلمي المجرّد يقود إلى اعتبار شخصية ابن سبأ شخصية وهمية من صنع الرواة والحكّام(١).

١- انظر كتاب الفتنة الكبرى لطه حسين.

وانظر كتاب عبدالله بن سبأ وأساطير اخرى لمرتضى العسكري.

وعبدالله بن سبأ: دراسة للروايات التاريخية ودوره في الفتنة، للدكتور عبدالعزيز صالح الهلالي، سلسلة حوليات كلية الآداب جامعة الكويت، الحولية الثامنة، الرسالة الخامسة والأربعون. وانظر عبدالله بن سبأ بين الواقع والخيال لهادي خسروشاهي ط. القاهرة.

٢٦٨
وذكر البغدادي في دائرة هذا الباب سبعة فرق ربطهم جميعاً بالرافضة، حيث أن الانحراف من قبل هذه الفرق كان يدور حول الإمامة واختصاص أهل البيت بها والمغالاة في حبهم وتقديسهم.

وذكر بعد ذلك الحلولية والإباحية وأصحاب التناسخ والقدرية والباطنية ضمن هذه الفرق التي انتسبت إلى الإسلام زوراً أو بهتاناً.

وليس المجال هنا مناقشة الفرق التي خالفت أصول الدين كالإباحية والحلولية وأصحاب التناسخ على فرض التسليم بصحة ما نسب إليهم، إلاّ أنّ ما يمكن قوله هو أن أهل السنة غالوا وتطرفوا في مواجهة خصومهم، وهذا الموقف يفتح الباب للطعن والتشويه.

فرق السنة والجماعة:

اختتم البغدادي كتابه بباب في بيان أوصاف الفرقة الناجية وتحقيق النجاة لها وبيان أوصافها، وقد قسّمه إلى سبعة فصول تدور جميعها حول فرقة أهل السنة وأنها الفرقة الناجية المعصومة.

والعجيب أن البغدادي افتتح فصول هذا الباب ببيان أصناف فرق السنة والجماعة، وفي هذا اعتراف صريح منه بتعدد فرق أهل السنة وأنهم ليسوا فرقة واحدة، وبالتالي ليس من الصواب أن يطلق عليهم أهل السنة والجماعة ما داموا ليسوا جماعة واحدة وهذا من أوهامهم التي عاشوا فيها ولا زالوا يعيشون.

ولقد عاش البغدادي هذا الوهم وأراد أن يعيش فيه المسلمون، فبعد أن

٢٦٩
هاجم الفرق الأخرى وشوهها وحكم عليها بالزيغ والضلال أراد من خلال هذا الباب أن يرفع راية أهل السنة ويبيّض وجهها ويضفي عليها القداسة دون ذكر عيوبها وسلبياتها ونواقصها التي تجعلها في مساواة الفرق الأخرى دون أن تتميز عليها بشيء.

قال البغدادي: اعلموا أسعدكم الله أن أهل السنة والجماعة ثمانية أصناف من الناس وهم حسب تصنيفه ما يلي:

ـ أهل التوحيد والنبوة والاجتهاد الذين سلكوا طرق الصفاتية من المتكلمين الذين تبرؤوا من التشبيه والتعطيل ومن بدع الرافضة والخوارج والجهمية والبخارية وسائر أهل الأهواء الضالة.

ـ أئمة الفقه والحديث الذين اعتقدوا في أصول الدين مذهب الصفاتية في الله وفي صفاته الأزلية وتبرؤوا من القدر والاعتزال، وأثبتوا رؤية الله تعالى بالأبصار من غير تشبيه ولا تعطيل، وأثبتوا الحشر في القبور وسؤال القبر وإثبات الشفاعة وإمامة الخلفاء الأربعة والثناء على السلف والصلاة خلف الأئمة وطاعة السلطان وتحريم المتعة ويدخل في هؤلاء أصحاب مالك والشافعي والأوزاعي والثوري وأبي حنيفة وابن أبي ليلى وأبي ثور وأحمد بن حنبل وأهل الظاهر وسائر الفقهاء الذين اعتقدوا أصول الصفاتية ولم يخلطوا فقهه بشيء من بدع أهل الأهواء الضالة.

ـ أهل الإحاطة بطرق الإخبار والسنن المأثورة عن النبي، وميّزوا بين الصحيح والسقيم وعرفوا أسباب الجرح والتعديل ولم يخلطوا علمهم بشيء من بدع أهل الأهواء.

٢٧٠
ـ أهل الأدب والنحو الذين لم يخلطوا علمهم بشيء من بدع القدرية والرافضة والخوارج ومن مال منهم إلى شيء من الأهواء الضالة لم يكن من أهل السنة ولا كان قوله حجة.

ـ أهل الإحاطة بعلوم القرآن وآياته وتأويلها وفق مذهب أهل السنة دون تأويلات أهل الأهواء الضالة.

ـ الزهاد والصوفية دينهم التوحيد ونفي التشبيه ومذهبهم التفويض إلى الله.

ـ المرابطون في ثغور المسلمين الذين يظهرون في ثغورهم مذاهب أهل السنة والجماعة.

ـ عامة البلدان التي غلب فيها شعار أهل السنة دون عامة البقاع التي ظهر فيها شعار أهل الأهواء الضالة.

ومن باب الاحتياط ربط البغدادي كل فرقة من هذه الفرق بشرط التبرأ من الفرق الأخرى كي لا يتوّهم المسلمون تشتت أهل السنة وتعدد فرقها فكل فرقة من هذه الفرق بعيدة عن أهل الأهواء الضالة حسب تعبير البغدادي، لكن هذا كله لا ينفي تعددها الذي لا ينحصر في محيط الثمانية الذين ذكرهم والذين احتضنوا في داخلهم الكثير من الفرق، ذكرهم البغدادي دون قصد منه في الصنف الثاني من أصناف أهل السنة.

ولا يمكن أن يقبل العقل أن هذه الفرق السنية على رأي واحد وعقيدة واحدة واجتهاد ثابت في جميع نواحي الدين والحياة وهو ما أقر به البغدادي من خلال عرضه لهذه الأصناف.

٢٧١
غير أن ما ينبغي توكيده هنا هو أن حال الفرق الأخرى كحال أهل السنة في مجال الرأي والاجتهاد والاعتقاد الذي يدور في محيط الدين، فإذا كان حال أهل السنة كحال الآخرين فما الذي يجعلهم يعيشون في هذا الوهم ويعتقدون القيمومة على الجميع والهداية لهم والضلال للآخرين؟

إن أزمة أهل السنة تتمثّل في استمرارهم في دائرة هذا الوهم النابع من روايات ليست محل قبول الجميع.

والنابع من عقل الماضي وتقديس السلف، والماضي برموزه ليس خيراً كلّه وتلك هي الحقيقة التي غابت عن أهل السنة.

قال البغدادي أن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) لما ذكر افتراق أمته ثلاث وسبعين فرقة وأخبر أن فرقة واحدة منها ناجية، سئل عن الفرقة الناجية وعن صفتها فأشار إلى الذين هم على ما عليه هو وأصحابه، ولسنا نجد القوم من فرق الأمة من هم على موافقة الصحابة غير أهل السنة والجماعة من فقهاء الأمة ومتكلميهم الصفاتية دون الرافضة والقدرية والخوارج والجهمية والبخارية والمشبهة والغلاة والحلولية.

وكيف يكون هؤلاء موافقين للصحابة وهم بأجمعهم لا يقبلون شيئاً مما روي عن الصحابة في أحكام الشريعة لامتناعهم من قبول روايات الحديث والسير والمغازي من أجل تكفيرهم لأصحاب الحديث الذين ضبطوا آثار الصحابة وقاسوا فروعهم على فتاوى الصحابة.

وكلام البغدادي يعني أن المفاصلة بين الفرقة الناجية والفرقة الهالكة تنحصر في الموقف من الصحابة، فمن قال فيهم حسناً كان من الناجين،

٢٧٢
ومن طعن فيهم كان من الهالكين، ولما كان أهل السنة هم الذين قالوا فيهم حسناً فقد اعتبروا الفرقة الناجية وهذا الكلام يؤكّد أهل السنة الذين يقيمون مذهبهم ومعتقداتهم على الرجال لا على النصوص ويؤكّد من جهة أخرى أن الصحابة ركن من أركان الدين عندهم.

إن ما ذكره البغدادي إنما هو يركّز لنا أساس الخلاف والمفارقة بين أهل السنة والفرق الأخرى ألا وهي الرواية والحديث النبوي(١).

ويمكن عذر أهل السنة في هذا الموقف المتطرّف من الفرق الأخرى التي تنبذ رواياتهم وأحاديثهم التي نسبوها للرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) إذ ان معتقداتهم تقوم على أساس هذه الروايات ومحاولة رفضها أو التشكيك فيها يعني هدم أهل السنة ومحوهم من الوجود، وهذا يعني أن المواجهة بينهم وبين الفرق الأخرى مواجهة مصيرية ترتبط بوجودهم ومستقبلهم، وهو يفسّر لنا تلك الأحكام الشديدة والمبالغ فيها التي يصدرونها في مواجهة الفرق الأخرى(٢).

ويواصل البغدادي هجومه على الفرق الأخرى قائلا: ولم يكن بحمد الله ومنه في الخوارج ولا في الروافض ولا في الجهمية ولا في القدرية ولا

١- انظر فصل الفرقة الناجية وفصل أهل السنة الإطار المذهبي.

٢- مثل أحكام الكفر والضلال والزندقة والمروق والشرك، كذلك تعد التسميات التي أطلقها أهل السنة على خصومهم من الفرق الأخرى امتداداً لهذه الأحكام فإطلاق اسم الحلولية والتناسخ والرافضة والمجسمة والمشبهة عليهم يعني تكفير هذه الفرق واسقاطها من أعين المسلمين.

٢٧٣
في المجسمة ولا في سائر أهل الأهواء الضالة قط إمام في الفقه، ولا إمام في الحديث، ولا إمام في اللغة والنحو، ولا موثوق به في نقل المغازي والسير والتواريخ، ولا إمام في الوعظ والتذكير، ولا إمام في التأويل، وإنما أئمة هذه العلوم على الخصوص والعموم من أهل السنة والجماعة.

وهذا الكلام يضع البغدادي بين أمرين:

إما أن يكون جاهلا ولا علم له بتراث الفرق الأخرى ورموزها.

وإما أن يكون متحاملا.

إن الفرق الأخرى وعلى رأسها الإمامية لها تراثها الذي شمل علوم الدين من فقه وتفاسير وتاريخ وسير وعقيدة وحتى الرواية والحديث، بل أن فرقة الإمامية تتبنّى طريقة في الحديث والرواية أدق وأكثر انضباطاً بالشرع من أهل السنة، وذلك بالإضافة إلى تراثهم وتراث الفرق الأخرى في مجال الفلسفة والمنطق والعلوم المختلفة التي ليس لأهل السنة باع فيها(١).

وما دام هناك تراث لهذه الفرق فلابد أن يكون هناك أئمة ورموز يبلغون ويبينون هذا التراث لأتباعهم، غير أن الأضواء كانت مركّزة على الدوام في دائرة أهل السنة والتعتيم والحصار والبطش والتنكيل كان من نصيب أئمة الفرق الأخرى.

١- انظر نموذج لتراث الشيعة الإمامية: كتب الشيخ المفيد، وكتب العلامة الحلي، والطوسي وغيرهم، وانظر التوحيد والعدل للقاضي عبدالجبار المعتزلي، وانظر اطروحات فرقة الاباضية في عمان، وانظر الفهرست لابن النديم.

٢٧٤
وتسمية أهل السنة للفرق الأخرى بأسماء مؤسسيها ورموزها البارزة دليل على أن هذه الفرق كان لها أئمتها ورموزها(١).

وقد اختتم البغدادي كتابه بالحديث عن بيان عصمة الله لأهل السنة عن تكفير بعضهم بعضاً وفضائلهم وعلومهم وأئمتهم وآثارهم في الدين والدنيا وذكر مفاخرهم(٢).

١- مثل الجهمية المنسوبة لجهم بن صفوان، والجعدية للجعد بن درهم، والكيسانية المنسوبة إلى كيسان وهو لقب المختار بن عبيدالله الثقفي والزيدية المنسوبة لزيد بن علي بن الحسين.

٢- كلام البغدادي هذا مجانب للصواب إذ ان أهل السنة وقعوا في بعضهم البعض، وكفّر بعضهم بعضاً في الماضي والحاضر.

٢٧٥

ملحق (٢)
صور من صراعات فرق أهل السنة

(١)

في دائرة العصر العباسي وقعت الكثير من الصدامات بين فرق أهل السنة وأغلب هذه الصدامات ارتبطت بفرقة الحنابلة.

ومن هذه الصدامات ما وقع في عصر الخليفة المقتدر بالله بين فرقة الحنابلة وفرقة الشافعية في عام ٣١٧هـ (١).

قال السيوطي: وفي هذه السنة هاجت فتنة كبرى ببغداد بسبب قوله تعالى:

(عسى أن يبعثك ربك مقاماً محمودا).

فقالت الحنابلة: معناها يقعده الله على عرشه ـ أي الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم).

وقال غيرهم: بل هي الشفاعة.

ودام الخصام واقتتلوا حتى قتل جماعة كثيرة(٢).

١- المتقدر بالله هو أبو الفضل جعفر بن المعتضد، ولي الخلافة وله ثلاثة عشر عاماً، وكان قد تم خلعه من قبل عبدالله بن المعتز، ثم استرد السلطة مرة أخرى وقبض على الأمراء والفقهاء الذين خلعوه وقتل عدداً منهم.. وقتل المقتدر عام ٣٢٠هـ.

٢- تاريخ الخلفاء ترجمة المقتدر بالله.

٢٧٦
وكان الحنابلة قد اعتدوا على الطبري في المسجد وقذفوه بالمحابر وطاردوه حتى بيته وأخذوا يرجمون البيت وتدخّلت الشرطة لحسم الأمر(١).

وفي أيام الراضي وقعت فتنة البربهاري زعيم فرقة الحنابلة، وكان شديد التطرف كثير الصدام مع الفرق المخالفة من أهل السنة وغيرهم أحدث فتنة كبيرة عام ٣٢٣هـ.

قال ابن العماد عن حوادث هذه السنة: وفيها فتنة البربهاري شيخ الحنابلة فنودي أن لا يجتمع اثنان من أصحابه وحبس جماعة منهم وهرب هو(٢).

وفي أيام المقتدي بأمر الله، قدم بغداد أبو نصر بن أبي القاسم القشيري الأشعري ووقعت صدامات بينه وبين الحنابلة في عام ٤٩٦هـ.

قال السيوطي: وفي سنة تسع وستين قدم بغداد أبو نصر بن الأستاذ أبي القاسم الأشعري حاجاً فوعظ بالنظامية ـ أي خطب وألقى دروساً بالمدرسة النظامية ـ وجرى له فتنة كبيرة مع الحنابلة، لأنه تكلّم على مذهب الأشعري وحط منهم ـ أي نال من الحنابلة ـ وكثر أتباعه

١- انظر ترجمة الطبري في كتب التاريخ، وانظر لنا كتاب الكلمة والسيف.

وكان سبب ثورة الحنابلة عليه هو حديث جلوس الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) على العرش، حيث رفض أن تفسّر الآية المذكورة على هذا النحو.

٢- شذرات الذهب في أخبار من ذهب ج٢ أخبار سنة ٣٢٣هـ، والراضي هو أبو العباس محمد بن المقتدر بن المعتضد بن طلحة بن المتوكل، مات مريضاً عام ٣٢٩هـ.

٢٧٧
والمتعصبون له فهاجت فتن وقتلت جماعة وعزل فخر الدولة بن جهير من وزارة المقتدي لكونه شذ عن الحنابلة(١).

وقال ابن كثير: وفي شوال منها ـ أي من سنة ٤٩٦هـ ـ وقعت الفتنة بين الحنابلة والأشعرية، وذلك أن ابن القشيري قدم بغداد فجلس يتكلّم في النظامية وأخذ يذمّ الحنابلة وينسبهم إلى التجسيم. واقتتل الناس بسبب ذلك وثارت الفتنة، وجمع الخليفة بين ابن القشيري وشيخ الحنابلة وأبي سعد الصوفي والشيخ أبي إسحاق الشيرازي.

واحتكموا إلى الوزير نظام الملك.

وقال شيخ الحنابلة: أيها الوزير تصلح بيننا؟ وكيف يقع بيننا صلح ونحن نوجب ما نعتقده وهم ـ أي الأشاعرة ـ يحرمون ويكفّرون؟

وهذا جد الخليفة القائم والقادر قد أظهر اعتقادهما للناس على رؤوس الأشهاد على مذاهب أهل السنة والجماعة والسلف(٢).

١- تاريخ الخلفاء، ترجمة المقتدي بأمر الله أبو القاسم عبدالله بن محمد بن القاسم بأمر الله، وفي عهده قويت شوكة السلاجقة وعزلوه، قيل أنه مات مسموماً عام ٤٨٤هـ. وتأمّل نفوذ فرقة الحنابلة وارتباط السلطة بها بحيث عزلت وزيرها الذي خرج عن الحنابلة.

٢- البداية والنهاية ج١٢ أحداث عام ٤٩٦هـ.

وتأمل اتهام الأشاعرة للحنابلة بالتجسيم، وكان الشيرازي والصوفي وكذلك الوزير نظام الملك ضد الحنابلة.

وانظر كيف تحصن الحنابلة بالسلطة والبرهنة على أن الخليفة القائم والقادر كانا على مذهب أهل السنة، وكأن هذا الكلام يوحي بطريق غير مباشر إلى أن الأشاعرة لا يمثّلون مذهب أهل السنة.

٢٧٨

(٢)

اصطدام ابن حزم بالفرق الأخرى المنافسة له من فرق أهل السنة في ساحة الأندلس وعلى رأسها فرقة المالكية وفرقة الشافعية، وكذلك فإن هذه الفرق تربّصت به ودبّرت له ولفرقته المؤامرات وسعت ضده لدى الحكّام.

وكان ابن حزم سليط اللسان كثير التحامل على خصومه من أهل السنة، وقد صنّف الكثير من الكتب في الفقه والحديث والملل والنحل والأصول والأدب والتاريخ والرد على المعارضين وصلت إلى نحو أربعمائة مجلد(١).

ولاقت مؤلفات ابن حزم صداً واضطهاداً وتعتيماً من قبل فرق أهل السنة الأخرى حتى أن بعضها سعى إلى حاكم أشبيلية المعتضد بن عباد الذي أصدر قراره بإحراق كتب ابن حزم علانية.

وقال ابن حبان: كمل من مصنفاته في فنون العلم وقرّ بعير، لم يعد أكثرها بادية لتزهد الفقهاء وطلاب العلم فيها، حتى أحراق بعضها بأشبيلية ومزّقت علانية(٢).

وفي مواجهة هذه الحادثة التي نالت كتب ابن حزم قال شعراً:

١- انظر معجم الأدباء لياقوت الحموي ج١٢/٢٣٨ وما بعدها. وكان ابن حزم كثير الوقوع في الأشاعرة.

٢- انظر الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة ج١/١٤٢.

٢٧٩
فإن تحرقوا القرطاس لا تحرقوا الذي تضمنه القرطاس بل هو في صدري
يسير معي حيث استقلت ركائبي وينزل أن أنزل ويدفن في قبري
دعوني من إحراق رق وكاغد وقولوا بعلم كي يرى الناس من يدري(١)

ونتيجة لهذه الحادثة المتطرّفة من قبل فرق أهل السنة التي خاصمت ابن حزم وفرقته، فقد الكثير من مؤلفاته وراحت طي النسيان.

(٣)

اعتنق الملك المغولي خدابنده الإسلام واختار الفرقة الحنفية التي كان مذهبها سائداً في بلاد ما وراء النهر، فما كان من الأحناف إلاّ أن أظهروا الاستعلاء والتعصب وأخذوا في التضييق على أتباع الفرقة الشافعية والفرقة الحنبلية والفرقة المالكية والتنكيل بهم(٢).

وكان أن أوعز الوزير الشافعي إلى الملك لتنصيب قاضي القضاة من الشافعية، ذلك القاضي الذي فتح الأبواب على مصارعها لنقض أفكار

١- المرجع السابق.

٢- خدابنده، أي عبد الله باللغة الفارسية، وكان على دين المسيحية دين أمه، ثم تزوّج بمسلمة رغبته في الإسلام، فأسلم، وتسمّى بمحمد ت عام ٧١٦هـ. انظر حواث عام ٧٠٣هـ وما بعدها.

٢٨٠