×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

فقهيات بين السنة والشيعة / الصفحات: ٢١ - ٤٠

قال تعالى: (أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا) [ الإسراء / ٧٨ ].

قال الرازي حول تفسيرها: " فإن فسرنا الغسق بظهور أول الظلمة كان الغسق عبارة عن أول المغرب. وعلى هذا التقدير يكون المذكور في الآية ثلاثة أوقات: وقت للزوال ووقت أول المغرب ووقت الفجر. وهذا يقتضي أن يكون الزوال وقتا للظهر والعصر فيكون هذا الوقت مشتركا بين هاتين الصلاتين وأن يكون أول المغرب وقتا للمغرب والعشاء فيكون هذا الوقت مشتركا - أيضا - بين هاتين الصلاتين فهذا يقتضي جواز الجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء مطلقا إلا أنه دل الدليل على أن الجمع في الحضر لا يجوز من غير عذر فوجب أن يكون الجمع جائزا بعذر السفر وعذر المطر وغيره " (١).

قلنا: لقد بحثنا في ما ذهب إليه بأن الجمع في الحضر لا يجوز من غير عذر فلم نجد له عينا ولا أثرا وقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يجمع في حال العذر وفي حال عدمه - أيضا - توسعة على أمته ورفعا للحرج عنها وتلك هي السنة العصماء التي جاء بها خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

(١) التفسير الكبير للرازي: ج ٢١ ص ٢٧.

٢١

[ ٢ ]
المسح على الأرجل في الوضوء

إن الله - سبحانه - قد تعبد خلقه بعبادات كثيرة ومتنوعة وكل منها يؤدى بشكل معين وبترتيب محدد والعلة من وراء هذا الترتيب في أداء العبادة فضلا عن الغاية الكامنة في العبادة ذاتها غير معلومة على وجه التحديد ومن ثم تؤدى هذه العبادات بكل خضوع وإذعان وبشكل توقيفي دون البحث في الحكمة من كيفيتها أو الغاية من ورائها. ولا دخل للعقل في استكناه الحكمة من وراء الكيفية بل هو أمر يعتمد على الاستجابة الخالصة لما يمليه الشارع فحسب. ومن هنا اقتبس لفظ العبادة الذي يعبر عن الأمر الصادر من السيد المطلق - سبحانه وتعالى - إلى مخلوقة وما على هذا المخلوق إلا أن ينفذ هذا الأمر بحذافيره بوصفه عبدا خاضعا لسيده ومولاه.

والوضوء يمثل أحد الأعمال التعبدية التي يؤديها المسلم قبل الصلاة في حالة وجود الماء وتوفر القدرة على استعماله وله كيفية معينة قد ذكرها الله - سبحانه - في كتابه المجيد إذ يقول: (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين...) [ المائدة / ٦ ].

قال الرازي عند بلوغه هذه الآية من (تفسيره الكبير) في المسألة الثامنة والثلاثين: " اختلف الناس في مسح الرجلين وفي غسلهما فنقل القفال في (تفسيره) عن ابن عباس وأنس بن مالك وعكرمة والشعبي والإمام أبي جعفر محمد بن علي الباقر: أن الواجب فيهما المسح وهو مذهب الإمامية من الشيعة. وقال جمهور الفقهاء والمفسرين: فرضهما الغسل. وقال الحسن

٢٢
الأصفهاني: يجب الجمع بينهما وهو قول الناصر بالحق من أئمة الزيدية.

وقال الحسن البصري ومحمد بن جرير الطبري: المكلف مخير بين المسح والغسل " (١). والذي عليه أئمة أهل البيت عليهم السلام هو مسح الأرجل فرضا على سبيل التعيين وتبعهم في ذلك شيعتهم المتفقون أثرهم ولكن هل لهم من حجة تؤيدهم فيما ذهبوا إليه؟

هذا ما أورده الرازي في (تفسيره) حيث استطرد قائلا: " حجة من قال بوجوب المسح مبنية على القراءتين المشهورتين في (وأرجلكم) فقرا ابن كثير وحمزة وأبو عمر وعاصم في رواية أبي بكر عنه بالجر وقرأ نافع وابن عامر وعاصم في رواية حفص عنه بالنصب.

فنقول: أما القراءة بالجر فهي تقتضي كون الأرجل معطوفة على الرؤوس فكما وجب المسح في الرأس كذلك وجب في الأرجل.

فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال: هذا الكسر على الجوار كما في قوله:

جحر ضب خرب أو: كبير أناس في بجاد مزمل؟

قلنا: هذا باطل من وجوه:

أولها: إن الكسر على الجوار معدود في اللحن الذي قد يحتمل لأجل الضرورة في الشعر وكلام الله يجب تنزيهه عنه.

وثانيها: إن الكسر إنما يصار إليه حيث يحصل الأمن من الالتباس كما في قوله: جحر ضب خرب فإن المعلوم بالضرورة أن الخرب لا يكون نعتا للضب بل للجحر وفي هذه الآية الأمن من الالتباس غير حاصل.

وثالثها: إن الكسر بالجوار إنما يكون بدون حرف العطف وأما مع حرف العطف فلم تتكلم به العرب.

(١) التفسير الكبير للرازي: ج ١١ ص ١٦١. وانظر: النشر في القراءات العشر لابن الجزري:

ج ٢ ص ٢٥٤: " واختلفوا في (وأرجلكم) فقرا نافع وابن عامر والكسائي ويعقوب وحفص بنصب اللام وقرأ الباقون بالخفض ".

٢٣
وأما القراءة بالنصب فقالوا أيضا: إنها توجب المسح وذلك لأن قوله: (وامسحوا برؤوسكم) فرؤوسكم في محل النصب ولكنها مجرورة بالباء فإذا عطفت (الأرجل) على (الرؤوس) جاء في الأرجل النصب عطفا على محل الرؤوس والجر عطفا على الظاهر وهذا مذهب مشهور للنحاة.

إذا ثبت هذا فنقول: ظهر أنه يجوز أن يكون عامل النصب في قوله:

(وأرجلكم) هو قوله: (وامسحوا) ويجوز أن يكون هو قوله: (فاغسلوا) لكن العاملين إذا اجتمعا على معمول واحد كان إعمال الأقرب أولى فوجب أن يكون عامل النصب في قوله (وأرجلكم) هو قوله: (وامسحوا) فثبت أن قراءة (وأرجلكم) بنصب اللام توجب المسح أيضا. فهذا وجه الاستدلال بهذه الآية على وجوب المسح ثم قالوا: ولا يجوز دفع ذلك بالأخبار لأنها بأسرها من باب الآحاد ونسخ القرآن بخبر الواحد لا يجوز ".

نقول: هذه حجة من استدل بالآية المباركة - فحسب - على وجوب المسح على الأرجل في الوضوء.

ثم قال الرازي: " إن الأخبار وردت بإيجاب الغسل والغسل مشتمل على المسح ولا ينعكس فكان الغسل أقرب إلى الاحتياط فوجب المصير إليه وعلى هذا الوجه يجب القطع بأن غسل الأرجل يقوم مقام مسحها ".

نقول: هذا القول الذي ذهب إليه الرازي بأن الغسل مشتمل على المسح وأن غسل الأرجل يقوم مقام مسحها لورود الأخبار بذلك هو قول مردود من وجوه:

أولا: القول بأن الغسل مشتمل على المسح يقتضي إدراج الرأس - أيضا - مع الأرجل لاشتراكهما في الحكم وهذا يستلزم غسل الرأس وذلك غير حاصل قط لأن التفريق بينهما يقتضي مصادرة الآية بالأخبار.

ثانيا: إن الله - عز وجل - قد أوجب شيئا اسمه (غسل) يختص بالوجوه

٢٤
والأيدي وأوجب شيئا آخر اسمه (مسح) يختص بالرؤوس والأرجل وفرق بينهما. فما الذي خلط هذا بذلك وجعل هذا مشتملا على ذلك؟!

ثالثا: إن الغسل لغة له كيفية معينة وطريقة خاصة به كما هو معروف وكذلك المسح له كيفية مختلفة لغة وعرفا ولا يجوز أن يخلط بينهما أو أن يمتزج بعضهما ببعض.

رابعا: إن الاحتياط لا يتحقق إلا بالجمع بين المسح والغسل لكونهما حقيقتين مختلفتين كما ذهب إلى ذلك داود الأصفهاني والناصر بالحق من أئمة الزيدية حيث التبس الأمر عليهما وأوقعهما في حيرة بسبب التعارض بين الآية والأخبار فأوجبا الجمع بينهما عملا بهما معا. أما القول بأن الغسل مشتمل على المسح فهذه مغالطة واضحة.

خامسا: إذا تعارضت الأخبار مع النص القرآني الصريح فإنه يجب الأخذ بالقرآن قطعا والعمل به وأما الأخبار فإما أن تؤول بنحو من التأويلات ما أمكن لذلك سبيل أو تطرح نهائيا نظرا لتعارضها مع الكتاب القطعي.

ألا ترى أنه إذا جاء القرآن بقوله: (امسحوا) وجاءت الأخبار بقولها (اغسلوا) فبأيهما نأخذ؟

سادسا: ورد بعض الآثار الصحيحة الدالة على أن الواجب في الوضوء هو مسح الأرجل وفقا لكتاب الله تعالى.

قال الإمام الطبري في تفسيره لآية الوضوء:

" وقرأ ذلك آخرون من قراء الحجاز والعراق (وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم) بخفض (الأرجل) وتأول قارئو ذلك كذلك إن الله إنما أمر عباده بمسح الأرجل في الوضوء دون غسلها وجعلوا (الأرجل) عطفا على (الرؤوس) فخفضوها لذلك.

ثم روى الطبري عدة روايات في ذلك منها:

- عن ابن عباس قال: " الوضوء غسلتان ومسحتان ".

٢٥
- عن حميد قال: " قال موسى بن أنس لأنس ونحن عنده: خطب الحجاج فقال: اغسلوا وجوهكم وأيديكم وأرجلكم ظهورهما وبطونهما وعراقيبهما فإن ذلك أدنى إلى أخبثيكم. قال أنس: صدق الله وكذب الحجاج قال الله: (وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين) قال: وكان أنس إذا مسح قدميه بلهما " (١).

- عن عكرمة قال: " ليس على الرجلين غسل إنما أنزل فيهما المسح ".

- عن جابر عن أبي جعفر قال: " امسح رأسك وقدميك ".

- عن الشعبي قال: " نزل جبريل بالمسح " ثم قال الشعبي: " ألا ترى أن التيمم أن يمسح ما كان غسلا ويلغي ما كان مسحا؟! ".

- عن إسماعيل قال: " قلت لعامر (أي الشعبي): إن ناسا يقولون: إن جبريل نزل بغسل الرجلين؟ فقال: نزل جبريل بالمسح ".

- عن قتادة في قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين) قال: " افترض الله غسلتين ومسحتين ".

ثم روي بعدة أسانيد عن علقمة ومجاهد والشعبي وأبي جعفر والضحاك أنهم كانوا يقرؤون (وأرجلكم) بالخفض (٢).

قلنا: هذه جملة من الآثار الصحيحة تفرق بين الغسل والمسح وتثبت - صراحة - أن الواجب في الأرجل هو المسح لا غير والغريب - بعد هذا كله - أن هناك من يقول بأن الغسل مشتمل على المسح أو أن المقصود بالمسح هو الغسل الخفيف!!

(١) هذا الخبر رواه البيهقي في السنن الكبرى: ج ١ ص ٧١. ونقول: الحمد لله أن قد علمنا أن الحجاج كان يرى غسل الأرجل ويأمر به!!

(٢) تفسير الطبري: ج ١٠ ص ٥٧.

٢٦
وأخرج الحافظ ابن حجر في ترجمة تميم بن زيد من القسم الأول من (الإصابة): " قال ابن حبان: تميم بن زيد المازني له صحبة وحديثه عند ولده وروى البخاري في (تاريخه) وأحمد وابن أبي شيبة وابن أبي عمر والبغوي والطبراني والبارودي وغيرهم كلهم من طريق أبي الأسود عن عباد بن تميم المازني عن أبيه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتوضأ ويمسح على رجليه. رجالة ثقات " (١).

وأخرج عبد الرزاق الصنعاني في (مصنفه):

- عن قتادة عن عكرمة والحسن قالا في هذه الآية (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين) قالا: " نمسح الرجلين ".

- عن قتادة عن جابر بن يزيد أو عكرمة عن ابن عباس قال: " افترض الله غسلتين ومسحتين ألا ترى أنه ذكر التيمم فجعل مكان الغسلتين مسحتين وترك المسحتين ". وقال رجل لمطر الوراق: من كان يقول المسح على الرجلين؟ فقال: " فقهاء كثيرون ".

- عن ابن جريج قال: " أخبرني عمرو بن دينار أنه سمع عكرمة يقول:

قال ابن عباس: الوضوء مسحتان وغسلتان " (٢).

نظرة في أخبار الغسل

والآن نلقي نظرة عابرة على بعض الأخبار التي استنبط منها الجمهور وجوب غسل الأرجل وهي تنقسم إلى قسمين:

أولا: منها ما هو غير دال صراحة على وجوب الغسل مثل الحديث الذي أخرجه الشيخان في (صحيحيهما) عن عبد الله بن عمرو وابن العاص

(١) القسم الأول من الإصابة: ج ١ ص ٣٠٧.

(٢) المصنف: ج ١ ص ١٨.

٢٧
قالا تخلف عنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم في سفر سافرناه فأدركنا وقد حضرت صلاة العصر فجعلنا نمسح على أرجلنا فنادى: " ويل للإعقاب من النار ".

وهذه الكلمة الأخيرة أي: " ويل للإعقاب من النار " قد وردت - أيضا - في حديث كل من أبي هريرة وعائشة.

وهذا لو صح فإنه يقتضي المسح لأنهم كانوا يعرفون كيفية الوضوء سلفا ومن ثم جعلوا يمسحون على أرجلهم كما أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم ينكره عليهم بل أقرهم عليه وإنما أنكر عليهم قذارة أعقابهم واختلاطها بالنجاسات ولا عجب من ذلك فإن فيهم أعرابا حفاة جهلة كثيرا ما يتبولون على أعقابهم ولا يلقون لذلك بالا لا سيما في السفر فتوعدهم بالنار لئلا يدخلوا في الصلاة بتلك الأعقاب المتنجسة.

ثانيا: ومنها ما هو دال على الغسل - كما في (الصحيحين) - عن حمران ابن أبان قال: " رأيت عثمان ابن عفان توضأ فأفرغ على يديه ثلاثا فغسلهما ثم تمضمض واستنشق ثم غسل وجهه ثلاثا... " إلى أن قال: " ثم غسل قدمه اليميني ثلاثا ثم اليسرى ثلاثا مثل ذلك ثم قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم توضأ نحو وضوئي هذا ".

ومثله حديث عبد الله بن زيد بن عاصم الأنصاري - الوارد في (الصحيحين) - وقد قيل له: توضأ لنا وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فدعا بإناء فأكفأ منها على يديه فغسلهما ثلاثا... إلى أن قال: فمسح برأسه فأقبل بيديه وأدبر ثم غسل رجليه إلى الكعبين ثم فال: " هكذا كان وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم... " إلى غير ذلك من الأخبار التي وردت في هذا المعنى، وفيها نظر من وجوه:

أولا: إنها جاءت مخالفة للكتاب المجيد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه والإجماع أئمة أهل البيت عليهم السلام الموافق للكتاب في وجوب المسح.

٢٨
كتاب فقهيات بين السنة والشيعة لـ عاطف سلام (ص ٢٩ - ص ٥١)
٢٩
وقد قالوا إن المصالح المعقولة من الممكن أن تكون أسبابا للعبادات المفروضة حتى يكون الشرع قد توخى فيها غايتين: إحداهما مصلحية والأخرى عبادية وأرادوا بالغاية المصلحية: الجانب الذي يتعلق بالأمور المحسوسة الظاهرة وبالغاية العبادية: الجانب الذي يتعلق بزكاة النفس وتطهيرها من الداخل.

والجواب عن ذلك: أن الشارع الحكيم قد لاحظ عباده وتوخى رشدهم في كل ما كلفهم به من أحكام الشريعة فلم يأمرهم إلا بما فيه مصلحتهم ولم ينههم إلا عما فيه مفسدة لهم لكنه - مع ذلك - لم يجعل تقرير المصلحة المتوخاة من وراء تلك الأحكام مرتبطا بآراء العباد وما تصل إليه أفكارهم بل تعبدهم بأدلة حكيمة قويمة قد انبثقت من منابع صافية عينها لهم فلم يترك لهم مجالا للعدول عنها إلى ما سواها.

وأول تلك الأدلة الحكيمة كتاب الله جل وعلا إذ هو المصدر الأول للتشريع المقدم على كل شئ وقد حكم بوجوب مسح الرؤوس والأرجل في الوضوء فلا محيص عن الإذعان لحكمه والتسليم لأمره.

أما نقاء الأرجل وخلوها من الدنس والقذر فلا بد من تحققه والتيقن منه قبل المسح عليها بأدلة خاصة قد أكدت على اشتراط الطهارة في أعضاء الوضوء قبل الشروع فيه (١) ولعل غسل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رجليه الذي وردت به الأخبار إنما كان من هذه الناحية ولعله كان من باب التبرد أو كان تمهيدا لأعمال الوضوء أو بعد الانتهاء منها ولذلك عند ما رآه بعضهم ظن أن ذلك هو المفروض في الوضوء أو كان من باب المبالغة في النظافة بعد الفراغ من الوضوء والله - تعالى - أعلم.

(١) ولذلك هناك الفلاحون والعمال من الشيعة الذين يسيرون حفاة ولا يهتمون بطهارة أرجلهم في غير أوقات العبادة فإنهم إذا أرادوا الوضوء قاموا بغسل أرجلهم وتنظيفا أولا ثم يتوضأون ويمسحون عليها نقية جافة.
٣٠

ملاحظة هامة

أخرج ابن ماجة (في باب: ما جاء في غسل القدمين من سننه: ج ١ ص ١٥٥ حديث ٤٥٦) عن أبي الأحوص عن أبي إسحاق عن أبي حية قال: " رأيت عليا توضأ فغسل قدميه إلى الكعبين ثم قال: أردت أن أريكم طهور نبيكم صلى الله عليه وآله وسلم ".

قال السندي - في تعليقه على الحديث -: " هذا رد بليغ على الشيعة القائلين بالمسح على الرجلين حيث الغسل من رواية علي ولذلك ذكره المصنف من رواية علي وبدا به الباب. ولقد أحسن المصنف وأجاد في تخريج حديث علي في هذا الباب جزاه الله خيرا قال: وظاهر القرآن يقتضي المسح كما جاء عن ابن عباس فيجب حمله على الغسل ".

وهذا الحديث لا تقوم به حجة حيث إنه ساقط من وجوه:

أولا: سند الحديث فقد رواه أبو حية الذي ترجمه الذهبي في باب الكنى من (ميزانه) فقال: " أبو حية بن قيس الخارفي الوادعي عن علي لا يعرف تفرد عنه أبو إسحاق بوضوء علي فمسح رأسه ثلاثا وغسل رجليه إلى الكعبين ثلاثا ".

قال ابن المديني وأبو الوليد الفرضي: " مجهول " وقال أبو زرعة: " لا يسمى ". ثم إن هذا الحديث قد تفرد به أبو إسحاق وقد جاء في ترجمته من (الميزان) أنه ترك لأنه شاخ ونسي واختلط في آخر أيامه ولم يروه عنه سوى أبي الأحوص وزهير بن معاوية الجعفي فعابهما الناس بذلك ولا شك في أن المحدث إذ اختلط وجب طرح الأحاديث التي أم يتيقن صدورها عنه قبل اختلاطه سواء أعلم صدورها بعد الاختلاط كهذا الحديث أم جهل تاريخ صدوره لأن العلم الاجمالي في الشبهات المحصورة يوجب اجتناب الأطراف كلها كما هو مقرر في محله.

ثانيا: إن هذا الحديث يناقض القرآن المجيد القطعي وما عليه أئمة أهل

٣١
البيت عليهم السلام وأولهم أمير المؤمنين علي عليه السلام من وجوب المسح ولذا فلا مندوحة عن طرحه جانبا.

معنى إلى الكعبين

الكعبان في آية الوضوء هما مفصلا الساقين عن القدمين كما هو وارد عن الإمام الباقر عليه السلام. وجاء في (لسان العرب) (١): " أن ابن جابر سأل أحمد بن يحيى عن الكعب فأومأ ثعلب إلى رجله إلى المفصل منها بسبابته فوضع السبابة عليه ثم قال: هذا قول المفضل ابن الأعرابي قال:

ثم أومأ إلى الناتئين وقال: هذا قول أبي عمرو بن العلاء والأصمعي قال:

وكل قد أصاب ".

وذهب الجمهور إلى أن الكعبين هنا إنما هما العظمان الناتئان في جانبي كل ساق وقد احتجوا لذلك بأنه لو كان الكعب مفصل الساق عن القدم لكان الحاصل في كل رجل كعبا واحدا فكان ينبغي أن يقول: (وأرجلكم إلى الكعاب) كما أنه لما كان الحاصل في كل يد مرفقا واحدا قال: (وأيديكم إلى المرافق).

والجواب: أنه لو قال هنا: (إلى المرفقين) لكان التعبير صحيحا بلا إشكال ويكون المعنى حينئذ: (فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى مرفقي كل منكم وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين من كل منكم) فتثنية الكلمتين في الآية وجمعهما على حد سواء في الصحة وكذلك جمع إحداهما وتثنية الأخرى ولعل بلاغة التعبير قد اقتضت ذلك.

(١) لسان العرب لابن منظور الإفريقي مادة (كعب) ص ٣٨٨٨: " وسأل ابن جابر...

وقبله وفي المادة نفسها: قرأ ابن كثير وأبو عمر وأبو بكر عن عاصم وحمزة: (وأرجلكم) خفضا والأعشى عن أبي بكر بالنصب مثل حفص وقرأ يعقوب والكسائي ونافع وابن عامر: (وأرجلكم) نصبا وهي قراءة ابن عباس رده إلى قوله تعالى: (فاغسلوا وجوهكم) وكان الشافعي يقرأ: (وأرجلكم) بالنصب.

٣٢
وقال الرازي - عند بلوغه آية الوضوء -: " وقالت الإمامية وكل من ذهب إلى وجوب المسح: إن الكعب عبارة عن عظم مستدير مثل كعب البقر والغنم موضوع تحت عظم الساق حيث يكون مفصل الساق والقدم وهو قول محمد بن الحسن وكان الأصمعي يختار هذا القول ويقول: الطرفان الناتئان يسميان المنجمين. هكذا رواه القفال في تفسيره " (١).

(١) التفسير الكبير للرازي: ج ١١ ص ٢٦٢.
٣٣

[ ٣ ]
المسح على الخفين

اختلف فقهاء الإسلام في المسح على الخفين والجور بين اختلافا كبيرا لا يتسع المجال لبحثه والإحاطة به في هذا المقام وبوجه عام فإن البحث عنه يتعلق بالنظر في جوازه أو عدم جوازه وفي شروطه وفي القدر المفروض مسحه وفي كيفية المسح المسنونة وفي مدة المسح عليهما وفي مكروهاته وفي نواقضه.

ويمكن الرجوع إلى بحث هذه الأمور تفصيلا في موضعها من كتب الفقه المقارن مثل: (موسوعة الفقه الإسلامي) و (الفقه على المذاهب الأربعة) وغيرهما وإنما الذي يعنينا هنا هو أصل الجواز لأنه يشكل مدار البحث ونطاقه الذي نقصد إليه. أما الجواز ففيه ثلاثة أقوال:

أولا: الجواز مطلقا سفرا وحضرا.

ثانيا: الجواز في السفر دون الحضر.

ثالثا: عدم الجواز مطلقا لعدم ثبوته وقد جاء ذلك في رواية عن مالك كما نقله عنه الفقيه ابن رشد في كتابه (بداية المجتهد: ج ١ ص ١٤).

وقد اتفق الجمهور على أصل جوازه - بغض النظر عن الشروط التي أخلفوا فيها لذلك - وذهب أئمة أهل البيت عليهم السلام إلى عدم جوازه وتمسك بذلك شيعتهم العاملون على منهجهم والروايات عندهم كثيرة جدا في هذا الموضوع تنفي جواز المسح على الخفين نفيا قطعيا سواء كان ذلك في الحضر أو في السفر.

٣٤
وحجتهم في هذا كتاب الله تعالى إذ يقول: (... وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين...) وذلك يقتضي - صراحة - المسح على الأرجل مباشرة فمن أين جاء المسح على الخفين؟! أم أن هذه الآية منسوخة؟! أم هي من المتشابهات؟!

كلا بل هي - الإجماع - من المحكمات البينات وقد أطبق المفسرون على أن " سورة المائدة " المشتملة على آية الوضوء لا يوجد فيها منسوخ إلا آية واحدة هي قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله) [ المائدة / ٢ ]، فقد ذهب بعضهم إلى نسخها دون ما سواها من آيات تلك السورة المباركة (١).

أما الأخبار الدالة على الترخيص بالمسح على الخفين فإنها موضوع نظر من وجوه:

أولا: أنها جاءت مخالفة لكتاب الله تعالى والمأثور عن الرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: " إذا روي لكم عني حديث فاعرضوه على كتاب الله فإن وافقه فاقبلوه وإلا فردوه " (٢).

ثانيا: أنها جاءت متعارضة في نفسها ومتضاربة في دلالاتها ولذلك كثر الاختلاف بين مصححيها العاملين على مقتضاها فإنهم إنما تعارضوا في أقوالهم وتعددت آراؤهم نظرا لتعارض هذه الأخبار التي استندوا إليها في أقوالهم (٣).

ثالثا: إجماع أئمة أهل البيت عليهم السلام على القول بعدم جواز المسح على حائل سواء في ذلك الخف والجورب والحذاء وغيرها من سائر الأجناس

(١) التفسير الكبير للرازي: ج ١١ ص ١٦٣.

(١) المصدر نفسه.

(٣) نقل ابن رشد في بداية المجتهد: ج ١ ص ١٥ حيث ذكر اختلافهم في تحديد محل المسح على الخفين فقال: سبب اختلافهم تعارض الأخبار في ذلك. ونقل ذلك أيضا في ص ١٦ حيث ذكر اختلافهم في توقيت المسح إذ قال: والسبب في اختلافهم اختلاف الآثار في ذلك.

٣٥
والأنواع التي تحول دون وصول الماء إلى العضو وأخبارهم المروية من طريق شيعة الإمامية صريحة في معارضة تلك الأخبار الواردة في الجواز والقاعدة المطردة في الأخبار المتعارضة هي تقديم ما وافق كتاب الله عز وجل وبخاصة إذا تكافأت سندا ودلالة.

رابعا: إنها لو كانت حقا لتواترت في كل عصر ومصر لأن الحاجة إلى معرفة طهارة الأرجل في الوضوء حاجة عامة - كما أومأنا إليه من قبل - لجميع رجال الأمة ونسائها وهي حاجة ضرورية لهم في كل يوم وليلة من أوقات سفرهم وإقامتهم فلو كانت غير المسح المنصوص عليه في الآية لعلمه المكلفون في عهد النبوة وبعده ولكان مسلما بينهم في كل جيل لا سيما إذا جاء على هذا النحو من حيث كونه عبادة محضة غير معقولة المعنى غريبة في باب العبادات تستوجب الشهرة بهذه الغرابة ولما لم يكن الأمر على تلك الدرجة المطلوبة من التواتر فإنه يسحب الثقة من هذه الأخبار.

خامسا: إنه لو فرض صحتها لوجب أن تكون منسوخة بآية " المائدة " لأنها آخر سورة نزلت وبها أكمل الله الدين وأتم النعمة ورضي الإسلام دينا فواجبها واجب إلى يوم القيامة وحرامها حرام إلى يوم القيامة.

وقد نصت على ذلك أم المؤمنين عائشة حيث قالت لجبير بن نفير - عندما حج فزارها: " يا جبير تقرأ " المائدة "؟ فقال: نعم. فقالت: أما إنها آخر سورة نزلت فما وجدتم فيها من حلال فاستحلوه وما وجدتم فيها من حرام فحرموه " (١). لكن الجمهور قد تشبثوا في بقاء حكم المسح على الخفين بعد نزولها بحديث جرير الذي رواه مسلم بسنده عن إبراهيم عن همام قال:

" بال جرير ثم توضأ ومسح على خفيه فقيل له: تفعل هذا؟! فقال: نعم

(١) أخرجه الحاكم في أول تفسير " سورة المائدة " من المستدرك: ج ٢ ص ٣١١ ثم أخرج حديثا نحوه عن عبد الله بن عمرو وقال بعد إيراد كل من الحديثين: هذا الحديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه وقد أورده الذهبي في التلخيص معترفا بصحته على شرط الشيخين وحديث جبير بن نثير رواه أحمد والنسائي أيضا.
٣٦
رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بال ثم توضأ ثم مسح على خفيه ". قال إبراهيم: " كان يعجبهم هذا الحديث لأن إسلام جرير كان بعد نزول المائدة " (١).

والجواب عن ذلك: إن جرير بن عبد الله إنما أسلم قبل نزول " سورة المائدة " فقد جاء في ترجمته من (الإصابة): " ففي (الصحيحين) عنه (أي جرير) أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: استنصت الناس في حجة الوداع وجزم الواقدي بأنه قد وفد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في شهر رمضان سنة عشر وأن بعثه إلى ذي الخلصة كان بعد ذلك وأنه وافى النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حجة الوداع من عامه قال الحافظ: وفيه عندي نظر لأن شريكا حدث الشيباني عن الشعبي عن جرير قال: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إن أخاكم النجاشي قد مات - الحديث أخرجه الطبراني فهذا يدل على أن إسلام جرير كان قبل سنة عشر لأن النجاشي مات قبل ذلك " (٢). ومعلوم أن موت النجاشي إنما كان قبل نزول " سورة المائدة " حيث أنه قد توفي السنة العاشرة بلا كلام في هذا.

وثمة تشبت؟؟؟ آخر اورده القسطلاني حيث يقول - عند شرح حديث المسح على الخفين من (إرشاد الساري) -: " وليس المسح بمنسوخ لحديث المغيرة الصريح بمسح النبي صلى الله عليه وآله وسلم خفيه في غزوة تبوك وهي آخر غزواته و " المائدة " نزلت قبلها في غزوة المريسيع... " إلى آخر كلامه.

والجواب: أن غزوة المريسيع هي غزوة بني المصطلق كانت في شعبان سنة خمس وقيل: سنة أربع - كما نقله البخاري عن موسى بن عتبة عند ذكرها من كتاب (المغازي) - وقيل: سنة ست للهجرة وقد نزلت بعدها

(١) قال النووي في تعليقه على هذا الكلام من شرحه لمسلم: ج ٣ ص ١٦٤: " معناه أن الله تعالى قال في " سورة المائدة ": (فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم...) فلو كان إسلام جرير متقدما على نزول " المائدة " لاحتمل كون حديثه في مسح الخف منسوخا بآية " المائدة " فلما كان إسلامه متأخرا علمنا أن حديثه يعمل به.. " إلى آخر ما ذكره.

قلنا: من أين لنا العلم بتأخر إسلامه وقد تبينا أنه كان قبل نزول " سورة المائدة "؟! كما في الجواب.

(٢) الإصابة القسم الأول: ج ٢ ص ٧٦.

٣٧
" المائدة " وكثير من السور وإنما نزلت فيها آية التيمم الواردة في " سورة النساء " في قوله تعالى: (... وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لا مستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم إن الله كان عفوا غفورا) [ النساء / ٤٣ ].

والرواية في ذلك ثابتة عن عائشة أخرجها الواحدي في كتابه (أسباب النزول ص ١١٣) فراجعه لتكون على بينة من أن القسطلاني قد اشتبهت عليه آية الوضوء بآية التيمم.

سادسا: إن عائشة أم المؤمنين كانت تنكر المسح على الخفين أشد الإنكار وابن عباس - وهو حبر الأمة ووعاء الكتاب والسنة - كان من المنكرين أيضا وقد اشتد كل منهما في رده ودفعه فهذه عائشة تقول: " لئن تقطع قدماي أحب إلي من أن أمسح على الخفين " وهذا ابن عباس يقول:

" لئن أمسح على جلد حمار أحب إلي من أن أمسح على الخفين " وقد نقل هاتين الروايتين الرازي - عند تفسير آية الوضوء - من (تفسيره الكبير) (١). وإننا إذا تأملنا هذه اللهجة الشديدة من الإنكار وجدنا أنها لا تتناسب مع اعتبار هذه الأخبار بل لا تتناسب مع مجرد احترامها وإذا كانت هذه هي أقوال المعاصرين لتلك الأخبار العارفين بصحيحها وسقيمها فكيف يتسنى لنا الركون إليها على بعدنا المديد عنها قرونا طويلة؟! وأن من أمعن النظر - متجردا - في إنكار أم المؤمنين عائشة وعبد الله بن عباس وسائر أئمة أهل البيت عليهم السلام فإنه يضطر إلى الشك في أمر تلك الأخبار. ومن هنا لا يمكن الايقان بتواترها بل إن القول بذلك يعد غلوا ومبالغة وإلا فكيف يجهلها هؤلاء الكرام البررة أو يتجاهلونها؟!

والذي يدل على مدى الشك والريب الذي كان يختلج في النفوس من جراء هذا العمل هو أن الناس كانوا يستغربونه ويرتابون في جوازه حتى أن

(١) التفسير الكبير للرازي: ج ١١ ص ١٦٣.
٣٨
جريرا عندما توضأ ومسح على خفيه قيل له - في استغراب ودهشة -:

تفعل هذا؟!!

وكأنهم كانوه يستغربونه إذ أن معرفته لا بد من أن تكون بديهية لهم لأنها تتعلق بأمر الطهارة التي يطلبها المرء كل يوم وليلة على نحو الضرورة.

وكذلك الحديث الذي أخرجه البخاري في (صحيحه) عن ابن عمر عن سعد بن أبي وقاص عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه مسح على الخفين وأن عبد الله بن عمر سأل عمر عن ذلك فقال: " نعم إذا حدثك سعد شيئا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلا تسأل عنه غيره " (١).

وهنا - أيضا - نجد أن ابن عمر استغرب هذا الأمر من سعد واندهش له ومن ثم ذهب إلى أبيه عمر كيما يسأله عنه وهذا يدل على أنه لم يكن مشهورا بل معروفا فكيف به متواترا؟!

وكذلك الإمام مالك في إحدى الروايتين عنه أنه أنكر جواز المسح على الخفين (٢).

(١) صحيح البخاري: ج ١ ص ٦٢.

(٢) تفسير الرازي: ج ١١ ص ١٦٣ والقرطبي: ج ٣ ص ٢٠٩٧.

٣٩

[ ٤ ]
السجود على الأرض

إن السجود يعد من أجل العبادات وأعظم الأعمال قربة عند الله حتى قال عنه النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء " (١).

وذلك لما فيه من التذلل والخضوع لله جل وعلا وأنه مظهر من مظاهر التواضع لعظمته سبحانه وأنه تعبير لما يكنه العبد من ولاء وتقديس لمولاه الجليل ولذلك قد ندب إليه الشرع في مواطن أخرى غير الصلاة مثل سجود التلاوة عند ذكر آيات معينة من القرآن المجيد وسجود الشكر.

والواجب في كل ركعة من الصلاة سجدتان وذهب إخواننا الشيعة الإمامية إلى أن السجود لا يصح إلا على الأرض مباشرة أو ما نبت منها شريطة أن لا يكون ماكولا أو ملبوسا لما دلت عليه الأخبار الصحيحة المتواترة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأئمة أهل البيت عليهم السلام. كما أنه يناسب الغاية من السجود فإن السجود على الأرض مباشرة أدعى إلى الشعور بالذل والصغار إمام الله عز وجل إذ أنه يذكر الإنسان بعنصره الحقيقي ومنبته الأصلي ويبعد عنه مظاهر الدنيا الزائفة التي يتعلق بها طيلة حياته.

حجة الإمامية

ولننظر - الآن - في ما احتج به الإمامية من أدلة على وجوب السجود على الأرض:

(١) رواه مسلم من حديث أبي هريرة.
٤٠