×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

فقهيات بين السنة والشيعة / الصفحات: ٤١ - ٦٠

أولا: الأخبار الدالة على السجود على الأرض:

- أخرج البخاري ومسلم في (الصحيحين) من حديث جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: " جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل ".

- وفي لفظ الترمذي: " جعلت لي الأرض كلها مسجدا وطهورا ".

أخرجه عن علي وعبد الله بن عمر وأبي هريرة وجابر وابن عباس وحذيفة وأنس وأبي أمامة وأبي ذر.

- وفي لفظ البيهقي: " جعلت لي الأرض طهورا ومسجدا ".

- أخرج النسائي عن أبي ذر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال له: الأرض لك مسجد فحيثما أدركت الصلاة فصل " (١).

- أخرج الحاكم في (مستدركه) عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سجد على الحجر (٢).

قال الحاكم: هذا صحيح الإسناد ولم يخرجاه وأقره الذهبي في (التلخيص).

- أخرج الشيخان في (صحيحيهما) في باب: التماس ليلة القدر من حديث أبي سعيد الخدري وفيه قال: " أقيمت الصلاة فرأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يسجد في الماء والطين حتى رأيت أثر الطين في جبهته ".

وأخرج البيهقي في (السنن الكبرى) عدة أحاديث منها:

- عن جابر بن عبد الله قال: " كنت أصلي مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صلاة الظهر فآخذ قبضة من الحصى في كفي حتى تبرد واضعها بجبهتي إذا سجدت من شدة الحر " (٣).

(١) سنن النسائي: ج ٢ ص ٣٢.

(٢) المستدرك: ج ٣ ص ٤٧٣.

(٣) رواه أحمد أيضا في مسنده: ج ١ ص ٣٢٧.

٤١
قال البيهقي: " قال الشيخ (رحمه الله): ولو جاز السجود على ثوب متصل به لكان ذلك أسهل من تبريد الحصى في الكف ووضعها للسجود عليها ".

- عن خباب بن الإرث قال: " شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شدة الرمضاء في جباهنا واكفنا فلم يشكنا " (١) (أي: لم يقم بإزالة شكوانا وقيل:

إنه منسوخ بحديث جواز الابراد بالصلاة).

- عن صالح بن حيوان السبائي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رأى رجلا يسجد بجنبه وقد اعتم على جبهته فحسر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن جبهته.

- عن عبد الله القرشي - مرسلا - قال: " رأى رسول الله صلى الله صلى الله عليه وآله وسلم رجلا يسجد على كور عمامته فأومأ بيده: ارفع عمامتك فأومأ بيده: ارفع عمامتك وأومأ إلى جبهته ". (كور العمامة: محيطها الدائري).

- عن ابن أبي ليلى عن علي عليه السلام قال: " إذا كان أحدكم يصلي فليحسر العمامة عن جبهته ".

- عن نافع أن ابن عمر كان إذا سجد وعليه العمامة يرفعها حتى يضع جبهته بالأرض.

- عن محمود بن الربيع عن عبادة بن الصامت أنه كان إذا قام إلى الصلاة حسر عن جبهته.

- عن أنس بن مالك قال: " كنا نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في شدة الحر فيأخذ أحدنا الحصباء في يده فإذا برد وضعه وسجد عليه ".

قال البيهقي: " قال الشيخ: وأما ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من السجود على كور العمامة فلا يثبت شئ من ذلك وأصح ما روي في ذلك قول الحسن البصري حكاية عن أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولذلك قال في الحديث

(١) رواه مسلم أيضا في باب: استحباب الابراد بالظهر: ج ٥ ص ١٢١.
٤٢
المروي عن الحسن قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يسجدون وأيديهم في ثيابهم ويسجد الرجل منهم على عمامته قال: وهذا يحتمل أن يكون أراد يسجد الرجل منهم على عمامته وجبهته والاحتياط بغرض السجود أولى " (١).

وأخرج الشافعي في كتابه (الأم) بسنده عن رفاعة بن رافع بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمر رجلا إذا سجد أن يمكن وجهه من الأرض حتى تطمئن مفاصلة ثم يكبر فيرفع رأسه ويكبر فيستوي قاعدا يثني قدميه حتى يقيم صلبه ويخر ساجدا حتى يمكن وجهه بالأرض وتطمئن مفاصله فإذا لم يصنع هذا أحدكم لم تتم صلاته.

قال الشافعي: " ولو سجد على بعض جبهته دون جميعها كرهت ذلك ولم يكن عليه إعادة لأنه ساجد على جبهته ولو سجد على أنفه دون جبهته لم يجزه ذلك لأن الجبهة موضع السجود وإنما سجد - والله أعلم - على الأنف لاتصاله بها ومقاربته لمساريها ولو سجد على خده أو على صدغه لم يجزه السجود وإن سجد على رأسه فماس شيئا من جبهته الأرض أجزاه السجود إن شاء الله تعالى ولو سجد على جبهته ودونها ثوب أو غيره لم يجزه السجود إلا أن يكون جريحا فيكون ذلك عذرا ولو سجد عليها وعليها ثوب متخرق فماس شيئا من جبهته على الأرض أجزأه ذلك لأنه ساجد وشئ من جبهته على الأرض وأحب أن يباشر راحتيه الأرض في البرد والحر فإن لم يفعل وسترهما من حر أو برد وسجد عليهما فلا إعادة عليه ولا سجود سهو) (٢).

نقول، هذا يدل بوضوح ظاهر على وجوب السجود على الأرض مباشرة.

وأخرج عبد الرزاق الصنعاني في (مصنفه باب: الصلاة على الصفا والتراب) عدة أحاديث منها:

(١) السنن الكبرى: ج ٢ ص ١٠٥.

(٢) الأم للشافعي: ج ١ ص ٩٩.

٤٣
- عن خالد الحذاء قال: " رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم صهيبا يسجد كأنه يتقي التراب فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ترب وجهك يا صهيب " (١).

- عن عائشة قالت: " ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم متقيا وجهه بشئ ".

(تعني في السجود).

- عن عبد الكريم بن أمية قال: " بلغني أن أبا بكر كان يسجد أو يصلي على الأرض مفضيا إليها ".

- عن أبي عبيدة قال: " كان ابن مسعود لا يسجد إلا على الأرض " (٢).

- عن الثوري قال: " أخبرني محل عن إبراهيم أنه كان يقوم على البردي ويسجد على الأرض قلنا: ما البردي؟ قال: الحصير " (٣).

- عن ابن عيينة قال: " قلت لعطاء: أرأيت إنسانا يصلي وعليه طاق في برد فجعل يسجد على طاقه ولا يخرج يديه؟ قال: لا يضره قلت:

فلغير برد؟ قال: أحب إلي أن يسوي بينها وبين الأرض فإن لم يفعل فلا حرج قلت: أحب إليك أن لا يصلي على شئ إلا على الأرض ويدع ذلك كله؟ قال: نعم ". (الطاق: نوع من الثياب).

- عن ابن جريج قال: " قلت لعطاء: كان ينهي عن مسح التراب للوجه؟

قال: نعم. ويقال: إذا رأيت شيئا تكرهه فأخره قلت: أي شئ؟ قال: قد سمعنا ذلك وأحب إلي أن لا تمسحها قلت: أرأيت لو مسحت؟ قال: فلا تعد ولا تسجد سجدتي السهو ".

(١) روى الترمذي من حديث أم سلمة قالت: رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم غلاما لنا يقال له أفلح إذا سجد نفخ فقال: " يا أفلح ترب وجهك ".

(٢) أخرجه الطبراني في الكبير كما في مجمع الزوائد: ج ٢ ص ٥٧.

(٣) المصدر نفسه.

٤٤
- عن أبي ذر أنه قال: " سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: إذا قام أحدكم للصلاة فإن الرحمة تواجهه فلا يمسحن الحصى " (١).

- عن أبي ذر قال: " سألت النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن كل شئ حتى سألته عن مسح الحصى فقال: واحدة أو دع) (٢).

- عن أبي ذر قال: " رخص في مسحة للسجود وتركها خير من مائة ناقة سود ".

وفي رواية أخرى عنه قال: (إذا دنت الصلاة فامش على هيئتك فصل ما أدركت وأتمم ما سبقك ولا تمسح الأرض إلا مسحة وأن تصبر عنها خير لك من مائة ناقة كلها سود الحدقة ".

وفي رواية عن محمد بن طلحة وعبد الله بن عياش أبي ربيعة قالا: " مر أبو ذر وأنا أصلي فقال: إن الأرض لا تمسح إلا مسحة ".

- عن أبي سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قيل له في مسح الحصى في الصلاة فقال: " إن كنت فاعلا فواحدة " (٣).

- عن عبد الرحمن بن زيد قال: " كان عبد الله بن زيد يسوي الحصى بيده مرة واحدة إذا أراد أن يسجد ويقول في سجوده: لبيك اللهم لبيك وسعديك ".

- عن يحيى بن كثير قال: (سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم رجلا يقلب الحصى في الصلاة في المسجد فلما انصرف قال: من الذي كان يقلب الحصى في الصلاة؟ قال الرجل: أنا يا رسول الله قال: فهو حظك من صلاتك) (٤).

(١) رواه الترمذي وحسنه والنسائي وابن ماجة وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما.

(٢) رواه ابن خزيمة في صحيحه من حديث جابر بن عبد الله قال: سألت النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن مسح الحصى في الصلاة فقال: " واحدة ولئن تمسك عنها خير لك من مائة ناقة كلها سود الحدق ".

(٣) عن معيقب أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " لا تمسح الحصى وأنت تصلي فإن كنت لا بد فاعلا فواحدة تسوي الحصى رواه أصحاب الصحاح الستة.

(٣٤) أخرجه الطبراني في الكبير كما في مجمع الزوائد: ج ٢ ص ٨٦.

٤٥
- عن ابن جريح قال: " قلت لعطاء: كانوا يشددون في المسح للحصى لموضع الجبين ما لا يشددون في مسح الوجه من التراب؟ قال: أجل ها الله إذا ". (ها: للتنبيه وأداة القسم محذوفة معناه: والله إذا).

وفي باب: متى يمسح التراب عن وجهه:

- عن ابن جريج قال: (قلت لعطاء: نفضت يدي من التراب قبل أن أفرغ من الصلاة قال: ما أحب ذلك ".

- عن قتادة أنه كان يمسح جبهته إذا فرغ من الصلاة قيل أن يسلم.

- عن ابن جريج عن عطا قال: " يقال: إن استطعت أن لا تمسح بوجهك من التراب حتى تفرغ من صلاتك فافعل وإن مسحت فلا حرج وأحب إلي أن لا تمسح حتى تفرغ قال عطاء: " وكل ذلك أصنع ربما مسحت قبل أن أفرغ من صلاتي وربما لم أمسح حتى أفرغ من صلاتي " (١).

نقول: كل هذه الأحاديث والآثار الصحيحة المتضافرة تدل دلالة قاطعة على أن المعمول به في عهد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والصحابة (رضوان الله عليهم) والتابعين لهم بإحسان هو السجود على الأرض لا غير حتى أنهم كانوا يلاحظون تسوية الحصى قبل السجود على الأرض ويتوخون في جواز ذلك المقدار المسموح به كذلك الحرص على معرفة جواز مسح الوجه من التراب ومتى يكون.

كل ذلك يؤكد على أنه مدار العمل هو السجود على الأرض مباشرة وعدم العدول إلى ما سواها فما بالك بمن استبدل بذلك الفرش الوثيرة والسجاجيد الناعمة؟!

ثانيا: في ما ورد من السجود على الخمرة والحصير:

جاء في (لسان العرب): الخمرة: حصيرة أو سجادة صغيرة تنسج من

(١) المصنف: ج ١ ص ٣٩١ و ٣٩٢ وج ٢ ص ٣٨.
٤٦
سعف النخل وترمل بالخيوط... قال الزجاج: سميت خمرة لأنها تستر الوجه من الأرض.

(اللسان) مادة (خمر) ص ١٢٦١.

- أخرج البخاري في باب الصلاة على الخمرة عن عبد الله بن شداد عن ميمونة أم المؤمنين قالت: " كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصلي على الخمرة " (١).

- أخرج مسلم - في كتاب الحيض - عن عائشة قالت: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ناوليني الخمرة من المسجد قالت: فقلت: إني حائض فقال:

إن حيضتك ليست في يدك " (٢).

- أخرج الترمذي عن ابن عباس قال: " كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصلي على الخمرة " (٣).

- عن أم سلمة أم المؤمنين قالت: (كان لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حصير وخمرة يصلي عليها) (٤).

- عن أنس بن مالك قال: " كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصلي على الخمرة ويسجد عليها " (٥).

- أخرج البخاري - في باب: الصلاة على الحصير - عن أنس بن مالك أن جدته مليكة دعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لطعام صنعته له فأكل منه ثم قال: قوموا فلأصل لكم. قال أنس: فقمت إلى حصير لنا قد اسود من طول ما لبث

(١) البخاري: ج ١ ص ١٠٧.

(٢) مسلم: ج ٣ ص ٢٠٩.

(٣) الترمذي: ج ٢ ص ١٢٦.

(٤) أخرجه أبو يعلى والطبراني في الكبير والأوسط ورجال أبي يعلى رجال الصحيح وعن أم حبيبة مثله صحيحا كما في مجمع الزوائد: ج ٢ ص ٥٧.

(٥) أخرجه الطبراني في الأوسط والصغير بأسانيد بعضها صحيح رجاله ثقات كما في مجمع الزوائد: ج ٢ ص ٥٧.

٤٧
فنضحته بماء فقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم واليتيم معي والعجوز من ورائنا فصلى بنا ركعتين (١).

نقول: هذه الأخبار الواردة وفي بعضها أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم دخل بيتا فيه فحل (٢) فكسح ناحية منه ورش فصلى عليه (٣).

فإنها تدل على جواز السجود على ما خرج من الأرض بحيث يكون غير ملبوس ولا مأكول ولا ريب أن الخمرة والفحل والحصير المصنوعة من سعف النخيل من موارد ذلك كما لا يخفى.

ولذلك قال الحافظ في (الفتح) في شرحه لحديث ميمونة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يصلي على الخمرة: " قال ابن بطال: لا خلاف بين فقهاء الأمصار في جواز الصلاة عليها إلا ما روي عن عمر بن عبد العزيز أنه كان يؤتى بتراب فيوضع على الخمرة فيسجد عليه ولعله كان يفعله على جهة المبالغة في التواضع والخشوع فلا يكون فيه مخالفة للجماعة وقد روى ابن أبي شيبة أن ابن الزبير كان يكره الصلاة على شئ دون الأرض وكذا روى عن غير عروة بن الزبير ويحتمل أن يحمل على كراهة التنزيه.

والله أعلم " (٤).

ثالثا: في ما ورد من السجود على غير الأرض لعذر:

- أخرج البخاري - في باب: السجود على الثوب في شدة الحر - عن أنس بن مالك قال: (كنا نصلي مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيضع أحدنا طرف الثوب من شدة الحر في مكان السجود " (٥).

(١) البخاري: ج ١ ص ١٠٧.

(٢) الفحل: حصير معمول من سعف فحال النخل وقيل: حصيرة أصغر من المصلى وقيل:

الخمرة: الحصير الصغير الذي يسجد عليه.

(٣) السنن الكبرى للبيهقي: ج ٢ ص ٤٣٦.

(٤) فتح الباري: ج ١ ص ٣٨٨.

(٥) البخاري: ج ١ ص ١٠٧.

٤٨
- أخرج مسلم - في باب: استحباب تقديم الظهر - عن أنس قال: " كنا نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في شدة الحر فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكن جبهته من الأرض بسط ثوبه فسجد عليه " (١).

قال الشوكاني في (نيل الأوطار): " الحديث يدل على جواز السجود على الثياب لاتقاء الحر وفيه إشارة إلى أن مباشرة الأرض عند السجود هي الأصل لتعليق بسط الثوب بعدم الاستطاعة وقد استدل بالحديث على جواز السجود على الثوب المتصل بالمصلي. قال النووي: وبه قال أبو حنيفة والجمهور " (٢).

- أخرج ابن ماجة في (سننه) عن أنس بن مالك قال: " كنا إذا صلينا خلف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالظهائر سجدنا على ثيابنا اتقاء الحر " (٣).

قال السندي في شرحه: " الظهائر ": جمع ظهيرة وهي شدة الحر نصف النهار " سجدنا على ثيابنا ": الظاهر أنها الثياب التي هم لابسوها ضرورة أن الثياب في ذلك الوقت قليلة فمن أين لهم ثياب فاضلة؟ فهذا يدل على جواز أن يسجد المصلي على ثوب هو لابسه كما عليه الجمهور.

وعلى هذه الصورة يحمل ما جاء عن ابن عباس قال: " رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يسجد على ثوبه " (٤). وما جاء عن الحسن أنه قال: " كان القوم يسجدون على العمامة والقلنسوة ويداه في كمه " (٥). وراجع - أيضا - ما قاله البيهقي حوله في (سننه الكبرى) في ما مر عليك آنفا.

تنبيه:

هناك حديث مرفوع أخرجه أحمد في (مسنده):

(١) مسلم: ج ٥ ص ١٢١.

(٢) نيل الأوطار: ج ٢ ص ٢٨٩.

(٣) ورواه النسائي في السنن: ج ٢ ص ٢١٦.

(٤) أخرجه أبو يعلى والطبراني في الكبير. (٥) البخاري: ج ١ ص ١٠٧.

٤٩
عن محمد بن ربيعة عن يونس بن الحرث الطائفي عن أبي عون عن أبيه عن المغيرة بن شعبة قال: " كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصلي أو يستحب أن يصلي على فروة مدبوغة " (١).

والاستدلال بهذا الحديث ساقط من وجوه:

أولا: إن الحديث لا يدل على القدر الواجب من السجود المتعلق بالجبهة إذ لا يوجد ملازمة بين الصلاة على الفروة والسجود عليها فلربما قام للصلاة عليها حين كان يضع جبهته على ما يصح السجود عليه.

ثانيا: إنه لو فرض أن المقصود على الفروة هو السجود عليها فإن ذلك يعارض السنة القطعية القاضية بوجوب السجود على الأرض.

ثالثا: ضعف سند الحديث بحيث لا يقوم به حجة في مجال الأحكام ففيه يونس بن الحرث قال أحمد: " أحاديثه مضطربة ". وقال عبد الله بن أحمد:

" سألته عنه مرة فضعفه ". وعن ابن معين: " لا شئ ". وقال أبو حاتم: " ليس بالقوي ". وقال النسائي: " ضعيف ". وقال مرة: " ليس بالقوي ". وقال ابن أبي شيبة: " سألت ابن معين عنه فقال: كنا نضعفه ضعفا شديدا ". وقال الساجي: " ضعيف إلا أنه لا يتهم بالكذب " (٢).

وفيه - أيضا - أو عون عبيد الله بن سعيد الثقفي الكوفي. ترجمه ابن أبي حاتم في (الجرح والتعديل) فنقل عن أبيه قوله: " هو مجهول ". وقال ابن حجر: " حديثه عن المغيرة مرسل ".

صفوة القول

هذه خلاصة ما أوردناه من الصحاح والمسانيد مرفوعا وموقوفا في ما يصح السجود عليه وهي تدل على أن الأصل في ذلك - مع وجود القدرة

(١) مسند أحمد: ج ٤ ص ٢٥٤.

(٢) تهذيب التهذيب: ج ١١ ص ٤٣٧.

٥٠
والاستطاعة - هو السجود على الأرض مباشرة أو على ما نبت منها غير مأكول ولا ملبوس أخذا بأحاديث الخمرة والفحل والحصير المصنوعة من سعف النخيل ولا يمكن العدول عنها إلى غيرها عن فقدان العذر أما في حالة وجود عذر مانع عنها فإنها يمكن السجود على الثوب المتصل بالمصلي فحسب دون الثوب المنفصل لعدم وروده في السنة وأما السجود على الفرش والسجاد والبسط المنسوجة من الصوف والوبر والحرير والثوب المنفصل وغيرها فإن ذلك مما أحدثه الناس واخترعوه ولا يوجد دليل يعتد به يسوغ السجود عليها ولم يرد أي مستند قوي يمكن الركون إليه والتعويل عليه فها هي الصحاح الستة الكفيلة ببيان الشرائع والأحكام ليس فيها حديث يمكن الأخذ به في هذه المسألة وكذلك سائر كتب الحديث والسنن المعتمدة في القرون الثلاثة الأولى وهي خير القرون لا يوجد بها أثر صحيح صريح يقم به الاستدلال وتنهض به الحجة على جواز ذلك.

وقد أخرج الحافظ أبو بكر بن أبي شيبة بإسناده في (مصنفه) الجزء الثاني عن سعيد بن المسيب ومحمد بن سيرين " أن الصلاة على الطنفسة محدث ". (الطنفسة: النمرقة فوق الرحل وقيل: هي البساط الذي له خمل رقيق).

السجود على تربة كربلاء

قد تبين - مما تقدم - أن السجود على الأرض مباشرة هو الأصل المعمول به على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والصحابة الكرام والتابعين لهم بإحسان وهو الذي يلتزم به إخواننا الشيعة الإمامية حتى يومنا هذا ولا يحيدون عنه قيد أنملة فهم يسجدون على الأرض شريطة التأكد من عدم نجاستها وخلوها من الأقذار ويستحبون من بين تراب الأرض تربة كربلاء حيث استشهد بها أبو الأحرار وسيد الشهداء أبو عبد الله الحسين بن علي عليه السلام الذي خرج في ثلة من أهل بيت النبوة الأطهار عليهم السلام وصحابته الأبرار من أجل مقارعة الظلم والطغيان والإثم والعدوان المتمثل في طاغية

٥١
كتاب فقهيات بين السنة والشيعة لـ عاطف سلام (ص ٥٢ - ص ٧٤)
٥٢
فأي مانع - عندئذ - من أن يحتاط المسلم لدينه ويتخذ معه تربة طاهرة يطمئن بنقائها وطهارتها يسجد عليها في صلاته متوخيا الحيطة ومحترزا من السجود على الأرجاس والنجاسات التي لا تسوغ السنة الشريفة السجود عليها ولا تقبله الفطرة السليمة لا سيما وإن أوامر الشرع الحنيف تؤكد على الاهتمام بطهارة أعضاء المصلي ولباسه وتنهى عن الصلاة في أماكن معينة لمظنة اختلاطها بالنجاسات منها: المزابل والمجازر والمقابر وقارعة الطريق والحمام ومعاطن الإبل وكذلك الأمر بضرورة تطهير المساجد وتطييبها.

ووفق هذه النظرة الصائبة جرى بعض فقهاء السلف الورعين والمحتاطين لدينهم من أهل القرون الأولى وحسبك أن التابعي الفقيه الكبير المتفق على جلالته مسروق بن الأجدع كان يأخذ في أسفاره لبنة (أي حجرا) يسجد عليها كما أخرجه عنه إمام السنة الحافظ الثقة في زمانه أبو بكر بن أبي شبة في (مصنفه) في المجلد الثاني باب: من كان يحمل في السفينة شيئا يسجد عليه فأخرج بإسنادين: " أن مسروقا كان إذا سافر حمل معه في السفينة لبنة يسجد عليها ".

هذا في ما يتعلق بالسجود على الأرض مباشرة من حيث أصل الوجوب وأخذ الحيطة بحمل تربة طاهرة.

أما في ما يتعلق باستحباب السجود على تربة كربلاء فإن قاعدة التفضيل المطردة في هذه الحياة تدل عليه وتؤكده فضلا عن ورود بعض الأحاديث التي تعضده.

فلا شك أن الله - سبحانه - قد اصطفى مكة وانتجبها من بين الأماكن وجعلها مقرا لبيته الحرام الذي أوجب على الناس الحج إليه والطواف حوله وخصها بميزات معينة بوصفها حرما آمنا لا يجوز انتهاكه وما يرتبط من ذلك بشجرها ونبتها ومن نزل بها وكذلك اختار المدينة المنورة وجعلها حرما إلهيا - أيضا - يجب تعظيمه وعدم تجاوزه. وما ورد في السنة الشريفة في

٥٣
إجلالها وفي فضائل أهلها وتربتها ومن حل بها ومن دفن بأرضها وجميع ذلك ليس إلا باعتبار الإضافة والنسبة إلى الله تعالى وكونها عاصمة لنبيه الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم.

بل إن قاعدة التفاضل وتفاوت الدرجات ممتدة ومطردة على الدوام حتى بين الأنبياء والمرسلين والأوصياء والأولياء والشهداء والصالحين وأفراد المؤمنين. وكذلك بين الأوقات لاختصاص بعضها بفضائل وخصال معينة فشهر رمضان خير الشهور وليلة القدر أفضل ليالي ويوم عرفة أفضل الأيام.. وما إلى ذلك من الاختصاصات والتفاضلات بين الأعيان نتيجة تعلقها بالله سبحانه ونسبتها إليه.

وكانت تربة كربلاء هي التربة التي ضمت بين ثناياها أطهر الأجساد وأطيبها وهم أبناء الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الذين سجلوا على صعيدها أعظم صفحات البذل والتضحية في سبيل الله سبحانه واختلطت ذراتها بدمائهم الزكية التي أهرقت قربة إليه جل وعلا فحري بها أن تلازم الإنسان المسلم في حله وترحاله وإقامته وتجاوله وتذكره دائما بما كتب عليها من معاني البطولة والفداء والبذل والعطاء وأن تكون نصب عينيه شاهدة عليه وكأنما تأخذ عليه البيعة كل يوم بالوفاء لتلك الدماء الطاهرة والالتزام بالخط الرسالي التضحوي الذي سلكه أصحابها الأبرار الذين قدموا أرواحهم قربانا إلى الله تبارك وتعالى.

إن تربة كربلاء هي رمز الجهاد الثوري الذي خاضه أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم في كفاحهم المرير ضد الظلم والاستكبار والفساد والانحراف.

وهي رمز الاعتزاز بالإسلام دينا ومنهجا للحياة في مواجهة القوى الشيطانية التي تسعى إلى استئصاله وإقصائه بعيدا عن ساحة الوجود.

كما أنها رمز الشجاعة والصمود في وجه الطغاة والمستبدين من أجل إحقاق الحق وتثبيت أركانه وإزهاق الباطل وتقويض بنيانه.

٥٤
وما إلى ذلك من الدروس القيمة والعظات البالغة التي يجب إلى تغيب عن ذهن الإنسان المسلم أبد الدهر ومن هنا كانت قيمة تربة كربلاء المعنوية والعبرة من الارتباط بها والسجود عليها.

ولذلك جاءت الأحاديث الشريفة لتعظم تلكم التربة الطاهرة وتشيد بفضلها. ودونك ما أخرجه ابن حجر الهيتمي في (صواعقه المحرقة) في الفصل الثالث من الباب الحادي عشر ص ١٩٢ حيث قال:

- أخرج ابن سعد والطبراني عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " أخبرني جبريل أن ابني الحسين يقتل يعدي بأرض الطف وجاءني بهذه التربة فأخبرني أن فيها مضجعه ".

- أخرج أبو داود والحاكم عن أم الفضل بنت الحرث أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " أتاني جبريل فأخبرني أن أمتي ستقتل ابني هذا (يعني الحسين) وأتاني بتربة من تربة حمراء ".

- وأخرج أحمد: " لقد دخل على البيت ملك لم يدخل علي قبلها فقال لي: إن ابنك هذا حسينا مقتول وإن شئت أريتك من تربة الأرض التي يقتل بها ".

قال: " فأخرج تربة حمراء ".

- وأخرج البغوي في (معجمه) من حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال:

" استأذن ملك القطر ربه أن يزورني فأذن له وكان في يوم أم سلمة فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا أم سلمة احفظي علينا الباب لا يدخل أحد فبينا هي على الباب إذ دخل الحسين فاقتحم فوثب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فجعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يلثمه ويقبله فقال الملك: أتحبه؟ قال: نعم. قال: إن أمتك ستقتله وإن شئت أريك المكان الذي يقتل به فأراه فجاء بسهلة أو تراب أحمر فأخذته أم سلمة فجعلته في ثوبها قال ثابت: كنا نقول: إنها كربلاء ".

- وأخرجه - أيضا - أبو حاتم في (صحيحه) وروي أحمد نحوه وروى عبد الحميد وابن أحمد نحوه - أيضا - لكن فيه أن الملك جبريل فإن صح

٥٥
فهما واقعتان وزاد الثاني - أيضا - أنه صلى الله عليه وآله وسلم شمها وقال: ريح كرب وبلاء.

(والسهلة - بكسر أوله -: رمل خشن ليس بالدقاق الناعم). وفي رواية الملا وابن أحمد في زيادة المسند: " قالت: ثم ناولني كفا من تراب أحمر وقال:

إن هذا من تربة الأرض التي يقتل بها فمتى صار دما فاعلمي أنه قد قتل قالت أم سلمة: فوضعته في قارورة عندي وكنت أقول: إن يوما يتحول فيه دما ليوم عظيم ". وفي رواية عنها: " فأصبته يوم قتل الحسين وقد صار دما ".

وفي رواية أخرى: " ثم قال: (يعني جبريل): ألا أريك تربة مقتله؟ فجاء بحصيات فجعلهن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في قارورة قالت أم سلمة: فلما كانت ليلة قتل الحسين قائلا يقول:

أيها القاتلون جهلا حسينا * أبشروا بالعذاب والتذليل
قد لعنتم على لسان أبي داود * موسى وحامل الإنجيل

قالت: فبكيت وفتحت القارورة فإذا الحصيات قد جرت دما ".

- أخرج ابن سعد عن الشعبي قال: " مر علي عليه السلام بكربلاء عند مسيره إلى صفين وحازى نينوى (قرية على الفرات) فوقف وسأل عن اسم هذه الأرض فقيل: كربلاء فبكى حتى بل الأرض من دموعه ثم قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يبكي فقلت: ما يبكيك؟ قال: كان عندي جبريل آنفا وأخبرني أن ولدي الحسين يقتل بشاطئ الفرات بموضع يقال له " كربلاء " ثم قبض جبريل قبضة من تراب شمني إياه فلم أملك عيني أن فاضتا ".

ورواه أحمد مختصرا عن علي عليه السلام قال: " دخلت على النبي صلى الله عليه وآله وسلم... " الحديث. وروي الملا أن عليا عليه السلام مر بقبر الحسين (أي موضعه) فقال:

" ههنا مناخ ركابهم وههنا موضع رحالهم وههنا مهراق دمائهم فتية من آل محمد يقتلون بهذه العرصة تبكي عليهم السماء والأرض ".

وأخرج - أيضا - أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان له مشربة (أي غرفة) ورحبتها (أي مرقاتها) في حجرة عائشة يرقى إليها إذا أراد لقاء جبريل فرقى إليها وأمر

٥٦
عائشة أن لا يطلع عليها أحد فرقى الحسين ولم تعلم به فقال جبريل: من هذا؟ قال: ابني فأخذه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فجعله على فخذه فقال جبريل:

ستقتله أمتك. فقال صلى الله عليه وآله وسلم: ابني؟! قال: نعم وإن شئت أخبرتك الأرض التي يقتل فيها فأشار جبريل إلى الطف بالعراق فأخذ منها تربة حمراء فأراه إياها وقال: هذه من تربة مصرعه.

- أخرج الترمذي أن أم سلمة رأت النبي صلى الله عليه وآله وسلم (أي في المنام) باكيا وبرأسه ولحيته التراب فسألته فقال: قتل الحسين آنفا. وكذلك رآه ابن عباس نصف النهار أشعث أغبر بيده قارورة فيها دم يلتقطه فسأله فقال: دم الحسين وأصحابه لم أزل أتتبعه منذ اليوم فنظروا فوجدوه قد قتل في ذلك اليوم فاستشهد الحسين كما قال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم بكربلاء من أرض العراق بناحية الكوفة ويعرف الموضوع - أيضا - بالطف (١).

نقول: يتضح لنا - مما تقدم - مكانة تلك التربة الطاهرة ومدى اهتمام النبي صلى الله عليه وآله وسلم والملائكة والملأ الأعلى بها وما ذلك إلا تنويها بعلو شأنها وجلالة قدرها ولذا كان إخواننا الشيعة يستحبون السجود عليها في صلواتهم لما اختصت به من ميزات وفضائل معنوية.

وتجب الإشارة هنا إلى أن ذلك ليس من الفرض المحتم عندهم ولا من واجبات الشرع والدين ولا يلتزمون به في ما بينهم بل إنه من قبيل الاستحسان والاستحباب فحسب.

أما الأصل الواجب فهو السجود على أي شئ طاهر يصح السجود عليه وفقا للسنة المطهرة كما قدمنا آنفا وبالله التوفيق.

(١) يراجع - أيضا -: كنز العمال: ج ٧ ص ١٠٥ و ١٠٦.
٥٧

[ ٥ ]
الأذان

إن الأذان يعبر عن النداء المتكرر الذي يوجه إلى الأمة الإسلامية لجمع أفرادها من أجل أداء الصلوات المفروضة إذ هو وسيلة إعلام مستقلة للمؤمنين لإعلامهم بدخول وقت الصلاة تميزا عن غيره من أساليب الإعلام الأخرى التي تستخدمها الملل المختلفة وهو يتضمن بين مقاطعه أهم الأركان العقائدية والأصول الدينية مثل: التوحيد والشهادة بالرسالة والإقرار بالنبوة والتكبير والتهليل وصرخات إعلاء كلمة الله وإفراده بالخلق والتدبير التي تشرح صدور المؤمنين وتشمئز منها قلوب المنافقين.

قال تعالى: (وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا ذلك بأنهم قوم لا يعقلون) [ المائدة / ٥٨ ].

والأذان - من حيث المبدأ - قد اتفقت عليه الأمة الإسلامية قاطبة بيد أنه قد وقع تفاوت بسيط بين إخواننا الشيعة الإمامية وإخواننا أهل السنة حول نقطتين:

الأولى: كيفية بدء مشروعيته.

الثانية: بعض الألفاظ والمقاطع التي يتضمنها.

وبالرغم من كونه مجرد وسيلة إعلام بدخول الصلاة ولا يشكل خلافا جوهريا إلا أنه لا بأس من القاء بعض الضوء على هاتين النقطتين حتى تتضح الرؤية ويرتفع اللبس وسوء الفهم.

أما في ما يتعلق بالنقطة الأولى فقد ذكر في أصل مشروعية الأذان قضية حاصلها أن عبد الله بن زيد رأى ليلة - في ما يراه النائم - شخصا علمه الأذان

٥٨
والإقامة فلما انتبه قبل الفجر قص الرؤيا على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأمره أن يلقن بلالا ما حفظه في تلك الرؤيا وأمر بلالا أن ينادي به أول الفجر ففعلا ذلك وشرع الأذان بهذه الرؤيا.

أخرج مالك في (الموطأ) باب: بدء الأذان بسنده عن يحيى بن سعيد أنه قال: " كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد أراد أن يتخذ خشبتين يضرب بهما ليجتمع الناس للصلاة فأري عبد الله بن زيد الأنصاري خشبتين في النوم فقال: إن هاتين لنحو مما يريد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقيل له: ألا تؤذنون للصلاة؟ فأتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين استيقظ فذكر له ذلك فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالأذان " (١). وهذه القضية لا يقرها إخواننا الشيعة فهم يعتقدون أن الأذان من أمور الشرع التوقيفية التي أوحي بها إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من قبل ربه وأمر بتبليغها للناس ليعملوا بها وليس العكس. نعم هناك السنة التقريرية حيث إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقر عملا قام به واحد من الأمة كان يصوب عمل رجل يكدح من أجل عيشه أو يحسن عمل رجل قام بزرع نخلة وما إليه. ومع ذلك فإن هذه الأشياء لها أصل قد جاء به الشرع الحنيف. أما بالنسبة إلى الأذان فإنه ليس من مصاديق ذلك لأنه يتعلق بالوحي والتشريع لا سيما عند اعتباره من الأمور العبادية المحضة المنوطة بالشارع المقدس وحده.

أما في ما يتعلق بالنقطة الثانية وهي مسألة ألفاظ الأذان ومقاطعه فعند إخواننا أهل السنة ألفاظ الأذان كالآتي:

الله أكبر      الله أكبر مرتين
أشهد أن لا إله إلا الله مرتين
أشهد أن محمد رسول الله مرتين

(١) ذكر قضية الأذان بالتفصيل كل من أبي داود والترمذي وأحمد في مسنده والحاكم في مستدركه وابن حبان وابن خزيمة في صحيحيهما. فراجع: نيل الأوطار للشوكاني: ج ٢ ص ٤٠ وأوردها الحلبي في باب: بدء مشروعية الأذان من سيرته وكل من ذكر عبد الله بن زيد من أصحاب التراجم أشار إلى هذه القضية وربما سموه صاحب الأذان.
٥٩
حي على الصلاةمرتين
حي على الفلاحمرتين
الله أكبر      الله أكبرمرة
لا إله إلا اللهمرة
وفي أذان الصبح يضاف مقطع " الصلاة خير من النوم " مرتين بعد مقطع " حي على الفلاح " وهو ما يعرف بالتثويب.

فقد أخرج الدارقطني في (سننه) بسنده عن نافع عن ابن عمر عن عمر أنه قال لمؤذنه: " إذا بلغت " حي على الفلاح " في الفجر فقل: الصلاة خير من النوم الصلاة خير من النوم " (١). وفي لفظ مالك: أنه بلغه أن المؤذن جاء إلى عمر بن الخطاب يؤذنه لصلاة الصبح فوجده نائما فقال: " الصلاة خير من النوم " فأمره عمر أن يجعلها في نداء الصبح " (٢).

قال الدهلوي في شرح (الموطأ): " وعليه أكثر أهل العلم ".

أما عند إخواننا الشيعة فإن ألفاظ الأذان كما يأتي:

الله أكبر      الله أكبرمرتين
أشهد أن لا إله إلا اللهمرتين
أشهد أن محمد رسول اللهمرتين
حي على الصلاةمرتين
حي على الفلاح مرتين
حي على خير العملمرتين
الله أكبر      الله أكبرمرة
لا إله إلا اللهمرتين

(١) سنن الدارقطني: ج ١ ص ٢٤٣.

(٢) الموطأ ص ٧٨.

٦٠