×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

فقهيات بين السنة والشيعة / الصفحات: ٦١ - ٨٠

هذه هي ألفاظ الأذان الشرعية الواجبة عندهم. ويستحب الإتيان بقول:

" أشهد أن عليا ولي الله " على سبيل التبرك والاستحسان الزائد لا بوصفه جزءا من ألفاظ الأذان ومقاطعه.

وهنا يطرأ سؤالان:

الأول: هل هناك دليل على هذا المقطع " حي على خير العمل "؟

الثاني: هل هناك مسوغ لاستحباب قول: " أشهد أن عليا ولي الله "؟

أما بالنسبة للسؤال الأول فقد أجابوا بأن الروايات الصحيحة المتضافرة عن أئمة أهل البيت عليهم السلام تؤكد أن مقطع " حي على خير العمل " هو جزء من ألفاظ الأذان الشرعية وقد تظاهرت الأحاديث المتواترة من طرقنا بذلك.

كما أن هناك بعض الإشارات في كتب أهل السنة تدل على أن هذا المقطع كان موجودا في الأذان ولكنه قد أسقط اجتهادا وتأولا حيث كان القائمون بالأمر يرغبون في إعلام العامة بأن خير العمل إنما هو الجهاد في سبيل الله ليشتاقوا إليه وتعكف هممهم عليه والنداء على الصلاة بخير العمل في كل يوم خمس مرات ربما ينافي ذلك.

بل ربما رأوا أن في بقاء هذه الكلمة في الأذان تثبيطا للعامة عن الجهاد إذ لو عرفوا أن الصلاة خير العمل مع ما فيها من السلامة وعدم المخاطرة لاقتصروا في ابتغاء الثواب عليها وأعرضوا عن خطر الجهاد المفضول بالنسبة إليها وكانت همة القائم بالأمر - يومئذ - عمر بن الخطاب (ره) متجهة إلى تبليغ رسالة الإسلام ودعوة بقية الدول والشعوب إليه.

ولا شك أن ذلك لا يكون إلا بتشويق الجنود إلى خوض الغمار في سبيل الدعوة بحيث يقبلون على الجهاد معتقدين بأنه خير العمل يوم المعاد ولذا قد ترجحه في نظره إسقاط هذه الكلمة تحقيقا للمصلحة المطلوبة كما أن

٦١
ذلك لن يخل بالأذان في أداء دوره بوصفه وسيلة إعلام بالصلاة فحسب فقال وهو على المنبر كما نص عليه الإمام القوشجي في أواخر مبحث الإمامة من (شرح التجريد) وهو من أئمة المتكلمين على مذهب الأشاعرة: " ثلاث كن على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنا أنهى عنهن وأحرمهن وأعاقب عليهن وهي:

متعة النساء ومتعة الحج وحي على خير العمل ". ثم عرض القوشجي مسوغات هذا الاجتهاد مع اعترافه به.

وتبعه في إسقاطها عامة من تأخر من المسلمين في ما عدا أهل البيت عليهم السلام وأتباعهم فإن " حي على خير العمل " من مقاطعهم في الأذان كما هو بديهي في مذهبهم حتى أن شهيد فخ الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن بن أمير المؤمنين عليهم السلام لما ظهر بالمدينة أيام الطاغية الهادي من ملوك العباسيين أمر المؤذن أن ينادي بها ففعل وقد نص على ذلك أبو الفرج الأصفهاني في كتابه " مقاتل الطالبيين " (١).

وذكر الحلبي في باب: بدء الأذان ومشروعيته: أن عبد الله بن عمر والإمام علي بن الحسين كانا يقولان في الأذان بعد " حي على الفلاح ": " حي على خير العمل " (٢).

وربما يقول قائل: هل يجوز الاجتهاد في إسقاط المقطع من الأذان؟

والجواب: أن ذلك الاجتهاد كان يهدف إلى تحقيق مصلحة معينة دون الإخلال بطبيعة دور الأذان بوصفه وسيلة إعلام بالصلاة كما أن الذي سوغ الزيادة فيه هو الذي سوغ الإسقاط منه فها قد رأيت أنه قد زاد " الصلاة خير من النوم " في صلاة الصبح وهذه الكلمة لا عين لها ولا أثر في ما هو مأثور عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من كيفية الأذان فراجع كتاب الأذان من (صحيح البخاري) وباب: صفة الأذان في أول كتاب الصلاة من (صحيح مسلم).

(١) راجع ما ذكره عن صاحب فخ ص ٤٤٦.

(٢) السيرة الحلبية: ج ٢ ص ٣٠٥ ونيل الأوطار: ج ٢ ص ٤٣ و ٤٤.

٦٢
وفي تعليقه على الخبر الذي أخرجه مالك في (الموطأ) أنه بلغه أن المؤذن جاء إلى عمر بن الخطاب يؤذنه لصلاة الصبح فوجده نائما فقال:

" الصلاة خير من النوم " فأمره عمر أن يجعلها في نداء الصبح قال الإمام الدهلوي " وعليه أكثر أهل العلم ".

وبالرغم من ورد بعض الأخبار المرفوعة عن أبي محذورة والتي تفيد أن تلك الزيادة من النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا أن الروايات الثابتة عن أبي محذورة في ألفاظ الأذان لا تتضمن هذه الزيادة ولعله اشتباه من الرواة فنسبوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم على حين أن النسبة الصحيحة كانت إلى عمر (ره).

ولذلك قال الشافعي في (الأم): " والأذان والإقامة كما حكيت عن آل أبي محذورة فمن نقص منها شيئا أو قدم مؤخرا أعاد حتى يأتي بما نقص وكل شئ منه في موضعه والمؤذن الأول والآخر سواء في الأذان ولا أحب التثويب في الصبح ولا غيرها لأن أبا محذورة لم يحك عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه أمر بالتثويب فأكره الزيادة في الأذان وأكره التثويب بعده " (١).

وعلى أية حال فإن إيراد " حي على خير العمل " كفصل من فصول الأذان لا غضاضة فيه البتة بل هو أمر مرغوب فيه أوليست الصلاة هي عمود الدين وهي أول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة فإذا صلحت صلح سائر عمله وإذا فسدت فسد سائر عمله؟

وهي الركن الإسلامي والعبادة الوحيدة التي لم يرخص الشرع في تركها؟

كل ذلك يجعلها تتبوأ موقعا فريدا ومكانة متميزة في الإسلام تجعلها جديرة بأن تكون خير العمل وأحبه إلى الله تعالى.

أما في ما يتعلق بالسؤال الثاني حول وجود مسوغ لاستحباب قول:

" أشهد أن عليا ولي الله " أجابوا: أن مكانة أهل البيت عليهم السلام الذين أذهب

(١) الأم للشافعي: ج ١ ص ٧٣.
٦٣
الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا مكانة عظيمة راقية وأن مودتهم وموالاتهم واجبة على سائر الأمة إذ يقول تعالى:

(قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى) [ الشورى / ٢٣ ] والقربى هم أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذين نشأوا في كنفه ورعايته.

وفي ما يخص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام فإنه يحظى بمنرلة فريدة مرموقة ويتبوأ مكانة عظيمة متميزة فهو سيد العترة المحمدية وأبو الأئمة الأطهار عليهم السلام وأن ولايته مفروضة على جميع المؤمنين كما جاء بذلك الكتاب المجيد والسنة المطهرة ففيه نزل قول الحق تبارك وتعالى في " سورة المائدة ": (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون * ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون) [ المائدة / ٥٥ و ٥٦ ] (١).

فقد أخرج الإمام الثعلبي في (تفسيره الكبير) عند بلوغه هاتين الآيتين بالإسناد إلى أبي ذر الغفاري قال: " سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بهاتين وإلا صمتا ورأيته بهاتين وإلا عميتا يقول: علي قائد البررة وقاتل الكفرة منصور من نصره مخذول من خذله أما إني صليت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذات يوم فسأل سائل في المسجد فلم يعطه أحد شيئا وكان علي راكعا فأومأ بخنصره إليه وكان يتختم بها فأقبل السائل حتى أخذ الخاتم من خنصره فتضرع النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الله - عز وجل - يدعوه فقال: اللهم إن أخي موسى سالك (قال رب اشرح لي صدري * ويسر لي أمري * واحلل عقدة من

(١) أخرج السيوطي في الدر المنثور: ج ٢ ص ٢٩٣ ثلاث عشرة رواية نزلت في الإمام علي إذ تصدق بخاتمه وهو راكع. وكذلك في لباب النقول ص ٩٠ ونقله عن الطبراني وابن مردويه وابن جرير وابن أبي حاتم وغيرهم وأخرج الطبري ست روايات نزلت فيه وأقر بنزولها فيه أيضا الرازي والزمخشري والبيضاوي وغيرهم من المفسرين وأخرج ذلك أيضا النسائي في صحيحه وصاحب الجمع بين الصحاح الستة من حديث ابن سلام مرفوعا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومثله حديث ابن عباس في تفسير هذه الآية من كتاب: أسباب النزول للواحدي ص ١٤٨.
٦٤
لساني * يفقهوا قولي * واجعل لي وزيرا من أهلي * هارون أخي * اشدد به أزري * وأشركه في أمري * كي نسبحك كثيرا * ونذكرك كثيرا * إنك كنت بنا بصيرا) [ طه / ٢٥ - ٣٥ ] فأوحيت إليه: (قد أوتيت سؤلك يا موسى) [ طه / ٣٦ ]. اللهم وإني عبدك ونبيك فاشرح لي صدري ويسر لي أمري واجعل لي وزيرا من أهلي عليا أخي اشدد به ظهري.

قال أبو ذر: فوالله ما استتم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الكلمة حتى هبط عليه الأمين جبريل بهاتين الآيتين: (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون * ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون) ".

فتأمل قوله تعالى: (إنما وليكم) الذي تصدر بأقوى أدوات القصر " إنما " بحيث يفيد حصر الولاية وقصرها إذ أن المقصود بالولاية هنا هو الولاية عن النفس والأولوية في التصرف على غرار قوله تعالى: (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم) [ الأحزاب / ٦ ] وليست الولاية هنا بمعنى النصرة أو المحبة كما زعم بعضهم وإلا فلا يصبح ثمة وجه للحصر كما لا يخفى.

وكان الله - عز وجل - يريد أن يبين للمؤمنين: إنما وليكم الأولى بكم من أنفسكم هو الله ورسوله وعلي فكما أن ولاية الله عامة فكذلك ولاية رسوله صلى الله عليه وآله وسلم وولاية الإمام علي عليه السلام على ذات الأسلوب وبلا فرق.

وهذه الآية الكريمة تثبت أن ولاية الإمام علي عليه السلام مفروضة على جميع المؤمنين مثل ولاية رسول رب العالمين صلى الله عليه وآله وسلم بنص الكتاب المحكم المبين.

ثم جاءت السنة المطهرة لتعضد ما جاء في الكتاب المجيد وتضفي عليه مزيدا من التأكيد فقد أخرج أبو داود الطيالسي - كما في أحوال علي من القسم الثالث من (الإستيعاب) لابن عبد البر - بالإسناد إلى ابن عباس قال:

" قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعلي بن أبي طالب: أنت ولي كل مؤمن بعدي " (١).

(١) أخرجه أبو داود الطيالسي وغيره من أصحاب السنن عن أبي عوانة الوضاح بن عبد الله اليشكري =
٦٥
ومثله ما صح عن عمران بن حصين إذ قال: " بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سرية واستعمل عليهم علي بن أبي طالب فاصطفى لنفسه من الخمس جارية فأنكروا ذلك عليه وتعاقد أربعة عنهم على شكايته إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلما قدموا قام أحد الأربعة فقال: يا رسول الله ألم تر أن عليا صنع كذا وكذا؟

فأعرض عنه فقام الثاني فقال مثل ذلك فأعرض عنه وقام الثالث فقال مثل ما قال صاحباه فأعرض عنه وقام الرابع فقال مثل ما قالوا فأقبل عليهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والغضب يبصر في وجهه فقال: ما تريدون من علي؟! إن عليا مني وأنا منه وهو ولي كل مؤمن بعدي " (١).

وكذلك ما جاء عن ابن عباس عن بريدة قال: " غزوت مع العلي اليمن فرأيت منه جفوة فلما قدمت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فذكرت عليا فتنقصته فرأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتغير فقال: يا بريدة ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ فقلت: بلى يا رسول الله. قال: من كنت مولا هذا علي مولاه " (٢).

ومثله ما أخرجه ابن السكن عن وهب بن حمزة - كما في ترجمة وهب من (الإصابة) - قال: " سافرت مع علي فرأيت منه جفاء فقلت: لئن رجعت لأشكونه فرجعت فذكرت عليا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقلت عنه فقال: لا

= عن أبي بلج يحيى بن أبي سليم الفزاري عن عمرو بن ميمون الأودي عن ابن عباس مرفوعا ورجال هذا السند كلهم حجج وقد احتج بكل منهم الشيخان في صحيحيهما إلا يحيى بن أبي سليم لم يخرجا له لكن أئمة الجرح والتعديل صرحوا بوثاقته وقد نقل الذهبي - حيث ترجمه من الميزان - توثيقه عن يحيى بن معين والدار قطني ومحمد بن سعيد وأبي حاتم وغيرهم وكذلك نقل وثاقته ابن أبي حاتم في كتابه الجرح والتعديل احتج به أصحاب السنن الأربعة.

(١) أخرجه غير واحد من أصحاب السنن كالإمام النسائي في خصائصه العلوية وأحمد بن حنبل في مسنده من حديث عمران: ج ٤ ص ٤٣٨ والحاكم في مستدركه: ج ٣ ص ١١١ مسلما بصحته على شرط مسلم وأقره الذهبي في التلخيص وأخرجه بن أبي شيبة وابن جرير وصححه في ما نقله عنهما المتقي الهندي في كنز العمال: ج ٦ ص ٤٠٠.

(٢) أخرجه أحمد: ج ٥ ص ٣٤٧ من مسنده والحاكم: ج ٣ ص ١١٠ من المستدرك وغير واحد من المحدثين.

٦٦
تقولن هذا لعلي فإنه وليكم بعدي ". وأخرجه الطبراني في (الكبير) عن وهب غير أنه قال: " لا تقل هذا لعلي فإنه أولى الناس بكم بعدي " (١).

وأخرج الطبراني وغيره بسند مجمع على صحته عن زيد بن أرقم قال:

" خطب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بغدير خم تحت شجرات فقال: أيها الناس يوشك أن أدعى فأجيب وأني مسؤول وأنكم مسؤولون فماذا أنتم قائلون؟ قالوا:

نشهد أنك قد بلغت وجاهدت ونصحت فجزاك الله خيرا فقال: أليس تشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وأن جنته حق وأن ناره حق وأن الموت حق وأن البعث بعد الموت حق وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور؟ قالوا: بلى نشهد بذلك.

قال: اللهم اشهد ثم قال: يا أيها الناس إن الله مولاي وأنا مولى المؤمنين وأنا أولى بهم من أنفسهم فمن كنت مولاه فهذا مولاه [ يعني عليا ] اللهم وال من والاه وعاد من عاداه.

ثم قال: يا أيها الناس إني فرطكم وإنكم واردون على الحوض حوض أعرض مما بين بصرى إلى صنعاء فيه عدد النجوم قدحان من فضة وإني سائلكم حين تردون علي عن الثقلين كيف تخلفوني فيهما كتاب الله عز وجل سبب طرفه بيد الله تعالى وطرفه بأيديكم فاستمسكوا به لا تضلوا ولا تبدلوا وعترتي أهل بيتي فإنه قد نباتي اللطيف الخبير أنهما لن ينقضيا حتى يردا على الحوض " (٢).

وعن البراء بن عازب قال: " كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فنزلنا بغدير خم فنودي فينا: الصلاة جامعة وكسح لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تحت شجرتين فصلى

(١) نقله المتقي عن ابن أبي عاصم: ج ٦ ص ٣٩٧ من الكنز.

(٢) هذا لفظ الحديث عن الطبراني وابن جرير والحكيم الترمذي عن زيد بن أرقم وقد نقله ابن حجر عن الطبراني وغيره بهذا اللفظ وأرسل صحته إرسال المسلمات عند ذكره الشبهة الحادية عشرة ص ٤٣ من الصواعق.

٦٧
الظهر وأخذ بيد علي فقال: ألستم تعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟

قالوا: بلي. قال: ألستم تعلمون أني أولى بكل مؤمن من نفسه؟ قالوا: بلى.

قال: فأخذ بيد علي فقال: من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه قال: فلفيه عمر بعد ذلك فقال له: هنيئا لك يا ابن أبي طالب أصبحت وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة " (١).

هذا الحديث يعرف بحديث الغدير وقد قال ابن كثير - كما في مقدمة (تاريخ الطبري) ط ١ دار المعارف -: رأيت للإمام الطبري كتابا جمع فيه أحاديث غدير خم في مجلدين. وقال فيه ابن حجر الهيثمي: إنه حديث صحيح لا مرية فيه وقد أخرجه جماعة كالترمذي وأحمد وطرقة كثيرة جدا ومن ثم رواه ستة عشر صحابيا وفي رواية لأحمد أنه سمعه من النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثلاثون صحابيا. فراجع ما ذكره في الشبهة الحادية عشرة من (صواعقه ص ٤٢).

وهذا الحديث قد قاله النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند عودته من حجة الوداع فنزل بغدير يقال له " خم " بين مكة ومدينة فجمع الناس ثم قام فيهم خطيبا فقال:

" ألستم تشهدون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا: بلى. فأخذ بيد علي وقال: من كنت مولاه فهذا علي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله ".

فاقبل على هذا الحديث بقلبك وتدبره بلبك وتأمل مقاصده وانظر أي منزلة عظيمة وأي مكانة مرموقة قد حباها الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم لسيد العترة الطاهرة وأبي الأئمة الميامين أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ألا وهي الولاية العامة على جميع المؤمنين.

(١) هذا الحديث يعرف بحديث الغدير وقد أخرجه بألفاظ متقاربة كثير من الحفاظ والمحدثين فقد أخرجه أحمد عن البراء بن عازب في المستدرك عن زيد بن أرقم من طريقين وصححهما على شرط الشيخين: ج ٣ ص ١٠٩ وأقره الذهبي في التلخيص وأخرجه النسائي في خصائصه العلوية من حديث سعد ص ٢٥ ومن حديث عائشة بنت سعد ص ٤ ومن حديث زيد بن أرقم ص ٢١.
٦٨
وفي يوم الغدير - هذا - نزل قوله تعالى في " سورة المائدة " الآية ٦٧: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس...) (١).

وفي هذه الآية المباركة قد جاء الأمر الأكيد في ما يشبه الوعيد من رب العرش المجيد إلى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم بتبليغ ولاية الإمام علي عليه السلام إلى الناس كافة.

وإلا فإن " سورة المائدة " كانت آخر سورة نزلت من القرآن والشرائع والأحكام قد اكتملت والحلال بين والحرام بين فما هو هذا الأمر العظيم الذي شدد الله على رسوله صلى الله عليه وآله وسلم في تبليغه للناس بحيث إن التقاعس عن تبليغه أو التهاون في أدائه يعدل عدم تبليغ الرسالة كلها؟!

إن هذا الأمر الخطير الذي أنزل من عند الله - سبحانه - هو ولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام المفروضة على كل مؤمن ومؤمنة والتي صدع بها الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم يوم غدير خم على رؤوس الأشهاد يشيد بها ويعلنها حقيقة واقعة بين تلك الجموع الحاشدة والأعداد البشرية الكبيرة عند عودته من حجة الوداع وأكد على أهميتها وضرورة الالتزام بها.

وقد قال حسان بن ثابت في هذا اليوم المهيب:

يناديهم يوم الغدير نبيهم * بخم واسمع بالرسول مناديا
وقال: فمن مولاكم ووليكم؟ * فقالوا ولم يبدوا هناك التعاميا:
إلهك مولانا وأنت ولينا * ولن تجدن منا لك اليوم عاصيا

(١) نص على ذلك الإمام الواحدي في أسباب النزول من طريقين معتبرين عن عطية عن أبي سعيد الخدري قال: نزلت هذه الآية (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك) يوم غدير خم في علي بن أبي طالب وأخرجه الحافظ أبو نعيم في تفسيرها من كتابه نزول القرآن بسندين أحدهما عن أبي رافع والآخر عن أبي سعيد ورواه الحمويني الشافعي في كتابه فرائد السمطين بطرق متعددة وأخرجه الإمام الثعلبي في معنى الآية من تفسيره بسندين معتبرين وكذلك أخرجه السيوطي في الدر المنثور عند بلوغه الآية من تفسيره.
٦٩
فقال لهم: قم يا علي فإنني * رضيتك من بعدي إماما وهاديا
فمن كنت مولاه فهذا وليه * فكونوا له أنصار صدق مواليا
هناك دعا: اللهم وال وليه * وكن للذي عادى عليا معاديا

فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " لا تزال - يا حسان - مؤيدا بروح القدس ما نصرتنا بلسانك ".

هذه الولاية العامة التي افترضها الله في كتابه والتي صدع بها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأعلنها على رؤوس الملأ في ذلك اليوم المشهود هي التي دفعتنا على استحباب الإشادة بها وإعلانها كل يوم مع الأذان مثلما أعلنها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على مسامع الأمة وقد شدد الله عليه في تبليغها بحيث إن عدم القيام بذلك يعادل عدم تبليغ الرسالة بأجمعها ولهذا فإن إعلان تلك الولاية في الأذان ما هو إلا بمثابة تبليغ لها وإعلام بها وتأكيد على عظيم شأنها حتى تكون الأمة على دراية بها كما أنزلها الله في كتابه وأمر بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

وعلى أية حال فإن الشهادة بالولاية - كما أومأنا من قبل - ليست من فصول الأذان الجزئية ولكن يؤتى بها على سبيل الاستحباب والاستحسان لما تقدم وأما من لم يأت بها فلا شئ عليه البتة وأذانه صحيح مائة بالمائة.

هذا وبالله التوفيق.

٧٠
٧١

[ ٦ ]
زواج المتعة

الزواج أمر هام ندب إليه الشرع المقدس وحث على المبادرة إليه عند القدرة عليه لأنه يحفظ أخلاق الفرد والجماعة ويصون الأعراض من الانتهاك والشبهة ويمنع الوقوع في الفتن والرذائل ويحول دون ارتكاب الشذوذ والفحشاء وما إليها من المنكرات وبذلك يحتفظ المجتمع بنقاء فطرته وسلامة طبائعه ويصبح مجتمعا فاضلا متحليا بمكارم الأخلاق وهذا بدوره سوف ينعكس على نظامه وآدابه ومدى تماسكه.

قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج " (١). (الباءة: القدرة على الزواج).

وأن الإنسان الذي يقبل على الزواج يرمي إلى تحقيق غرضين:

الأول: الحافظ على عفته وسلامة عرضه وعصم نفسه عن مقارفة الإثم والفحشاء وإشباع غريزته الفطرية التي استودعه الله إياها من خلال القناة الشرعية التي حددها له خالقه وهذا الغرض يعرف (بالغرض الغريزي).

الثاني: تحقيق الاستقرار العائلي وتكوين الأسرة وإنجاب الأولاد نظرا لتعلق الإنسان فطريا بالجو العائلي ورغبته الحثيثة في إيجاد الأولاد إذ أنهم يسدون فراغا نفسيا في حياته ويحملون اسمه ومبادئه من بعده ويصونون ثروته ويكثرون قلته وما إلى ذلك مما ينشده المرء من وراء إنجاب الأولاد وهذا الغرض يعرف (بالغرض العائلي).

(١) رواه البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن مسعود.
٧٢
وهذا الغرض الأخير (العائلي) يحتاج إلى قدرة صحية ومالية معينة فقد يكون الشخص عقيما أو لا قدرة له على الإنجاب وقد لا يتوفر عنده القدر الكافي من المال اللازم لمواجهة نفقات الأسرة وسد احتياجاتها وهذا العجز في الإمكانات ربما يحول دون تحقيق هذا الغرض لأنه مرتبط بها ويمكن للفرد أن يتنازل عنه بسهولة إلى حين أن يتيسر له تحقيقه.

أما بالنسبة للغرض الأول فإنه يتعلق بإشباع الغريزة الفطرية التي تصاحب المرء وتلازمه كأحد مكوناته الأساسية ما دام على قيد الحياة وهذا (الجانب الغريزي) لا يتوقف على القدرة الصحية والمالية التي يتطلبها (الجانب العائلي) كما أنه لا يمكن إرجاؤه أو التغاضي عنه أو إهماله لأنه يلازم الإنسان ويشكل مطلبا ضروريا نابعا من طبيعة تكوينه مثل: الأكل والشرب والنوم وسائر الغرائز الفطرية التي تحكم سلوكه اللاإرادي. ولذلك إذ أمكن إرجاء (الجانب العائلي) إلى حين توفر القدرة والإمكانات لتحقيقه إلا أن ذلك لا يتيسر بسهولة بالنسبة (للجانب الغريزي) لأنه يجري من المرء مجرى الدم إذا ما هو العلاج الذي يمكن وصفه في هذه الحالة؟

هناك عدة أساليب مقترحة:

أولا: أن يتسامى الفرد بهذا (الجانب الغريزي) وينبذه وراء ظهره ويحصر اهتمامه في الروحانيات بحيث يفقد قابلية الاستجابة لعوامل إثارة الشهوة ودواعيها وبالتالي يضل هادئا وادعا لا يرد على ذهنه أمر إشباع تلك الغريزة غير أن هذا الأسلوب لا يتوفر لكل إنسان فإذا استطاع شخص ما أن يتسامى بغرائزه ويرقى بمشاعره فهناك غيره ممن لا يستطيع ذلك بل إن هذا المستطيع قد لا تتسع قدرته على الدوام وفي جميع الظروف والأحوال لأن الشهوة أمر غريزي فطري والمرء مجبول عليه وأن تكليفه بذلك يعد تكليفا فوق طاقته قال تعالى: (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) [ البقرة / ٢٨٦ ].

٧٣
ثانيا: أن يكبت المرء غرائزه ويحبسها بداخله ويميت شهوته ويقهر مشاعره الغريزية ولا يسمح لها بالظهور مطلقا وهذا - أيضا - لا يمكن تحقيقه بصورة كاملة لأنه من قبيل تعطيل المشاعر الفطرية وهذا مستحيل.

كما أنه قد يؤدي إلى الإصابة بالأمراض النفسية والعصبية. كذلك فإن محاولة فرض حالة من الانضباط على غرائز الإنسان غير ممكنة لجميع البشر ومن المحتمل أن يأتي وقت ما على الإنسان يفلت منه الزمام ويقوده ذلك إلى الشذوذ وارتكاب الفحشاء وهذا لا يرضى به الشرع أبدا.

ثالثا: تصيير صورة معينة للزواج تختص بإشباع (الجانب الغريزي) بصورة طبيعية فطرية بحيث لا تتوقف على الإمكانات والقدرات الكبيرة نسبيا التي يتطلبها (الجانب العائلي) وهذه الصورة المنشودة من واقع الفطرة ترمي إلى إشباع شهوة الإنسان وسد حاجته الغريزية على نحو طبيعي وفي إطار مشروع بحيث يحول ذلك دون كبت مشاعره ووقوعه في دائرة الشذوذ والانحراف.

ولذلك قد شعر الله سبحانه - العالم بعباده - هذه الصورة رفقا بخلقه ورحمة بعباده وانسجاما مع غرائزهم التي استودعهم إياها وإشباعا لنوازعهم الفطرية وصيانة لأعراضهم من الدنس والرذيلة وحفظا لحالة التوازن الشعوري داخل أنفسهم.

تلك الصورة من الزواج هي ما أطلق عليها الشرع المقدس " زواج المتعة " أو بتعبير آخر " الزواج المؤقت " وهذه الصورة تعد زواجا طبيعيا مشروطا بمدة معينة بحيث تؤدي إلى سد الحاجة الغريزية وإشباع الشهوة الفطرية عند عدم توفر الإمكانات التي يتوقف عليها الزواج الدائم ذو الطابع العائلي كما أن الزواج المؤقت قد عمل على حل كثير من مشكلات العقم والترمل والعزوبة والغربة والسفر وما إلى ذلك من الظروف والأحوال التي قد تحول دون إتمام الزواج الدائم وتهيئة المناخ المناسب له وتحقيق الأغراض المتوخاة منه.

٧٤
كتاب فقهيات بين السنة والشيعة لـ عاطف سلام (ص ٧٥ - ص ٩٩)
٧٥
عنها زوجها في كلا النوعين من الزواج هي أبعد الأجلين وهما: وضع الحمل أو مضي المدة وهي أربعة أشهر وعشر بعد علمها بموت الزوج.

والوالد الناشئ عن زواج المتعة ذكرا كان أو أنثى يلحق بأبيه ولا يدعى إلا له كغيره من الأبناء والبنات وله الحق في الميراث كما أوصى الله سبحانه بقوله: (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين...) [ النساء / ١١ ].

ولا فرق بين الأولاد الناشئين عن زواج المتعة والآخرين الناشئين عن الزواج الدائم من حيث الحقوق والواجبات وجميع العمومات الشرعية الواردة في الأبناء والآباء والأمهات شاملة لجميع أبناء المتعة وآبائهم وأمهاتهم وكذلك القول في العمومات الواردة من الإخوة والأخوات وأبنائهم والأعمام والعمات والأخوال والخالات وأبنائهم (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله) [ الأنفال / ٧٥ ] مطلقا.

نعم زواج المتعة بمجرده لا يوجب توارثا بين الزوجين ولا ليلة ولا نفقة للمتمتع بها وليس لها سوى المهر المتفق عليه فحسب وللزوج أن يعزل عنها بدون إذنها عملا بأدلة خاصة تخصص العمومات الواردة في هذه الأمور من أحكام الزوجات.

هذه هي طبيعة نكاح المتعة وحقيقته وهناك تفصيلات أخرى أعرضنا عن ذكرها يمكن الرجوع إليها في مظانها من كتب الفقه الإمامي.

إجماع الأمة على مشروعيته

أجمعت الأمة الإسلامية بمختلف مذاهبها على أن هذا النكاح قد شرعه الله تعالى في دين الإسلام واعتبرته من الضرورات الثابتة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

ومن استقرا الفقه الإسلامي وجد أن الفقهاء قد أجمعوا على أصل مشروعيته لكنهم اختلفوا في ما بينهم حول استمرارية بقاء هذا الزواج مشروعا فهل بقي كذلك كما هو عليه أو طرا عليه ناسخ أبطل مشروعيته؟

هذا ما سوف نبحثه إن شاء الله.

٧٦

مشروعية زواج المتعة في القرآن

حسبنا حجة في مشروعية زواج المتعة قول الله تعالى في " سورة النساء " الآية ٢٤: (فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة ولا جناح عليكم في ما تراضيتم به من بعد الفريضة...).

فقد أجمع أئمة أهل البيت عليهم السلام على نزولها في نكاح المتعة وكان أبي ابن كعب وابن عباس وسعيد بن جبير والسدي يقرؤونها " فما استمعتم به منهن إلى أجل مسمى فآتوهن أجورهن فريضة... " (١).

وقال مجاهد في هذه الآية: (فما استمتعتم به منهن): يعني نكاح المتعة (٢).

ويشهد لذلك أن الله - سبحانه - قد بين في أوائل هذه السورة حكم النكاح الدائم بقوله تعالى: (فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع...) إلى أن قال: (وآتوا النساء صدقاتهن نحلة) [ النساء / ٣ و ٤ ]. وأن من تدبر القرآن الكريم وجد أن " سورة النساء " قد اشتملت على بيان أنواع الزواج المختلفة في الإسلام فالزواج الدائم وملك اليمين تبينا بقوله تعالى:

(فأنكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم).

ونكاح الإماء مبين بقوله تعالى: (ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات والله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض فانكحوهن وآتوهن أجورهن

(١) أخرج ذلك عنهم الإمام الطبري بعدة أسانيد في تفسيره: ج ٧ ص ١٧٦ وابن كثير في تفسيره:

ج ١ ص ٤٧٤ والزمخشري في الكشاف والرازي في تفسير الآية أنه روي عن أبي بن كعب أنه كان يقرأ " فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فآتوهن أجورهن فريضة.. " قال: وهذا أيضا هو قراءة ابن عباس والأمة ما أنكروا عليهما هذه القراءة فكان ذلك إجماعا من الأمة على صحة هذه القراءة: ج ١٠ ص ٥١ من تفسيره الكبير.

(٢) أخرجه الطبري في تفسيره ج ٧ ص ١٧٦.

٧٧
بالمعروف...) [ النساء / ٢٥ ] وزواج المتعة مبين بالآية المختصة به (.. فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة...).

مشروعية زواج المتعة في السنة

أخرج البخاري ومسلم في (صحيحيهما) عن عبد الله بن مسعود قال:

" كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وليس لنا نساء فقلنا: ألا نستخصي؟ فنهانا عن ذلك ثم رخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل ثم قرأ علينا: (يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين) [ المائدة / ٨٧ ] (١).

ولا يقعن في روعك أن نكاح المتعة لم يكن مباحا وأن ظروفا خاصة هي التي أوجدته بدليل أنهم استأذنوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الاستخصاء فنهاهم عنه ورخص لهم في المتعة كما ذهب إليه بعضهم. والحاصل أنه كان مباحا شرعا لكنه يبدوا من ظاهر الحديث أنهم كانوا يتورعون عنه ويتنزهون عن فعله فأكد لهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه حلال شرعا لا شائبة فيه وأن تنزههم هذا في غير موضعه وليس من الدين في الشئ بدليل تلاوته الآية المباركة عليهم:

(يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين).

وما أشبه فعلهم بما قالته عائشة: " صنع النبي صلى الله عليه وآله وسلم شيئا ترخص فيه وتنزه عنه قوم فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم فحمد الله ثم قال: ما بال أقوام يتنزهون عن الشئ أصنعه؟! فوالله إني أعلمهم بالله وأشدهم له خشية " (٢).

إن تلاوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لهذه الآية المباركة عن تأكيده على إباحة نكاح المتعة تفيد عدة أمور:

(١) أخرجه البخاري في باب: ما يكره من التبتل والخصاء: ج ٧ ص ٥ ومسلم في باب: نكاح المتعة: ج ٩ ص ١٨٢.

(٢) أخرجه البخاري: ج ٩ ص ١٢٠.

٧٨
أولا: إنها تثبت أن نكاح المتعة من الطيبات التي جعلها الله حلالا لعباده المؤمنين وأمرهم بها وحثهم عليها كما جاء في قوله تعالى في صفة النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث...) [ الأعراف / ١٥٧ ].

ثانيا: إن التنزه عن فعله والابتعاد عنه يعد من قبيل الترفع عن شئ شرعه الله تعالى وجعله حلالا لعباده المؤمنين وكان صاحبه أعلم بقواعد المصلحة وأصول التشريع من الله عز وجل!!

ثالثا: إن ادعاء تحريمه يعد اعتداء على سلطان الله جل وعلا لأنه بمثابة تحريم ما أحله الله من المباحات لعباده المؤمنين كما أنه يقتضي إخراج نكاح المتعة من دائرة الطيبات وإدخاله في دائرة الخبائث مصداقا لقوله تعالى:

(... ويحل لهم الطيبات ويحرم عنهم الخبائث) وهذا يناقض بصورة واضحة ما جاء في الحديث الشريف الذي أثبت أن نكاح المتعة من الطيبات التي شرعها الله فكيف يكون التحريم؟!

- أخرج البخاري ومسلم - أيضا - في باب: نكاح المتعة من (صحيحيهما) عن جابر بن عبد الله وسلمة بن الأكوع قالا: " خرج علينا منادي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد أذن لكم أن تستمتعوا يعني: متعة النساء ".

- وفي رواية لمسلم عن سلمة بن الأكوع وجابر بن عبد الله " أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أتانا فأذن لنا في المتعة ".

- وفي رواية للبخاري عن سلمة بن الأكوع عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال:

" أيما رجل وامرأة توافقا فعشرة ما بينهما ثلاث ليال فإن أحبا أن يتزايدا أو يتتاركا تتاركا ".

وهذه الأحاديث تثبت أن نكاح المتعة حلال قد شرعه الله - سبحانه - بدليل أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يكتف بإرسال مناديه ليبشر بذلك حتى قام هو

٧٩
بنفسه ليؤكد على مشروعيته وإباحته. وبذلك يكون قد ثبت لدينا بالدليل القطعي اليقيني من القرآن والسنة أن زواج المتعة حلال شرعا ومن يدعي أنه قد نسخ بعد ذلك فيلزمه أن يأتي بالدليل القطعي اليقيني فإن المباحات اليقينية لا يمكن أن تنسخ بالدلائل الظنية بل يجب أن يكون ذلك بالدلائل القطعية التي لا تقبل الشك.

أدلة القائلين بالنسخ

والآن ننظر إلى الأدلة التي أوردها القائلون بالنسخ:

- قالوا: إن هذه الآية: (.. فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة ولا جناح عليكم في ما تراضيتم به من بعد الفريضة) لا يقصد بها نكاح المتعة ولكن المقصود بالاستمتاع هنا هو الدخول بالزوجة والمقصود بالأجور هو استقرار تمام المهر لها بعد الدخول.

والجواب على ذلك:

أولا: إن الروايات الصحيحة عن ابن عباس وأبي بن كعب وسعيد بن جبير والسدي ومجاهد أثبتت بالآية هو نكاح المتعة حتى قرؤوها:

".. فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فآتوهن أجورهن فريضة.. " وقد ادعى الرازي الإجماع على هذه القراءة الصحيحة.

ثانيا: لن لفظ الاستمتاع أعم من الدخول ويندرج تحته اللمس والنظر بشهوة وما إلى ذلك وهذا يقتضي أن إيتاء المهر مشروط بالاستمتاع بيد أن ذلك غير حاصل إذ أن المرأة إذا طلقت قبل أن يراها زوجها فقد وجب لها نصف المهر. والغريب في هذا الصدد أن بعضهم زعم أن العقد بمجرده يعد مصدر استمتاع للرجل!!

ثالثا: إنه إذا كان للفظ حقيقة شرعية ومعنى لغوي ثم ورد في القرآن فإنه يحمل على الحقيقة الشرعية - كما هو مقرر في محله - مثل: الصلاة والصيام والزكاة وغيرها وكذلك الأمر هنا بالنسبة لنكاح المتعة.

٨٠