×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

قراءة في رسالة التنزيه (للسيد محسن الأمين) / الصفحات: ٢١ - ٤٠

١٣٢١هـ). وحضر دروس الأعلام وتخرّج على المراجع العظام في النجف، حتّى صار مجتهداً وعالماً، شهد بفضله جلّ أساتذته.

وكان كاملا، أديباً شاعراً، خفيف الرّوح، مستقيم الذوق، أريحي الطبع، على غزارة علمه وفضله وقداسته وتقاه، ويُعدُّ في عداد الطبقة الاُولى من شعراء عصره. له شعر كثير محفوظ لمتانته وحسن سبكه، فيه النكات الأدبيّة والمناسبات.

من أساتذته: الشيخ محمّد حسين الكاظمي، والميرزا الخليلي، والميرزا حبيب الله الرشتي، والشيخ محمّد طه نجف، والملاّ محمّد الشرابياني، والشيخ رضا الهمداني، والآخوند الخراساني.

ومن مؤلّفاته: "المواهب السنّية في فقه الإماميّة" و"جامع الفوائد" و"الشذرات في مباحث العقود والإيقاعات" و"منظومة في علم الكلام" و"منظومة في المواريث" و"كتاب في الإجارة والوصيّة والقضاء" و"أجوبة على مسائل عمر الرافعي" و"سيماء الصلحاء" و"رسالة في الرّد على القسّ الحلبي صاحب كتاب المشرح" و"ديوان شعر".

وخرج الشيخ عبد الحسين من النجف حدود سنة ١٣١٥هـ عائداً إلى بلده وهو عالم فقيه، أديب ماهر، متضلّع في الأدب، صلب الإيمان، ورع ثقة عدل، كريم النّفس دمث الأخلاق، يقوم بواجبه الديني إلى أن وافاه الأجل في شهر ذي الحجّة سنة ١٣٦١هـ ودفن في النبطيّة.

المرحلة الرابعة

وهي التي كتبَ فيها السيّد محسن الأمين رسالته "التنزيه" ردّاً على الشيخ عبد الحسين صادق العاملي، إذ نقل عبارات من "سيماء الصلحاء" ثمّ بدأ بردّها وبيان آرائه في الشعائر الحسينيّة، وسيأتي نصّها الكامل في الفصل الثاني.

٢١

ردود الفعل على الرسالة


جاءت ردود الفعل على رسالة "التنزيه" من مختلف طبقات المجتمع: علماء، وفضلاء، وخطباء، وشعراء، وعامّة الناس. واختلفت هذه الردود حسب مستوى الناس وثقافاتهم: فمنهم من اكتفى بكلمات الاستغفار والدعوة لصاحب الفتوى بالهداية، وأظهر آخرون معارضتهم لها باللسان والكتابة والشعر، وتجاوز البعضُ الحدودَ فاتّهم السيّد الأمين بتُهم باطلة، وتجاسر آخرون عليه وعلى مؤيّديه بالسب واللعن.

فاُحاول في هذه الأوراق أن اُبيّن ردود الفعل من المعارضين والمؤيّدين، وعلى عدّة مستويات:

رجال الدين:

عارض السيّد الأمينَ عددٌ كبير من رجال الدين، وفي مقدّمتهم مراجع دين، ومجتهدون، وكتّاب معروفون، منهم:

(١) المرجع الدينيّ الكبير الميرزا حسين النائيني (ت ١٣٥٥هـ)، عارضه في النجف الأشرف بإصدار فتوى بالجواز(١) .

(٢) المرجع الديني الكبير الشيخ محمّد حسين كاشف الغطاء (ت ١٣٧٣هـ)، عارضه في النجف الأشرف بإصدار فتوى بالجواز(٢) .

١ ـ معارف الرجال ٢: ٢٨٤، هكذا عرفتهم ١: ٢٠٧.

٢ ـ معارف الرجال ٢: ٢٧٢، هكذا عرفتهم ١:٢٠٧.

٢٢
وكانت لفتوى هذين المرجعين أثر كبيرٌ في نفوس الناس في العراق وخارجه، حيث استغلّها بعض المغرضين لتأليب الرأي العام على السيّد الأمين.

(٣) المجتهد الكبير الشيخ عبد الحسين صادق العاملي (ت ١٣٦١هـ)، عارضه في النبطيّة بإصدار فتوى بالجواز(١) ، إضافةً لكتابته رسالة "سيماء الصلحاء".

(٤) المجتهد الكبير السيّد عبد الحسين شرف الدين (ت ١٣٧٧هـ)، عارضه بإصدار فتوى بالجواز(٢) .

وكانت لفتوى هذين العلمين أثرٌ كبيرٌ في لبنان.

(٥) المجتهد والكاتب المعروف المجاهد الشيخ محمّد جواد البلاغي (ت١٣٥٢هـ)، وكانت معارضته فعليّة، فلم يُسمع منه أيّ كلام ضدّ السيّد الأمين، بل كان هذا الشيخ الجليل على ضعفه وكبر سنّه يخرج أمام مواكب العزاء يضرب على صدره ورأسه وقد حلّ أزاره وطيّن جبهته. وكان له مجلس عزاء كبير جدّاً يُقيمه في كربلاء المقدّسة يوم عاشوراء، لازال الناس يتحدّثون عنه(٣) .

قال معاصره المؤرّخ الشيخ جعفر محبوبة (ت ١٣٧٧هـ):

"وكم له أمام المناوئين للحسين (عليه السلام) من مواقف مشهودة، ولولاه لأمات المعاندون الشعائر الحسينيّة والمجالس العزائيّة، ولكنّه تمسّك بها والتزم بشعائرها وقام بها خير قيام"(٤) .

وقال الشيخ محمّد هادي الأميني (ت ١٤٢١هـ) بعد أن حكى قول الشيخ جعفر

١ ـ معارف الرجال ٢: ٤١، هكذا عرفتهم ١:٢٠٧.

٢ ـ معارف الرجال ٢: ٥١، هكذا عرفتهم ١: ٢٠٧.

٣ ـ شعراء الغري ٢: ٤٣٦.

٤ ـ ماضي النجف وحاضرها ٢: ٦٢.

٢٣
محبوبة السابق:

"فحين أفتى بعض العلويّين في الشام ـ وتبعه علويّ آخر في البصرة ـ بحرمة الشعائر الحسينيّة، وَزَّمَرَ وطَبَّلَ على هذه الفتوى كثير من المغرضين المعاندين، شُوهد هذا الشيخ الكبير على ضعفه وعجزه أمام الحشد المتجمهر للعزاء يمشي وهو يضرب على صدره وقد حلّ أزاره، وخلفه اللطم والأعلام، وأمامه الضرب بالطبل. ومن آثاره إقامة المآتم في يوم عاشوراء في كربلاء، فهو أوّل من أقامه هناك، وعنه اُخذ حتّى توسّع فيه ووصل إلى حدّه اليوم"(١) .

(٦) الحجّة الشيخ ابراهيم المظفّر، عارضه بتأليف رسالة مستقلّة في ذلك، وكذلك الأسماء الواردة بعده كلّهم عارضوا السيّد الأمين بتأليف رسائل، يأتي الحديث عنها قريباً.

(٧) الحجّة الشيخ عبد المهدي الحلّي.

(٨) الحجّة الشيخ عبد المهدي المظفّر.

(٩) الحجّة السيّد علي نقي اللكهنوي.

(١٠) الحجّة الشيخ محمّد جواد الحجامي.

(١١) الحجّة الشيخ محمّد حسين المظفّر.

(١٢) الحجّة الشيخ مرتضى آل ياسين.

(١٣) الحجّة السيّد نور الدين شرف الدين(٢) .

ومن المراجع ورجال الدين الذين أيّدوا السيّد محسن الأمين في فتواه:

١ ـ معجم رجال الفكر والأدب في النجف خلال ألف عام ١: ٣٥٣.

٢ ـ أعيان الشيعة ١٠: ٣٨٠.

٢٤
(١) المرجع الدينيّ الكبير السيّد أبو الحسن الأصفهاني (ت ١٣٦٥هـ)، أيّده بإصدار فتوى بالتحريم(١) .

(٢) المجتهد المجاهد الشيخ عبد الكريم الجزائري (ت ١٣٨٢هـ)، أيّده بإصدار فتوى بالحرمة، وقد أثّرت فتواه كثيراً في أوساط الشباب(٢) .

(٣) المجتهد المجاهد السيّد هبة الدين الشهرستاني (ت ١٣٨٦هـ)، أصدر فتوى بالحرمة، وقد أثّرت فتواه في بعض مدن ايران(٣) .

(٤) المجتهد الحجّة الشيخ جعفر البديري (ت ١٣٦٩هـ)، أيّده وسانده كثيراً(٤) .

(٥) الحجّة السيّد حسين الحسيني البعلبكي (ت ١٣٩١هـ)، أيّده كثيراً عندما كان في النجف الأشرف، وكذلك في لبنان(٥) .

قال الاُستاذ جعفر الخليلي: "ومنهم ـ أي الذين أيّدوا السيّد الأمين ـ الجريىء العامل، والموالي المؤيّد بالعقيدة، السيد حسين البعلبكي، وهو صهر لأخت السيّد محسن الأمين"(٦) .

(٦) الحجّة الشيخ عبد المهدي الحجّار (ت ١٣٥٨ هـ).

(٧) الحجّة الزاهد الشيخ علي القمّي (ت ١٣٧١ هـ) وقد أظهر تأييده علناً وفي

١ ـ أعيان الشيعة ٢:٣٣١، هكذا عرفتهم ١: ٢٠٧.

٢ ـ هكذا عرفتهم ١: ٢٠٩.

٣ ـ أعيان الشيعة ١٠: ٢٦١، هكذا عرفتهم ٢:٢١٢.

٤ ـ هكذا عرفتهم ١: ٢٠٩.

٥ ـ هكذا عرفتهم ٣: ٢٢٩.

٦ ـ هكذا عرفتهم ٣: ٢٣١.

٢٥
كتاب قراءة في رسالة التنزيه للشيخ محمّـد الحسّـون (ص ٢٦ - ص ٤٢)
٢٦
يطرأ عليه، أو أيّ أفكار دخيلة تصل إليه.

وما إن وصلت إلى النّجف الأشرف رسالة "التنزيه" حتّى انقسم الكتّاب فيها إلى معارضين وهم الأكثر، ومؤيدّين وهم القلّة القليلة، فألّف بعضهم رسائل ردّاً على رسالة الأمين، منها:

(١) رسالة "إرشاد الاُمّة للتمسّك بالأئمة (عليهم السلام) "، للحجّة الشيخ عبد المهدي المظفّر، طُبعت في النجف الأشرف سنة ١٣٤٨هـ(١) .

(٢) رسالة "إقالة العاثر في إقامة الشعائر"، للحجّة السيّد علي نقي اللكهنوي، طُبعت في النجف الأشرف سنة ١٣٤٨هـ(٢) .

(٣) رسالة السيّد نور الدّين شرف الدّين، التي نشرَ بعضها في الصُحف اللبنانيّة على شكل مقالات(٣) .

(٤) رسالة "الشعائر الحسينيّة"، للحجّة الشيخ محمّد حسين المظفّر، طُبعت في مطبعة النجاح ببغداد سنة ١٣٤٨هـ(٤) .

(٥) رسالة "كلمة حول التذكار الحسيني"، للحجّة الشيخ مهدي الحجّار(٥) .

(٦) رسالة "نصرة المظلوم"، للحجّة الشيخ ابراهيم المظفّر(٦) .

١ ـ الذريعة ١: ٥١٢/٢٥١٠.

٢ ـ الذريعة ٢: ٢٦٣/١٠٧٢.

٣ ـ أعيان الشيعة ١٠: ٣٨٠.

٤ ـ الذريعة ١٤: ١٩١/٢١٣٦ ٥ ـ شعراء الغري ١٢:٢٠٧.

٦ ـ الذريعة ٢٤: ١٧٨/٩٢١.

٢٧
(٧) رسالة "النظرة الدامعة"، للحجّة الشيخ مرتضى آل ياسين الكاظمي(١) .

(٨) رسالة "النقد النزيه" للشيخ عبد الحسين قاسم الحلّي، طُبعت في النجف الأشرف سنة ١٣٤٧هـ(٢) .

وأمّا الكتّاب المؤيّدون للسيّد الأمين ـ وكانوا قلّة قليلة ـ فقد واجهوا موجةً عارمةً ملتهبة من كلّ حدب وصوب، أدّت إلى ابتعاد بعضهم عن الأنظار خوفاً من النّاس.

ومع ذلك كلّه فقد جمعوا قواهم وأوعزوا إلى أحدهم تأليف رسالة مؤيّدة لسيّد الأمين، فقام الحجّة الشيخ محمّد الگنجي بجمع فتاوى العلماء والمجتهدين المؤيّدين لما في رسالة "التنزيه"، وطبعها في رسالة مستقلّة سمّاها "كشف التمويه عن رسالة التنزيه"، طُبعت في المطبعة العلويّة في النجف الأشرف سنة ١٣٤٧هـ(٣) .

وفي الترجمة المفصّلة الكاملة لحياة السيّد الأمين ـ التي كُتبت أكثرها بقلمه الشريف ـ المطبوعة في آخر موسوعته الكبيرة "أعيان الشيعة" وردت عدّة عبارات لكتّاب معروفين، أيّدوا فيها آراء السيّد الأمين في رسالته "التنزيه":

قال الدكتور علي الوردي:

"يعجبني من المصلحين في هذا العصر رجلان: الشيخ محمّد عبده في مصر، والسيّد محسن الأمين في الشام... وإنّي لا أزال أذكر تلك الضجّة التي اُثيرت حول الدعوة الإصلاحيّة التي قام بها السيّد محسن قبل ربع قرن. ولكنّه صمد لها وقاومها

١ ـ الذريعة ٢٤: ١٩٦/١٠٣٠.

٢ ـ الذريعة ١٤: ٢٧٩/١٤٣٧.

٣ ـ الذريعة ١٨: ٢٤/٤٩٢، أعيان الشيعة ١٠:٣٨٢.

٢٨
باسلا، فلم يلين ولم يتردّد. وقد مات السيّد أخيراً، ولكن ذكراه لم تمت ولن تموت، وستبقى دهراً طويلا حتّى تهدم هاتيك السخافات التي شوّهت الدّين وجعلت منه اضحوكة الضاحكين"(١) .

وقال الشيخ محمّد رضا الشبيبي:

"شنّ السيّد الأمين حرباً شعواء على الخرافات والأوهام الشائعة، وعلى العادات التي اعتبرت ديناً عند بعض الطبقات، وما هي من الدين ولا من الشرع الشريف في شيء، فهو في طليعة المنادين في الدعوة إلى الإصلاح الاجتماعي في الشرق العربي وفي غيره من الأقطار"(٢) .

الصُحف:

ولأهميّة هذه القضيّة وحساسيّتها; لأنّها تُعدُّ من الشعائر والمعتقدات التي لايمكن المساس بها عند عامّة الناس، نرى أنّ الصحف وفي مختلف البلدان الإسلاميّة قد ألقت بِدَلْوِها وأعطت رأيها فيها.

والمؤيّدون للسيّد الأمين لجأوا إلى الصحف أكثر من المخالفين له; لأنّهم القلّة القليلة، وقد سُدّت الأبواب في وجوههم، ولا وسيلة للدفاع عن آرائهم; لذلك اتّخذوا من الصحافة الحرّة ميداناً رحيباً لأقلامهم، فكتبوا فيها وكتبوا، حتّى أنّ البعض منهم كتب بأسماء مستعارة كـ"حبيب بن مظاهر" و"أبي نؤاس"(٣) .

١ ـ أعيان الشيعة ١٠: ٣٨٢.

٢ ـ أعيان الشيعة ١٠: ٣٨٣.

٣ ـ أعيان الشيعة ١٠: ٣٨١.

٢٩
والذي ظهر لي من المصادر التي راجعتها أثناء كتابة هذه الأسطر أنّ عدداً ليس قليلا من الصحف شارك في هذه المعركة الفكريّة، إلاّ أنّي لم اُعثر إلاّ على صحيفتين كان لهما الدور الرئيسي في ذلك، هما:

صحيفة "ديوان ميسج" التي كانت تصدر باللغة الانگليزيّة في الهند، وقد كتب صاحبها محمّد علي سالمين مقالات عديدة مؤيّدة للسيّد الأمين، وترجم بعضها إلى العربية(١) .

وصحيفة "الهاتف" وإن كانت صدرت متأخّرة عن زمان الفتوى، إلاّ أنّ صاحبها الاُستاذ جعفر الخليلي كان له دور فعّال في مناصرة السيّد الأمين سنة ١٣٤٤هـ وما بعدها، إذ يقول: "ولمّا كنتُ يومذاك موظّفاً فقد نشرتُ مقالاتي في الجرائد بتواقيع مستعارة"(٢) .

وهكذا فعل الشيخ محسن شرارة، والاُستاذ سلمان الصفواني، إذ كتبا مقالات في الصحف اللبنانيّة بأسماء مستعارة.

وأمّا المعارضون للسيّد الأمين فلم يلجأوا إلى الصحف ـ كما قلنا ـ لوجود قنوات كثيرة لهم يُبيّنون فيها آراءهم، ومع ذلك فقد كتبَ أحدهم ـ وهو السيّد نور الدين شرف الدين ـ مقالا في صحيفة لبنانيّة يردُّ فيها على السيّد الأمين ورسالته "التنزيه". فانبرى له في هذه المرّة السيّد الأمين وردَّ عليه بمقالة مفصّلة، كما وانبرى للرّد عليه بمقالة مفصّلة اُخرى شخص آخر وقّع مقالته باسم "حبيب بن مظاهر"(٣) .

١ ـ أعيان الشيعة ١٠: ٣٨٠.

٢ ـ هكذا عرفتهم ١: ٢٠٩.

٣ ـ أعيان الشيعة ١٠: ٣٨١.

٣٠

الشعراء والخطباء:

من الطبيعيّ جدّاً أن يشارك الخطباء ـ وبعضهم شعراء في نفس الوقت ـ في هذه المعمعة الفكرية، فيؤيّد بعضهم السيّد الأمين ويعارضه آخرون. وهو حقّ من حقوقهم، كغيرهم من العلماء والكتّاب والمثقّفين الذين أيّدوا وعارضوا.

لكن أن يأتي شاعر ويتعدّى الحدود المرسومة ويتجاسر على السيّد الأمين ومؤيّديه وينعتهم بنعوت باطلة، ويتلاعب بعقول الناس ويحاول تمويه الحقائق عليهم، فهذا غير مسموح به، ولا أعتقد أنّ التأريخ سوف يمحو هذا عن صفحاته.

وعلى كلّ حال، فمن الشعراء الخطباء الذين كان لهم دور بارز في هذه الأحداث، هو الشاعر الكبير والخطيب المفوّه السيّد صالح الحلّي (ت ١٣٥٩هـ)، الذي مدحه وأثنى عليه وعلى مقدرته الخطابيّة محبّوه ومبغضوه(١) .

ومع ذلك كلّه نرى أنّ السيّد الحلّي يقف موقفاً معارضاً بل معادياً ومعانداً للسيّد الأمين، ويتعرّض له في مجالسه بالتصريح تارةً وبالإشارة اُخرى، ويصفه بصفات باطلة، ومما قاله فيه:


يا راكِباً أمْا مَرَرتَ بـ (جِلَّقِ)(٢) فأَبْصق بِوَجْهِ (أَمِينها) المُتَزَندِقِ(٣)

ولم يكتف بذلك فقط، بل شنَّ حملة شعواء على كلّ المؤيّدين والمناصرين للسيّد الأمين، فأخذ ينهال عليهم بالطعن والاتهامات الباطلة، حتّى وصل به الأمر

١ ـ انظر: البابليّات ٤:١٣٣، أدب الطف ٩:٢٠٤ ـ ٢٠٥.

٢ ـ جِلّق: دمشق. معجم البلدان ٢: ١٥٤ "جِلّق".

٣ ـ هكذا عرفتهم ١:٢٠٨.

٣١
إلى أن تجاسر على المرجع الدينيّ الكبير السيّد أبي الحسن الأصفهاني; لأنّه أيّد السيّد الأمين.

"فشَّ عليه غارة واسعة عنيفة بكلّ معنى العنف، ولم يترك لوناً من ألوان الرزاية بالكناية والتصريح إلاّ وصبغ به السيّد أبا الحسن من فوق المنابر التي كان يرقاها، فكان يتصرّف من فوقها بعقول المستمعين تصرّف المالك، ويميل بها أنّى شاء، بما كان يملك من مقدرة وموهبة وجرأة رفعته إلى أعلى الدرجات في سماء الخطابة والبلاغة"(١) .

فأصدر السيّد أبو الحسن الأصفهاني فتوى حرّم بها الاستماع لقراءة السيّد صالح الحلّي، فأرّخ ذلك الشاعر الشيخ علي بازي قائلا:


أبو حسن أفتى بتفسيقِ (صالح)قراءته أرّختها (غير صالحة)(٢)

وقال أيضاً يهجوه:


مُذ تردّى الشقيّ بالغَي جهلاوإمام الزمانِ طُراً جفاه
قلتُ: يا مَن قد أرخوا (أحقيققد رمى الله صالحاً بشقاه)(٣)

ويقال: إنّ السيّد رضا الهندي كان من المعارضين للسيّد الأمين، وقد قال فيه:


ذريّة الزهراء إن عددتَيوماً ليطرى الناس فيها الثنا
فلا تَعدوا (محسناً) منهملأنّها قد أسقطت محسنا

وقيل: إنّ هذين البيتين في السيّد محسن أبو طبيخ(٤) .

ووقف الشاعر الشيخ مهدي الحجّار (ت ١٣٥٨هـ) موقف المؤيّد للسيّد محسن

١ ـ هكذا عرفتهم ١:١٠٨.

٢ ـ شعراء الغري ٦:٣٦٩، هكذا عرفتهم ١:١١١.

٣ ـ شعراء الغري ٦:٣٦٩.

٤ ـ هكذا عرفتهم ١:٣١.

٣٢
الأمين، فأنشأ قائلا:


يا حُر رأيكَ لا تحفل بمنتقدِإنَّ الحقيقةَ لا تخفى على أحدِ
فهل على الشمسِ بأس حيث لم تَرهاعينٌ اُصيبت بداءِ الجهل لا الرمدِ
ومصلحٌ فاه بـ (التنزيه) ليس لهُغير الحقيقة إي والعدل من صددِ
إنّا على (عامل) نأسى لأنّ بهامن لا يُفرّق بين الزُبد والزَبدِ
تأسَّ يا (محسن) فيما لقيت بمالا قاه جدّك من بغي ومن حسدِ(١)

هذا ما عرفتهُ عمّا دار في حلبة الشعر حول هذا الموضوع، ولعلَّ المستقبل يُطلعنا على أكثر من ذلك.

عامّه الناس:

لم يكن النّاس، سواء في العراق أو لبنان أو غيرهما من البلدان الإسلاميّة، بعيدين عن هذه المعركة الفكرية القائمة آنذاك.

ومن طبيعة عوامّ الناس أن تحرّكهم العاطفة، خصوصاً إذا كان المتحدّثون أو القائمون على عمل معيّن من الذين يُجيدون التلاعب بعقول البسطاء. فكيف إذا كانت القضيّة تتعلّق بالشعائر الدينيّة؟! فمن الطبيعي أن يُشارك الناس فيها مشاركة فعّالة، ومن المتاسلم عليه أن يخسر المصلحون الساحةَ لوقت ما; لأنّ كلّ حركة إصلاحيّة لابُدَّ لها من تضحية.

وفي هذه القضيّة بالذات كانت هنالك عدّة شخصيّات علميّة واجتماعيّة بارزة قد أعطت رأيها، وعملت على تحريك الساحة ضدّ فتوى السيّد الأمين:

١ ـ أعيان الشيعة ١٠: ٣٨١، شعراء الغري ١٢: ٢٠٧، هكذا عرفتهم ١: ٢٠٨، أدب الطف ١٠: ٣١٤.

٣٣
فبعض المراجع أصدر فتوى بالجواز.

وبعض الكتّاب ردّ على "التنزيه" برسائل طُبعت ووزّعت مجاناً.

والعلاّمة الجليل المجتهد والمصلح الشيخ محمّد جواد البلاغي على كبر سنة وضعفه يتقدّم مواكب العزاء بشكل مؤثّر جدّاً.

والخطيب البارع المفوّه السيّد صالح الحلّي يُحرّض الناس على السيّد الأمين من فوق المنابر التي يعتليها، وهكذا.

فكانت ردّة الفعل عنيفة جدّاً، يصوّرها لنا أحد المعاصرين لها، وهو الاُستاذ جعفر الخليلي قائلا:

"وانقسم الناس إلى طائفتين ـ على ما اصطلح عليه العوام ـ: "علويّين"، و"أمويّين". وعُني بالأمويين: أتباع السيّد محسن الأمين، وكانوا قلّة قليلة لا يعتدّ بها، وأكثرهم كانوا متستّرين خوفاً من الأذى.

واتّخذ البعض هذه الدعوة وسيلة لمجرّد مهاجمة أعدائه واتهامه بالأمويّة، فكثر الاعتداء على الأشخاص، واُهين عدد كبير من الناس، وضُرب البعض منهم ضرباً مبرحاً.

وبدافع إعجابي بالسيّد محسن، وانطباعاتي عنه منذ الصغر، وإيماني بصحّة دعوته، أصبحتُ أمويّاً وأمويّاً قُحّاً في عرف الذين قسّموا الناس إلى أمويّين وعلويّين. وكنتُ شاباً فائر الدم كثير الحرارة، فصببتُ حرارتي كلّها في مقالات هاجمتُ بها العلماء الذين خالفوا فتوى السيّد أبي الحسن والذين هاجموا السيّد محسن.

وكنتُ أجد في كثير من الأحيان رسالة أو أكثر وقد اُلقي بها من تحت باب الدار، وهي تتضمّن ـ إلى جانب التهديد بالقتل ـ شتائم بذيئة تدلّ على خسّة وجبن.

وكان التيّار جارفاً، والقوّة كلّها كانت في جانب العلويّين، وكان هؤلاء العلويّون وأتباعهم يتفنّون في التشهير بالذين سمّوهم بالأمويّين.

٣٤
وبلغ من الاستهتار أن راح حملة القِرب وسُقاة الماء في مأتم الحسين يوم عاشوراء ينادون مردّدين: "لعن الله الأمين ـ ماء"، بينما كان نداؤهم من قبل يتلخّص في ترديدهم القول: "لعن الله حرملة ـ ماء"، فأبدلوا "الأمين" بـ"حرملة" نكايةً وشتماً.

ولا تسل عن عدد الذين شُتموا وضُربوا واُهينوا بسبب تلك الضجّة التي أحدثتها فتوى السيّد الأمين يومذاك، وكان السبب الأكبر في كلّ ذلك هو العامليّون ـ أعني أهل جبل عامل ـ الذين كانوا يسكنون النجف طلباً للعلم، وكان معظمهم من مخالفي السيّد محسن"(١) .

وقال الخليلي أيضاً:

"لم يكن يمرّ على صدور هذه الرسالة اُسبوع أو أكثر وتنتقل من الشام ـ حيث ثمّ طبعها ـ إلى العراق حتّى رافقها كثير من الدعايات ضدّها، ووجدت هذه الدعايات هوىً في نفوس البعض، فأشعلوها فتنةً شعواء تناولت السيّد محسن الأمين وأتباعه بقساوة لا تُوصف من الهجاء والذمّ والشتم المقذع.

وخاف الذين آمنوا بقدسيّة هذه الرسالة وصحّة فتاوى العلماء، لقد خافوا أن يُعلنوا رأيهم في وجوب الذبّ عن موضوع الرسالة والدفاع عن شخص مؤلّفها.

ومَن الذي كان يجرأ أن يُخالف للناس رأياً؟! ومن كان يستطيع الظهور بمظهر المخالف في ذلك اليوم؟!"(٢) .

والغريب في الأمر أنّ تسمية المؤيّدين لآراء السيّد محسن الأمين بـ"الأمويّين" و"المتسنّنين" لم يصدر من عوامّ الناس فحسب، بل صدر من بعض العلماء

١ ـ هكذا عرفتهم ١: ٢٠٨ ـ ٢١٠.

٢ ـ هكذا عرفتهم ١: ١٢٢.

٣٥
والفضلاء أيضاً:

فالشيخ ابراهيم المظفّر قال في رسالته "نصرة المظلوم":

"فعلمتُ من أين جاءت هذه البليّة التي تقضي ـ إن تمّت ـ على حياة الشيعة، وتيقّنتُ إنّ كيد المموهّين والمنافقين وخاصّةً أفراد "الجمعيّة الأمويّة" ذلك الكيد الذي لا ينطلي إلاّ على السُذّج والبسطاء"(١) .

وقال المتتبّع الكبير الشيخ الطهراني (ت ١٣٨٩هـ) عند ذكره لهذه الرسالة "نصرة المظلوم": "كتبها جواباً على بعض المتجدّدين المتسنّنين"(٢) .

وقال أيضاً عند ذكره لرسالة "النظرة الدامعة" التي ألّفها الشيخ مرتضى آل ياسين الكاظمي ردّاً على السيّد الأمين: "كتبه ردّاً على بعض المتسنّنين المتجدّدين"(٣) .

والأغرب من ذلك كلّه أنّ الشيخ عبد الحسين قاسم الحلّي، في مقدّمة رسالته "النقد النزيه لرسالة التنزيه" أشار إلى السيّد مهدي البصري ـ باعتبار من أهل البصرة ـ وإلى السيّد محسن الأمين ـ باعتباره من أهل الشام ـ بقوله: "إنّ الحسين (عليه السلام) لمّا قُتل بكى عليه جميع ما خلق الله ممّا يُرى وممّا لا يُرى إلاّ ثلاثة أشياء لم تبك عليه: البصرة، والشام، وآل الحكم بن أبي العاص"(٤) .

١ ـ نصرة المظلوم: ٣.

٢ ـ الذريعة ٢٤: ١٧٨/٩٢١.

٣ ـ الذريعة ٢٤:١٩٦/١٠٣٠.

٤ ـ النقد النزيه: ٣.

٣٦
٣٧


الفصل الثاني
النصّ الكامل لرسالة التنزيه




٣٨

تمهيد


انتهى السيّد محسن الأمين من تأليفه هذه الرسالة في بيروت في الثامن عشر من شهر محرّم سنة ١٣٤٦هـ، وطُبعت أوّلا في مطبعة العرفان سنة ١٣٤٧هـ في اثنتين وعشرين صفحة(١) ، ثمّ توالت طباعتها في لبنان والعراق وايران، وتُرجمت إلى عدّة لغات(٢) .

وطُبعت أكثر هذه الرسالة في الجزء الأخير من موسوعته "أعيان الشيعة" في الحقل المُخصّص لترجمة السيّد الأمين(٣) .

والنسخة الموجودة عندي ـ والتي اعتمدتُ عليها في تصحيحها ـ قد طُبعت في مطبعة دار الهداية للطباعة والنشر، تقع في اثنتين وثلاثين صفحة، خالية من تأريخ الطبع، ويظهر من مقدّمتها أنّها طُبعت سنة ١٣٩٢هـ.

وطُبعت هذه الرسالة أخيراً في كتاب "الاختلاف والنقد ثمّ الإصلاح" لمؤلّفه مختار الأسدي، سنة ١٤١٨هـ، في مؤسّسة الأعراف للنشر في مدينة قم المقدّسة.

والظاهر أنّ الطبعتين الأخيرتين لهذه الرسالة قد سقطت منها عدّة عبارات وجُمل، وقفتُ عليها عند مقابلتهما مع الطبعة الاُولى لها، التي اعتمد عليها وحكى عباراتها الشيخ عبد الحسين قاسم الحلّي في رسالته "النقد النزيه"، والشيخ محمّد

١ ـ الذريعة ٤:٤٥٥/١٠٢٧.

٢ ـ أعيان الشيعة ١٠:٣٨٠.

٣ ـ أعيان الشيعة ١٠:٣٧٣ وما بعدها.

٣٩
الگنجي في رسالته "كشف التمويه".

عملنا في الرسالة

ضبطتُ نصّ الرسالة بمقابلتها مع الطبعات المتوفّرة لدينا ـ التي تقدّم الحديث عنها قبل عدّة أسطر ـ وأشرتُ في الهامش إلى الاختلافات والسقوط الواردة فيها، وخرّجتُ كلّ ما يحتاج إلى تخريج: من آيات قرآنيّة كريمة، وأحاديث شريفة، وأماكن وبقاع.

كما وأوضحتُ معنى الكلمات اللغويّة التي تحتاج إلى إيضاح، وترجمتُ ترجمةً مختصرةً لبعض الأعلام الذين أوردهم المصنّف، وعرّفتُ بشكل مختصر بأسماء الكتب الواردة فيها.

٤٠