×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

قراءة في رسالة التنزيه (للسيد محسن الأمين) / الصفحات: ١٢١ - ١٤٠

الإشكال الرابع
إيذاء النفس وإدخال الضرر عليها


قال السيّد محسن الأمين:

"ومنها ـ أي ومن الاُمور المنكرة في الشعائر الحسينيّة ـ إيذاء النفس وإدخال الضرر عليها بضرب الرؤوس وجرحها بالمُدى والسيوف حتّى يسيل دمها، وكثيراً ما يؤدّي ذلك الى الإغماء ينزف الدم الكثير، وإلى المرض أو الموت وطول بُرء الجرح. وبضرب الظهور بسلاسل الحديد، وغير ذلك.

وتحريم ذلك ثابت بالعقل والنقل، وما هو معلوم من سهولة الشريعة وسماحتها الذي تمدّح به رسول الله (صلى الله عليه وآله) بقوله: "جئتكم بالشريعة السهلة السمحاء" ومن رفع الحرج والمشقّة في الدين بقوله تعالى: {مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج}(١) "(٢) .

وتطرّق السيّد الأمين لهذا الإشكال أيضاً في معرض ردّه على الشيخ عبد الحسين صادق العاملي في عدّة موارد من هذه الرسالة، نذكرها إن شاء الله تعالى أثناء توضيحنا ومناقشتنا لكلامه والذي نورده في عدّة نقاط:

الاُولى:

من الشعائر التي يقيمها بعض محبّي أهل البيت (عليهم السلام) هو شجّ الرؤوس يوم عاشوراء أو ما يُسمّى بـ "التطبير"، حيث يخرج جماعة من الناس بموكب منتظم

١ ـ سورة الحجّ: الآية ٧٨.

٢ ـ رسالة التنزيه:٤٢.

١٢١
وقد حلقوا رؤوسهم ولبسوا الأكفان، وعندما يصلون إلى مكان معيّن مُتفق عليه بينهم ـ وأكثر ما يكون صحن إمام معصوم أو مكان مقدّس ـ يبدأون بضرب رؤوسهم بالسيوف وهم ينادون: ياحسين ياحسين، ويصاحب ذلك كلّه ضرب الطبول. وهم يعتقدون بأنّهم إنّما يفعلون ذلك تأسيّاً بما جرى على الإمام الحسين (عليه السلام)، وطلباً لمرضاة الله سبحانه وتعالى.

ولم تُحدّد لنا كُتب التأريخ بشكل مضبوط ودقيق الزمانَ والمكانَ اللذين بدأت فيهما هذه الظاهرة، إلاّ أنّ الذي يظهر من بعض المقالات التي نُشرت بشكل متفرّق، وممّا سمعناه من أفواه المعمّرين نقلا عن آبائهم وأجدادهم، أنّ زمانها لم يتعدَّ القرن والنصف أو القرنين.

وهناك روايتان مختلفتان بعض الاختلاف تتحدّثان عن مبدأ هذه الظاهرة، ذكرهما طالب علي الشرقي في مقال نشره في مجلّة "الموسم" تحت عنوان "من تأريخ الشعائر الحسينيّة في النجف الأشرف":

"الاُولى: أنّ الشيعة من القفقاسيين عندما يأتون إلى زيارة الأئمّة في كربلاء والنجف كانوا يستخدمون الحيوانات في سفرهم، وأسلحتهم السيوف. وتستغرق مدّة السّير من ثلاثة إلى أربعة شهور حتّى يصلوا إلى العتبات المقدّسة، وكلّهم لهفة لرؤية قبور الأئمّة ونفوسهم مفعمة بالحبّ لآل البيت.

فصادف أن دخلت إحدى قوافل الزائرين القفقاسيين إلى كربلاء يوم عاشوراء، وكانت المدينة صورة صادقة للحزن، لقد سوّدت المساجد والجوامع وواجهات المحال، وعَمَّ البكاء واللطم على أتمّه، ومقتل الحسين (عليه السلام) يُقرأ في الشوارع وفي الصحن الحسينيّ الشريف.

واتّفق أن يكون أحد القفقاسيين جاهلا بهذه الاُمور، فشرح له أحد العارفين

١٢٢
باللغة التركية معركة الطف، وأظهر له ـ بشكل لا يطيقه قلب محبّ ـ الصور المؤلمة التي مرّت على الحسين (عليه السلام) ومن معه.

فأثّر ذلك في نفسه وأفقده صوابه، فسَلَّ سيفه وضرب رأسه ضربة منكرة.

واستحسن أحد رؤساء مواكب العزاء ـ وكان تركياً ـ هذه العمليّة، فنظّمَ في السّنة التي تلت تلك الحادثة عزاءً مكوّناً من مجموعة صغيرة من الأفراد يلبسون الأكفان ويحملون السيوف، ذهب بهم إلى المكان المعروف اليوم بالمخيّم، وجاء بحلاّق فحلق شعر رؤوسهم، وجرح كلّ فرد منهم جرحاً بسيطاً في رأسه، وخرجوا بهذه الهيئة متّجهين إلى مرقد الإمام الحسين (عليه السلام) وهم ينادون: "يا حسين" حتّى وصلوا إلى الصحن الشريف، وبعد عويل وبكاء تفرّقوا.

الثانية: أنّ الشيعة من أتراك آذربيجان وتبريز وقفقاسيّة قدموا إلى العراق لزيارة العتبات المقدّسة، وذلك في النصف الأوّل من القرن التاسع عشر الميلادي، فدخل جماعة منهم في اليوم العاشر من محرّم الحرام إلى صحن الإمام الحسين (عليه السلام)، واجتمعوا قرب الباب المعروف اليوم بـ "الزينبيّة" ومعهم القامات، وهو سلاحهم التقليدي الذي يلازمهم خلال السفر.

ثمّ أقاموا مجلساً للتعزية في المكان المذكور، وأخذ مُقرئهم يشرح لهم واقعة الطف باللغة التركيّة بشكل أهاج مشاعرهم، فأخرجوا قاماتهم وأخذوا يضربون رؤوسهم دون أن يحلقوها وبشكل عنيف حول صخرة بارزة في المكان المذكور.

فاستحسن بعض رؤساءالمواكب هذه العمليّة، فأخرج موكباً صغيراً للتطبير، واقتفى أثره جماعة اُخرى من الأتراك الموجودين في النجف الأشرف فشكّلوا عزاءً قبلَ ما يقرب من مائة وخمسين سنة، وهكذا استمرّت هذه الظاهرة.

١٢٣
هذا ما نعرفه عن مبدأ هذه الظاهرة في العراق، أمّا عن مبدئها في باقي المدن الشيعيّة كيف ومتى ظهرت، ومَن أسّسها، وهل انتقلت إليها من العراق؟ فلا اطّلاع لنا عليه الآن"(١) .

الثانية:

ومن الشعائر التي يقيمها مُحِبّو أهل البيت (عليهم السلام) أيضاً هو موكب السلاسل، "وهو موكب يتألّف من جماعة من الرجال مكشوفي الظهور، بأيديهم سلاسل الحديد يضربون ظهورهم بها، عليهم الثياب السود، وأمامهم وخلفهم الأعلام السوداء، يمشون بهدوء وسكون لا يتواثبون، ينشدون أناشيد الحزن، ويخرجون صفوفاً متكاتفة مخترقين الأزقة والشوارع العموميّة"(٢) .

الثالثة:

استدلّ السيّد محسن الأمين بدليل العقل على حرمة ضرب الرؤوس وجرحها بالمُدى والسيوف وضرب الظهور بسلاسل الحديد، التي هي من مصاديق إيذاء النفس وإدخال الضرر عليها.

ويمكن مناقشة هذا الاستدلال إذ نقول:

إنّ استقلال العقل بقبح إيذاء النفس وإدخال الضرر عليها ممنوع على إطلاقه، فإنّنا نشاهد كثيراً من العقلاء يتحمّلون مضارَّ كبيرة ومتاعب شاقة، ويعرّضون أنفسهم لمخاطر جسيمه; لأجل الوصول إلى غرض من الأغراض والفوز بيسير من المقاصد الدنيويّة.

فالتاجر يخوض غمار الشدائد ويلج العقبات الكأداء، ويبذل أموالا طائلة، ويسافر إلى بلدان نائية، كلّ ذلك رجاء أن تربح تجارته ويعود إلى بلده بكميّة من

١ ـ الموسم ١٢:٢١٢ ـ ٢١٣، السنة ١٩٩١م ـ ١٤١٢هـ.

٢ ـ نصرة المظلوم: ٣١.

١٢٤
الأموال. وربّما يخيب أمله وينقطع رجاءه فلا يربح شيئاً، بل يخسر رأس ماله أيضاً كما خسر وقته وصحته.

وكثيراً من الذين يمارسون الألعاب الرياضيّة يتحمّلون مصاعب جمّة ومتاعب كثيرة، وربّما يتعرّضون لجروح عميقة في أجسادهم أو كسور عظامهم، بل يحتمل أن يفقدوا عضواً من أعضائهم، كلّ ذلك من أجل الفوز بالمنافع المعنويّة والماديّة.

فالعقل لا يحكم على التاجر والرياضي ولا غيرهما بالسّفاهة، ولا يذمّهم ولا يستهجن أعمالهم.

إذاً فالعقل ليس له حكم استقلاليّ بالقبح على عنوان الإضرار بالنفس مادام هناك غرض صحيح وفائدة معتدّ بها، نعم إذا خلا أيّ عمل عن الغرض الصحيح والفائدة المتوقّعة كان مظنّةً لذمّ العقلاء له والاستهجان به; لكونه عبثاً لا فائدة فيه. وهذا يعني أنّ ذمّ العقل لأيّ عمل ليس دائراً مدار الإضرار بالنفس، بل مدار انتفاء الغرض الصحيح والفائدة المعتدّ بها.

وقد صرّح الكثير من علمائنا بهذا الأمر في مصنّفاتهم الفقهيّة والاُصوليّة، منهم الشيخ الأنصاري (ت ١٢٨١هـ) حيث قال في بعض رسائله:

"العقل لا يحكم بوجوب الاحتراز عن الضرر الدنيويّ المقطوع إذا كان لبعض الدواعي النفسانيّة، وقد جوّز الشارع بل أمر به في بعض الموارد".

وقال أيضاً بعد الحكم بوجوب دفع الضرر المشكوك عقلا:

"لكن حكم العقل بوجوب دفع الضرر المتيقّن إنّما هو بملاحظة نفس الضرر الدنيويّ من حيث هو، كما يحكم بوجوب دفع الضرر الاُخروي كذلك. إلاّ أنّه قد يتّحد مع الضرر الدنيويّ عنوان يترتّب عليه نفع اُخرويّ، فلا يستقلّ العقل بوجوب دفعه، ولذا لا

١٢٥
ينكر العقل أمر الشارع بتسليم النفس للحدود والقصاص وتعريضها له في الجهاد والإكراه على القتل. وحينئذ فالضرر الدنيويّ المقطوع يجوز أن يبيحه الشارع لمصلحة، فإباحته للضرر المشكوك لمصلحة الترخيص على العباد أو لغيرها من المصالح أولى بالجواز(١) ".

وعلى هذا فإنّ العقل "لو كان مستقلاّ بقبح الإضرار على النفس مطلقاً لما أمكن وجود التكاليف الضرريّة في الشرع; لأنّ الحكم العقلي غير قابل للتخصيص، والشارع لا يأمر بما يستقل العقل بقبحه، مع أنّ وجود التكليف الضرري في الشرع المقدّس غير عزيز. وناهيك للشهادة عليه بفرض الجهاد الذي يكون المطلوب فيه تعريض النفس للرماح المشرعات وبيض السيوف وسفك المهج في سبيل الدين. وكذلك فرض الزكاة والخمس والحجّ التي بناؤها على بذل الأموال الطائلة ومقاساة شدائد الأسفار; امتثالا لأمر الله سبحانه، فهل ترى هذه الأحكام كلّها مخالفة لاستقلال العقل بقبح الضرر؟!"(٢) .

الرابعة:

الدليل الثاني الذي استدلّ به السيّد محسن الأمين في قوله بحرمة ضرب الرؤوس وجرحها بالمُدى والسيوف وضرب الظهور بالسلاسل، التي هي من مصاديق إيذاء النفس وإدخال الضرر عليها، هو الدليل النقلي.

وهذا الدليل يرجع إلى قاعدة العسر والحرج، ونحن نناقش هذه القاعدة بشكل مختصر.

١ ـ حكاه عنه السيّد علي نقي اللكهنوي في رسالته "إقالة العاثر": ٢٠ ـ ٢١.

٢ ـ إقالة العاثر: ٢١.

١٢٦

قاعدة العسر والحرج


تُفسَّر قاعدة العسر والحرج بوجهين:

الأوّل:

أنّ العسر والحرج أوجبا وقوع التخفيف في أصل شرعيّة الأحكام، أي أنّ الثابت في الشرع هو عبارة عن تكاليف لا عسر ولا حرج فيها. وقد يستدلّ على هذا ـ كما فعل السيّد الأمين ـ بقول النبيّ (صلى الله عليه وآله): "بُعثتُ بالحنيفيّة السهلة السمحة"(١) .

الثاني:

أنّ العسر لو طرأ على تكليف من التكاليف التي هي في نفسها وفي أصل شرعيّتها لا عسر فيها ولا حرج، فإنّه حينئذ يوجب الحكم بتخفيف هذا التكليف. ويدلّ على هذا قوله تعالى: {مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج}(٢) وقوله: {يُرِيدُ اللهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ}(٣) وأمثال ذلك كثيرة في التكاليف الشرعيّة.

والسيّد الأمين سواء أراد أنّ بعض الشعائر الحسينيّة أساساً فيها عسر وحرج; لذلك فإنّها محرّمة. أم أراد أنّ الشعائر الحسينيّة لها حكم في الشريعة أساساً ـ غير الحرمة ـ إلاّ أنّها حُرّمت لطروء العسر والحرج عليها، فيمكن جوابه بعدّة نقاط:

الاُولى:

إنّ قاعدة العسر والحرج بمعنييها السالفين مختصّة بالإلزاميّات، وقد صرّح فقهاؤنا بذلك في الكثير من مصنّفاتهم، لذلك فإنّهم جزموا بشرعيّة العبادات

١ ـ الكافي ٥:٤٩٤/١.

٢ ـ سورة الحجّ: الآية ٧٨.

٣ ـ سورة البقرة: ١٨٥.

١٢٧
الشاقّة المستحبّة وصحّتها، كصوم الدهر عدا العيدين وإحياء الليالي بالعبادة في تمام العمر.

والشعائر الحسينيّة ليست من الإلزاميات، بل هي اُمور نَدب إليها الشارع وأكّد عليها، والأدلّة على استحبابها كثيرة ومعروفة.

الثانية:

أكثر فقهائنا يذهبون إلى أنّ قاعدة الحرج تشمل الحرج الشخصي لا النوعي، وهذا يعني أنّ الحكم يُرفع عمّن يكون الفعل في حقّه عسراً وحرجاً فقط.

وبعض الشعائر الحسينيّة التي فيها عسر وحرج على بعض الأشخاص فإنّها يرفع حكمها عنهم فقط، لا عن الأشخاص الذين تعوّدوا عليها ولا يلزمهم أي عسر وحرج في ممارستها، وعلى هذا فلا يمكن تعميم الحكم والقول بحرمتها أو عدم مشروعيّتها أصلا.

الثالثة:

ذهب كافّة فقهائنا ـ إلاّ مَن شذَّ منهم ـ إلى مشروعيّة العبادات الحرجيّة وصحّتها كالصوم الحرجي، والطّهارة الحرجيّة من الوضوء والغسل للغايات الواجبة.

فعلى هذا لو توضّأ من يكون الوضوء عليه عسراً بقصد رجحانه الذاتي، يرتفع حدثه ويسقط عنه وجوب التيمّم; لارتفاع موضوعه. وكذا من يكون الصوم في حقّه حرجيّاً مع عدم تضرّره، بل لو تحمّل العسر وصام بلحاظ حسنه ورجحانه ذاتاً كان صومه جائزاً.

فلماذا تكون الشعائر الحسينيّة ـ التي دلّت الكثير من الأدلّة على رجحانها لذاتها أو بعنوان كونها من الإبكاء وإظهار الحزن والجزع على سيّد الشهداء عليه السّلام ـ غير مشروعة أو غير محكومة بالاستحباب، لمجرّد دعوى كونها متعسّرة على بعض الأشخاص؟!

الرابعة:

بعد أن استدلّ السيّد الأمين بقاعدة العسر والحرج وإضرار النفس،

١٢٨
على حرمة ضرب الرؤوس وجرحها بالمُدى والسيوف وضرب الظهور بسلاسل الحديد، ردّ على معاصره الشيخ عبد الحسين صادق العاملي الذي أورد عدّة مصاديق على جواز تحمّل الحرج في العبادات صدرت من الأنبياء والأولياء.

والسيّد الأمين في ردّه هذا يشكّك في صحّة هذه المصاديق: كقيام النبيّ (صلى الله عليه وآله) في الصلاة حتّى تورّمت قدماه، ووضعه (صلى الله عليه وآله) حجر المجاعة على بطنه مع اقتداره على الشبع، وحجّ الأئمة (عليهم السلام) مشاة حتّى تورّمت أقدامهم مع تمكّنهم من الركوب.

ونحن نورد أوّلا عبارة الشيخ عبد الحسين صادق العاملي، وبعدها نذكر ردّ السيّد الأمين عليه، ثمّ نقوم بمناقشة كلامهما وتوضيح المُبهم فيه.

تورّم قدم النبي (صلى الله عليه وآله) من القيام في الصلاة

قال الشيخ عبد الحسين صادق العاملي:

"لو كان الشاقّ وإن دخل تحت القدرة والطوق غير مشروع، ما فعلته الأنبياء والأولياء، ألم يقم النبي (صلى الله عليه وآله) للصلاة حتّى تورّمت قدماه؟!"(١) .

وقال السيّد محسن الأمين في جوابه:

"أمّا استشهاده بقيام النبيّ (صلى الله عليه وآله) للصلاة حتّى تورّمت قدماه، فإن صحّ فلا بُدَّ أن يكون من باب الاتّفاق، أي ترتّب الورم على القيام اتّفاقاً، ولم يكن النبيّ (صلى الله عليه وآله) يعلم بترتّبه، وإلاّ لم يجز القيام المعلوم أو المظنون أنّه يؤدّي إلى ذلك; لأنّه ضرر يرفع

١ ـ رسالة التنزيه:٦٥.

١٢٩
التكليف ويوجب حرمة الفعل المؤدّي إليه"(١) .

أقول: أوّلا: العجب من السيّد الأمين كيف شكّك في هذا الأمر الذي رواه الثقات من أصحابنا، وذكره الكثير من فقهائنا في موسوعاتهم الفقهيّة:

فقد رواه المحدّث علي بن إبراهيم القمّي (من أعلام القرنين الثالث والرابع) في "تفسيره" بسنده عن أبي بصير عن الإمام الصادق (عليه السلام) حيث قال:

"كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا صلّى قام على أصابع رجليه حتّى تورّمت، فأنزل الله تبارك وتعالى: {طَه} بلغة طيّ يا محمد {مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى إِلاَّ تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى}(٢) "(٣) .

ورواه أيضاً أمين الإسلام الشيخ أحمد بن علي الطبرسي (ت القرن السادس) في كتابه "الاحتجاج" بسنده عن الإمام الكاظم (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام) عن الإمام علي (عليه السلام) في احتجاجه على أحبار اليهود حيث قال:

"قال اليهودي: فإنّ هذا داود (عليه السلام) بكى على خطيئته حتّى سارت الجبال معه لخوفه.

فقال له علي (عليه السلام): "لقد كان كذلك، ومحمّد (صلى الله عليه وآله) اُعْطيَ ما هو أفضل من هذا، إنّه كان إذا قام إلى الصلاة يُسمع لصدره وجوفه أزير(٤) كأزير المِرْجَل(٥) على الأثافي(٦)

١ ـ رسالة التنزيه:٦٦.

٢ ـ سورة طه: ١ ـ ٣.

٣ ـ تفسير القمّي ٢:٥٨.

٤ ـ الأزير: الصوت.

٥ ـ المِرْجَلُ: قِدْرٌ من نحاس. الصحاح ٥:١٧٠٥ "رجل".

٦ ـ التي يوضع عليها القدر.

١٣٠
من شدّة البكاء. وقد آمنه الله عزّ وجلّ من عقابه، فأراد أن يتخشّع لربه ببكائه ويكون إماماً لمن اقتدى به.

ولقد قام رسول الله (صلى الله عليه وآله) عشر سنين على أطراف أصابعه حتّى تورّمت قدماه واصفر وجهه، يقوم الليل أجمع، حتّى عُوتب في ذلك فقال الله عزّ وجلّ: {طه مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى}(١) بل لتسعد به.

ولقد كان يبكي حتّى يغشى عليه. فقيل له: يا رسول الله أليس الله عزّ وجلّ قد غفر لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر؟ فقال: "بلى، أفلا أكون عبداً شكورا"(٢) .

وأخرجه أيضاً بهذا اللفظ الشيخ قطب الدين الراوندي (ت ٥٧٣هـ) في "الخرائج والجرائح"(٣) .

وروى السيّد الجليل علي بن موسى بن طاووس (ت ٦٦٤هـ) في "فتح الأبواب" بسنده عن الزهري عن الإمام السجاد (عليه السلام) حيث قال:

"كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقف في الصلاة حتّى يَرِم(٤) قدماه، ويظمأ في الصيام حتّى يَعْصِبَ فوه(٥) ، فقيل له: يا رسول الله ألم يغفر لك الله ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر؟

١ ـ سورة طه: الآية ١ ـ ٢.

٢ ـ الإحتجاج ١: ٥١٩ ـ ٥٢٠.

٣ ـ الخرائج والجرائح ٢:٩١٧.

٤ ـ قال ابن الأثير في النهاية ٥:١٧٧ "ورم": فيه: "أنّه قام حتّى وَرِمَتْ قدماه" أي انتفخت من طول قيامه في صلاة الليل. يقال: وَرِمَ يَرِمُ، والقياس: يَوْرَمُ، وهو أحد ما جاء على هذا البناء.

٥ ـ عصب الريق بفيه: إذا يبس عليه، والمراد هنا شدّة الظمأ والعطش. انظر الصحاح ١:٨٣ "عصب".

١٣١
فيقول (صلى الله عليه وآله): "أفلا أكون عبداً شكورا"(١) .

وقال المحدّث البحراني (ت ١١٨٦هـ) في تفسيره:

"إنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) كان يقوم في الصلاة على أطراف أصابعه حتّى تورّمت قدماه; إجهاداً لنفسه في العبادة، حتّى عاتبه الله تعالى على ذلك رأفةً فقال: {طه مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى}(٢) "(٣) .

ثانياً: والأعجب من ذلك أنّ السيّد الأمين(رحمه الله) لم يكتف بتشكيكه بتورّم قدمي النبيّ (صلى الله عليه وآله) من قيامه للصلاة، بل يدّعي اتفاقيّة ترتّب الورم على قيامه، أي أنّه لم يكن يقصد إيذاء نفسه في سبيل الله تعالى وتحمّل هذا القيام الشاقّ في الصلاة، ولم يكن يعلم بما سيؤول إليه الاستمرار في القيام بهذا الشكل.

وهذا غير صحيح قطعاً، فإنّ هناك أدلّة كثيرة تدلّ على أنّه (صلى الله عليه وآله) كان يتعمّد فعل ذلك، بل ويداوم عليه، ويختار أشقّ أفراد العبادة، فالروايات السابقة التي ذكرناها دالّة على ذلك بوضوح.

وروى ثقة الإسلام الشيخ الكليني (ت ٣٢٨هـ) بسنده عن أبي بصير عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنّه قال: "كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقوم على أطراف أصابع رجليه، فأنزل الله سبحانه: {طه مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى}(٤) "(٥) .

وقال الشيخ الطوسي (ت ٤٦٠هـ) في "التبيان":

١ ـ فتح الأبواب: ١٧٠ ـ ١٧١.

٢ ـ سورة طه: الآية ١ ـ ٢.

٣ ـ البرهان في تفسير ٢:٦٧٠.

٤ ـ سورة طه: الآية ١ ـ ٢.

٥ ـ الكافي ٢:٧٧/٦.

١٣٢
"قال مجاهد: إنّها ـ آية {طه} ـ نزلت بسبب ما كان يلقى من التعب والسهر في قيام الليل"(١) .

وقال أمين الإسلام الطبرسي (ت القرن السادس) في "مجمع البيان": "وقد روي أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) كان يرفع رجله في الصلاة ليزيد تعبه، فأنزل الله: {طه مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى}(٢) "(٣) .

وحكى عن قتادة أنّه قال: "وكان يصلّي الليل ويعلّق صدره بحبل حتّى لا يغلبه النوم، فأمره الله سبحانه بأن يخفّف عن نفسه، وذكر أنّه ما أنزل عليه الوحي ليتعب كلّ هذا التعب"(٤) .

وذكر ابن شهرآشوب (ت ٥٨٨هـ) جواب الإمام السّجاد (عليه السلام) لجابر بن عبد الله الأنصاري، حيث أنكر عليه ما يفعله بنفسه من كثرة العبادة إذ قال (عليه السلام):

"يا صاحب رسول الله (صلى الله عليه وآله) أما علمتَ أنّ جدّي رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد غفر الله له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر، فلم يدع الاجتهاد وتعبّد ـ هو بأبي وأمّي ـ حتّى انتفخ الساق وورم القدم، وقيل له: أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر؟ قال: أفلا أكون عبداً شكورا"(٥) .

وتعرّض كثير من فقهائنا لهذا الأمر في كتبهم الفقهيّة: كالمحدّث الشيخ يوسف

١ ـ التبيان ٧:١٥٨.

٢ ـ سورة طه: الآية ١ ـ ٢.

٣ ـ مجمع البيان ٧:٦.

٤ ـ مجمع البيان ٧:٧.

٥ ـ مناقب آل أبي طالب ٤: ١٦١ ـ ١٦٢.

١٣٣
كتاب قراءة في رسالة التنزيه للشيخ محمّـد الحسّـون (ص ١٣٤ - ص ١٥١)
١٣٤
تضجّراً وقال: مَن يقوى على عبادة عليّ (عليه السلام)؟!"(١) .

ورواه أيضاً الفضل بن الحسن الطبرسي (ت ٥٤٨هـ) في "إعلام الورى"(٢) ومحمّد بن علي بن شهرآشوب المازندراني (ت ٥٨٨هـ) في "مناقب آل أبي طالب"(٣) .

وحكى ابن شهرآشوب أيضاً عن الحسن البصري أنّه قال: "ما كان في هذه الأمّة أعبد من فاطمة (عليها السلام)، كانت تقوم الليل حتّى تورّم قدماها"(٤) .

وحكى أيضاً عن عدّة مصادر من العامّة قولهم: "لقد طحنت فاطمة بنت رسول الله حتّى مجلت يداها(٥) "(٦) .

وحكى عن "تفسير الثعلبي" عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)، وعن "تفسير القشيري" عن جابر بن عبد الله الأنصاري أنّه رأى فاطمة وعليها كساء من أجلة الإبل وهي تطحن بيدها وترضع ولدها، فدمعت عينا رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقال: "يا بنتاه تعجّلي مرارة الدنيا بحلاوة الآخرة"(٧) .

١ ـ الإرشاد ٢:١٤٢.

٢ ـ إعلام الورى: ٢٥٤.

٣ ـ مناقب آل أبي طالب ٤:١٦٢.

٤ ـ مناقب آل أبي طالب ٣:٣٨٩.

٥ ـ أي ثخن جلدُها وظهر فيها ما يشبه البثر من العمل بالأشياء الصلبة الخشنة. مجمع البحرين ٥:٤٧٢ "مجل".

٦ ـ مناقب آل أبي طالب ٣:٣٩٢.

٧ ـ مناقب آل أبي طالب ٣:٣٩١.

١٣٥
وروى الشيخ محمّد بن يعقوب الكليني (ت ٣٢٨هـ) في "الكافي" بسنده عن محمّد بن أبي حمزة عن أبيه قال:

"رأيت علي بن الحسين (عليه السلام) في فناء الكعبة في الليل وهو يصلّي، فأطال القيام حتّى جعل يتوكأ مرّة على رجله اليمنى، ومرة على رجله اليسرى"(١) .

وقال الشيخ الصدوق محمّد بن علي بن إبراهيم القمّي (ت ٣٨١هـ) في "الخصال" في باب "ذكر ثلاث وعشرين خصلة من الخصال المحمودة التي وصف بها علي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام) ":

"كان علي بن الحسين (عليه السلام) يصلّي في اليوم والليلة ألف ركعة، كما كان يفعل أمير المؤمنين (عليه السلام)، كانت له خمسمائة نخلة فكان يصلّي عند كلّ نخلة ركعتين ـ إلى أن قال ـ ولمّا وضع على المغتسل نظروا إلى ظهره وعليه مثل رُكب الإبل ممّا كان يحمل على ظهره إلى منازل الفقراء والمساكين ـ إلى أن قال ـ ولقد كان يسقط منه كلّ سنة سبع ثفنات من مواضع سجوده; لكثرة صلاته، وكان يجمعها فلمّا مات دفنت معه"(٢) .

وروى الشيخ الطوسي بسنده عن عمرو بن عبد الله الجملي عن الإمام الباقر (عليه السلام) قال:

"إنّ فاطمة بنت علي بن أبي طالب (عليه السلام) لمّا نظرت إلى ما يفعل ابن أخيها علي بن الحسين بنفسه من الدأب في العبادة، أتت جابر بن عبد الله الأنصاري فقالت له: يا صاحب رسول الله، إنّ لنا عليكم حقوقاً، ومن حقّنا عليكم أن إذا رأيتم أحدنا يهلك نفسه اجتهاداً أن تذكّروه الله وتدعوه إلى البُقيا على نفسه، وهذا علي بن الحسين بقيّة أبيه

١ ـ الكافي ٢: ٤٢٢/١، وسائل الشيعة ٥:٤٩٠/١.

٢ ـ الخصال: ٥١٧ ـ ٥١٨.

١٣٦
الحسين قد انخرم أنفه وثفنت جبهته وركبتاه وراحتاه; دأباً منه لنفسه في العبادة".

ثمّ ذكر كيفيّة دخول جابر بن عبد الله الأنصاري على الإمام السجاد (عليه السلام) وقوله له: يا بن رسول الله، أما علمتَ أنّ الله تعالى إنّما خلق الجنّة لكم ولمن أحبّكم، وخلق النار لمن أبغضكم وعاداكم، فما هذا الجهد الذي كلّفته نفسك؟

قال له علي بن الحسينعليهما السلام: يا صاحب رسول الله، أما علمتَ أنّ جدّي رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد غفر الله له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر فلم يدع الاجتهاد له، وتعبّد ـ بأبي هو واُمّي ـ حتّى انتفخ الساق وورم القدم، وقيل له: أتفعل هذا وقد غفر لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر؟! قال: أفلا أكون عبداً شكورا"(١) .

وفي "القاموس المحيط": "وذو الثفنات: علي بن الحسين بن علي (عليهم السلام) "(٢) .

حجّ الأئمّة مشاة حتّى تورّمت أقدامهم

قال الشيخ عبد الحسين صادق العاملي: "ألم تحجّ الأئمة مشاة حتّى تورّمت أقدامهم مع تمكّنهم من الركوب"(٣) .

وقال السيّد محسن الأمين في جوابه: "وكذا استشهاده بحجّ الأئمة مشاة هو من هذا القبيل"(٤) .

وهذا معطوف على الكلام الذي ذكرناه سابقاً في قيام النبيّ (صلى الله عليه وآله) في الصلاة

١ ـ أمالي الطوسي: ٦٣٦ ـ ٦٣٧.

٢ ـ القاموس المحيط ٤:٢٠٩ "ثَفَنَ".

٣ ـ رسالة التنزيه:٦٥.

٤ ـ رسالة التنزيه:٦٧.

١٣٧
حتّى تورّمت قدماه، أي أنّ حجّ الأئمة مشاة حتّى تورّمت أقدامهم لو صحّ فلابد أن يكون من باب الاتّفاق، أي ترتّب الورم على القيام اتّفاقاً مع عدم علمهم بترتّبه.

أقول: وهذا أيضاً عجيب من السيّد الأمين، كيف يُشكّك في حجّ الأئمة مشاة حتّى تورّمت أقدامهم، فإنّ الأدلّة على ذلك كثيرة، وهي دالّة على أنّهم كانوا يفعلون ذلك باختيارهم مع علمهم بما سيؤول إليه هذا المشي من التعب وتورّم القدم، وكانوا يحتسبون ذلك قربة إلى الله تعالى.

روى الشيخ الكليني (ت ٣٢٨هـ) بسنده عن أبي اُسامة عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنّه قال: "خرج الحسن بن عليعليهما السلام إلى مكّة سنة ماشياً فورمت قدماه، فقال له بعض مواليه: لو ركبت لسكن عنك هذا الورم. فقال: كلاّ، إذا أتينا هذا المنزل فإنّه يستقبلك أسود ومعه دهن فاشترِ منه ولا تماكسه"(١) .

وروى الشيخ الطوسي (ت ٤٦٠هـ) بسنده عن الحلبي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: "إنّ الحسن بن علي قاسمَ ربّه ثلاث مرّات حتّى نعلا ونعلا، وثوباً وثوباً وديناراً وديناراً، وحجّ عشرين حجّة ماشياً على قدميه"(٢) .

وذكره ابن شهرآشوب المازندراني (ت ٥٨٨هـ) في "المناقب" عن بعض مصادر العامّة(٣) .

وروى أيضاً عن ابن عباس أنّه قال: "لقد حجّ الحسن بن عليعليهما السلام خمساً وعشرين حجّة ماشياً وإنّ النجائب لتقاد معه"(٤) .

١ ـ الكافي ١:٣٨٥/٦، وسائل الشيعة ١١:٨٠/٨.

٢ ـ التهذيب ٥:١١/٢٩، الاستبصار ٢:١٤١/٤٦١، وسائل الشيعة ١١:٧٨/٣.

٣ ـ مناقب آل أبي طالب ٤:١٧ ـ ١٨.

٤ ـ مناقب آل أبي طالب ٤:١٨.

١٣٨
وروى أحمد بن محمّد بن خالد البرقي (ت ٢٨٠هـ) بسنده عن أبي المنكدر عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنّه قال: "قال ابن عباس: وكان الحسين بن عليعليهما السلام يمشي إلى الحجّ ودابته تُقاد وراءه"(١) .

وذكر الشيخ المفيد بسنده عن إبراهيم بن علي عن أبيه أنّه قال: "حجّ علي بن الحسينعليهما السلام ماشياً، فسار عشرين يوماً من المدينة إلى مكّة"(٢) .

وحكاه عنه ابن شهرآشوب المازندراني في "المناقب"(٣) .

بكاء الإمام السّجاد (عليه السلام) على أبيه الإمام الحسين (عليه السلام)

قال الشيخ عبد الحسين صادق العاملي: "ألم يتّخذ علي بن الحسينعليهما السلامالبكاء على أبيه دأباً، والامتناع من تناول الطعام والشراب حتّى يمزجهما بدموعه، ويغمى عليه في كلّ يوم مرّة أو مرّتين.

أيجوز للنبي وآله صلّى الله عليه وآله إدخال المشقّة على أنفسهم طمعاً بمزيد الثواب، ولايجوز لغيرهم؟! أيباح لزين العابدين أن ينزل بنفسه ما ينزله من الآلام تأثّراً وانفعالا من مصيبة أبيه، ولا يباح لوليّه أن يؤلم نفسه لمصيبة إمامة؟!"(٤) .

وقال السيد محسن الأمين في جوابه: "أمّا بكاء علي بن الحسينعليهما السلام على أبيه المودّي إلى الاغماء وامتناعه عن الطعام والشراب، فإن صحّ فهو أجنبيّ عن المقام، فإنّ

١ ـ المحاسن: ٧٠/١٣٩، وسائل الشيعة ١١:٨٠/٩.

٢ ـ الإرشاد ٢:١٤٤.

٣ ـ مناقب آل أبي طالب ٤:١٦٨.

٤ ـ رسالة التنزيه:٦٥.

١٣٩
هذه اُمور قهريّة لا يتعلّق بها تكليف، وما كان منها اختياريّاً فحاله حال ما مرَّ"(١) .

أقول: أوّلا: بكاء الإمام السّجاد (عليه السلام) على أبيه الإمام الحسين (عليه السلام) من الاُمور المعروفة والمشهورة عند الجميع، ولا يخلو كتاب أو رسالة تعرّضت لواقعة الطفّ أو لترجمة حياة الإمام زين العابدين (عليه السلام) إلاّ ذكرت ذلك بشكل مفصّل، بل إنّ بعض الكتب أفردت له باباً خاصاً، حتّى إنّه عُدَّ من البكائين الخمسة.

فقد روى الشيخ الصدوق (ت ٣٨١هـ) في "الخصال" في باب "البكاؤون خمسة" بسنده عن محمّد بن سهل البحراني، يرفعه إلى الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: "البكاؤون خمسة: آدم، ويعقوب، ويوسف، وفاطمة بنت محمّد، وعلي بن الحسين.

فأمّا آدم فبكى على الجنّة حتّى صار في خدّه أمثال الأودية.

وأمّا يعقوب فبكى على يوسف حتّى ذهب بصره، وحتّى قيل له: تالله تفتؤ تذكر يوسف حتّى تكون حرضاً أو تكون من الهالكين.

وأمّا يوسف فبكى على يعقوب حتّى تأذّى به أهل السجن فقالوا له: إمّا أن تبكي الليل وتسكت بالنهار، وإمّا أن تبكي بالنهار وتسكت بالليل، فصالحهم على واحد منهما.

وأمّا فاطمة فبكت على رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتّى تأذّى بها أهل المدينة فقالوا لها: قد آذيتينا بكثرة بكائك. فكانت تخرج إلى المقابر ـ مقابر قريش ـ فتبكي حتّى تقضي حاجتها ثمّ تنصرف.

وأمّا علي بن الحسين فبكى على الحسين (عليه السلام) عشرين سنة أو أربعين سنة، ماوضع بين يديه طعام إلاّ بكى حتّى قال له مولى له: جعلتُ فداك يابن رسول الله إنّي أخاف عليك أن تكون من الهالكين. قال: {إنّما أَشكُو بَثّي وحُزني إلى اللهِ وَأَعْلَمُ مِنَ الله

١ ـ رسالة التنزيه:٦٧.

١٤٠