×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

القطوف الدانية (الكتاب الثاني) / الصفحات: ٨١ - ١٠٠

المقام تكليفية أو وضعية أو كليهما؟

ذهب الشيخ الطوسي ومالك وأحمد بن حنبل إلى ثبوت الحرمة الوضعية وهي فساد البيع أيضا (١).

وذهب أبو حنيفة والشافعي إلى عدم ثبوت الحرمة الوضعية. أفتوا بأن البيع صحيح (٢).

ونقول: بأن البيع في وقت النداء حيث إنه حرام. لكنه صحيح.

والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله وسلم

(١) المدونة الكبرى: ج ١، ص ١٥٤، والمجموع: ج ٤، ص ٥٠١.

(٢) الأم: ج ١، ص ١٩٥، ومغني المحتاج: ج ١، ص ٢٩٥.

٨١

المسألة الثامنة
شرائط صحة الصوم

٨٢
٨٣

شرائط صحة الصوم

وهي أمور:

أولا - شرائط صحة الصوم:

الأول - الإسلام:

فلا يصح الصوم من الكافر عند جميع فقهاء المسلمين.

الثاني - العقل:

فلا يصح الصوم من المجنون حال جنونه بالاتفاق وأما البلوغ فليس من شرائط صحته إذ الصبي يصح صومه إذا كان مميزا.

الثالث - النية:

كما هو الشأن في جميع العبادات فلا يصح بدونها عند الجميع.

واستدل لذلك بوجوه:

الأول: قوله تعالى: (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين) (١).

الثاني: ما روي عن المعصوم أنه قال: لا عمل إلا بالنية وإن لكل امرئ ما نوى (٢).

الثالث: الاجماع: وخالف ذلك زفر فإنه قال: إذا تعين عليه رمضان على وجه لا يجوز له الفطر أجزأه من غير نية وأما إذا لم يكن متعينا عليه فلا بد فيه من النية ونقل عن مجاهد أيضا (٣).

(١) سورة البينة: آية ٥.

(٢) صحيح البخاري: ج ١، ص ٤٢، ومسلم في الصحيح: ج ٣، ص ٥١٥، والتهذيب: ج ٤، ص ١٨٦.

(٣) بداية المجتهد: ج ١، ص ٢٩٣.

٨٤

الرابع - الخلو من الحيض والنفاس:

فلا يصح من المرأة الحائض والنفساء وكذا لو حدثتا في أثناء صوم نهارها وذلك للأخبار.

الخامس - عدم المرض:

فلو صام المكلف في حال المرض ل يصح صومة قالت به الإمامية:

ولكن فيها إذا زاد الصوم في شدة مرضه أو شدة ألمه أو صار موجبا لتأخير البرء وقد ذكروا في وجهه بأن المرض ضرر والضرر محرم والنهي في العبادة على ما حدد في الأصل يقتضي الفساد وتبعهم في ذلك أهل الظاهر لأنهم حكموا بعدم إجزاء صومه في حال المرض وأن فرضه عده من أيام أخر (١).

ولكن الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية وغيرهم من بقية المذاهب:

ذهبوا إلى أن عدم المرض ليس من شرائط صحة الصوم وقالوا: إن المريض مخير بين أن يصوم وبين أن يفطر وإذا صام أجزأه (٢).

ولكن لا يخفى أن حكمهم بذلك إنما يختص بما إذا لم يغلب على ظنه الهلاك أو تعطيل حاسة من حواسة وإلا فيكون عدم المريض من شرائط صحة الصوم عندهم ففي الفرض المذكور يتعين عليه الافطار.

وكيف كان فالسبب في اختلافهم في هذه المسألة شيئان:

أحدهما: قوله تعالى: (فمن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر) (٢).

لتردده بين أن يحمل على ظاهره وبين حمله على خلاف ظاهره بأن يكون فيه تقدير وهو (فافطر)، فمن حمل الآية على الأول كالإمامية

(١) بداية المجتهد: ج ١، ص ٢٩٥.

(٢) سورة البقرة: آية ١٨٥.

٨٥
والظاهرية حكموا بأن فرض المريض عدة من أيام أخر ومن حملها على الثاني كالحنفية ومن تبعهم حكموا بأن فرضه عدة من أيام أخر ولكن لا مطلقا بل في ما إذا أفطر وأما إذا لم يفطر وصام فهو بحسب فرضه.

ثانيهما: احتمال كون ترك الصوم في حال المرض رخصة واحتمال أن يكون عزيمة من رأى أن ترك الصوم في حال المرض رخصة فقال إن شاء المريض صام وإن شاء أفطر ومن رأى كونه عزيمة أفتى بعدم جواز الصوم في هذا المرض.

السادس - عدم السفر الموجب لقصر الصلاة على ما هو المقدر عند كل مذهب:

ذهب الإمامية إلى كونه شرطا في صحة الصوم فلو صام بطل صومه ووجب القضاء عليه دون الكفارة، هذا إذا سافر قبل الزوال وأما إذا سافر بعد الزوال أو حين الزوال فعلية أن يبقى على صيامه وإن أفطر فعليه كفارة من أفطر في صومه عمدا.

وذهب بقية المذاهب إلى عدم كونه من شرائط صحة الصوم (١).

وعلى هذا فإذا صام في السفر صح صومة ولكن يجوز له الافطار إذا شرع بالسفر قبل طلوع الفجر وأما إذا شرع بالسفر بعد طلوع الفجر حرم عليه الافطار ولو أفطر فعليه القضاء والكفارة.

وزاد الشافعي شيئا حيث قال: إذا كان المسافر من عادته دوام السفر كالمكاري فلا يجوز له الافطار وإلا جاز له ذلك حيث يكون المسافر مخيرا بين أن يصوم وبين أن يفطر. راجع: كتاب الفقه على المذاهب الأربعة: كتاب صلاة المسافر.

وكيف كان استدلال للقول الأول بوجهين:

(١) المجموع: ج ٦، ص ٢٦١، والمحلى: ج ٦، ص ٢٤٧.

٨٦
الأول: ظاهر قوله تعالى: (فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر) (١).

الثاني: ما رواه ابن عباس قال إن رسول الله (ص) خرج إلى مكة عام الفتح في رمضان فصام حتى بلغ الكديد ثم أفطر فأفطر الناس (٢).

واستدل للقول الثاني بوجهين:

الأول: الآية المذكورة ولكن مع التقدير فيها وهو كلمة: فافطر، فتكون الآية هكذا فمن كان منكم مريضا أو على سفر فافطر فعدة من أيام أخر.

الثاني: ما رواة أنس قال: كان أصحاب رسول الله (ص) يسافرون فيصومون بعضهم ويفطرون بعضهم (٢).

وما رواه أيضا قال: سافرنا مع رسول الله (ص) في رمضان فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم (٣).

ولكن وقع الخلاف بين فقهاء المذاهب الأربعة في أن الصوم للمسافر أفضل أم الفطر؟

ذهب أبو حنيفة ومالك إلى أن الصوم أفضل له وذهب أحمد بن حنبل وجماعة إلى أن الفطر أفضل له، وقال داود الظاهري إنه مخير بين الفطر والصوم (٣).

وسبب الخلاف في ذلك عندهم هم اختلاف الأخبار، واستدل للقول الأول بأن جواز الافطار للصائم في السفر إنما يكون على سبيل الرخصة والامتثال لرفع المشقة عنه فيكون الأفضل ترك الرخصة واستشهد لذلك بما

(١) سورة البقرة: آية ١٨٥.

(٢) بداية المجتهد: ج ١، ص ٢٩٥.

(٣) نيل الأوطار: ج ٤، ص ٣٠٥.

٨٧
رواة حمزة بن عمرو الأسلمي أنه قال: يا رسول الله أجد في قوة على الصوم في السفر فهل على من جناح فقال (ص): هي رخصة من الله فمن أخذ بها فحسن ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه (١).

واستدل للقول الثاني بما روي عن النبي (ص) أنه قال: ليس من البر الصيام في السفر (٢).

واستدل للقول الثالث بما روته عائشة قالت: سأل حمزة الأسلمي الرسول (ص) عن الصيام في السفر فقال: إن شئت فصم وإن شئت فافطر (٣).

السابع - أن لا تكون المرأة حاملا مقربا أو مرضعا:

قالت الإمامية بذلك ولكن فيما إذا تضررت الحامل المقرب أو تضرر الرضيع لا يجوز لها الصوم حينئذ لأن الضرر محرم وهذا مما لا خلاف فيه بينهم إنما الخلاف بين فقهاء الإمامية في ثبوت القضاء والفدية عليها فيما إذا كان الضرر على نفسها، فقال بعض منهم إنها تقضي ولا تفدي، وقال بعض آخر منهم: عليها أن تقضي وتفدي. وأما إذا كان الضرر على الولد فلا خلاف بينهم في ثبوت القضاء والفدية عليها.

هكذا كله بنظر فقهاء مذهب الإمامية في هذه المسألة، وأما بنظر فقهاء المذاهب الأخرى فيقع الكلام فيه عن جهات:

الأول: اتفق الجميع على صحة صوم الحامل المقرب والمرضع إذا صامتا كما إنهم اتفقوا على جواز الافطار لهما فيما إذا خافت الحامل أو المرضع على نفسها أو ولدها.

(١) بداية المجتهد: ج ١، ص ٢٩٦.

(٢) صحيح البخاري: ج ٣، ص ٤٤.

(٣) بداية المجتهد: ج ١، ص ٢٩٦.

٨٨
الثاني: وقع الخلاف بين فقهاء العامة في وجوب القضاء عليها وعدمه إذا أفطرتا على أقوال:

الأول: وجوب القضاء عليهما وبه قال أبو حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل ومالك والأوزاعي (١).

الثاني: عدم وجوب القضاء عليهما وبه قال عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر (٢).

الثالث: وقع الخلاف بينهم في وجوب الكفارة عليها وعدمه على أقوال:

الأول: عدم وجوبها عليهما وبه قال أبو حنيفة والثوري والمزني والزهري (٣).

الثاني: وجوبها عليهما وبه قالت الشافعية والحنابلة (٤).

الثالث: وجوبها على المرضع دون الحامل وهو المنقول عن مالك بن أنس الأصبحي وعبد الرحمن الأوزاعي (٥).

وسبب الخلاف في هذه الجهات: هو كونهما من قبيل من يجهده الصوم وبين من يكون مريضا فمن رأى كونهما من قبيل الأول حكم بوجوب الاطعام عليهما بدليل قراءة من قرأ (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين) (٦) ومن رأى كونهما من قبيل الثاني حكم بوجوب القضاء عليهما

(١) المجموع: ج ٦، ص ٢٦٧، والمنهل العذب: ج ١٠، ص ٢٩.

(٢) المجموع: ج ٦، ص ٢٦٧، ومختصر المزني: ص ٥٧، اللباب: ج ١، ص ١٧١

(٣) اللباب: ج ١، ص ١٧١، المجموع: ج ٦، ص ٢٦٧.

(٤) مختصر المزني: ص ٥٧، والمجموع: ج ٦، ص ٢٦٧.

(٥) المدونة الكبرى: ج ١، ص ٢١٠، والمنهل العذب: ج ١٠، ص ٢٩٠.

(٦) سورة البقرة: آية ١٨٤.

٨٩
فقط، ومن رأى كونهما من قبيل الأول والثاني لوجود الشبه من كل واحد فيها حكم بوجوب الأمرين معا عليهما.

أما القضاء فلكونهما شبيهان بالمرض، وأما الكفارة فمن جهة ما فيهما من شبة الذين يجهدهم الصيام.

وأما من فرق بين الحامل والمرضع فإنه ألحق الحامل بالمريض وأبقى حكم المرضع مجموعا من حكم المريض وحكم الذي يجهده الصوم.

الثامن - عدم السكر والإغماء:

قالت الشافعية: لا يصح منها الصوم إذا غاب شعورهما في جميع الوقت أما إذا كان في بعض الوقت فيصح صومهما ولكن يجب على المغمى عليه القضاء مطلقا سواء كان الاغماء بسببه أو قهرا عنه ولا يجب على السكران إلا إذا كان السكر بسببه خاصة (١).

وقالت المالكية: لا يصح منهما الصوم إذا كان السكر والإغماء مستغرقا من طلوع الفجر إلى غروب الشمس أو معظم الوقت أما إذا استغرق نصف اليوم أو أقله وكانا منتبهين وقت النية ونويا ثم طرأ الاغماء أو السكر فلا يجب القضاء (٢).

وقالت الأحناف: أن المغمى عليه كالمجنون تماما وحكم المجنون أنه إذا استغرق الجنون كل شهر رمضان فلا يجب عليه القضاء، وإذا جن نصف الشهر وأفاق في النصف الآخر يصوم ما بقي ويقضي ما فات أيام جنونه (٣).

وقالت الحنابلة: بوجوب القضاء على السكران والمغمى عليه سواء

(١) مختصر المزني: ص ٥٧، وكفاية الأخيار: ج ١، ص ١٢٧.

(٢) كتاب الفقه على المذاهب الأربعة: كتاب الصوم

(٣) اللباب: ج ١، ص ١٧٢، والشرح الكبير: ج ٣، ص ٢٥، وفتح القدير: ج ٦، ص ٤٦.

٩٠
كان ذلك بفعلهما أو قهرا عنهما.

راجع: الفقه على المذاهب الأربعة: كتاب الصوم وقالت الإمامية: لا يجب الصوم مع الاغماء ولو حصل في جزء من النهار إلا إذا كان قد نوى الصوم قبل الاغماء ثم أفاق فعلية أن يبقى على الامساك. وقالوا بوجوب القضاء على السكران فقط سواء كان السكران بفعله أو لم يكن بفعله ولا يجب على المغمى عليه ولو كان الاغماء يسيرا.

ثانيا - حكم من أكل أو شرب ناسيا لصومه أو جامع:

ينبغي هنا بيان أمور:

الأول: اتفقت جميع المذاهب الإسلامية على جواز الافطار لمن به داء العطش الشديد وإذا استطاع القضا ء فيما بعد وجب عليه وأما الكفارة بمد فهي ثابتة عند الإمامية دون بقية المذاهب.

الثاني: وقع الخلاف بين فقهاء المذاهب في الجوع الشديد في أنه هل يكون من مسوغات الافطار كالعطش الشديد أم لا.

قالت الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة: أن الجوع الشديد كالعطش الشديد كل منهما يبيح الافطار.

راجع: كتاب الفقه على المذاهب الأربعة: باب الصوم.

وقالت الإمامية: إنه لا يبيحه إلا إذا استلزم المرض.

الثالث: قالت جميع المذاهب الإسلامية: أن الشيخ والشيخة الهرمين اللذان يجدان حرجا ومشقة لا يقدران معهما على الصوم يرخص لهما بالإفطار وكذلك المريض الذي لا يرجو برؤه في جميع أيام السنة. وأما الفدية بما عن كل يوم فيجب عند الجميع، إلا مالك حيث إنه حكم باستحبابه (١).

(١) بداية المجتهد: ج ١، ص ٣٠١.

٩١
الرابع: إذا زال العذر المبيح للإفطار كما لو بلغ الصبي أو قدم المسافر أو طرت الحائض فهل يجب عليه الامساك تأدبا أو يستحب أو لا يكون واجبا ولا مستحبا. قالت بالأول: الأحناف والحنابلة. وبالثاني الإمامية. وإلى الثالث المالكية.

وللشافعي وأصحابه في هذه المسألة قولان:

أحدهما: عدم وجوب الامساك عليه اختاره أصحابه.

وثانيهما: وجوب الامساك علية (١).

ثالثا - ما يجب الامساك عنه على الصائم:

وهي أمور:

الأمر الأول:

الأكل والشرب: وبه قالت جميع المذاهب الإسلامية فالأكل والشرب عمدا يوجبان بطلان الصوم والقضاء عندهم وإن قل وقد وقع الخلاف بينهم في وجوب الكفارة بالإفطار متعمدا.

قالت الإمامية والحنفية والمالكية والثورية: بوجوبهما لذلك (٢).

وقالت الشافعية والحنابلة والظاهرية: بعدم وجوبها له لاختصاصها بما إذا أفطر بالجماع (٣).

ومنشأ اختلاف العامة هو اختلافهم في جواز قياس المفطر بالأكل والشرب على الكفارة فيه.

وأما ما رواه مالك في موطأه من أن رجلا أفطر في رمضان فأمره

(١) المجموع: ج ٦، ص ٢٥٥، بدائع الصنائع: ج ٢، ص ٣٠٢.

(٢) القوانين الفقهية: ص ٨٣.

(٣) بداية المجتهد: ج ١،: ص ٣٠٢.

٩٢
النبي (ص) بالكفارة (١) فنوقش: بأن كلمة أفطر الواقعة في كلام السائل لا عموم لها كي يؤخذ به.

حكم من أكل أو شرب ناسيا لصومه:

وأما من أكل أو شرب ناسيا لصومه قال يوجبان لبطلانه فليس عليه القضاء ولا الكفارة عند الجميع سوى مالك أنه أوجب عليه القضاء فقط (٢).

واستدل لعدم البطلان في المحل المفروض بما روي في كفاية الأخبار من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومة فإنما أطعمه الله وصفاه (٣).

ولا فرق في ذلك كما أفاده النووي بين كثرة نسيانه وقلته لعموم الخبر فلا يلتفت إلى كلام الرافعي: من أنه يوجب بطلان الصوم إذا كثر نسيانه وأكل أو شرب (٤).

وينبغي هنا التنبيه على أمر وهو:

أنه وقع الخلاف في وجوب الامساك عما يرد الجوف مما ليس بمغذ، وعما يرد الجوف من غير منفذ الطعام والشراب مثل الحقنة، وعما يرد باطن سائر الأعضاء ولا يرد الجوف مثل ما يرد الدماغ دون المعدة وعدم وجوب الامساك عنه، فمن رأى أن الصوم معقول بالمعنى وأن المقصود منه هو الجوع وعدم التغذي لم يلحق المحل المفروض بالمغذي في ناحية الحكم فلم يحكم بوجوب الامساك عنه، ومن رأى أن الصوم عبادة غير معقولة بالمعنى وأن المقصود منه إنما هو الامساك فقط عما يرد الجوف كالأكل ألحق المحل

(١) بداية المجتهد: ج ١، ص ٣٠٣.

(٢) الموطأ: ج ١، ص ٣٠٦.

(٣ و ٤) كفاية الأخيار: ج ١ ص ١٢٧.

٩٣
كتاب القطوف الدانية في المسائل الثمانية (الكتاب الثاني) للسيد السراوي (ص ٩٤ - ص ١١١)
٩٤
الكفارة مخيرة ككفارة صوم شهر رمضان أو مرتبة ككفارة الظهار.

والمراد بالتخيير أن للمكلف في مقام الامتثال اختيار واحد من الواجبات المخيرة ابتداء بدون اعتبار العجز عن الأخر والمراد بالترتيب عدم انتقال المكلف واحد منها إلا بعد العجز عن الذي قبلة.

قالت الإمامية والمالكية: فالمكلف في مقام الامتثال يختار واحدا منها أما العتق أو الصيام أو الاطعام (١).

ولكن يرى مالك استحباب اختيار الاطعام على العتق والصيام على ما نقل عنه ابن القاسم (٢).

وذهبت الشافعية والحنابلة والأحناف إلى الترتيب الأول العتق فإن لم يتمكن منه فصيام شهرين متتاليين وإن لم يتمكن منه فإطعام ستين مسكينا.

واستدل للقول الأول بما رواه مالك: من أن رجلا أفطر في شهر رمضان فأمره رسول الله (ص) أن يعتق رقبة أو يصوم شهرين متتاليين أو يطعم ستين مسكينا. لدلالته على التخير إذ لفظ (أو) في لسان العرب يقاضي التخير ولكن لم نجد دليلا على استحباب الابتداء بالطعام (٣).

واستدل للقول الثاني: بقياسه بكفارة الظاهرة الظاهرة تارة وبكرة اليمين أخرى (٤).

ولكن الإمامية ذهبت إلى وجوب الجمع بينهما فيما إذا أفطر على محرم كما لو أكل مغصوبا أو شرب خمرا أو زنى وذلك للروايات المروية عن طريقهم.

وأما لو جامع نسيانا فهل يجب عليه القضاء والكفارة أم لا؟ ففي ذلك أقوال:

(١ و ٢ و ٣ و ٤) بداية المجتهد: ج ١، ص ٣٠٥.

٩٥
الأول: ما ذهبت إليه الإمامية والأحناف والشوافعة والأوزاعي والثوري من عدم ثبوت القضاء والكفارة عليه (١).

الثاني: ما ذهب إليه مالك من أن عليه القضاء دون الكفارة (٢).

الثالث: ما ذهب إليه أحمد بن حنبل من أن عليه القضاء والكفارة (٣).

واستدل للقول الأول: بعموم قول النبي (ص) رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) (٤).

وحديث أبي هريرة عن النبي (ص) أنه قال: من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمة الله وسقاه (٥).

واستدل للقول الثاني: أما بالنسبة إلى القضاء فيتشبه تأسي الصوم بناسي الصلاة فكما يجب قضاء الصلاة بالنسبة إلى ناسيها بالنص فكذلك بالنسبة إلى ناسي الصوم.

وأما بالنسبة للكفارة فبعموم ما دل على ثبوت الكفارة لو جامع امرأته في شهر رمضان.

واستدل للقول الثالث: بقياس المحل المفروض بمن نسي الصلاء فكما يجب القضاء على من نسي الصلاة كذلك الصوم.

وينبغي هنا الإشارة إلى أمور:

الأول: المعروف أن الجماع سواء كان في قبل أو دبر من آدمي أو بهيمة.

(١) الأم: ج ٢، ص ٩٧، المنهل العذب: ج ١، ص ٩، واللباب: ج ١، ص ١٦٥.

(٢) الموطأ: ج ١، ص ٣٠٦.

(٣) الشرح الكبير: ج ٣، ص ٥٧، والمغني: ج ٣، ص ٦٠.

(٤) من لا يحضره الفقيه: ج ١١، ص ٣٦، وسنن ابن ماجة: ج ١، ص ٦٥٩.

(٥) بداية المجتهد: ج ١، ص ٣٠٣.

٩٦
مفطر سواء أنزل أو لم ينزل ويثبت فيه القضاء والكفارة.

وخالف فيه أبو حنيفة لأنه قال: لا يوجب الكفارة في الوطئ بالدبر (١).

الثاني: الانزال بمجامعة دون الفرج أو بمباشرة أو قبله ففيه القضاء عند الجمع وأما ثبوت الكفارة ففيه خلاف قال بثبوتها فيه أحمد بن حنبل. راجع كتاب المذاهب الأربعة باب الصوم.

وقالت الإمامية: بثبوتها فيه أيضا. قال الطوسي: إذا باشر امرأته فيما دون الوطئ لزمته الكفارة سواء كان قبلة أو ملامسة أو أي شئ كان (٢).

وقال به مالك بن أنس الأصبحي أيضا (٣).

وقال أبو حنيفة والشافعي بعد ثبوتها عليه (٤).

وينبغي هنا بيان أمور:

الأول: وقع الخلاف بين فقهاء العامة في مقدار الاطعام.

قالت الأحناف: لا يجزي أقل من مدين بمد النبي (ص) وذلك نصف صاع لكل مسكين (٥).

وفي قول لهم بالتفصيل: وهو أن كفر بالتمر والشعير فعليه لكل مسكين نصف صاع وإن كان من البر فنصف صاع (٦).

(١) القوانين الفقهية: ص ٨١.

(٢) الخلاف: ج ٢، ص ١٩٠.

(٣) بلغة السالك: ج ١، ص ٢٤٤.

(٤) الأم: ج ٢، ص ١٠٠، اللباب: ج ١، ص ١٦٧، والهداية: ج ١، ص ١٢٥.

(٥) بداية المجتهد: ج ١، ص ٣٠٥.

(٦) اللباب: ج ١، ص ١٦٨.

٩٧
وقالت الإمامية: يجزي مد. وقالت به المالكية والشافعية (١).

ومنشأ الخلاف هو في الاستظهار من الأدلة.

الثاني: إذا كان معسرا عن الاطعام في وقت الوجوب ثم صار موسرا فهل يجب عليه إذا أيسر أم لا.

صرح بعض فقهاء الإمامية بوجوبه وتردد فيه الشافعي وحكم بعدم وجوبه بعد أيساره الأوزاعي (٢).

واستدل للوجوب من علماء العامة بكونه من قبيل الدين فيحكم بأداء الدين بعد إيساره. ونقل عن الشافعي قولان:

أحدهما: مثل ما قال به الأوزاعي.

وثانيهما: وجوبه بعد إيساره وهو الذي اختاره أصحاب الشافعي (٣).

وللثاني بعدم بيانه في كلمات النبي (ص).

الثالث: أنه هل تتكرر الكفارة بتكرر الافطار أم لا.

اتفق الجميع على أن من وطأ في يوم رمضان ثم كفر ثم وطأ في يوم آخر فإن عليه كفارة أخرى وأما من وطأ مرارا في يوم واحد فقد اتفقت المذاهب الأربعة على أنه ليس عليه إلا كفارة واحدة.

وأما الإمامية قالت: إنه يوجب فيه تكرار الكفارة. وأما إذا أكل أو شرب مرارا في يوم واحد فعليه كفارة واحدة.

وإنما وقع الخلاف بينهم أيضا في من وطأ في يوم من رمضان ولم يكفر

(١ و ٢) بداية المجتهد: ج ١، ص ٣٦.

(٣) الأم: ج ٢، ص ٩٩، والسراج الوهاج: ص ١٤٦، وفتح القدير: ج ٦، ص ٤٥٤، كفاية الأخيار: ج ١، ص ١٣٠.

(٤) المجموع: ج ٦، ص ٣٣٧.

٩٨
حتى وطأ في يوم ثاني.

قالت الإمامية: عليه كفارة سواء كفر عن الجماع الأول أم لا.

وقالت الأحناف: عليه كفارة واحدة ما لم يكفر عن الجماع الأول (١).

وقال مالك والشافعي: عليه لكل يوم كفارة (٢).

واستدل من العامة للقول الأول بكون مفروض المقام من قبيل الحد، وكما يكفي في الحد على الزاني مرة واحدة ولو زنى مرات فيما إذا لم يحد لواحدة منها فكذلك في مفروض المقام.

واستدل من العامة للقول الثاني بعدم كون المقام من قبيل الحد ولما هتك الصوم في كل يوم فحكم بوجوب الكفارة عن كل يوم.

الرابع: هل الكفارة تثبت على المرأة إذا طاوعته على الجماع أم لا؟

قالت الإمامية: بثبوت الكفارة عليهما أيضا كما إنه قالت بثبوتها على المرأة الحنفية والمالكية (٣).

وقال الشافعي: بعدم ثبوت كفارة في البين إلا واحدة قال به في القديم وعليه أصحابه (٤).

واستدل بالقول الأول: بقياسها بالرجل فكما تكون الكفارة ثابتة على الرجل فكذلك تكون ثابتة على المرأة لكون كليهما مكلفا.

واستدل للقول الثاني: بأنه (ص) لم يأمر المرأة في الحديث بكفارة (٥).

(١) المبسوط: ج ٣، ص ٧٤، وبدائع الصنائع: ج ٣، ص ٢٠١.

(٢) الأم: ج ٢، ص ٩٩، والمدونة الكبرى: ج ١، ص ٣١٨.

(٣) المدونة الكبرى: ج ١، ص ٢١٨، وبدايع الصنايع: ج ٢، ٩٨.

(٤) الأم: ج ٢، ص ١٠٠، والوجيز: ج ١، ص ١٠٤.

(٥) بداية المجتهد: ج ١، ص ٣٠٩.

٩٩

الأمر الثالث: الاستمناء:

اتفق الجميع على أنه مفسد للصوم إذا حصل منه بالاختيار بل ذهبت الحنابلة إلى فساد صومه إذا أمذى أي نزل مذي بسبب تكرار النظر ونحوه.

وإنما اختلفوا في أنه هل يوجب القضاء والكفارة معا أو لا يوجب شيئا منها أو يفصل بين القضاء والكفارة في وجوب الأول دون الثاني:

ذهب معظم الإمامية إلى الأول وذلك للأخبار.

وذهبت الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة إلى الثالث على ما هو المحكي عنهم.

الأمر الرابع: القئ متعمدا يفسد الصوم:

وهذا مما اتفقوا عليه كما إنهم اتفقوا على أنه إذا كان قهرا لا يوجب فساد الصوم. ولكن الحنفية فالت: من تعمد القئ لا يفطر إلا إذا كان القئ ملأ الفم. وعن أحمد بن حنبل فيه روايتان على ما حكي عنه.

وأما وجوب القضاء: فذهبت إليه الإمامية وتبعتهم المالكية والحنفية والشافعية والحنابلة والثورية وغيرهم من المذاهب. واستدل لذلك بقوله (ص): (من ذرعة القئ وهو صائم فليس عليه قضاء ومن استقاء فليقض) (١).

كما إن مقتضاة أن من استقاء فقاء صار مفطرا.

الأمر الخامس: الحجامة:

وقع الخلاف بين الفقهاء فيها على أقوال:

(١) أخرجه الترمذي والنسائي في سننهم.

١٠٠