×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

كشف المراد في شرح تجريد الإعتقاد / الصفحات: ٥٢١ - ٥٤٠

القضاة: قال أبو علي الجبائي: إن صح خبر الطائر فعلي أفضل، ونحن نقول: إن الفضائل إما نفسانية أو بدنية وعلي عليه السلام كان أكمل وأفضل من باقي الصحابة فيهما، والدليل على ذلك وجوه ذكرها المصنف رحمه الله: الأول إن عليا عليه السلام كان أكثر جهادا وأعظم بلاء في غزوات النبي صلى الله عليه وسلم بأجمعها ولم يبلغ أحد درجته في ذلك: منها في غزاة بدر وهي أول حرب امتحن بها المؤمنون لقلتهم وكثرة المشركين، فقتل علي عليه السلام الوليد بن عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة (١) ثم العاص بن سعيد بن العاص

(١) ولكن الرواية جاءت في السيرة لابن كثير هكذا.. فحمى عند ذلك عتبة بن ربيعة، وأراد أن يظهر شجاعته، فبرز بين أخيه شيبة وابنه الوليد، فلما توسطوا بين الصفين دعوا إلى البراز - إلى أن قال: - فقال النبي صلى الله عليه وآله: (قم يا عبيدة بن الحارث، وقم يا حمزة، وقم يا علي) - إلى قوله: - فبارز عبيدة - وكان أسن القوم - عتبة، وبارز حمزة شيبة، وبارز علي الوليد بن عتبة، فأما حمزة فلم يمهل شيبة أن قتله، وأما علي فلم يمهل الوليد أن قتله، واختلف عبيدة وعتبة بينهما بضربتين، كلاهما أثبت صاحبه، وكر حمزة وعلي بأسيافهما على عتبة فدففا عليه، واحتملا صاحبهما فحازاه إلى أصحابهما (ج ٢ ص ٤١٣ ط مصر).

والغرض من النقل أن قاتل شيبة بن ربيعة كان حمزة عليه السلام لا أمير المؤمنين علي عليه السلام فإنه كان قاتل ابن أخيه الوليد بن عتبة.

٥٢١

ثم حنظلة بن أبي سفيان ثم طعيمة بن عدي ثم نوفل بن خويلد وكان شجاعا وسأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يكفيه أمره فقتله علي عليه السلام ولم يزل يقاتل حتى قتل نصف المشركين المقتولين (١) والباقي من المسلمين وثلاثة آلاف من الملائكة مسومين قتلوا النصف الآخر ومع ذلك كانت الراية في يد علي عليه السلام.

ومنها في غزاة أحد جمع له الرسول صلى الله عليه وآله بين اللواء والراية وكانت راية المشركين مع طلحة بن أبي طلحة وكان يسمى كبش الكتيبة فقتله علي عليه السلام فأخذ الراية غيره فقتله عليه السلام ولم يزل يقتل واحدا بعد واحد حتى قتل تسعة نفر فانهزم المشركون واشتغل المسلمون بالغنائم فحمل خالد بن الوليد بأصحابه (٢) على النبي صلى الله عليه وسلم فضربوه بالسيوف والرماح والحجر حتى غشي عليه فانهزم الناس

(١) كما في (ص) وحدها وهو الصواب والنسخ الأخرى عارية عن الوصف أعني المقتولين.

قال اليعقوبي في تاريخه (ص ٣٣ ج ٢٢ ط النجف) في نقل وقعة بدر العظمى: وأقبلت قريش مستعدة لقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم وعدتهم ألف رجل، وقيل: تسعمائة وخمسون، إنتهى.

وفي السيرة النبوية لابن هشام (ص ٧٠٦ ج ١ ط مصر): جميع من شهد بدرا من المسلمين ثلاث مائة رجل وأربعة عشر رجلا - إلى أن قال (ص ٧١٤): - إن قتلى بدر من المشركين كانوا سبعين رجلا، والأسرى كذلك، وهو قول ابن عباس وسعيد بن المسيب. وفي كتاب الله تبارك وتعالى: أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها يقوله لأصحاب أحد - وكان من استشهد منهم سبعين رجلا - يقول: قد أصبتم يوم بدر مثلي من استشهد منكم يوم أحد، سبعين قتيلا وسبعين أسيرا، وأنشدني أبو زيد الأنصاري لكعب بن مالك:

فأقام بالعطن المعطن منهمسبعون، عتبة منهم والأسود

يعني قتلى بدر، إنتهى باختصار.

والغرض من النقل أن الصحيح هو ما اخترناه من (ص)، وعبارة النسخ الخالية عن الوصف المذكور لا توافق الواقع.

(٢) وفي (م ص): وأصحابه.

٥٢٢

عنه سوى علي عليه السلام فنظر إليه النبي صلى الله عليه وسلم بعد إفاقته وقال له اكفني هؤلاء فهزمهم عنه وكان أكثر المقتولين منه عليه السلام.

ومنها يوم الأحزاب وقد بالغ في قتل المشركين وقتل عمرو بن عبد ود وكان بطل المشركين ودعا إلى البراز مرارا فامتنع عنه المسلمون وعلي عليه السلام يروم مبارزته والنبي صلى الله عليه وسلم يمنعه من ذلك لينظر صنع المسلمين، فلما رأى امتناعهم أذن له وعممه بعمامته ودعا له، قال حذيفة: لما دعا عمرو إلى المبارزة أحجم المسلمون عنه كافة ما خلا عليا عليه السلام فإنه برز إليه فقتله الله على يديه والذي نفس حذيفة بيده لعمله في ذلك اليوم أعظم أجرا من عمل أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة وكان الفتح في ذلك اليوم على يدي علي عليه السلام، وقال النبي صلى الله عليه وسلم:

لضربة علي خير من عبادة الثقلين.

ومنها في غزاة خيبر واشتهار جهاده فيها غير خفي وفتح الله تعالى على يديه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم حصر حصنهم بضعة عشر يوما وكانت الراية بيد علي عليه السلام فأصابه رمد فسلم النبي صلى الله عليه وآله وسلم الراية إلى أبي بكر مع جماعة فرجعوا منهزمين خائفين فدفعها الغد إلى عمر ففعل مثل ذلك فقال عليه السلام: لأسلمن الراية غدا إلى رجل يحبه الله ورسوله ويحب الله ورسوله، كرار غير فرار لا يرجع حتى يفتح على يده، فلما أصبح قال: إئتوني بعلي، فقيل: به رمد، فتفل في عينه (١) ودفع الراية إليه فقتل مرحبا فانهزم أصحابه وغلقوا الأبواب ففتح علي عليه السلام الباب واقتلعه وجعله جسرا على الخندق وعبروا وظفروا، فلما انصرفوا أخذه بيمينه ودحاه أذرعا وكان يغلقه عشرون وعجز المسلمون عن نقله حتى نقله سبعون رجلا وقال عليه السلام: (والله ما قلعت باب خيبر بقوة جسمانية ولكن قلعته بقوة ربانية).

ومنها في غزاة حنين وقد سار النبي صلى الله عليه وسلم في عشرة آلاف فارس من المسلمين فتعجب أبو بكر من كثرتهم وقال: لن نغلب اليوم من قلة (٢) فانهزموا

(١) كما في (ش م ز د) وفي (ق ص): في عينيه.

(٢) كما في أول باب غزاة حنين من سادس البحار ط ١: إن بعضهم حين رأى المسلمين لن نغلب اليوم من قلة. وكذا في (م ص ز د) وفي (ش) وحدها: لن نغلب القوم من قلة.

٥٢٣

بأجمعهم ولم يبق مع النبي صلى الله عليه وسلم سوى تسعة نفر علي عليه السلام والعباس وابنه الفضل وأبو سفيان بن الحرث ونوفل بن الحرث وربيعة بن الحرث وعبد الله بن الزبير وعتبة ومعتب ابنا أبي لهب، فخرج أبو جرول فقتله علي عليه السلام فانهزم المشركون وأقبل المسلمون بعد نداء النبي صلى الله عليه وسلم وصافوا العدو فقتل علي عليه السلام أربعين وانهزم الباقون وغنمهم المسلمون، وغير ذلك من الوقائع المأثورة والغزوات المشهورة التي نقلها أرباب السير وكانت الفضيلة في ذلك بأجمعه (١) لعلي عليه السلام وإذا كان أكثر جهادا كان أفضل من غيره وأكثر ثوابا.

قال: ولأنه أعلم (٢) لقوة حدسه وملازمته للرسول صلى الله عليه وآله ورجعت الصحابة إليه في أكثر الوقائع بعد غلطهم، وقال النبي صلى الله عليه وآله: أقضاكم علي، واستند الفضلاء في جميع العلوم إليه وأخبر هو عليه السلام بذلك.

أقول: هذا هو الوجه الثاني في بيان أن عليا عليه السلام أفضل من غيره، وهو أنه عليه السلام أعلم من غيره فيكون أفضل، أما المقدمة الأولى فيدل عليها وجوه:

الأول: أنه عليه السلام كان شديد الذكاء في غاية قوة الحدس، ونشأ في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم ملازما له مستفيدا منه والرسول صلى الله عليه وسلم كان أكمل الناس وأفضلهم، ومع حصول القبول التام والمؤثر الكامل يكون الفعل أقوى وأتم وبالخصوص وقد مارس المعارف الإلهية من صغره، وقد قيل: إن العلم في الصغر كالنقش في الحجر وهذا برهان لمي.

الثاني: أن الصحابة كانت تشتبه الأحكام عليهم وربما أفتى بعضهم بالغلط وكانوا يراجعونه في ذلك، ولم ينقل أنه عليه السلام راجع أحدا منهم في شئ البتة، وذلك يدل على أنه أفضل من الجماعة فإنه نقل عن أبي بكر أن بعض اليهود لقيه

(١) كما في (م) والنسخ الأخرى كلها: وكانت الفضيلة بأجمعها في ذلك.

(٢) المتن مطابق للنسخ كلها إلا أن العبارة في (م) جاءت: (وشدة ملازمته للنبي) مكان (شدة ملازمته للرسول).

٥٢٤

فقال له: أين الله تعالى، فقال: على العرش، فقال اليهودي: خلت الأرض منه حيث اختص ببعض الأمكنة، فانصرف اليهودي مستهزئ بالاسلام فلقيه علي عليه السلام فقال له: إن الله أين الأين فلا أين له.. إلى آخر الحديث، فأسلم على يده، وسئل عن الكلالة والأب فلم يعرف ما يقول حتى أوضح علي عليه السلام الجواب. وسئل عمر عن أحكام كثيرة (١) فحكم فيها بضد الصواب فراجعه فيها علي عليه السلام فرجع إلى قوله، كما نقل عنه من إسقاط حد الشرب عن قدامة لما تلي عليه قوله تعالى: (ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا) فقال علي عليه السلام:

الذين آمنوا وعملوا الصالحات لا يستحلون محرما، وأمره برده واستتابته فإن تاب فاجلده وإلا فأقتله، فتاب ولم يدر عمر كم يحده (٢) فأمره عليه السلام بحده ثمانين.

وأمر عمر برجم مجنونة زنت فرده عليه السلام بقوله: رفع القلم عن المجنون حتى يفيق، فقال: لولا علي لهلك عمر. وولدت امرأة لستة أشهر فأمر عمر برجمها، فقال له عليه السلام: إن أقل الحمل ستة أشهر بقوله تعالى: (وفصاله في عامين) وقوله تعالى:

(وحمله وفصاله ثلاثون شهرا و) أمر عمر برجم حامل فقال له علي عليه السلام: إن كان لك سبيل عليها فليس لك على ما في بطنها سبيل، فامتنع، وغير ذلك من الوقائع الشهيرة (٣).

الثالث: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حقه: أقضاكم علي، والقضاء يستلزم العلم فيكون أفضل منهم.

الرابع: استناد العلماء بأسرهم إليه، فإن النحو مستند إليه وكذا أصول المعارف الإلهية وعلم الأصول (٤) فإن أبا الحسن الأشعري تلميذ أبي علي الجبائي من

(١) وفي (م) فقط: عن أشياء كثيرة.

(٢) كما في النسخ كلها، وأما ما في المطبوعة من زيادة (وقال عليه السلام) بعد (واستتابته) فيشبه أن تكون تعليقة أدرجت في الكتاب.

(٣) كما في (م ص) وفي غيرهما: من الوقائع الكثيرة.

(٤) وفي (ص) وحدها: وكذا أصول الفقه وعلم أصول المعارف الإلهية.

٥٢٥
٥٢٦

حبه مسكينا ويتيما وأسيرا) وتصدق مرة أخرى بجميع ما يملكه وقد كان حينئذ يملك أربعة دراهم لا غير فتصدق بدرهم ليلا وبدرهم نهارا وبدرهم سرا وبدرهم علانية فأنزل الله تعالى في حقه (الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية) وكان يعمل بالأجرة ويتصدق بها ويشد على بطنه الحجر من شدة الجوع، وشهد له بذلك أعداؤه فضلا عن أوليائه، قال معاوية: لو ملك علي بيتا من تبر وبيتا من تبن لأنفد تبره قبل تبنه ولم يخلف شيئا أصلا، وقال: يا بيضاء ويا صفراء غري غيري، وكان يكنس بيوت الأموال ويصلي فيها مع أن الدنيا كانت بيده.

قال: وكان أزهد الناس بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

أقول: هذا هو الوجه الخامس، وتقريره أن عليا عليه السلام كان أزهد الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكون أفضل من غيره، بيان المقدمة الأولى ما نقل بالتواتر عنه أنه عليه السلام كان سيد الأبدال واليه تشد الرحال في معرفة الزهد والتسليك فيه وترتيب أحوال الرياضيات وذكر مقامات العارفين، وكان أخشن الناس مأكلا وملبسا ولم يشبع من طعام قط، قال عبيد الله بن أبي رافع: دخلت عليه يوما فقدم جرابا مختوما فوجدنا فيه خبز شعير يابسا مرضوضا فأكل منه، فقلت يا أمير المؤمنين: كيف تختمه، فقال: خفت هذين الولدين يلتانه بزيت أو سمن.

وهذا شئ اختص به علي عليه السلام لم يشاركه فيه غيره ولم ينل أحد بعض درجته، وكان نعلاه من ليف ويرقع قميصه بجلد تارة وبليف أخرى، وقل أن يأتدم فإن فعل فبالملح أو بالخل فإن ترقى فبنبات الأرض فإن ترقى فبلبن، وكان لا يأكل اللحم إلا قليلا ويقول: لا تجعلوا بطونكم مقابر الحيوان، وطلق الدنيا ثلاثا، والمقدمة الثانية ظاهرة.

قال: وأعبدهم.

أقول: هذا وجه سادس، وتقريره أن عليا عليه السلام كان أعبد الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنه تعلم الناس صلاة الليل واستفادوا منه ترتيب النوافل

٥٢٧

والدعوات، وكانت جبهته كثفنة البعير (١) لطول سجوده، وكان يحافظ على النافلة حتى أنه بسط له بين الصفين نطع ليلة الهرير فصلى عليه السلام النافلة والسهام تقع بين يديه وإلى جوانبه، وكانوا يستخرجون النصول (٢) من جسده وقت الصلاة لالتفاته بالكلية إلى الله تعالى حتى لا يبقى له التفات إلى غيره.

(١) في (ص) وحدها: كركبة البعير، والنسخ الأخرى كلها: كثفنة البعير.

(٢) قال السيد الجزائري في الأنوار النعمانية (ص ٣٠٠ ط الحاج موسى): نور في الحب ودرجاته - إلى قوله: - العشق هو الافراط في المحبة، واشتقاقه من العشقة وهي نبت يلتف على الشجرة من أصلها إلى فرعها فهو محيط بها كما أن العشق محيط بمجامع القلب. وأما اشتغال النفس بهذه المرتبة عن قواها الشهوانية وعن النوم فإنما جاء من فرط نار المحبة الكامنة في القلب، الشاغلة له عما عداه حتى أنه في هذه الحالة ربما شغل قلبه وحسه عن آلام البدن وأوجاعها. وهذه الحالة قد كانت في الحب الحقيقي وذلك أن أمير المؤمنين عليه السلام لما كانت النصال تلج في بدنه الشريف من الحروب كان الجراح يخرجها منه إذا اشتغل بالصلاة لعدم إحساسه بها ذلك الوقت لاشتغال قلبه بعالم القدس وملك الجبروت، إنتهى باختصار.

وقد أجاد العارف الجامي في المقام نظما حيث قال:

شير خدا شاه ولايت عليصيقلى شرك خفي وجلي
روز أحد چون صف هيجا گرفتتير مخالف به تنش جا گرفت
غنچه پيكان بگل أو نهفتصد گل محنت زگل أو شكفت
روى عبادت سوى محراب كردپشت بدرد سراصحاب كرد
خنجر الماس چو بنداختندچاك بتن چون گلشن انداختند
غرقه بخون غنچه زنگارگونآمد از آن گلشن احسان برون
گل گل خونش بمصلى چكيدگشت چو فارغ زنماز آن بديد
أين همه گل چيست ته پاى منساخته گلزار مصلاى من
صورت حالش چونمودند بازگفت كه سوگند به داناى راز
كز ألم تيغ ندارم خبرگرچه زمن نيست خبر دارتر
طاير من سدرة نشين شد چه باكگر شودم تن چو قفس چاك چاك
جامى از آلايش تن پاك شودر قدم پاك روان خاك شو
شايد از آن خاك بگردى رسىگرد شكافى وبمردى رسى
٥٢٨

قال: وأحلمهم.

أقول: هذا وجه سابع وهو أن عليا عليه السلام كان أحلم الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقابل أحدا بإسائته، فعفى عن مروان بن الحكم يوم الجمل وكان شديد العداوة له عليه السلام، وعفا عن عبد الله بن الزبير لما استأسره (١) يوم الجمل وكان يشتمه عليه السلام ظاهرا، وقال عليه السلام: لم يزل الزبير رجلا منا أهل البيت حتى شبه عبد الله، وعفا عن سعيد بن العاص وكان عدوا له عليه السلام، وأكرم عائشة وبعثها إلى المدينة مع عشرين مرأة عقيب حربها له، وصفح عن أهل البصرة مع محاربتهم له، ولما حارب معاوية سبق أصحاب معاوية إلى الشريعة فمنعوه من الماء فلما اشتد العطش بأصحابه حمل عليهم وفرقهم وملك الشريعة فأراد أصحابه أن يفعلوا بهم كذلك فنهاهم عن ذلك، وقال: افسحوا بعض الشريعة (٢) ففي حد السيف ما يغني عن ذلك.

قال: وأشرفهم خلقا.

أقول: هذا وجه ثامن، وتقريره أن عليا عليه السلام كان أشرف الناس خلقا وأطلقهم وجها حتى نسبه عمر إلى الدعابة مع شدة بأسه وهيبته، قال صعصعة بن صوحان:

كان فينا كأحدنا لين جانب وشدة تواضع وسهولة قياد، وكنا نهابه مهابة الأسير المربوط للسياف الواقف على رأسه. وقال معاوية لقيس بن سعد: رحم الله أبا حسن فلقد كان هشا بشا ذا فكاهة، فقال قيس: أما والله لقد كان مع تلك الفكاهة والطلاقة أهيب من ذي لبدتين قد مسه الطوى، تلك هيبة التقوى ليس كما يهابك طغام الشام فيكون أفضل من غيره حيث جمع بين المتضادات من حسن الخلق وطلاقة الوجه وعظم شجاعته وشدة بأسه وكثرة حروبه.

قال: وأقدمهم إيمانا.

أقول: هذا وجه تاسع، وتقريره أن عليا عليه السلام كان أقدم الناس إيمانا، روى

(١) كما في النسخ كلها إلا نسخة (م) ففيها: لما استأمره.

(٢) كما في (م) وفي غيرها: افسحوا لهم عن بعض الشريعة.

٥٢٩

سلمان الفارسي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: أولكم ورودا على الحوض أولكم إسلاما علي بن أبي طالب عليه السلام (١). وقال أنس: بعث النبي يوم الاثنين وأسلم علي يوم الثلاثاء. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لفاطمة عليها السلام: زوجتك أقدمهم إسلاما وأكثرهم علما. وقال عليه السلام يوما على المنبر: أنا الصديق الأكبر وأنا الفاروق الأعظم آمنت قبل أن آمن أبو بكر وأسلمت قبل أن أسلم، وكان ذلك بمحضر من الصحابة ولم ينكر عليه أحد. وروى عبد الله بن الحسن قال: كان أمير المؤمنين عليه السلام يقول: أنا أول من صلى وأول من آمن بالله ورسوله ولم يسبقني بالصلاة إلا نبي الله، ولأنه عليه السلام كان في منزل رسول الله صلى الله عليه وسلم شديد الاختصاص به عظيم الامتثال لأوامره لم يخالفه قط، وأبو بكر كان بعيدا عنه مجانبا له فيبعد عرض الاسلام عليه قبل عرضه على علي عليه السلام وبالخصوص وقد نزل قوله تعالى: (وأنذر عشيرتك الأقربين.

(لا يقال) إن إسلامه عليه السلام كان قبل البلوغ فلا اعتبار به. (لأنا نقول) المقدمتان ممنوعتان. (أما الأول) فلأن سن علي عليه السلام كان ستا وستين سنة أو خمسا وستين والنبي صلى الله عليه وسلم بقي بعد الوحي ثلاثا وعشرين سنة وعلي عليه السلام بقي بعد النبي نحوا من ثلاثين سنة فيكون سن علي عليه السلام وقت نزول الوحي فيما بين اثنتي عشرة سنة وبين ثلاث عشرة سنة، والبلوغ في هذا الوقت ممكن فيكون واقعا لقوله صلى الله عليه وسلم: زوجتك أقدمهم إسلاما وأكثرهم علما. (وأما الثانية) فلأن الصبي قد يكون رشيدا (٢) كامل العقل قبل سن البلوغ فيكون مكلفا، ولهذا حكم أبو حنيفة بصحة إسلام الصبي وإذا كان كذلك دل على كمال الصبي، (أما الأول) فلأن الطباع في الصبيان مجبولة على حب الأبوين والميل إليهما، فإعراض الصبي

(١) هكذا روي باتفاق النسخ كلها.

(٢) قال عز من قائل: (وآتيناه الحكم صبيا) و (كيف نكلم من كان في المهد صبيا) (مريم ١٢، ٢٩).

٥٣٠

عنهما والتوجه إلى الله تعالى يدل على قوة كماله، (وأما ثانيا) فلأن طبائع الصبيان منافية للنظر في الأمور العقلية والتكاليف الإلهية وملائمة للعب واللهو، فإعراض الصبي عما يلائم طباعه إلى ما ينافره يدل على عظم منزلته في الكمال، فثبت بذلك أن عليا عليه السلام كان أقدمهم إيمانا فيكون أفضل لقوله تعالى: (والسابقون السابقون أولئك المقربون).

قال: وأفصحهم (١).

أقول: هذا دليل عاشر، وتقريره أن عليا عليه السلام كان أبلغ الناس في الفصاحة وأعظمهم منزلة فيها بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قال البلغاء كافة: إن كلامه دون كلام الخالق وفوق كلام المخلوق، ومنه تعلم الناس أصناف البلاغة حتى قال معاوية: ما سن الفصاحة لقريش غيره. وقال ابن نباتة (٢): حفظت من خطبه مائة خطبة. وقال عبد الحميد بن يحيى: حفظت سبعين خطبة من خطبه.

قال: وأسدهم رأيا.

أقول: هذا دليل حادي عشر، وتقريره أن عليا عليه السلام كان أسد الناس رأيا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأجودهم تدبيرا وأعرفهم بمزايا الأمور (٣) ومواقعها، وهو الذي

(١) باتفاق النسخ كلها. وما في المطبوعة: وأفصحهم لسانا، زيادة من النساخ، أو هو تصحيح قياسي.

(٢) في وفيات الأعيان لابن خلكان: أبو يحيى عبد الرحيم بن نباتة صاحب الخطب المشهورة، كان إماما في علوم الأدب، قال: حفظت من الخطابة كنزا لا يزيده الأنفاق إلا سعة وكثرة، حفظت مائة فصل من مواعظ علي بن أبي طالب عليه السلام.

وفيه أيضا: أبو غالب عبد الحميد الكاتب البليغ المشهور كان كاتب مروان بن حكم الأموي آخر ملوك بني أمية، وبه يضرب المثل في البلاغة حتى قيل: فتحت الرسائل بعبد الحميد وختمت بابن العميد. وكان في الكتابة وفي كل فن من العلم والأدب إماما، قال: حفظت سبعين خطبة من خطب الأصلع ففاضت ثم فاضت.

أقول: يعني بالأصلع أمير المؤمنين عليا عليه السلام.

(٣) وفي (ق) وحدها: وأعرفهم تمييزا بالأمور. والنسخ الأخرى كلها كما في الكتاب.

٥٣١

أشار على عمر بالتخلف عن حرب الروم والفرس وبعث نوابه، وأشار على عثمان بما فيه صلاحه وصلاح المسلمين فخالفه حتى قتل فيكون أفضل من غيره.

قال: وأكثرهم حرصا على إقامة حدود الله تعالى.

أقول: هذا وجه ثاني عشر، وتقريره أن عليا عليه السلام كان أكثر الناس حرصا على إقامة حدود الله تعالى، لم يراقب في ذلك أحدا ولم يلتفت إلى قرابة بل كان شديد السياسة (١) خشنا في ذات الله تعالى، لم يراقب ابن عمه ولا أخاه، ونقض دار مصقلة بن هبيرة ودار جرير بن عبد الله البجلي وصلب جماعة وقطع آخرين، ولم يساوه في ذلك أحد من الصحابة فيكون أفضل من غيره.

قال: وأحفظهم للكتاب العزيز.

أقول: هذا وجه ثالث عشر وهو أن عليا عليه السلام كان يحفظ كتاب الله تعالى على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يكن أحد يحفظه وهو أول من جمعه، ونقل الجمهور أنه تأخر عن البيعة بسبب اشتغاله بجمع القرآن العظيم، وأئمة القراء يسندون قراءاتهم إليه كأبي عمرو بن أبي العلاء وعاصم وغيرهما لأنهم يرجعون إلى أبي عبد الرحمن السلمي وهو تلميذه عليه السلام فيكون أفضل من غيره.

قال: ولإخباره بالغيب.

أقول: هذا وجه رابع عشر، وتقريره أن عليا عليه السلام أخبر بالغيب في مواضع كثيرة، ولم تحصل هذه المرتبة لأحد من الصحابة فيكون أفضل منهم قطعا، وذلك كإخباره بقتل ذي الثدية ولما لم يجده أصحابه بين القتلى قال: والله ما كذبت ولا كذبت، فاعتبرهم عليه السلام حتى وجده وشق قميصه (٢) ووجد على كتفه سلعة كثدي المرأة عليها شعرات تنحدر (٣) كتفه مع جذبها وترجع مع تركها.

(١) كما في النسخ كلها إلا (م) ففيها: بل كان شديد الشوكة.

(٢) وفي (ص): وفتق قميصه.

(٣) هذه العبارة الصحيحة قد حرفت في النسخ المطبوعة وغيرها بوجوه مشوهة. وراجع في أمر ذي الثدية المجلد الثاني من مروج الذهب للمسعودي (ص ٤١٧ ط مصر).

٥٣٢

وقال له أصحابه: إن أهل النهروان قد عبروا، فقال عليه السلام: لم يعبروا، فأخبروه مرة ثانية فقال: لم يعبروا، فقال جندب بن عبد الله الأزدي في نفسه: إن وجدت القوم قد عبروا كنت أول من يقاتله فلما وصلنا النهر لم نجدهم عبروا، فقال عليه السلام:

يا أخا الأزد أتبين لك الأمر، وذلك يدل على اطلاعه على ما في ضميره.

وأخبر عليه السلام بقتل نفسه في شهر رمضان وبولاية الحجاج وانتقامه وبقطع يد جويرية بن مسهر ورجله وصلبه على جذع ففعل به ذلك في أيام معاوية، وبصلب ميثم التمار على باب عمرو بن حريث عاشر عشرة وأراه النخلة التي يصلب على جذعها فكان كما قال، وبذبح قنبر فذبحه الحجاج.

وقيل له: قد مات خالد بن عرفطة بوادي القرى، فقال: لم يمت ولا يموت حتى يقود جيش ضلالة صاحب رايته حبيب بن جماز، فقام رجل من تحت المنبر فقال: والله إني لك لمحب وأنا حبيب، قال: إياك أن تحملها ولتحملنها فتدخل بها من هذا الباب، وأومأ إلى باب الفيل فلما بعث ابن زياد عمر بن سعد إلى قتال الحسين عليه السلام جعل على مقدمته خالدا وحبيب صاحب رايته فسار بها حتى دخل المسجد من باب الفيل. وقال عليه السلام يوما على المنبر: سلوني قبل أن تفقدوني فوالله لا تسألوني عن فئة تضل (١) مائة وتهدي مائة إلا نبأتكم بناعقها وسائقها إلى يوم القيامة، فقام إليه رجل فقال: أخبرني كم في رأسي ولحيتي من طاقة شعر، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: لقد حدثني خليلي بما سألت عنه وأن على كل طاقة شعر في رأسك ملكا يلعنك وعلى كل طاقة شعر في لحيتك شيطانا يستفزك وأن في بيتك لسخلا يقتل ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما كان من أمر الحسين عليه السلام ما كان تولى قتله، والأحاديث في ذلك أكثر من أن تحصى نقلها المخالف والمؤالف.

قال: واستجابة دعائه.

(١) كما في النسخ كلها إلا نسخة (م) ففيها: عن فتنة تضل.

٥٣٣

أقول: هذا وجه خامس عشر، وتقريره أن عليا عليه السلام كان مستجاب الدعوة سريعا دون غيره من الصحابة فيكون أفضل منهم، وتقرير المقدمة الأولى ما نقل بالتواتر عنه عليه السلام في ذلك كما دعا على بسر بن أرطأة فقال: (اللهم إن بسرا باع دينه بالدنيا فاسلبه عقله ولا تبق له من دينه ما يستوجب به عليك رحمتك) فاختلط عقله. واتهم العيزار برفع أخباره إلى معاوية فأنكر فقال له عليه السلام: إن كنت كاذبا فأعمى الله بصرك فعمي قبل أسبوع. واستشهد جماعة من الصحابة عن حديث الغدير فشهد له اثنا عشر رجلا من الأنصار وسكت أنس بن مالك فقال له:

يا أنس ما يمنعك أن تشهد وقد سمعت ما سمعوا؟ فقال: يا أمير المؤمنين كبرت ونسيت، فقال: اللهم إن كان كاذبا فاضربه ببياض الوضح لا تواريه العمامة (١) فصار أبرص. وكتم زيد بن أرقم فذهب بصره وغير ذلك من الوقائع المشهورة.

قال: وظهور المعجزات عنه.

أقول: هذا وجه سادس عشر، وتقريره أنه عليه السلام ظهرت عنه معجزات كثيرة وقد تقدم ذكر بعضها ولم يحصل لغيره من الصحابة ذلك فيكون أفضل منهم.

قال: واختصاصه بالقرابة.

أقول: هذا وجه سابع عشر، وتقريره أن عليا عليه السلام كان أقرب الناس نسبا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيكون أفضل من غيره، ولأنه كان هاشميا فيكون أفضل لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: إن الله اصطفى من ولد إسماعيل قريشا ومن قريش هاشما.

قال: والأخوة.

أقول: هذا وجه ثامن عشر، وهو أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما وآخى بين الصحابة وقرن كل شخص إلى مماثله في الشرف والفضيلة رأى عليا عليه السلام متكدرا فسأله عن سبب ذلك فقال: إنك آخيت بين الصحابة وجعلتني منفردا، فقال له

(١) الوضح بفتحتين: البرص، أي فاضربه ببياض البرص لا تواريه العمامة.

٥٣٤

رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ما أخرتك إلا لنفسي ألا ترضى أن تكون أخي ووصيي وخليفتي من بعدي؟ فقال: بلى يا رسول الله، فواخاه من دون الصحابة فيكون أفضل منهم.

قال: ووجوب المحبة.

أقول: هذا وجه تاسع عشر، وتقريره أن عليا عليه السلام كان محبته ومودته واجبة دون غيره من الصحابة فيكون أفضل منهم قطعا، وبيان المقدمة الأولى أنه كان من اولي القربى فتكون مودته واجبة لقوله تعالى: (قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى).

قال: والنصرة.

أقول: هذا وجه عشرون، وتقريره أن عليا عليه السلام اختص بفضيلة النصرة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دون غيره من الصحابة فيكون أفضل منهم، بيان المقدمة الأولى قوله تعالى: (فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين) وقد اتفق المفسرون على أن المراد بصالح المؤمنين هو علي عليه السلام، والمولى هنا هو الناصر لأنه القدر المشترك بين الله تعالى وجبرئيل وجعله ثالثهم وحصر المولى في الثلاثة بلفظة (هو) في قوله تعالى: (فإن الله هو مولاه).

قال: ومساواة الأنبياء.

أقول: هذا وجه حادي وعشرون، وتقريره أن عليا عليه السلام كان مساويا للأنبياء المتقدمين فيكون أفضل من غيره من الصحابة بالضرورة، لأن المساوي للأفضل أفضل، بيان المقدمة الأولى ما رواه البيهقي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: من أحب أن ينظر (١) إلى آدم في علمه وإلى نوح في تقواه وإلى إبراهيم في حلمه وإلى موسى في هيبته وإلى عيسى في عبادته فلينظر إلى علي بن أبي طالب.

(١) كما رووا في جوامعهم الروائية عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: من أراد أن ينظر إلى ميت يمشي على وجه الأرض فلينظر إلى أبي بكر.

٥٣٥

قال: وخبر الطائر والمنزلة والغدير وغيرها.

أقول: هذا وجه ثاني وعشرون، وتقريره أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أخبر في مواضع كثيرة ببيان فضله وزيادة كماله على غيره ونص على إمامته:

(منها) ما ورد في خبر الطائر وهو أنه قال: اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطائر، فجاء علي بن أبي طالب عليه السلام فأكل معه، وفي رواية:

اللهم أدخل إلي أحب أهل الأرض إليك، رواه أنس وسعد بن أبي وقاص وأبو رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وابن عباس، وعول أبو جعفر الإسكافي وأبو عبد الله البصري على هذا الحديث في أنه عليه السلام أفضل من غيره وادعى أبو عبد الله شهرة هذا الحديث وظهوره بين الصحابة ولم ينكره أحد منهم فيكون متواترا.

(ومنها) خبر المنزلة وهو قوله صلى الله عليه وآله وسلم: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي، وقد كان هارون أفضل أهل زمانه عند أخيه فكذا علي عليه السلام عند محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

(ومنها) خبر الغدير وهو قوله صلى الله عليه وآله لما خطب الناس بغدير خم في عوده من حجة الوداع: معاشر المسلمين ألست أولى منكم بأنفسكم؟ قالوا: بلى يا رسول الله، فأخذ بيد علي عليه السلام وقال: من كنت مولاه فهذا علي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره وأخذل من خذله وأدر الحق مع علي كيف ما دار، وقد بينا أن المراد بالمولى هاهنا الأولى بالتصرف، وإذا كان علي عليه السلام أولى من كل أحد بالتصرف في نفسه كان أفضل منهم قطعا. اعترض بعضهم على هذا بجواز أن يكون المراد به الولاء لأنه وقع مشاجرة بين أمير المؤمنين عليه السلام وبين زيد بن حارثة فقال له علي عليه السلام: أنت مولاي، فقال زيد: أنا مولى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولست بمولاك، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: من كنت مولاه فعلي مولاه.

والجواب من وجوه: الأول: ما ذكره أبو عبد الله البصري وهو أنه لا اختصاص لعلي عليه السلام بالولاء دون غيره من أقارب النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلا يجوز حمله على هذا المعنى. الثاني: ما ذكره أبو عبد الله أيضا وهو أن عمر قال له بعد هذا الحديث: هنيئا

٥٣٦

لك أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة، وقالت عائشة والأنصار بعد ذلك: يا مولانا فلا يجوز حمله على الولاء. الثالث: أن مقدمة الحديث تنفي هذا المعنى وهو قوله عليه السلام: ألست أولى منكم بأنفسكم.

(ومنها) قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ذي الثدية: يقتله خير الخلق والخليفة، وفي رواية أخرى: يقتله خير هذه الأمة. وقال لفاطمة عليها السلام: إن الله اطلع على أهل الأرض فاختار منهم أباك فاتخذه نبيا ثم اطلع ثانية فاختار منهم بعلك فأمرني أن أنكحك إياه وأن أتخذه وصيا، وقالت عائشة: كنت عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأقبل علي عليه السلام فقال: هذا سيد العرب، قالت: قلت: بأبي أنت وأمي ألست أنت سيد العرب، فقال: أنا سيد العالمين وهذا سيد العرب. وعن أنس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لعلي عليه السلام: أنت أخي ووزيري وخير من أتركه بعدي تقضي ديني وتنجز موعدي.

وسأل رجل عائشة عن مسيرها فقالت: كان قدرا من الله، فسألها عن علي عليه السلام فقالت: لقد سألتني عن أحب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وزوج أحب الناس إليه وقال لفاطمة عليها السلام: أما ترضين أني زوجتك خير أمتي؟. وعن سلمان أنه قال رسول الله: خير من أترك بعدي علي بن أبي طالب. وعن عبد الله بن مسعود قال:

قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: علي خير البشر فمن أبى فقد كفر. وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أفضل أمتي علي بن أبي طالب.

قال: ولانتفاء سبق كفره.

أقول: هذا وجه ثالث وعشرون، وتقريره أن عليا عليه السلام لم يكفر بالله تعالى أصلا بل من حين بلوغه كان مؤمنا موحدا، بخلاف باقي الصحابة فإنهم كانوا في زمن الجاهلية كفرة، ولا ريب في فضل من لم يزل موحدا على من سبق كفره على إيمانه.

قال: ولكثرة الانتفاع به.

أقول: هذا وجه رابع وعشرون، وتقريره أن عليا عليه السلام انتفع به المسلمون أكثر

٥٣٧

من نفعهم بغيره فيكون ثوابه أكثر وفضله أعظم، بيان المقدمة الأولى ما تقدم من كثرة حروبه وشدة بلائه في الاسلام وفتح الله البلاد على يديه وقوة شوكة الاسلام به حتى قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم الأحزاب: لضربة علي خير من عبادة الثقلين، وبلغ في الزهد مرتبة لم يلحقها أحد بعده واستفاد الناس منه طرائق الرياضة والترك للدنيا والانقطاع إلى الله تعالى، وكذا في السخاوة وحسن الخلق والعبادة والتهجد، وأما العلم فظاهر استناد كافة العلماء إليه واستفادتهم منه وعاش بعد أبي بكر زمانا طويلا يفيد الناس الكمالات النفسانية والبدنية وابتلي بما لم يحصل لغيره من المشاق.

قال: وتميزه بالكمالات النفسانية والبدنية والخارجية.

أقول: هذا وجه خامس وعشرون، وتقريره أن الكمالات إما نفسانية وإما بدنية وإما خارجية، أما الكمالات النفسانية والبدنية فقد بينا بلوغه فيها إلى الغاية إذ كان العلم والزهد والشجاعة والسخاء وحسن الخلق والعفة فيه أبلغ من غيره بل لا يجاريه في واحد منها أحد، وبلغ في القوة البدنية والشدة مبلغا لا يساويه أحد حتى قيل: إنه عليه السلام كان يقط الهام قط الأقلام لم يخط في ضربه قط ولم يحتج إلى المعاودة، وقلع باب خيبر وقد عجز عن نقلها سبعون رجلا من أشد الناس قوة مع أنه عليه السلام كان قليل الغذاء جدا بأخشن مأكل وملبس كثير الصوم مداوم العبادة.

وأما الخارجية فمنها: النسب الشريف الذي لا يساويه أحد في القرب من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإنه كان أقرب الناس إليه، فإن العباس كان عم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الأب خاصة وعلي عليه السلام كان ابن عمه من الأب والأم ومع ذلك فإنه كان هاشميا من الأب والأم لأنه علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم.

ومنها: المصاهرة ولم يحصل لأحد ما حصل له منها فإنه زوج سيدة نساء العالمين، وعثمان وإن شاركه في كونه ختنا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا أن فاطمة عليها السلام

٥٣٨

أشرف بناته، وكان لها من المنزلة والقرب من قلب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مبلغ عظيم وكان يعظمها حتى أنه كان إذا جاءت إليه نهض لها قائما ولم يفعل ذلك بأحد من النساء (١)، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: سيدة نساء العالمين في الجنة أربع وعد منهن فاطمة عليها السلام.

ومنها: الأولاد ولم يحصل لأحد من المسلمين مثل أولاده في الشرف والكمال، فإن الحسن والحسين عليهما السلام إمامان سيدا شباب أهل الجنة، وكان حب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لهما في الغاية حتى أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يتطأطأ لهما ليركباه ويبعبع لهما ثم أولد كل واحد منهما عليهما السلام أولادا بلغوا في الشرف إلى الغاية فالحسن عليه السلام أولد مثل الحسن المثنى والمثلث وعبد الله بن الحسن المثنى والنفس الزكية وغيرهم وأولد الحسين عليه السلام مثل زين العابدين والباقر والصادق والكاظم والرضا والجواد والهادي والعسكري والحجة، وقد نشروا من العلم والفضل والزهد والانقطاع والترك شيئا عظيما حتى أن الفضلاء من المشايخ كانوا يفتخرون بخدمتهم عليهم السلام فأبو يزيد البسطامي كان يفتخر بأنه يسقي الماء (٢) لدار جعفر الصادق عليه السلام، ومعروف الكرخي أسلم على يدي الرضا عليه السلام وكان بواب داره إلى أن مات، وكان أكثر الفضلاء يفتخرون بالانتساب إليهم في العلم فإن مالكا كان إذا سئل في الدرب عن مسألة لم يجب السائل فقيل له في ذلك فقال: إني أخذت العلم من جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام وكنت إذا أتيت إليه لأستفيد منه نهض ولبس أفخر ثيابه وتطيب وجلس في أعلى منزله وحمد الله تعالى وأفادني شيئا.

واستفادة أبي حنيفة من الصادق عليه السلام ظاهرة غنية عن البرهان، وهذه الفضائل لم تحصل لأحد من الصحابة فيكون علي عليه السلام أفضل منهم.

(١) يستوي في الأحد الواحد والجمع والمؤنث. قال تعالى: (لستن كأحد من النساء) وقال تعالى: (فما منكم من أحد عنه حاجزين).

(٢) كما في (م) والنسخ الأخرى: يستقي الماء.

٥٣٩

المسألة الثامنة
في إمامة باقي الأئمة الاثني عشر عليهم السلام

قال: والنقل المتواتر دل على الأحد عشر ولوجوب العصمة وانتفائها عن غيرهم ووجود الكمالات فيهم.

أقول: لما بين أن الإمام بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو علي بن أبي طالب عليه السلام شرع في إمامة الأئمة الأحد عشر وهم الحسن بن علي ثم أخوه الحسين ثم علي بن الحسين زين العابدين ثم محمد بن علي الباقر ثم جعفر بن محمد الصادق ثم موسى بن جعفر الكاظم ثم ولده علي الرضا ثم ولده محمد الجواد ثم ولده علي الهادي ثم ولده الحسن العسكري ثم الإمام المنتظر.

واستدل على ذلك بوجوه ثلاثة: الأول: النقل المتواتر من الشيعة خلفا عن سلف فإنه يدل على إمامة كل واحد من هؤلاء بالتنصيص، وقد نقل المخالفون ذلك من طرق متعددة تارة على الإجمال وأخرى على التفصيل، كما روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم متواترا أنه قال للحسين عليه السلام: هذا ابني إمام ابن إمام أخو إمام أبو أئمة تسعة تاسعهم قائمهم، وغير ذلك من الأخبار. وروي عن مسروق وقال:

بينا نحن عند عبد الله بن مسعود إذ قال له شاب: هل عهد إليكم نبيكم صلى الله عليه وآله وسلم كم يكون من بعده خليفة، قال: إنك لحديث السن وإن هذا شئ ما سألني أحد عنه نعم عهد إلينا نبينا صلى الله عليه وآله وسلم أن يكون بعده اثنا عشر خليفة عدد نقباء بني إسرائيل.

الوجه الثاني: قد بينا أن الإمام يجب أن يكون معصوما وغير هؤلاء ليسوا معصومين إجماعا، فتعينت العصمة لهم وإلا لزم خلو الزمان عن المعصوم، وقد بينا استحالته.

الوجه الثالث: أن الكمالات النفسانية والبدنية بأجمعها موجودة في كل واحد منهم، وكل واحد منهم كما هو كامل في نفسه كذا هو مكمل لغيره، وذلك يدل على

٥٤٠