×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

كشف المراد في شرح تجريد الإعتقاد / الصفحات: ٥٤١ - ٥٦٠

استحقاقه الرياسة العامة لأنه أفضل من كل أحد في زمانه ويقبح عقلا تقديم المفضول على الفاضل فيجب أن يكون كل واحد منهم إماما، وهذا برهان لمي.

المسألة التاسعة
في أحكام المخالفين

قال: ومحاربوا علي عليه السلام كفرة ومخالفوه فسقة.

أقول: المحارب لعلي عليه السلام كافر لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: حربك يا علي حربي، ولا شك في كفر من حارب النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وأما مخالفوه في الإمامة فقد اختلف قول علمائنا فيهم، فمنهم من حكم بكفرهم لأنهم دفعوا ما علم ثبوته من الدين ضرورة وهو النص الجلي الدال على إمامته مع تواتره، وذهب آخرون إلى أنهم فسقة وهو الأقوى.

ثم اختلف هؤلاء على أقوال ثلاثة: أحدها: أنهم مخلدون في النار لعدم استحقاقهم الجنة. الثاني: قال بعضهم: إنهم يخرجون من النار إلى الجنة. الثالث: ما ارتضاه ابن نوبخت وجماعة من علمائنا أنهم يخرجون من النار لعدم الكفر الموجب للخلود ولا يدخلون الجنة لعدم الأيمان المقتضي لاستحقاق الثواب.

٥٤١



قال:         

المقصد السادس

          في المعاد (١) والوعد والوعيد وما يتصل بذلك




(١) قد ذكرنا فيه أصولا وأمهات وإشارات لطيفة في تعليقاتنا على رسالته الفارسية الموسومة بتذكرة آغاز وانجام، فراجع ولا حاجة إلى نقلها هاهنا.

٥٤٢

حكم المثلين واحد والسمع دل على إمكان المماثل (١)

أقول: في هذا المقصد مسائل:

المسألة الأولى
في إمكان خلق عالم آخر

وأعلم أن إيجاب المعاد يتوقف على هذه المسألة ولأجل ذلك صدرها في أول المقصد، وقد اختلف الناس في ذلك وأطبق المليون عليه وخالف فيه الأوائل واحتج المليون بالعقل والسمع، أما العقل فنقول: العالم المماثل لهذا العالم ممكن الوجود لأن هذا العالم ممكن الوجود وحكم المثلين واحد، فلما كان هذا العالم ممكنا وجب الحكم على الآخر بالإمكان، وإلى هذا البرهان أشار بقوله: حكم المثلين واحد. وأما السمع فقوله تعالى: (أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم).

قال: والكرية ووجوب الخلاء واختلاف المتفقات ممنوعة.

أقول: هذا إشارة إلى ما احتج الأوائل به على امتناع خلق عالم آخر، وتقريره من وجهين: الأول: أنه لو وجد عالم آخر لكان كرة لأنه الشكل الطبيعي فإن تلاقت الكرتان أو تباينتا لزم الخلاء. والجواب لا نسلم وجوب الكرية في

(١) وفي (م ت ز): إمكان التماثل.

٥٤٣
٥٤٤

بعدم دخول الحادث في الوجود ولا بانتفاء الشرط لعود الكلام عليه وهو خطأ، فإن الإعدام يستند إلى الفاعل كما يستند الوجود إليه والامتياز واقع بين نفي الفعل وفعل العدم، سلمنا لكن لم لا يجوز أن يعدم بوجود الضد ويكون الضد أولى بإعدامه وإن كان سبب الأولوية مجهولا؟ سلمنا لكن لم لا يجوز اشتراط الجواهر بأعراض غير باقية يوجدها الله تعالى حالا فحالا، فإذا لم يجدد العرض انتفت الجواهر؟ ودليل المصنف رحمه الله على مطلوبه من صحة العدم حجة على الجميع وهو أنا بينا أن العالم ممكن الوجود فيستحيل انقلابه إلى الامتناع أو الوجوب فيجوز عدمه كما جاز وجوده.

المسألة الثالثة
في وقوع العدم وكيفيته

قال: والسمع دل عليه.

أقول: يدل على وقوع العدم السمع وهو قوله تعالى: (هو الأول والآخر) وقوله تعالى: (كل شئ هالم إلا وجهه) وقال تعالى: (كل من عليها فإن) وقد وقع الاجماع على الفناء وإنما الخلاف في كيفيته على ما يأتي.

قال: ويتأول في المكلف (١) بالتفريق كما في قصة إبراهيم عليه السلام.

أقول: المحققون على امتناع إعادة المعدوم وسيأتي البرهان على وجوب المعاد، وهاهنا قد بين أنه تعالى يعدم العالم وذلك ظاهر المناقضة فبين المصنف مراده من الإعدام، أما في غير المكلفين وهم من لا يجب إعادته فلا اعتبار به إذ لا يجب إعادته فجاز إعدامه بالكلية ولا يعاد، وأما المكلف الذي يجب إعادته فقد تأول المصنف رحمه الله معنى إعدامه بتفريق أجزائه ولا امتناع في ذلك، فإن المكلف

(١) في (ت م): ويتناول في المكلف. والنسخ الأخرى كلها بالاتفاق: ويتأول في المكلف بالتفريق.

٥٤٥

بعد تفريق أجزائه يصدق عليه أنه هالك بمعنى أنه غير منتفع به، أو يقال: إنه هالك بالنظر إلى ذاته، إذ هو ممكن وكل ممكن فإنه بالنظر إلى ذاته لا يجب له الوجود فلا يوجد، إذ لا وجود إلا للواجب بذاته أو بغيره فهو هالك بالنظر إلى ذاته، فإذا فرق أجزاءه كان هو العدم فإذا أراد الله تعالى إعادته جمع تلك الأجزاء وألفها كما كانت فذلك هو المعاد، ويدل على هذا التأويل قوله تعالى في سؤال إبراهيم عليه السلام عن كيفية الإحياء للأجزاء في الآخرة، لأنه تعالى لا يحيي الموتى في دار التكليف وإنما الإحياء يقع في الآخرة، فسأل عليه السلام عن كيفية ذلك الإحياء وهو يشتمل على السؤال عن جميع المقدمات التي يفعلها الله تعالى حتى يهيئهم ويعدهم لنفخ الروح، فأمره الله تعالى بأخذ أربعة من الطير وتقطيعها وتفريق أجزائها ومزج بعض الأجزاء ببعض ثم يفرقها ويضعها على الجبال ثم يدعوها، فلما دعاها ميز الله تعالى أجزاء كل طير عن الآخر وجمع أجزاء كل طير وفرقها عن أجزاء الآخر حتى كملت البنية التي كانت عليها أولا ثم أحياها الله تعالى ولم يعدم تلك الأجزاء فكذا في المكلف، هذا ما فهمناه من قوله: كما في قصة إبراهيم عليه السلام، فهذا هو كيفية الإعدام.

قال: وإثبات (١) الفناء غير معقول لأنه إن قام بذاته لم يكن ضدا وكذا إن قام بالجوهر.

أقول: لما ذكر المذهب الحق في كيفية الإعدام شرع في إبطال مذهب المخالفين في ذلك. واعلم أن من جملة من خالف في كيفية الإعدام جماعة من المعتزلة ذهبوا إلى أن الإعدام ليس هو التفريق بل الخروج عن الوجود بأن يخلق الله تعالى للجواهر (٢) ضدا هو الفناء، وقد اختلفوا فيه على ثلاثة أقوال: أحدها:

(١) في (م) وحدها: وامتياز الفناء. والنسخ الأخرى كلها: وإثبات الفناء كذلك في متون شرح القديم للأصفهاني وشروح أخرى: وإثبات الفناء. وكل واحد منهما صواب يفيد معنى فاردا.

(٢) باتفاق النسخ على هيأة الجمع.

٥٤٦

قال ابن الأخشيد: إن الفناء ليس بمتحيز ولا قائم بالمتحيز (١) إلا أنه يكون حاصلا في جهة معينة، فإذا أحدثه الله تعالى فيها عدمت الجواهر بأسرها. الثاني:

قال ابن شبيب: إن الله يحدث في كل جوهر فناءا ثم ذلك الفناء يقتضي عدم الجوهر في الزمان الثاني فيجعله قائما بالمحل. الثالث: قال أبو علي وأبو هاشم ومن تابعهما: إن الفناء يحدث لا في محل فيفني الجواهر كلها حال حدوثه، ثم اختلفوا فذهب أبو هاشم وقاضي القضاة إلى أن الفناء الواحد كاف في عدم كل الجواهر، وذهب أبو علي وأصحابه إلى أن لكل جوهر فناءا مضادا له لا يكفي ذلك الفناء في عدم غيره. فإذا عرفت هذا فنقول: القول بالفناء على كل تقدير فرضوه باطل (٢) لأن الفناء إن قام بذاته كان جوهرا، إذ معنى الجوهر ذلك فلا يكون ضدا للجوهر وإن كان غير قائم بذاته كان عرضا إذ هو معناه فيكون حالا في الجوهر إما ابتداء أو بواسطة، وعلى كلا التقديرين فيستحيل أن يكون منافيا للجواهر.

قال: ولانتفاء الأولوية (٣).

أقول: يفهم من هذا الكلام أمران: أحدهما: إقامة دليل ثان على امتناع قيام الفناء بالجوهر، وتقريره أن نقول: لو كان الفناء قائما بالجوهر لكان عرضا حالا فيه ولم يكن اقتضاؤه لنفي محله أولى من اقتضاء محله لنفيه بل كان انتفاء هذا الحال بالمحل أولى، إذ منع الضد دخول الضد الآخر في الوجود مع إمكان إعدامه له أولى من اعدام المتجدد للضد الباقي وبالخصوص إذا كان محلا له. الثاني: إقامة دليل ثان على انتفاء الفناء، وتقريره أن نقول: لو كان الفناء ضدا للجواهر لم يكن إعدامه للجوهر الباقي أولى من اعدام الجوهر الباقي له بمعنى منعه عن الدخول

(١) وفي (م) فقط: ولا حال في المتحيز: والنسخ الأخرى كلها: ولا قائم بالمتحيز.

(٢) باتفاق النسخ كلها إلا (ش) ففيها: كان في ضده، أصلا، وفرضوه نسخة بدل في ضده.

(٣) وفي (م) وحدها: وانتفاء الأولوية، بدون الجارة، والنسخ الأخرى كلها معها كما في الكتاب.

٥٤٧

في الوجود بل هو أولى لما تقدم.

قال: ولاستلزامه انقلاب الحقائق أو التسلسل.

أقول: القول بالفناء يستلزم أحد أمرين محالين: أحدهما: انقلاب الحقائق، والثاني: التسلسل، وكل مستلزم للمحال فإنه محال قطعا، أما استحالة الأمرين فظاهر، وأما بيان الملازمة فلأن الفناء إما أن يكون واجب الوجود بذاته أو ممكن الوجود، والقسمان باطلان. أما الأول فلأنه قد كان معدوما وإلا لم توجد الجواهر ثم صار موجودا وذلك يعطي إمكانه، وأما الثاني فلأنه يصح عليه العدم وإلا لم يكن ممكنا، فعدمه إن كان لذاته كان ممتنعا بعد أن كان ممكنا، وذلك يستلزم انقلاب الحقائق وإن كان بسبب الفاعل بطل أصل دليلكم، وإن كان بوجود ضد آخر لزم التسلسل، هذا ما خطر لنا في معنى هذا الكلام.

قال: وإثبات بقاء لا في محل يستلزم الترجيح من غير مرجح أو اجتماع النقيضين.

أقول: ذهب قوم منهم ابن شبيب إلى أن الجوهر باق ببقاء موجود لا في محل، فإذا انتفى ذلك البقاء انتفى ذلك الجوهر، والمصنف رحمه الله أحال هذا المذهب أيضا باستلزامه المحال، وذكر أن القول بذلك يستلزم أمرين: أحدهما: الترجيح من غير مرجح، والثاني: اجتماع النقيضين.

والذي يخطر لنا في تفسير ذلك أمران: أحدهما: أن يقال: البقاء إما جوهر أو عرض، والقسمان باطلان فالقول به باطل، أما الأول فلأنه لو كان جوهرا لم يكن جعله شرطا لجوهر آخر أولى من العكس، فإما أن يكون كل واحد منهما شرطا لصاحبه وهو دور، أو لا يكون أحدهما شرطا للآخر وهو المطلوب. وأما الثاني فلأنه لو كان عرضا قائما بذاته لزم اجتماع النقيضين، إذ العرض هو الموجود في المحل، فلو كان البقاء قائما لا في محل مع كونه عرضا لزم ما ذكرناه.

الثاني: أن يقال: البقاء إما واجب لذاته أو ممكن لذاته، والقسمان باطلان، أما

٥٤٨

الأول فلأن وجوده بعد العدم يستلزم جواز عدمه والوجوب يستلزم عدم جوازه وذلك جمع بين النقيضين، وأما الثاني فلأن عدمه في وقت دون آخر ترجيح من غير مرجح لاستحالة استناده إلى ذاته وإلا لكان ممتنع الوجود مع إمكانه وذلك جمع بين النقيضين، ولا إلى الفاعل ولا إلى الضد وإلا لجاز مثله في الجواهر، فالقول بذلك هنا مع استحالته في الجواهر ترجيح من غير مرجح، ولا إلى انتفاء الشرط وإلا لزم أن يكون للبقاء بقاء آخر فليس أحدهما بكونه صفة للآخر أولى من العكس وذلك ترجيح من غير مرجح.

قال: وإثباته في المحل يستلزم توقف الشئ على نفسه إما ابتداء أو بواسطة.

أقول: ذهب جماعة من الأشاعرة والكعبي إلى أن الجواهر تبقى ببقاء قائم بها، فإذا أراد الله تعالى إعدامها لم يفعل البقاء فانتفت الجواهر، والمصنف رحمه الله أبطل ذلك باستلزامه توقف الشئ على نفسه إما ابتداء أو بواسطة. وتقريره أن حصول البقاء في المحل يتوقف على وجود المحل في الزمان الثاني، لكن حصوله في الزمان الثاني إما أن يكون هو البقاء أو معلوله، ويستلزم من الأول توقف الشئ على نفسه ابتداء ومن الثاني توقفه على معلوله المتوقف عليه، وذلك يقتضي توقف الشئ على نفسه بواسطة، فهذا ما يمكن حمل كلامه عليه.

المسألة الرابعة
في وجوب المعاد الجسماني

قال: ووجوب إيفاء الوعد والحكمة يقتضي وجوب البعث، والضرورة قاضية بثبوت الجسماني من دين النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع إمكانه.

أقول: اختلف الناس هنا، فذهب الأوائل إلى نفي المعاد الجسماني وأطبق المليون عليه، واستدل المصنف رحمه الله على وجوب المعاد مطلقا بوجهين: الأول: أن

٥٤٩

الله تعالى وعد بالثواب وتوعد بالعقاب مع مشاهدة الموت للمكلفين، فوجب القول بعودهم ليحصل الوفاء بوعده ووعيده. الثاني: أن الله تعالى قد كلف وفعل الألم، وذلك يستلزم الثواب والعوض وإلا لكان ظالما تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، فإنا قد بينا حكمته تعالى ولا ريب في أن الثواب والعوض أنما يصلان إلى المكلف في الآخرة لانتفائهما في الدنيا. واستدل على ثبوت المعاد الجسماني بأنه معلوم بالضرورة من دين محمد (١) صلى الله عليه وآله وسلم، والقرآن دل عليه في آيات كثيرة بالنص مع أنه ممكن فيجب المصير إليه، وإنما قلنا بأنه ممكن لأن المراد من الإعادة جمع الأجزاء المتفرقة وذلك جائز بالضرورة.

قال: ولا تجب إعادة فواضل المكلف.

أقول: اختلف الناس في المكلف ما هو على مذاهب عرفت منها قول من يعتقد أن المكلف هو النفس المجردة وهو مذهب الأوائل والنصارى والتناسخية والغزالي والحليمي والراغب من الأشاعرة وابن الهيصم (٢) من الكرامية وجماعة من الإمامية والصوفية. (ومنها) قول جماعة من المحققين أن المكلف هو أجزاء أصلية في هذا البدن لا يتطرق إليها الزيادة والنقصان، وإنما تقعان في أجزاء المضافة إليها.

إذا عرفت هذا فنقول: الواجب في المعاد هو إعادة تلك الأجزاء الأصلية أو النفس المجردة مع الأجزاء الأصلية، أما الأجسام المتصلة بتلك الأجزاء فلا تجب إعادتها بعينها، وغرض المصنف رحمه الله بهذا الكلام الجواب عن اعتراضات الفلاسفة على المعاد الجسماني وتقرير قولهم إن انسانا لو أكل آخر أو اغتذى (١) بأجزائه فإن أعيدت أجزاء الغذاء إلى الأول عدم الثاني وإن أعيدت إلى الثاني عدم الأول.

(١) في (م) والنسخ الأخرى: بأنه أمر معلوم بالضرورة في دين النبي.

(٢) بالصاد المهملة هو محمد بن الهيصم الكرامي. وما في المطبوعة من الثاء المثلثة فمحرف.

(٣) كما في (م)، والنسخ الأخرى: لو أكل آخر واغتذى.

٥٥٠

وأيضا إما أن يعيد الله تعالى جميع الأجزاء البدنية الحاصلة من أول العمر إلى آخره أو القدر الحاصل له عند موته، والقسمان باطلان. أما الأول فلأن البدن دائما في التحلل والاستخلاف، فلو أعيد البدن مع جميع الأجزاء منه لزم عظمه في الغاية ولأنه قد يتحلل منه أجزاء تصير أجساما غذائية ثم يأكلها ذلك الانسان بعينه حتى تصير أجزاء من عضو آخر غير العضو الذي كانت أجزاء له أولا، فإذا أعيدت أجزاء كل عضو إلى عضوه لزم جعل ذلك الجزء جزءا من العضوين وهو محال، وأما الثاني فلأنه قد يطيع العبد حال تركبه من أجزاء بعينها ثم تتحلل تلك الأجزاء ويعصي في أجزاء أخرى فإذا أعيد في تلك الأجزاء بعينها وأثابها على الطاعة لزم إيصال الحق إلى غير مستحقه. وتقرير الجواب واحد وهو أن لكل مكلف أجزاءا أصلية لا يمكن أن تصير جزءا من غيرها بل تكون فواضل من غيره لو اغتذى بها (١) فإذا أعيدت جعلت أجزاء أصلية لما كانت أصلية له أولا، وتلك الأجزاء هي التي تعاد وهي باقية من أول العمر إلى آخره.

قال: وعدم انخراق الأفلاك وحصول الجنة فوقها ودوام الحياة مع الاحتراق وتولد البدن من غير التوالد وتناهي القوى الجسمانية استبعادات.

أقول: احتج الأوائل على امتناع المعاد الجسماني بوجوه: أحدها: أن السمع قد دل على انتثار الكواكب وانخراق الأفلاك وذلك محال. الثاني: أن حصول الجنة فوق الأفلاك كما ذهب إليه المسلمون يقتضي عدم الكرية. الثالث: أن بقاء الحياة مع دوام الاحتراق في النار محال. الرابع: أن تولد الأشخاص وقت الإعادة من غير توالد الأبوين باطل. الخامس: أن القوى الجسمانية متناهية والقول بدوام نعيم أهل الجنة قول بعدم التناهي.

والجواب عن الكل واحد وهو أن هذه استبعادات، أما الأفلاك فلأنها حادثة

(١) وفي (م) وحدها: ولو أعيد بها. والنسخ الأخرى كلها متفقة على ما في الكتاب، ولا يفيد ما في (م) معنى صحيحا.

٥٥١

على ما تقرر أولا فيمكن انخراقها كما يمكن عدمها، فكذا حصول الجنة فوق الأفلاك، ودوام الاحتراق مع بقاء الجسم ممكن ولأنه تعالى قادر على كل مقدور فيمكن استحالة الجسم إلى أجزاء نارية ثم يعيدها الله تعالى هكذا دائما، والتولد ممكن كما في آدم عليه السلام، والقوى الجسمانية قد لا يتناهى أثرها إذا كانت واسطة في التأثير.

المسألة الخامسة
في الثواب والعقاب

قال: ويستحق الثواب (١) والمدح بفعل الواجب والمندوب وفعل ضد القبيح والاخلال به بشرط فعل الواجب لوجوبه أو لوجه وجوبه والمندوب كذلك والضد لأنه ترك القبيح والاخلال به لأنه إخلال لأن المشقة من غير عوض ظلم ولو أمكن الابتداء به كان عبثا.

أقول: المدح قول ينبئ عن ارتفاع حال الغير مع القصد إلى الرفع منه، والثواب هو النفع المستحق المقارن للتعظيم والاجلال، والذم قول ينبئ عن اتضاع حال الغير مع قصده، والعقاب هو الضرر المستحق المقارن للاستخفاف والإهانة. والمدح والثواب يستحقان بفعل الواجب وفعل المندوب وفعل ضد القبيح وهو الترك له على ما ذهب من يثبت الترك ضدا (٢) والاخلال بالقبيح. ومنع

(١) المتن موافق للنسخ كلها.

(٢) أي ضدا للفعل. وفي النسخ الأخرى على مذهب من يثبت.

إلا أن نسخة (م) متفردة بزيادة به بعد الاخلال الأول، وهو الحق المطابق للشرح بل المتن أيضا وقد جاء في هامش (ش) بعد لفظة (كان) في المتن كلمة التكليف بدون بيان أنه من الأصل أو نسخة. وبالجملة عبارة المتن على ما اخترناه لا ريب في صحتها، بيانها: أنه ذكر استحقاق الثواب والمدح بإزاء الأفعال الأربعة وهي: فعل الواجب، وفعل المندوب، وفعل ضد القبيح، وفعل الاخلال بالقبيح. ثم قال: إن الاستحقاق المذكور بإزاء تلك الأفعال مشروط بشرط. وذكر الشرط في قبال تلك الأفعال على الترتيب بقوله: بشرط فعل الواجب لوجوبه أو لوجه وجوبه. والمندوب كذلك أي بشرط فعل المندوب لندبه أو لوجه ندبه. والضد لأنه ترك القبيح أي بشرط فعل ضد القبيح لأنه ترك القبيح. والاخلال به لأنه إخلال به أي بشرط فعل الاخلال بالقبيح لأنه إخلال به. ثم علل الاستحقاق بقوله: لأن المشقة من غير عوض ظلم. ثم قال: إن الابتداء بذلك العوض أي الاستحقاق عبث فيجب أن يكون بإزاء تلك الأفعال أي بإزاء التكليف.

٥٥٢

أبو علي وجماعة من المعتزلة استحقاق المدح والثواب بالاخلال بالقبيح وصارا إلى ذلك لأن المكلف يمتنع خلوه من الأخذ والترك الذي هو فعل الضد، والحق ما ذكره المصنف رحمه الله فإن العقلاء يستحسنون ذم المخل بالواجب وإن لم يتصوروا منه فعلا كما يستحسنون ذمه على فعل القبيح.

واعلم أنه يشترط في استحقاق الفاعل المدح والثواب إيقاع الواجب لوجوبه أو لوجه وجوبه، وكذا المندوب يفعله لندبه أو لوجه ندبه، وكذا في ترك القبيح يتركه لكونه ترك قبيح أو لوجه ذلك والاخلال بالقبيح لكونه إخلالا بالقبيح فإنه لو فعل الواجب أو المندوب لا لما ذكرناه لم يستحق مدحا ولا ثوابا عليهما، وكذا لو ترك القبيح لغرض آخر من لذة أو غيرها لم يستحق المدح والثواب.

والدليل على استحقاق الثواب بفعل الطاعة أنها مشقة قد ألزمها الله تعالى المكلف، فإن لم يكن لغرض كان عبثا وظلما وهو قبيح لا يصدر عن الحكيم، وإن كان لغرض فأما الإضرار وهو ظلم وأما النفع وهو إما أن يصح الابتداء به أو لا، والأول باطل وإلا لزم العبث في التكليف، والثاني هو المطلوب وذلك النفع هو المستحق بالطاعة المقارن للتعظيم والاجلال فإنه يقبح الابتداء بذلك لأن تعظيم من لا يستحقه قبيح.

قال: وكذا يستحق العقاب والذم بفعل القبيح والاخلال بالواجب لاشتماله على اللطف وللسمع (١).

أقول: كما أن الطاعة سبب لاستحقاق الثواب فكذا المعصية وهي فعل القبيح

(١) باتفاق النسخ كلها.

٥٥٣

وترك الواجب سبب لاستيجاب العقاب (١) لوجهين: أحدهما: عقلي كما ذهب إليه جماعة من العدلية، وتقريره أن العقاب لطف واللطف واجب، أما الصغرى فلأن المكلف إذا عرف أن مع المعصية يستحق العقاب (٢) فإنه يبعد عن فعلها ويقرب إلى فعل ضدها وهو معلوم قطعا، وأما الكبرى فقد تقدمت. الثاني: سمعي وهو الذي ذهب إليه باقي العدلية، وهو متواتر معلوم من دين النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

إذا عرفت هذا فنقول: ذهب جماعة إلى أن الاخلال بالواجب لا يقتضي استحقاق ذم ولا عقاب، بل المقتضي لذلك هو فعل القبيح أو ضد فعل الواجب وهو تركه، وقد تقدم بيان ذلك.

قال: ولا استبعاد في اجتماع الاستحقاقين باعتبارين.

أقول: هذا جواب عن حجة من منع من كون الإخلال بالواجب سببا لاستحقاق الذم، وتقريره أنه لو كان ذلك سببا والاخلال بالقبيح سبب للمدح لكان المكلف إذا خلا من الأمرين مستحقا للذم والمدح. والجواب لا استبعاد في اجتماع الاستحقاقين باعتبارين فيذم على أحدهما ويمدح على الآخر، كما إذا فعل طاعة ببعض أعضائه ومعصية بالبعض الآخر.

قال: وإيجاب المشقة في شكر النعمة قبيح (٣).

أقول: ذهب أبو القاسم البلخي إلى أن هذه التكاليف وجبت شكرا للنعمة فلا تستلزم وجوب الثواب ولا يستحق بفعلها نفع وإنما الثواب تفضل من الله تعالى، وذهب جماعة من العدلية إلى خلاف هذا القول، واحتج المصنف رحمه الله على إبطاله بأنه يقبح عند العقلاء أن ينعم الانسان على غيره ثم يكلفه ويوجب عليه شكره

(١) كما في (م) وفي (ص ش ز د): وهي فعل القبيح أو الاخلال بالواجب سبب لاستحقاق العقاب.

(٢) هكذا كانت العبارة في النسخ كلها إلا (ص) ففيها (أن بالمعصية) كيف ما كان اسم أن يجب أن يكون هو الشأن.

(٣) باتفاق النسخ كلها.

٥٥٤

ومدحته على تلك النعمة من غير إيصال ثواب إليه ويعدون ذلك نقصا في المنعم وينسبون إلى الرياء، وذلك قبيح لا يصدر من الحكيم فوجب القول باستحقاق الثواب.

قال: ولقضاء العقل به مع الجهل.

أقول: هذا دليل ثان على إبطال قول البلخي، وتقريره أن العقلاء بأسرهم يجزمون بوجوب شكر المنعم، وإذا كان وجوب الشكر معلوما بالعقل مع أن العقل لا يدرك التكاليف الشرعية وجب القول بكونها ليست شكرا.

قال: ويشترط في استحقاق الثواب (١) كون الفعل أو الاخلال به شاقا لا رفع الندم على فعله ولا انتفاء النفع العاجل إذا فعل للوجه.

أقول: يشترط في استحقاق الثواب كون الفعل المكلف به الواجب أو المندوب شاقا وكون الاخلال بالقبيح شاقا، إذ المقتضي لاستحقاق الثواب هو المشقة فإذا انتفت انتفى المقتضي للاستحقاق، ولا يشترط رفع الندم على فعل الطاعة فإن الطاعة سبب لاستحقاق الثواب، وقد وجدت منفكة عنه لأنه في حال الفعل يستحيل أن يكون نادما عليه. نعم نفي الندم شرط في بقاء استحقاق الثواب، وكذا لا يشترط في الثواب عدم النفع العاجل إذا أوقعه المكلف لوجه الوجوب أو للوجوب أو لوجه الندب أو للندب.

المسألة السادسة
في صفات الثواب والعقاب

قال: ويجب اقتران الثواب بالتعظيم والعقاب بالإهانة للعلم الضروري

(١) المتن توافقه النسخ كلها والزيادات في المطبوعة تعليقات أدرجت في المتن. قوله: لا رفع الندم على فعله أي يشترط في استحقاق الثواب ما قلنا لا رفع الندم ولا انتفاء النفع العاجل أي لا يشترط ذاك ولا ذلك كما في الشرح.

٥٥٥

باستحقاقهما مع فعل موجبهما.

أقول: ذهبت المعتزلة إلى أن الثواب نفع عظيم مستحق يقارنه التعظيم، والعقاب ضرر عظيم مستحق يقارنه الإهانة، واحتجوا على وجوب اقتران التعظيم بالثواب واقتران الإهانة بالعقاب بأنا نعلم بالضرورة أن فاعل الفعل الشاق (١) المكلف به فإنه يستحق التعظيم والمدح، وكذلك من فعل القبيح فإنه يستحق الإهانة والاستخفاف.

قال: ويجب دوامهما لاشتماله على اللطفية (٢) ولدوام المدح والذم ولحصول نقيضيهما لولاه.

أقول: ذهب المعتزلة إلى أن الثواب والعقاب دائمان، واختلف في العلم بدوامهما هل هو عقلي أو سمعي؟ فذهبت المعتزلة إلى أنه عقلي، وذهبت المرجئة إلى أنه سمعي.

واحتج المصنف رحمه الله على دوامهما بوجوه: أحدها: أن العلم بدوام الثواب والعقاب يبعث العبد على فعل الطاعة ويبعده عن المعصية وذلك ضروري، وإذا كان كذلك كان لطفا واللطف واجب على ما مر. الثاني: أن المدح والذم دائمان، إذ لا وقت إلا ويحسن مدح المطيع وذم العاصي إذا لم يظهر منه ندم على ما فعل، وهما معلولا الطاعة والمعصية فيجب كون الطاعة والمعصية في حكم الدائمتين، فيجب دوام الثواب والعقاب لأن دوام أحد المعلولين يستلزم دوام المعلول الآخر، لأن العلة تكون دائمة أو في حكم الدائمة. الثالث: أن الثواب لو كان منقطعا لحصل لصاحبه الألم بانقطاعه، ولو كان العقاب منقطعا لحصل لصاحبه السرور (٣) بانقطاعه، وذلك ينافي الثواب والعقاب لأنهما خالصان عن الشوائب، هذا ما

(١) كما في (م)، والنسخ الأخرى كلها: إن من فعل الفعل الشاق.

(٢) باتفاق النسخ كلها.

(٣) كما في النسخ كلها إلا (م) ففيها: لحصل له السرور.

٥٥٦

فهمناه من كلام المصنف رحمه الله. وقوله: لحصول نقيضيهما، يعني نقيضي الثواب والعقاب، لولاه أي لولا الدوام.

قال: ويجب خلوصهما وإلا لكان الثواب أنقص حالا من العوض والتفضل على تقدير حصوله فيهما وهو أدخل في باب الزجر.

أقول: يجب خلوص الثواب والعقاب عن الشوائب، أما الثواب فلأنه لولا ذلك لكان العوض والتفضل أكمل منه لأنه يجوز خلوصهما عن الشوائب وحينئذ يكون الثواب أنقص درجة وأنه غير جائز، وأما العقاب فلأنه أعظم في الزجر (١) فيكون لطفا.

قال: وكل ذي مرتبة في الجنة (٢) لا يطلب الأزيد ويبلغ سرورهم بالشكر إلى حد انتفاء المشقة وغناؤهم بالثواب ينفي مشقة ترك القبائح وأهل النار يلجأون إلى ترك القبيح.

أقول: لما ذكر أن الثواب خالص عن الشوائب ورد عليه أن أهل الجنة يتفاوتون في الدرجات، فالأنقص إذا شاهد من هو أعظم ثوابا حصل له الغم بنقص درجته عنه وبعدم اجتهاده في العبادة وأيضا، فإنه يجب عليهم الشكر لنعم الله تعالى والاخلال بالقبائح وفي ذلك مشقة. والجواب عن الأول أن شهوة كل

(١) باتفاق النسخ كلها. وفي المطبوعة فلأنه أدخل في الزجر. وهذا تحريف سنح من ظاهر قول الماتن: (وهو أدخل في باب الزجر). والصواب أعظم، وهو تفسير أدخل. يعني يجب خلوص الثواب من شوائب الألم أي يجب أن لا يكون مشوبا بألم من مثل الحزن والغم والخوف ونحوها، وكذا يجب خلوص العقاب من شوائب اللذة أي يجب أن لا يكون مشوبا باللذة.

(٢) وذلك لأن الدرجات هنالك ليست إلا مراتب الأعمال الصالحة والحقائق الايقانية النورية المكسوبة هاهنا. وعن مولانا إمام الملك والملكوت الصادق عليه السلام: لا تقولن الجنة واحدة إن الله يقول: ومن دونهما جنتان، ولا تقولن درجة واحدة إن الله يقول: درجات بعضها فوق بعض، إنما تفاضل القوم بالأعمال، رواه في الصافي في سورة الرحمن في تفسير قوله سبحانه: (ومن دونهما جنتان).

٥٥٧

مكلف مقصورة على ما حصل له ولا يغتم بفقد الأزيد لعدم اشتهائه له، وعن الثاني أنه يبلغ سرورهم بالشكر على النعمة إلى حد تنتفي المشقة معه. وأما الاخلال بالقبائح فإنه لا مشقة عليهم فيها لأنه تعالى يغنيهم بالثواب ومنافعه عن فعل القبيح فلا تحصل لهم مشقة، أما أهل النار فإنهم يلجأون إلى فعل ما يجب عليهم وترك القبائح فلا تصدر عنهم، وليس ذلك تكليفا لأنه بالغ حد الالجاء ويحصل من ذلك نوع من العقاب أيضا.

قال: ويجوز توقف الثواب على شرط وإلا لأثيب العارف بالله تعالى خاصة.

أقول: ذهب جماعة إلى أن الثواب يجوز أن يكون موقوفا على شرط ومنعه آخرون، والأول هو الحق، والدليل عليه أنه لولا ذلك لكان العارف بالله تعالى وحده مثابا مع عدم نظره في المعجزة وعدم تصديقه بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، والتالي باطل إجماعا فكذا المقدم، بيان الشرطية أن المعرفة طاعة مستقلة بنفسها فلو لم يتوقف الثواب عليها على شرط لوجبت إثابة من لم يصدق بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم حيث لم ينظر في معجزته.

قال: وهو مشروط بالموافاة (١) لقوله تعالى: (لئن أشركت ليحبطن عملك)

أي الثواب مشروط بأن عامل الخير يوافي إيمانه الموت أي يدوم إيمانه إلى حال الموت ويوافي بالطاعة سليمة إلى الموت. قال في تفسير المجمع عند قوله سبحانه: (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين) (البقرة ٣٤):

وأما قوله تعالى: (وكان من الكافرين) قيل: معناه كان كافرا في الأصل، وهذا القول يوافق مذهبنا في الموافاة.

وفي نسخة مخطوطة مصححة من المجمع عندنا مزدانة بتعليقات عتيقة، جاءت عبارة التعليقة في المقام هكذا: اختلف المعتزلة في اشتراط الموافاة في الثواب والعقاب فقال بهما مشائخ بغداد وأنكره الباقون. والقائلون بالموافاة اختلفوا فمنهم من قال: لا يثبت الاستحقاق بهما إلا في الآخرة وهو إذا وافى العبد بالطاعة سليمة إلى دار الآخرة. ومنهم من قال: يثبت في حال الموت وهو إذا وافى العبد بها إلى الموت. ومنهم من قال: بل في حال الطاعة أو المعصية بشرط الموافاة وهو إذا كان معلوم الحكم منه أنه لا محبط الطاعة إلى حالة الموت.

احتج المشترطون بأن ثواب الأيمان دائم فلو لم يتوقف على الموافاة لكان المرتد إما أن يستحق العقاب الدائم مع استحقاق دوام الثواب، أو يكون أحدهما زائلا بالآخر وهو المطلوب. واعلم أن استحقاق الثواب يتوقف على الاستمرار على الإيمان وعلامة ذلك الموافاة.

٥٥٨

وقوله تعالى: (ومن يرتدد منكم عن دينه).

أقول: اختلف المعتزلة على أربعة أقوال: فقال بعضهم: إن الثواب والعقاب يستحقان في وقت وجود الطاعة والمعصية وأبطلوا القول بالموافاة. وقال آخرون:

إنهما يستحقان في الدار الآخرة. وقال آخرون: إنهما يستحقان حال الاخترام.

وقال آخرون: إنهما يستحقان في الحال بشرط الموافاة، فإن كان في علم الله تعالى أنه يوافي الطاعة سليمة إلى حال الموت أو الآخرة استحق بها الثواب في الحال وكذا المعصية وإن كان في علمه تعالى أنه يحبط الطاعة أو يتوب من المعصية قبل الموافاة لم يستحق الثواب ولا العقاب بهما، واستدل المصنف رحمه الله على القول بالموافاة بقوله تعالى: (لئن أشركت ليحبطن عملك) وبقوله تعالى:

(ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم) وتقريره أن نقول (١): إما أن يكون المراد بالاحباط هنا كون العمل باطلا في أصله أو أن

(١) العبارة قد حرفت في النسخ المطبوعة والمخطوطة تحريفا فاحشا، ومختارنا مطابق لما في نسخة (م) وهو الحق محققا. فنقول في بيانه على وزان كلام الشارح العلامة في تقرير هذا المطلب القويم الأصيل: إن الثواب مشروط بالموافاة على ما تقدم منا تفسيرها آنفا، وذلك بالكريمتين اللتين استدل بهما المحقق الطوسي على الموافاة، فإن المراد بالاحباط والحبط فيهما يتصور على وجوه ثلاثة:

أحدها: أن يكون العمل باطلا في أصله.

وثانيها: أن الثواب يسقط بعد ثبوته.

وثالثها: أن الكفر أي الشرك والارتداد أبطله، أي لم يتحقق الموافاة.

والوجه الأول باطل بدليلين: الأول: أن الله سبحانه علق بطلان العمل بالشرك المتجدد حيث قال: لئن أشركت ليحبطن عملك، وقال: ومن يرتدد منكم.. الآية. الدليل الثاني: أن قوله سبحانه في الآيتين شرط وجزاء، والشرط والجزاء أنما يقعان في المستقبل، فبالأول أي الشرط يبطل الثاني أي الجزاء، يعني إذا سنح الشرك والارتداد يحبط الأعمال فلا يكون العمل باطلا في أصله.

والوجه الثاني باطل لأنه إحباط كما يأتي في المسألة الآتية.

فإذا بطل الوجهان الأولان تعين الوجه الثالث وهو صحة القول بالموافاة.

فبما بينا دريت أن المراد من قوله: وبالأول يبطل الثاني، هو الشرط والجزاء، وقد توهم بعضهم أن المراد بهما هو الوجه الأول والثاني. ثم أوجب هذا الوهم السوء تبديل الثاني بالثالث وإسقاط قوله فتعين الثالث.

والصورة المحرفة هكذا: والأولان باطلان أما الأول لأنه علق بطلانه بالشرك ولأنه شرط وجزاؤهما أنما يقعان في المستقبل وبالأول يبطل الثاني وأما الثالث فلما يأتي من بطلان التحابط.

٥٥٩
٥٦٠