×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

كشف المراد في شرح تجريد الإعتقاد / الصفحات: ٥٦١ - ٥٨٠

ذرة خيرا يره).

أقول: اختلف الناس هنا، فقال جماعة من المعتزلة بالاحباط والتكفير، ومعناهما أن المكلف يسقط ثوابه المتقدم بالمعصية المتأخرة أو تكفر ذنوبه المتقدمة بطاعته المتأخرة ونفاهما المحققون، ثم القائلون بهما اختلفوا فقال أبو علي: إن المتأخر يسقط المتقدم ويبقى على حاله. وقال أبو هاشم: إنه ينتفي الأقل بالأكثر وينتفي من الأكثر بالأقل ما ساواه ويبقى الزائد مستحقا وهذا هو الموازنة، ويدل على بطلان الاحباط أنه يستلزم الظلم لأن من أساء وأطاع وكانت إساءته أكثر يكون بمنزلة من لم يحسن وإن كان إحسانه أكثر يكون بمنزلة من لم يسئ وإن تساويا يكون مساويا لمن لم يصدر عنه أحدهما وليس كذلك عند العقلاء، ولقوله تعالى: (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره) والايفاء بوعده ووعيده واجب.

قال: ولعدم الأولوية إذا كان الآخر ضعفا (١) وحصول المتناقضين مع التساوي.

(١) الضعف بالكسر فالسكون وما في بعض النسخ: (ضعيفا) فمحرف بلا حرف. وفي (ت) بعد قوله ضعفا: وحصولها لمتناقضين والنسخ الأخرى كما اخترناه وحصول المتناقضين مجرور معطوف على عدم الأولوية. ونسخة (م) قد نقصت منها عدة صفحات من هذه المسألة إلى المسألة الخامسة عشرة.

الكلام في رد قول أبي هاشم بالموازنة وقد دريت أنه ذهب إلى أنه ينتفي الأقل بالأكثر، وينتفي من الأكثر بالأقل ما ساواه ويبقى الزائد مستحقا، فالمحقق أتى بدليلين في إبطال قوله أحدهما بعدم الأولوية على فرض أحد من الثواب والعقاب ضعفا للآخر كما مثل الشارح العلامة بقوله: إذا فرضنا استحق المكلف خمسة أجزاء من الثواب وعشرة أجزاء من العقاب. والثاني حصول المتناقضين أي جمعهما على فرض تساوي الثواب والعقاب كما مثل في الشرح بقوله: ولو فرضنا أنه فعل خمسة أجزاء من الثواب وخمسة أجزاء من العقاب. وتقرير الشارح في بيان الدليلين خال عن التكلف جار على أسلوبه الطبيعي.

والأستاذ العلامة الشعراني عدل من الضعف إلى الضعيف ففسر العبارة بما ليس بمراد وقد تكلف بما استفاد، وأسند بيان الشارح إلى التكلف وعدم السداد.

٥٦١

أقول: هذا دليل على إبطال قول أبي هاشم بالموازنة، وتقريره أنا إذا فرضنا أنه استحق المكلف خمسة أجزاء من الثواب وعشرة أجزاء من العقاب، فليس إسقاط إحدى الخمستين من العقاب بالخمسة من الثواب أولى من الأخرى، فإما أن يسقطا معا وهو خلاف مذهبه أو لا يسقط شئ منهما وهو المطلوب، ولو فرضنا أنه فعل خمسة أجزاء من الثواب وخمسة أجزاء من العقاب فإن تقدم إسقاط أحدهما للآخر لم يسقط الباقي بالمعدوم لاستحالة صيرورة المغلوب والمعدوم غالبا ومؤثرا، وإن تقارنا لزم وجودهما معا لأن وجود كل منهما نفي وجود الآخر فيلزم وجودهما حال عدمهما، وذلك جمع بين المتناقضين.

المسألة الثامنة
في انقطاع عذاب أصحاب الكبائر

قال: والكافر مخلد (١) وعذاب صاحب الكبيرة منقطع لاستحقاقه الثواب بإيمانه ولقبحه عند العقلاء.

أقول: أجمع المسلمون كافة على أن عذاب الكافر مؤبد لا ينقطع، واختلفوا

(١) فإنه بإبطال نفسه وجعلها بتراء صار من سنخ الجحيم فلا ترد النعيم، كما لو كان في هذه النشأة مخلدا فأزال مرة بصره بسوء عمله آنا ما، فإنه في هذه النشأة أعمى مخلدا فلا يسمع منه أن يقول إن سوء عملي كان آنا ما فلماذا كنت أعمى بالخلود المؤبد.

٥٦٢

في أصحاب الكبائر من المسلمين فالوعيدية على أنه كذلك، وذهبت الإمامية وطائفة كثيرة من المعتزلة والأشاعرة إلى أن عذابه منقطع، وينبغي أن يعرف هنا الصغير والكبير من الذنب (١) أما الصغير فيقال على وجوه:

(منها): ما يقال بالإضافة إلى الطاعة، فيقال: هذه المعصية صغيرة في مقابلة الطاعة أو هي أصغر من هذه الطاعة، باعتبار أن عقابها ينقص في كل وقت عن ثواب تلك الطاعة في كل وقت، وإنما شرطنا عموم الوقت لأنه متى اختلف الحال في ذلك بأن يزيد تارة ثواب الطاعة عن عقاب المعصية وتارة ينقص لم نقل إن تلك صغيرة بالإضافة إلى تلك الطاعة على الإطلاق، بل تقيد بالحالة التي يكون عقابها أقل من ثواب الطاعة وحصول الاختلاف بما يقترن بالطاعة والمعصية، فإن الإنفاق في سبيل الله مختلف كما قال تعالى: (لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح).

(ومنها) أن يقال بالنسبة إلى معصية أخرى، فيقال: هذه المعصية أصغر من تلك، بمعنى أن عقاب هذه ينقص في كل وقت عن عقاب الأخرى.

(ومنها) أن يقال بالإضافة إلى ثواب فاعلها، بمعنى أن عقابها ينقص في كل وقت عن ثواب فاعلها في كل وقت، هذا هو الذي يطلقه العلماء عليه، والكبير يقال على وجوه مقابلة لهذه الوجوه.

إذا عرفت هذا فنقول: الحق أن عقاب أصحاب الكبائر منقطع، والدليل عليه وجهان: الأول: أنه يستحق الثواب بإيمانه لقوله تعالى: (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره) والإيمان أعظم أفعال الخير، فإذا استحق العقاب بالمعصية فإما أن يقدم الثواب على العقاب وهو باطل بالاجماع لأن الثواب المستحق بالإيمان دائم على ما تقدم أو بالعكس وهو المراد والجمع محال. الثاني: يلزم أن يكون من عبد الله

(١) قد تقدم آنفا عن المجمع أن المعاصي عندنا كلها كبائر وإنما تسمى صغيرة بإضافتها إلى ما هو أكبر عقابا منها، فلا تنظر إلى الذنب أنه محقر بل انظر إلى من عصيته.

٥٦٣

تعالى مدة عمره بأنواع القربات إليه ثم عصى في آخر عمره معصية واحدة مع بقاء إيمانه مخلدا في النار كمن أشرك بالله تعالى مدة عمره، وذلك محال لقبحه عند العقلاء.

قال: والسمعيات متأولة ودوام العقاب مختص بالكافر.

أقول: هذا إشارة إلى الجواب عن حجج الوعيدية واحتجوا بالنقل والعقل.

(أما النقل) فالآيات الدالة على خلودهم كقوله تعالى: (ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها) وقوله تعالى: (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها) إلى غير ذلك من الآيات. (وأما العقل) فما تقدم من أن العقاب والثواب يجب دوامهما. (والجواب) عن السمع التأويل إما بمنع العموم والتخصيص بالكفار وإما بتأويل الخلود بالبقاء المتطاول وإن لم يكن دائما، وعن العقل بأن دوام العقاب أنما هو في حق الكافر أما غيره فلا.

المسألة التاسعة
في جواز العفو

قال: والعفو واقع لأنه حقه تعالى فجاز إسقاطه ولا ضرر عليه في تركه مع ضرر النازل به فحسن إسقاطه ولأنه إحسان.

أقول: ذهب جماعة من معتزلة بغداد إلى أن العفو جائز عقلا غير جائز سمعا، وذهب البصريون إلى جوازه سمعا وهو الحق، واستدل عليه المصنف رحمه الله بوجوه (١)، الأول أن العقاب حق لله تعالى فجاز تركه والمقدمتان ظاهرتان.

(١) بوجوه، كما في (ص). وفي (ق ش ز د): بوجوه ثلاثة. وعبارة المتن أيضا جاءت في غير (ت): ولأنه إحسان، بالواو، وأما نسخة (ت) ففيها: فحسن إسقاطه لأنه إحسان بدون الواو.

ونسخة (م) هاهنا ساقطة وقد كتبت ثانية وكانت هي أقدم النسخ. فالوجوه محمولة على أقل الجمع، ولكن الشارح القوشجي في شرحه بعد بيان الوجهين قال: الثالث العفو إحسان والاحسان على الله تعالى واجب، وكلامه هذا بيان لقول المحقق الطوسي ولأنه إحسان كما هو ظاهر. وظني أن كلام الشارح العلامة في الوجه الثالث سقط عن قلم النساخ وقد رأيت نظيره في الكتاب، فيجب أن يضاف إليه نحو قول القوشجي بأن يقال: الثالث العفو إحسان والاحسان على الله تعالى واجب، بيانا لقوله: ولأنه إحسان.

٥٦٤

الثاني: أن العقاب ضرر بالمكلف ولا ضرر في تركه على مستحقه وكل ما كان كذلك كان تركه حسنا، أما أنه ضرر بالمكلف فضروري وأما عدم الضرر في تركه فقطعي لأنه تعالى غني بذاته عن كل شئ وأما إن ترك مثل هذا حسن فضروري.

قال: وللسمع.

أقول: هذا دليل الوقوع سمعا وهو الآيات الدالة على العفو كقوله تعالى: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) فإما أن يكون هذان الحكمان مع التوبة أو بدونها، والأول باطل لأن الشرك يغفر مع التوبة فتعين الثاني، (وأيضا) المعصية مع التوبة يجب غفرانها وليس المراد في الآية المعصية التي يجب غفرانها، لأن الواجب لا يعلق بالمشيئة فما كان يحسن قوله لمن يشاء فوجب عود الآية إلى معصية لا يجب غفرانها كقوله تعالى: وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم و (على) تدل على الحال أو الغرض كما يقال: ضربت زيدا على عصيانه، أي لأجل عصيانه وهو غير مراد هنا قطعا فتعين الأول. (وأيضا) فالله تعالى قد نطق في كتابه العزيز بأنه عفو غفور، وأجمع المسلمون عليه ولا معنى له إلا إسقاط العقاب عن العاصي.

المسألة العاشرة
في الشفاعة (١)

قال: والاجماع على الشفاعة فقيل لزيادة المنافع ويبطل بنا في حقه صلى الله عليه وآله.

(١) المحقق في الشفاعة أن المؤمن يكسبها في هذه النشأة باتباع سيرة الشفيع فما حرثه في مزرعة نفسه هاهنا يرى نتيجته في نشأته الأخرى التي هي يوم حصاده والنتيجة في طول العمل بل الجزاء نفس العمل، فافهم.

٥٦٥

أقول: اتفقت العلماء على ثبوت الشفاعة للنبي صلى الله عليه وآله، ويدل عليه قوله تعالى: (عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا) قيل: إنه الشفاعة، واختلفوا فقالت الوعيدية: إنها عبارة عن طلب زيادة المنافع للمؤمنين المستحقين للثواب، وذهبت التفضلية إلى أن الشفاعة للفساق من هذه الأمة في إسقاط عقابهم وهو الحق، وأبطل المصنف الأول بأن الشفاعة لو كانت في زيادة المنافع لا غير لكنا شافعين في النبي صلى الله عليه وآله حيث نطلب له من الله تعالى علو الدرجات، والتالي باطل قطعا لأن الشافع أعلى من المشفوع فيه فالمقدم مثله.

قال: ونفي المطاع لا يسلتزم نفي المجاب وباقي السمعيات متأولة بالكفار (١).

أقول: هذا إشارة إلى جواب من استدل على أن الشفاعة أنما هي في زيادة المنافع، وقد استدلوا بوجوه: الأول: قوله تعالى: (ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع) نفى الله تعالى قبول الشفاعة عن الظالم والفاسق ظالم. (والجواب) أنه تعالى نفى الشفيع المطاع ونحن نقول به لأنه ليس في الآخرة شفيع يطاع لأن المطاع فوق المطيع والله تعالى فوق كل موجود ولا أحد فوقه، ولا يلزم من نفي الشفيع المطاع نفي الشفيع المجاب، سلمنا لكن لم لا يجوز أن يكون المراد بالظالمين هنا الكفار جمعا بين الأدلة؟ الثاني: قوله تعالى: (وما للظالمين من أنصار) ولو شفع عليه السلام في الفاسق لكان ناصرا له. الثالث: قوله تعالى: (ولا تنفعها شفاعة) (يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا) (فما تنفعهم شفاعة الشافعين) والجواب عن هذه الآيات كلها أنها مختصة بالكفار جمعا بين الأدلة. الرابع: قوله تعالى: (ولا يشفعون إلا لمن ارتضى) نفي شفاعة الملائكة عن غير المرتضى لله تعالى والفاسق غير مرتضى (٢) والجواب لا نسلم أن الفاسق غير مرتضى بل هو

(١) في الكفار، كما في (ت)، والنسخ الأخرى: متأولة بالكفار.

(٢) وفي نسخة (ق) كتبت فوق غير مرتضى هذه اللفظة: بخطه. يعني أن غير مرتضى بخط الشارح العلامة.

٥٦٦

مرتضى لله تعالى في إيمانه.

قال: وقيل في إسقاط المضار والحق صدق الشفاعة فيهما وثبوت الثاني له صلى الله عليه وآله بقوله: ادخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي.

أقول: هذا هو المذهب الثاني الذي حكيناه أولا وهو أن الشفاعة في إسقاط المضار، ثم بين المصنف رحمه الله أنها تطلق على المعنيين معا، كما يقال: شفع فلان في فلان إذا طلب له زيادة منافع أو إسقاط مضار وذلك متعارف عند العقلاء، ثم بين أن الشفاعة بالمعنى الثاني - أعني إسقاط المضار - ثابتة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: ادخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي، وذلك حديث مشهور.

المسألة الحادية عشرة
في وجوب التوبة

قال: والتوبة واجبة (١) لدفعها الضرر ولوجوب الندم على كل قبيح أو إخلال بواجب.

أقول: التوبة هي الندم على المعصية لكونها معصية والعزم على ترك المعاودة في المستقبل لأن ترك العزم يكشف عن نفي الندم، وهي واجبة بالاجماع لكن اختلفوا فذهب جماعة من المعتزلة إلى أنها تجب من الكبائر المعلوم كونها كبائر أو المظنون فيها ذلك ولا يجب من الصغائر المعلوم منها أنها صغائر. وقال آخرون: إنها لا تجب من ذنوب تاب عنها من قبل. وقال آخرون: إنها تجب من كل صغير وكبير من المعاصي أو الاخلال بالواجب سواء تاب عنها قبل أو لم يتب.

وقد استدل المصنف على وجوبها بأمرين: الأول: أنها دافعة للضرر الذي هو العقاب أو الخوف منه ودفع الضرر واجب. الثاني: أنا نعلم قطعا وجوب الندم على

(١) قد بحثنا عن وجوب التوبة على الاستقصاء في ثلاثة عشر مبحثا في المجلد الأول من تكملة المنهاج (ص ١٧١ - ٢٠٩ ج ١ ط ١) فراجع.

٥٦٧

فعل القبيح أو الاخلال بالواجب. إذا عرفت هذا فنقول: إنها تجب عن كل ذنب لأنها تجب من المعصية لكونها معصية ومن الاخلال بواجب لكونه كذلك، وهذا عام في كل ذنب وإخلال بواجب.

قال: ويندم على القبيح لقبحه وإلا انتفت وخوف النار إن كان الغاية فكذلك وكذا الاخلال.

أقول: يجب على التائب أن يندم على القبيح لقبحه وأن يعزم على ترك المعاودة إليه، إذ لولا ذلك انتفت التوبة كمن يتوب عن المعصية حفظا لسلامة بدنه أو لعرضه بحيث لا ينثلم عند الناس، فإن مثل هذا لا يعد توبة لانتفاء الندم فيه.

وأما التائب خوفا من النار فإن كان الخوف من النار هو الغاية في توبته بمعنى أنه لولا خوف النار لم يتب فكذلك أي لا يصح منه التوبة لأنها ليست توبة عن القبيح لقبحه، فجرى مجرى طالب سلامة البدن وإن لم يكن هو الغاية بأن يندم عليه لأنه قبيح وفيه عقاب النار ولولا القبح لما ندم عليه وإن كان فيه خوف النار صحت توبته، وكذا الاخلال بالواجب إن ندم عليه لأنه إخلال بواجب وعزم على فعل الواجب في المستقبل لأجل كونه إخلالا بواجب، فهي توبة صحيحة وإن كان خوفا من النار أو من فوات الجنة، فإن كان هو الغاية لم تصح توبته وإلا كانت صحيحة، ولهذا إن المسئ لو اعتذر إلى المظلوم لا لأجل إساءته بل لخوفه من عقوبة السلطان لم يقبل العقلاء عذره.

قال: فلا تصح من البعض ولا يتم القياس على الواجب.

أقول: اختلف شيوخ المعتزلة فذهب أبو هاشم إلى أن التوبة لا تصح من قبيح دون قبيح، وذهب أبو علي إلى جواز ذلك، والمصنف رحمه الله استدل على مذهب أبي هاشم بأنا قد بينا أنه يجب أن يندم على القبيح لقبحه ولولا ذلك لم تكن مقبولة على ما تقدم والقبح حاصل في الجميع، فلو تاب من قبيح دون قبيح كشف ذلك عن كونه تائبا عنه لا لقبحه.

٥٦٨

واحتج أبو علي بأنه لو لم تصح التوبة عن قبيح دون قبيح لم يصح الاتيان بواجب دون واجب، والتالي باطل فالمقدم مثله، بيان الشرطية أنه كما يجب عليه ترك القبيح لقبحه كذا يجب عليه فعل الواجب لوجوبه، فلو لزم من اشتراك القبائح في القبح عدم صحة التوبة من بعض القبائح دون بعض لزم من اشتراك الواجبات في الوجوب عدم صحة الاتيان بواجب دون آخر. وأما بطلان التالي فبالاجماع، إذ لا خلاف في صحة صلاة من أخل بالصوم. وأجاب أبو هاشم بالفرق بين ترك القبيح لقبحه وفعل الواجب لوجوبه بالتعميم في الأول دون الثاني، فإن من قال: لا آكل الرمانة لحموضتها، فإنه لا يقدم على أكل كل حامض لاتحاد الجهة في المنع، ولو أكل الرمانة لحموضتها لم يلزم أن يتناول كل رمانة حامضة فافترقا، وإليه أشار المصنف رحمه الله بقوله: ولا يتم القياس على الواجب، أي لا يتم قياس ترك القبيح لقبحه على فعل الواجب لوجوبه.

قال: ولو اعتقد فيه الحسن صحت.

أقول: قد تصح التوبة من قبيح دون قبيح إذا اعتقد التائب في بعض القبائح أنها حسنة وتاب عما يعتقده قبيحا، فإنه يقبل توبته لحصول الشرط فيه وهو ندمه على القبيح لقبحه، ولهذا إذا تاب الخارجي عن الزنا فإنه يقبل توبته وإن كان اعتقاده قبيحا، لأنه لا يعتقده كذلك فيصدق في حقه أنه تاب عن القبيح لقبحه.

قال: وكذا المستحقر (١).

أقول: إذا كان هناك فعلان: أحدهما عظيم القبح والآخر صغيره وهو مستحقر بالنسبة إليه حتى لا يكون معتدا به، ويكون وجوده بالنسبة إلى العظيم كعدمه حتى تاب فاعل القبيح من العظيم فإنه تقبل توبته، مثال ذلك: إن الانسان إذا قتل ولد غيره وكسر له قلما ثم تاب وأظهر الندم على قتل الولد دون كسر القلم فإنه تقبل

(١) وفي (ت) فقط: وكذا المستخف. وقوله في آخر الشرح: فكذا الندم، كما في (ص) والنسخ الأخرى: وكذا العزم.

٥٦٩

توبته ولا يعتد العقلاء بكسر القلم وإن كان لا بد من أن يندم على جميع إساءته، وكما أن كسر القلم حال قتل الولد لا يعد إساءة فكذا الندم.

قال: والتحقيق (١) أن ترجيح الداعي إلى الندم عن البعض يبعث عليه وإن اشترك الداعي في الندم على القبيح كما في الدواعي إلى الفعل، ولو اشترك الترجيح اشترك وقوع الندم وبه يتأول كلام أمير المؤمنين وأولاده عليهم السلام وإلا لزم الحكم ببقاء الكفر على التائب منه المقيم على صغيرة.

أقول: لما شرع في تقرير كلام أبي هاشم ذكر التحقيق في هذا المقام، وتقريره أن نقول: الحق أنه تجوز التوبة عن قبيح دون قبيح، لأن الأفعال تقع بحسب الدواعي وتنتفي بحسب الصوارف، فإذا ترجح الداعي وقع الفعل.

إذا عرفت هذا فنقول: يجوز أن يرجح فاعل القبائح دواعيه إلى الندم على بعض القبائح دون بعض، وإن كانت القبائح مشتركة في أن الداعي يدعو إلى الندم عليها، وذلك بأن تقترن ببعض القبائح قرائن زائدة كعظم الذنب أو كثرة الزواجر عنه أو الشناع عند العقلاء عند فعله، ولا تقترن هذه القرائن ببعض القبائح فلا يندم عليها، وهذا في دواعي الفعل فإن الأفعال الكثيرة قد تشترك في الدواعي ثم يؤثر صاحب الدواعي بعض تلك الأفعال على بعض بأن يترجح دواعيه إلى ذلك الفعل بما يقترن به من زيادة الدواعي، فلا استبعاد في كون قبح الفعل داعيا إلى الندم، ثم تقترن ببعض القبائح زيادة الدواعي إلى الندم عليه فيترجح لأجلها الداعي إلى الندم على ذلك البعض، ولو اشتركت القبائح في قوة الدواعي اشتركت في وقوع الندم ولم يصح الندم على البعض دون الآخر.

وعلى هذا ينبغي أن يحمل كلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام وكلام أولاده كالرضا وغيره عليهم السلام حيث نقل عنهم نفي تصحيح التوبة عن بعض القبائح

(١) المتن موافق للنسخ كلها إلا نسخة (ص) ففيها: وبهذا يتأول، مكان وبه يتأول. وما في المطبوعة حواش إيضاحية أدرجت في المتن.

٥٧٠

دون بعض، لأنه لولا ذلك لزم خرق الاجماع، والتالي باطل فالمقدم مثله، بيان الملازمة أن الكافر إذا تاب عن كفره وأسلم وهو مقيم على الكذب إما أن يحكم بإسلامه وتقبل توبته عن الكفر أو لا، والثاني خرق الاجماع لاتفاق المسلمين على إجراء أحكام المسلمين عليه، والأول هو المطلوب وقد التزم أبو هاشم استحقاقه عقاب الكفر وعدم قبول توبته وإسلامه لكن يمنع إطلاق الاسم عليه (١).

المسألة الثانية عشرة
في أقسام التوبة

قال: والذنب إن كان في حقه تعالى من فعل قبيح كفى فيه الندم والعزم وفي الاخلال بالواجب اختلف حكمه من بقائه وقضائه وعدمهما، وإن كان في حق آدمي استتبع إيصاله إن كان ظلما أو العزم عليه مع التعذر أو الارشاد إن كان إضلالا وليس ذلك أجزاء (٢).

أقول: التوبة إما أن تكون من ذنب يتعلق به تعالى خاصة أو يتعلق به حق

(١) كما في (ص ش) أي يمنع أبو هاشم إطلاق اسم الكافر على الكافر الذي تاب عن كفره وأسلم وهو مقيم على الكذب مثلا. وفي (ق) لكن لا يمتنع إطلاق اسم الاسلام عليه. وفي (ز د): لكن يمتنع إطلاق اسم الاسلام عليه. والصواب هو الأول، لفظا ومعنى، والثاني معنى فقط. وقد سقطت كلمة لا في العبارة في الثالث.

(٢) على صيغة الجمع. وفي بعض النسخ: أجرا، وفي بعضها: جزاء. ولكنهما محرفان. وهذا رد على المعتزلة لأنهم ذهبوا إلى أن رد المظالم شرط في صحة التوبة فقالوا: لا تصح التوبة عن مظلمة دون الخروج عن تلك المظلمة. وذهب أصحابنا الإمامية ووافقهم الأشعرية إلى أن ذلك واجب برأسه لا مدخل له في الندم على ذنب آخر. قال الشيخ البهائي في كتاب الأربعين: إعلم أن الاتيان بما يستتبعه الذنوب من قضاء الفوائت وأداء الحقوق والتمكين من القصاص والحد ونحو ذلك ليس شرطا في صحة التوبة بل هذه واجبات برأسها والتوبة صحيحة بدونها وبها تصير أكمل وأتم، إنتهى. وراجع في ذلك شرح الروضة الحادية والثلاثين من رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين عليه الصلاة والسلام (ص ٣٢٩ ط ١) وكذلك شرحنا على النهج المذكور آنفا.

٥٧١

الآدمي، والأول إما أن تكون عن فعل قبيح كشرب الخمر والزنا أو إخلال بواجب كترك الصلاة والزكاة. (فالأول) يكفي في التوبة منه الندم عليه والعزم على ترك العود إليه، (وأما الثاني) فتختلف أحكامه بحسب القوانين الشرعية فمنه ما لا بد مع التوبة منه من فعله أداءا كالزكاة، ومنه ما يجب معه القضاء كالصلاة اليومية، ومنه ما يسقطان عنه كالعيدين (١) وهذا الأخير يكفي فيه الندم والعزم على ترك المعاودة كما في فعل القبيح.

وأما ما يتعلق به حق الآدمي فيجب فيه الخروج إليهم منه، فإن كان أخذ مال وجب رده على مالكه أو على ورثته إن مات ولو لم يتمكن من ذلك وجب العزم عليه، وكذا إن كان حد قذف وإن كان قصاصا وجب الخروج إليهم منه بأن يسلم نفسه إلى أولياء المقتول، فإما أن يقتلوه أو يعفوا عنه بالدية أو بدونها، وإن كان في بعض الأعضاء وجب تسليم نفسه ليقتص منه في ذلك العضو إلى المستحق من المجني عليه أو الورثة، وإن كان إضلالا وجب إرشاد من أضله ورجوعه عما اعتقده (٢) بسببه من الباطل إن أمكن ذلك.

واعلم أن هذه التوابع ليست أجزاء من التوبة فإن العقاب يسقط بالتوبة، ثم إن قام المكلف بالتبعات كان ذلك إتماما للتوبة من جهة المعنى، لأن ترك التبعات لا يمنع من سقوط العقاب بالتوبة عما تاب منه بل يسقط العقاب ويكون ترك القيام بالتبعات بمنزلة ذنوب مستأنفة تلزمه التوبة منها، نعم التائب إذا فعل التبعات بعد إظهار توبته كان ذلك دلالة على صدق الندم، وإن لم يقم بها أمكن جعله دلالة على عدم صحة الندم.

قال: ويجب الاعتذار إلى المغتاب مع بلوغه.

أقول: المغتاب إما أن يكون قد بلغه اغتيابه أو لا، ويلزم على الفاعل للغيبة في الأول الاعتذار منه إليه لأنه أوصل إليه ضرر الغم فوجب عليه الاعتذار منه

(١) باتفاق النسخ كلها.

(٢) باتفاق النسخ كلها.

٥٧٢

والندم عليه، وفي الثاني لا يلزمه الاعتذار ولا الاستحلال منه لأنه لم يفعل به ألما، وفي كلا القسمين يجب الندم لله تعالى لمخالفته النهي والعزم على ترك المعاودة.

قال: وفي إيجاب التفصيل مع الذكر إشكال.

أقول: ذهب قاضي القضاة إلى أن التائب إن كان عالما بذنوبه على التفصيل وجب عليه التوبة عن كل واحد منها مفصلا، وإن كان يعلمها على الاجمال وجب عليه التوبة كذلك مجملا، وإن كان يعلم بعضها على التفصيل وبعضها على الاجمال وجب عليه التوبة عن المفصل بالتفصيل وعن المجمل بالاجمال، واستشكل المصنف رحمه الله إيجاب التفصيل مع الذكر لإمكان الاجزاء بالندم على كل قبيح وقع منه وإن لم يذكره مفصلا.

قال: وفي وجوب التجديد إشكال (١).

أقول: إذا تاب المكلف عن معصية ثم ذكرها هل يجب عليه تجديد التوبة؟

قال أبو علي: نعم بناء على أن المكلف القادر بقدرة لا ينفك عن الضدين إما الفعل أو الترك، فعند ذكر المعصية إما أن يكون نادما عليها أو مصرا عليها، والثاني قبيح فيجب الأول. وقال أبو هاشم: لا يجب لجواز خلو القادر بقدرة عنهما.

قال: وكذا المعلول مع العلة.

أقول: إذا فعل المكلف العلة قبل وجود المعلول هل يجب عليه الندم على المعلول أو على العلة أو عليهما، مثاله الرامي إذا رمى قبل الإصابة؟ قال الشيوخ:

(١) أقول: لا كلام في أن التوبة تكون من الذنب فمتى عمل ذنبا وتاب عنه ثم تذكر ذلك الذنب لا يكون صرف تذكره ذنبا بالاتفاق فلم يفعل قبيحا ولم يترك ذنبا حتى يتوب عنه، فما قال أبو علي فهو بمعزل عن التحقيق، على أنا نعلم - كما قاله الآمدي - بالضرورة أن الصحابة ومن أسلم بعد كفره كانوا يتذكرون ما كانوا عليه في الجاهلية من الكفر ولم يجب عليهم تجديد الاسلام ولا أمروا بذلك وكذلك في كل ذنب وقعت التوبة عنه.

٥٧٣

يجب الندم على الإصابة لأنها هي القبيح وقد صارت في حكم الموجود لوجوب حصوله عند حصول السبب. وقال القاضي: يجب عليه ندمان: أحدهما على الرمي لأنه قبيح، والثاني على كونه مولدا للقبيح، ولا يجوز أن يندم على المعلول لأن الندم على القبيح أنما هو لقبحه، وقبل وجوده لا قبح.

قال: ووجوب سقوط العقاب بها.

أقول: المصنف رحمه الله استشكل وجوب سقوط العقاب بها. (واعلم) أن الناس اتفقوا على سقوط العقاب بالتوبة، واختلفوا فقالت المعتزلة: إنه يجب سقوط العقاب بها. وقالت المرجئة: إن الله تعالى يتفضل عليه بإسقاط العقاب لا على جهة الوجوب.

احتجت المعتزلة بوجهين: الأول: أنه لو لم يجب إسقاط العقاب لم يحسن تكليف العاصي، والتالي باطل إجماعا فالمقدم مثله، بيان الشرطية أن التكليف إنما يحسن للتعريض للنفع وبوجود (١) العقاب قطعا لا يحصل الثواب وبغير التوبة لا يسقط العقاب فلا يبقى للعاصي طريق إلى إسقاط العقاب عنه، ويستحيل اجتماع الثواب والعقاب فيكون التكليف قبيحا. الثاني: أن من أساء إلى غيره واعتذر إليه بأنواع الاعتذارات وعرف منه الاقلاع عن تلك الإساءة بالكلية فإن العقلاء يذمون المظلوم إذا ذمه بعد ذلك.

(والجواب عن الأول) لا نسلم انحصار سقوط العقاب في التوبة لجواز سقوطه بالعفو أو بزيادة الثواب، سلمنا لكن نمنع عدم اجتماع الاستحقاقين لأن عقاب الفاسق عندنا منقطع، (وعن الثاني) بالمنع من قبح الذم، سلمنا لكن نمنع المساواة بين الشاهد والغائب، وأما المرجئة فقد احتجوا بأنه لو وجب سقوط العقاب لكان إما لوجوب قبولها أو لكثرة ثوابها، والقسمان باطلان. أما الأول فلأن من أساء إلى غيره بأنواع الإساءات وأعظمها كقتل الأولاد ونهب الأموال ثم اعتذر إليه فإنه لا يجب قبول عذره، وأما الثاني فلما بينا من إبطال التحابط.

(١) اتفاق النسخ كلها على الوجود بالدال.

٥٧٤

المسألة الثالثة عشرة
في باقي المباحث المتعلقة بالتوبة

قال: والعقاب يسقط بها لا بكثرة ثوابها لأنها قد تقع محبطة ولولاه لا يبقى الفرق بين التقدم والتأخر ولا اختصاص ولا تقبل في الآخرة لانتفاء الشرط.

أقول: اختلف الناس هنا، فقال قوم: إن التوبة تسقط العقاب بذاتها لا على معنى أنها لذاتها تؤثر في إسقاط العقاب، بل على معنى أنها إذا وقعت على شروطها والصفة التي بها تؤثر في إسقاط العقاب أسقطت العقاب من غير اعتبار أمر زائد. وقال آخرون: إنها تسقط العقاب لكثرة ثوابها، واستدل المصنف رحمه الله على الأول بوجوه: الأول: إن التوبة قد تقع محبطة بغير ثواب كتوبة الخارجي من الزنا فإنه يسقط بها عقابه من الزنا ولا ثواب لها. الثاني: أنه لو أسقطت العقاب بكثرة ثوابها لم يبق فرق بين تقدم التوبة على المعصية وتأخرها عنها كغيرها من الطاعات التي تسقط العقاب بكثرة ثوابها، ولو صح ذلك لكان التائب عن المعاصي إذا كفر أو فسق أسقط عنه العقاب. الثالث: لو أسقطت العقاب لعظم ثوابها لما اختص بها بعض الذنوب عن بعض فلم يكن إسقاطها لما هي توبة عنه بأولى من غيره، لأن الثواب لا اختصاص له ببعض العقاب دون بعض.

ثم إن المصنف رحمه الله أجاب عن حجة المخالف، وتقريرها أن التوبة لو أسقطت العقاب لذاتها لأسقطته في حال المعاينة في الدار الآخرة. (والجواب) أنها أنما تؤثر في الاسقاط إذا وقعت على وجهها وهي أن تقع ندما على القبيح لقبحه وفي الآخرة يقع الالجاء فلا يكون الندم للقبح.

المسألة الرابعة عشرة
في عذاب القبر والميزان والصراط

قال: وعذاب القبر واقع (١) لإمكانه وتواتر السمع بوقوعه.

(١) راجع في بيانه شرح الحديث التاسع والثلاثين من كتاب الأربعين للعلامة البهائي، وفي بيانه على الاستقصاء كتبنا دروس اتحاد العاقل بمعقوله، وشرحنا على فصوص الحكم الموسوم بنصوص الحكم على فصوص الحكم، وتعليقاتنا على رسالة آغاز وانجام للمحقق الطوسي.

٥٧٥

أقول: نقل عن ضرار أنه أنكر عذاب القبر والاجماع على خلافه، وقد استدل المصنف رحمه الله بإمكانه عقلا فإنه لا استبعاد في أن يعجل الله تعالى العقاب في دار التكليف على وجه لا يمتنع مع التكليف كما في قطع يد السارق كما قال تعالى: (فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا) وقال في قطاع الطريق: (ذلك لهم خزي في الدنيا) وقال تعالى: (ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده) وحكى تعالى في كتابه إهلاك الفرق الذين كفروا به، وإذا كان ممكنا والله تعالى قادر على كل ممكن، وقد أخبر الله تعالى بوقوعه في قوله: (كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون) فذكر الرجوع بعد إحيائين، وإنما يكون بإحياء ثالث وقال تعالى: (قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا) فذكر موتتين إحداهما في الدنيا والأخرى في القبر، وذكر إحيائين أحدهما في الدنيا والآخر في القبر ولم يذكر الثالث لأنه معلوم وقع فيه الكلام وغير الحي لا يتكلم، وقيل: إنما أخبروا عن الإحيائين اللذين عرفوا الله تعالى فيهما ضرورة فأحدهما في القبر والآخر في الآخرة، ولهذا عقب بقوله: (فاعترفنا بذنوبنا) وقال تعالى في حق آل فرعون: (النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة) وهذا نص في الباب.

قال: وسائر السمعيات من الميزان والصراط والحساب وتطاير الكتب (١) ممكنة دل السمع على ثبوتها فيجب التصديق بها.

أقول: أحوال القيامة من الميزان والصراط والحساب وتطاير الكتب أمور ممكنة، وقد أخبر الله تعالى بوقوعها فيجب التصديق بها، لكن اختلفوا في كيفية الميزان، فقال شيوخ المعتزلة: إنه يوضع ميزان حقيقي له كفتان يوزن به ما يتبين

(١) وفي (ص ت) والصراط وتطائر الكتب، بدون لفظة الحساب.

٥٧٦

من حال المكلفين في ذلك الوقت لأهل الموقف، إما بأن يوضع كتاب الطاعات في كفة الخير ويوضع كتاب المعاصي في كفة الشر، ويجعل رجحان أحدهما دليلا على إحدى الحالتين، أو بنحو من ذلك لورود الميزان سمعا والأصل في الكلام الحقيقة مع إمكانها. وقال عباد وجماعة من البصريين وآخرون من البغداديين:

المراد بالموازين العدل دون الحقيقة، وأما الصراط فقد قيل إن في الآخرة طريقين: إحداهما إلى الجنة (١) يهدي الله تعالى أهل الجنة إليها، والأخرى إلى النار يهدي الله تعالى أهل النار إليها، كما قال تعالى في أهل الجنة: (سيهديهم ويصلح بالهم ويدخلهم الجنة عرفها لهم) وقال في أهل النار: (فاهدوهم إلى صراط الجحيم) وقيل: إن هناك طريقا واحدا على جهنم يكلف الجميع المرور عليه، ويكون أدق من الشعر وأحد من السيف، فأهل الجنة يمرون عليه لا يلحقهم خوف ولا غم والكفار يمرون عليه عقوبة لهم وزيادة في خوفهم، فإذا بلغ كل واحد إلى مستقره من النار سقط من ذلك الصراط.

قال: والسمع دل على أن الجنة والنار مخلوقتان الآن والمعارضات متأولة.

أقول: اختلف الناس في أن الجنة والنار هل هما مخلوقتان الآن أم لا؟

فذهب جماعة إلى الأول وهو قول أبي علي، وذهب أبو هاشم والقاضي إلى أنهما غير مخلوقتين. احتج الأولون بقوله تعالى: (أعدت للمتقين)، (أعدت للكافرين)، (يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة)، (عندها جنة المأوى) وجنة المأوى هي دار الثواب فدل على أنها مخلوقة الآن في السماء.

احتج أبو هاشم بقوله تعالى: (كل شئ هالك إلا وجهه) فلو كانت الجنة مخلوقة الآن لوجب هلاكها، والتالي باطل لقوله تعالى: (أكلها دائم) والجواب دوام الأكل إشارة إلى دوام المأكول بالنوع بمعنى دوام خلق مثله (٢) وأكل الجنة

(١) لأن الطريق يذكر ويؤنث.

(٢) كما في النسخ كلها إلا نسخة (ش) ففيها: خلف مثله، بالفاء.

٥٧٧

يفنى بالأكل إلا أنه تعالى يخلق مثله، والهلاك هو الخروج عن الانتفاع ولا ريب أن مع فناء المكلفين يخرج الجنة عن حد الانتفاع فتبقى هالكة بهذا المعنى.

المسألة الخامسة عشرة
في الأسماء والأحكام (١)

قال: والإيمان التصديق بالقلب واللسان ولا يكفي الأول لقوله تعالى:

(واستيقنتها أنفسهم) ونحوه ولا الثاني لقوله: (قل لم تؤمنوا).

أقول: اختلف الناس في الإيمان على وجوه كثيرة ليس هذا موضع ذكرها، والذي اختاره المصنف رحمه الله أنه عبارة عن التصديق بالقلب واللسان معا ولا يكفي أحدهما فيه، أما التصديق القلبي فإنه غير كاف لقوله تعالى: (وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم) وقوله تعالى: (فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به) فأثبت لهم المعرفة والكفر، وأما التصديق اللساني فإنه غير كاف أيضا لقوله تعالى: (قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا) ولا شك في أن أولئك الأعراب صدقوا بألسنتهم.

قال: والكفر عدم الأيمان إما مع الضد أو بدونه والفسق الخروج عن طاعة الله تعالى مع الأيمان والنفاق إظهار الأيمان وإخفاء الكفر.

أقول: الكفر في اللغة هو التغطية، وفي العرف الشرعي هو عدم الأيمان، إما مع الضد بأن يعتقد فساد ما هو شرط في الأيمان أو بدون الضد كالشاك الخالي من الاعتقاد الصحيح والباطل. والفسق لغة الخروج مطلقا وفي الشرع عبارة عن الخروج عن طاعة الله تعالى فيما دون الكفر، والنفاق في اللغة هو إظهار خلاف الباطن وفي الشرع إظهار الأيمان وإبطان الكفر.

قال: والفاسق مؤمن لوجود حده فيه.

(١) باتفاق النسخ كلها إلا نسخة (ز) ففيها: في الإيمان والأحكام. فبدل الأسماء بالإيمان، أي في أسماء المؤمن والمسلم والكافر والفاسق والمنافق وأحكامها.

٥٧٨

أقول: اختلف الناس هاهنا، فقالت المعتزلة: إن الفاسق لا مؤمن ولا كافر، وأثبتوا منزلة بين المنزلتين. وقال الحسن البصري: إنه منافق. وقالت الزيدية: إنه كافر نعمة. وقالت الخوارج: إنه كافر. والحق ما ذهب إليه المصنف وهو مذهب الإمامية والمرجئة وأصحاب الحديث وجماعة الأشعرية، والدليل عليه أن حد المؤمن وهو المصدق بقلبه ولسانه في جميع ما جاء به النبي صلى الله عليه وآله وسلم موجود فيه فيكون مؤمنا.

المسألة السادسة عشرة
في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

قال: والأمر بالمعروف الواجب واجب وكذا النهي عن المنكر، والمندوب (١) مندوب سمعا وإلا لزم خلاف الواقع أو الاخلال بحكمته تعالى.

أقول: الأمر بالمعروف هو القول الدال على الحمل على الطاعة (٢) أو نفس الحمل على الطاعة أو إرادة وقوعها من المأمور، والنهي عن المنكر هو المنع من فعل المعاصي أو القول المقتضي لذلك أو كراهة وقوعها، وإنما قلنا ذلك للاجماع على أنهما يجبان باليد واللسان والقلب، والأخير يجب مطلقا بخلاف الأولين فإنهما مشروطان بما يأتي.

وهل يجبان سمعا أو عقلا؟ اختلف الناس في ذلك، فذهب قوم إلى أنهما يجبان سمعا للقرآن والسنة والاجماع، وآخرون ذهبوا إلى وجوبهما عقلا، واستدل المصنف على إبطال الثاني بأنهما لو وجبا عقلا لزم أحد الأمرين وهو إما خلاف الواقع أو الاخلال بحكمة الله تعالى، والتالي بقسميه باطل فالمقدم مثله، بيان الشرطية (٣) أنهما لو وجبا عقلا لوجبا على الله تعالى، فإن كل واجب عقلي يجب على كل من حصل في حقه وجه الوجوب، ولو وجبا عليه تعالى لكان إما

(١) مجرور معطوف على الواجب صفة للمعروف أي الأمر بالمعروف المندوب، وفي (ص ز ش د ق): وبالمندوب.

(٢) وفي (م) وحدها بدون (على الحمل).

(٣) كما في (ص م) وفي غيرهما: بيان الملازمة.

٥٧٩