×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

كشف المراد في شرح تجريد الإعتقاد / الصفحات: ٤١ - ٦٠

هو هو لا باعتبار الوجود الخارجي، بل باعتبار ما صدق عليه الموضوع بالفعل.

وتطلق على الخارجية، وهي التي يؤخذ موضوعها باعتبار الخارج، وهو مذهب سخيف قد أبطل في المنطق، فتحقق الحقيقية يدل على الثبوت الذهني كما ذكرناه.

قال: والموجود في الذهن أنما هو الصورة المخالفة في كثير من اللوازم.

أقول: هذا جواب عن استدلال من نفي الوجود الذهني وتقرير استدلالهم، أنه لو حلت الماهية في الأذهان لزم أن يكون الذهن حارا باردا أسود أبيض، فيلزم مع اتصاف الذهن بهذه الأشياء المنفية عنه اجتماع الضدين.

والجواب أن الحاصل في الذهن ليس هو ماهية الحرارة والسواد، بل صورتها ومثالها (١) المخالفة للماهية في لوازمها وأحكامها، فالحرارة الخارجية تستلزم السخونة وصورتها لا تستلزمها، والتضاد أنما هو بين الماهيات لا بين صورها وأمثلتها.

المسألة الخامسة
في أن الوجود ليس هو معنى زائدا على الحصول العيني

قال: وليس الوجود معنى به تحصل الماهية في العين بل الحصول.

أقول: قد ذهب قوم غير محققين إلى أن الوجود معنى قائم بالماهية يقتضي

(١) كما في (م) والباقية: بل صورتهما ومثالهما على التثنية.

٤١

حصول الماهية في الأعيان، وهذا مذهب سخيف يشهد العقل ببطلانه، لأن قيام ذلك المعنى بالماهية في الأعيان يستدعي تحقق الماهية في الخارج، فلو كان حصولها في الخارج مستندا إلى ذلك المعنى لزم الدور المحال، بل الوجود هو نفس تحقق الماهية في الأعيان، ليس ما به تكون الماهية في الأعيان.

المسألة السادسة
في أن الوجود لا تزايد فيه ولا اشتداد

قال: ولا تزايد فيه ولا اشتداد (١)

(١) التزايد في المقدار، والاشتداد في الكيف. معنى الاشتداد هو اعتبار المحل الثابت إلى حال فيه غير قار يتبدل نوعيته إذا قيس ما يوجد منها في آن ما إلى ما يوجد في آن آخر، بحيث يكون ما يوجد في كل آن متوسطا بين ما يوجد في آنين يحيطان بذلك الآن ويتجدد جميعها على ذلك المحل المتقوم دونها من حيث هو متوجه بتلك التجددات إلى غاية ما. ومعنى الضعف هو ذلك المعني بعينه إلا أنه يؤخذ من حيث هو منصرف بها عن تلك الغاية. فالآخذ في الشدة والضعف هو المحل لا الحال المتجدد المتصرم، ولا شك أن مثل هذا الحال يكون عرضا لتقوم المحل دون كل واحد من تلك الهويات. وأما الحال الذي يتبدل هوية المحل المتقوم بتبدله فلا يتصور فيه اشتداد ولا ضعف لامتناع تبدلها على شئ واحد متقوم يكون هو هو في الحالتين، ولامتناع وجود حالة متوسطة بين كون الشئ هو وبين كونه ليس هو.

هذا ما حرره الماتن في شرحه على الإشارات، وقال الشارح ببيان أخصر في الجوهر النضيد:

إن معنى الاشتداد هو اعتبار المحل الواحد الثابت إلى حال فيه غير قار يتبدل نوعيته ويوجد في كل آن نوع من تلك الأنواع من غير أن يبقى آنين بحيث يكون في كل آن متوسطا بين ما يوجد في ذلك الآن وما يكون قبله وبعده، وهذا لا يعقل إلا في العرض، إنتهى.

إذا دريت ذلك فاعلم أن الماهية لا يتصور كونها متقومة وموجودة من دون الوجود حتى يتصور توارد الوجود عليها، كما لا يمكن أن تتحرك الهيولى في الصورة، إذ ليس لها تقوم بدون الصورة حتى يمكن توارد الصور عليها، فلا تزايد في الوجود ولا اشتداد لأن التزايد في الوجود هو حركة الماهية متوجهة من وجود ناقص إلى وجود أزيد منه، وعكس ذلك هو النقص أي حركتها من زائد إلى أنقص منه. والاشتداد في الوجود هو حركة الماهية من وجود ضعيف إلى وجود أشد منه، وعكسه هو الضعف، وقد علمت أن الماهية ليست متقومة بذاتها في الخارج بدون الوجود. ثم بما ذكرنا قد دريت مراد الشارح من قوله وهذا الدليل ينفي قبول الأعراض كلها للاشتداد والنقص، وفي (م): للاشتداد والضعف، وفي عدة نسخ:

للاشتداد والتنقص.

٤٢

أقول: ذهب قوم إلى أن الوجود قابل للزيادة والنقصان، وفيه نظر لأن الزيادة إن كانت وجودا لزم اجتماع المثلين، وإلا لزم اجتماع النقيضين، وأما نفي الاشتداد فهو مذهب أكثر المحققين قال بعضهم لأنه بعد الاشتداد إن لم يحدث شئ آخر لم يكن الاشتداد إشتدادا، بل هو باق كما كان، وإن حدث فالحادث إن كان غير الحاصل فليس إشتدادا للموجود الواحد، بل يرجع إلى أنه حدث شئ آخر معه، وإلا فلا اشتداد، وكذا البحث في جانب النقصان، وهذا الدليل ينفي قبول الأعراض كلها للاشتداد والضعف.

المسألة السابعة
في أن الوجود خير والعدم شر

قال: وهو خير محض.

أقول: إذا تأملنا كل ما يقال له خير وجدناه وجودا، وإذا تأملنا ما يقال له شر وجدناه عدما، ألا ترى القتل فإن العقلاء حكموا بكونه شرا، وإذا تأملناه وجدنا شريته باعتبار ما يتضمن من العدم، فإنه ليس شرا من حيث قدرة القادر عليه، فإن القدرة كمال الانسان، ولا من حيث إن الآلة قاطعة (١) فإنها أيضا كمال لها، ولا من حيث حركة أعضاء القاتل، ولا من حيث قبول العضو المنقطع للتقطيع، بل من حيث هو إزالة كمال الحياة عن الشخص، فليس الشر إلا هذا العدم وباقي القيود الوجودية خيرات، فحكموا بأن الوجود خير محض والعدم شر محض، ولهذا كان واجب الوجود تعالى أبلغ في الخيرية والكمال من كل موجود، لبراءته عن القوة والاستعداد وتفاوت غيره من الوجودات فيه (٢) باعتبار القرب من العدم والبعد عنه.

(١) وفي عدة نسخ: الآلة قطاعة فإنها.

(٢) أي في الخيرية والكمال.

٤٣

المسألة الثامنة
في أن الوجود لا ضد له

قال: ولا ضد له.

أقول: الضد ذات (١) وجودية تقابل ذاتا أخرى في الوجود، ولما استحال أن يكون الوجود ذاتا وأن يكون له وجود آخر استحال أن يكون ضدا لغيره، ولأنه عارض لجميع المعقولات، لأن كل معقول إما خارجي فيعرض له الوجود الخارجي، أو ذهني فيعرض له الذهني، ولا شئ من أحد الضدين بعارض لصاحبه، ومقابلته للعدم ليس تقابل الضدين على ما يأتي تحقيقه في نفي المعدوم، بل تقابل السلب والإيجاب إن أخذا مطلقين، وإلا تقابل العدم والملكة.

المسألة التاسعة
في أنه لا مثل للوجود

قال: ولا مثل.

أقول: المثلان ذاتان وجوديتان يسد كل واحد منهما مسد صاحبه، ويكون المعقول منهما شيئا واحدا بحيث إذا سبق أحدهما إلى الذهن ثم لحقه الآخر لم يكتسب العقل من الحاصل ثانيا غير ما اكتسبه أولا، والوجود ليس بذات فلا

(١) أي ماهية وأمر، وجملة القول في ذلك أن كل واحد من الضد والمثل والمخالف يقال لما له ماهية ويكون مشاركا لغيره في الموضوع ولا يجتمعان فيه، والوجود ليس بماهية بل هو تحقق الماهية وكونها.

ثم إن الوجود الحق الصمدي لا جوف له حتى يكون له ثان ضده أو مثله أو نده، والتقابل بأقسامه إنما يتحقق في شؤونه المسماة بالوجودات الخاصة باعتبار تخصصها بالمعاني والماهيات التي هي غير حقيقة الوجود. ويأتي البحث عن ذلك في المقصد الثالث عند قوله:

وجوب الوجود يدل على سرمديته ونفي الزائد والشريك والمثل.

٤٤

يماثل شيئا آخر وأيضا فليس هاهنا معقول يساويه في التعقل على معنى ما ذكرناه إذ كل معقول مغاير لمعقول الوجود.

لا يقال: إن كليه وجزءيه متساويان في التعقل، فكان له مثل وهو الجزئي.

لأنا نقول: إنهما ليسا بمتساويين في المعقولية، وإن كان أحد جزئي الجزئي هو الكلي. لكن الاتحاد ليس تماثلا، وأيضا فإنه عارض لكل المعقولات على ما قررناه أولا، ولا شئ من المثلين بعارض لصاحبه.

المسألة العاشرة
في أنه مخالف لغيره من المعقولات وعدم منافاته لها

قال: فتحققت مخالفته للمعقولات.

أقول: لما انتفت نسبة التضاد والتماثل بينه وبين غيره من المعقولات، وجبت المخالفة بينهما، إذ القسمة حاصرة في كل معقولين بين التماثل والاختلاف، وقد انتفى التماثل فوجب الاختلاف، ولهذا جعله نتيجة لما سبق.

قال: ولا ينافيها.

أقول: المتنافيان لا يمكن اجتماعهما، وقد بينا أن كل معقول على الاطلاق فإنه يمكن عروض مطلق الوجود له واجتماعه معه وصدقه عليه، فكيف ينافيه.

لا يقال: العدم أمر معقول، وقد قضى العقل بمنافاته له، فكيف يصح قوله على الاطلاق أنه لا ينافيها؟

لأنا نقول: نمنع أولا كون العدم المطلق معقولا والعدم الخاص له حظ من الوجود، ولهذا افتقر إلى موضوع خاص كافتقار الملكة إليه، سلمنا لكن نمنع استحالة عروض الوجود المطلق للعدم المعقول فإن العدم المعقول ثابت في الذهن فيكون داخلا تحت مطلق الثابت فيصدق عليه مطلق الثابت ومنافاته للوجود المطلق لا باعتبار صدق مطلق الثبوت عليه، بل من حيث أخذ مقابلا له ولا امتناع

٤٥

في عروض أحد المتقابلين للآخر (١) إذا أخذا لا باعتبار التقابل كالكلية والجزئية (٢) فإنهما قد يصدق أحدهما على الآخر باعتبار مغاير لا باعتبار تقابلهما، وهذا فيه دقة.

المسألة الحادية عشرة
في تلازم الشيئية والوجود

قال: ويساوق الشيئية (٣) فلا تتحقق بدونه والمنازع مكابر مقتضى عقله.

(١) وسيأتي البحث عنه في المسألة الرابعة عشرة عند قوله ثم الوجود قد يؤخذ على الاطلاق.. الخ.

(٢) يعني بالجزئية الإضافي غير الحقيقي والمتن مطابق لنسختي (م ص) وفي (ق ش): باعتبار مغاير لاعتبار تقابلهما.

(٣) أي يلازم الوجود المطلق الشيئية كما فسر الشارح، وسيأتي في المسألة الثامنة عشرة أن الشيئية من المعقولات الثانية، وفي المسألة السادسة والثلاثين أن الوجود من المعقولات الثانية فتبصر. وإنما عبر بالمساوقة إشارة إلى تغاير الوجود والشئ مفهوما وتلازمهما خارجا، وسيأتيك في السادسة من ثاني هذا المقصد ما يعينك في المساوقة بمعنى التلازم. ثم إن القول بالثبوت إن كان اصطلاح القوم على أن يسمي الصورة العلمية ثبوتا، والخارجية وجودا فلا مشاحة فيه، وإلا فالمنازع مكابر مقتضى عقله، والواسطة بين الموجود والمعدوم في الخارج في غاية السخافة.

واعلم أن الداعي لهم على هذا القول أمران:

الأول: وهو الأهم في نظرهم تصحيح مسألة العلم الأزلي، إذ قالوا: لو لم يكن في الأزل وجود الأشياء ولا ماهيتها امتنع العلم ولو كان وجودها فيه لزم قدمها فبقي أن يكون الممتنع لزوم موجود قديم سوى الله لا ثابت قديم على أنه وجب قدم علمه تعالى كصفاته الأخرى.

والثاني: تصحيح الإمكان للماهيات لأنها في حال الوجود محفوفة بالضرورتين فلا بد أن تكون الماهية ثابتة قبل الوجود ليصح الإمكان.

وأقول: إن الماهيات في اصطلاح الحكيم هي الأعيان الثابتة في اصطلاح العارف وهي الصور العلمية بوجودها الأحدي الذي هو عين الذات الصمدية، ويتراءى من أقوال هذا الفريق القائلين بالفرق بين الثبوت والوجود كما أشرنا إليه، أن الوجود هو العين المقابل للعلم، وإلا فالأمران كل واحد منهما وهم، ومسألة العلم أشرف من هذه الآراء الفائلة وبمعزل عنها بمراحل، كما سنشير إليها في محلها. ثم يكفي في إمكان الماهيات سلب الضرورتين عن مرتبة ذاتها عند العقل وانفكاكها عن الوجود بالتعمل العقلي، وإن كان تخليتها عن الوجود عين تحليتها به.

ويؤيد ما أشرنا إليه من أن الفرق المذكور مجرد اصطلاحهم على ذلك ما قاله الشارح القوشجي في المقام من أن المعتزلة ذهبت إلى أن المعدوم الممكن شئ وثابت على معنى أن الماهية يجوز تقررها في الخارج منفكة عن الوجود، خلافا لسائر المتكلمين والحكماء مع اتفاقهم على أن الممتنع ويخصه المعتزلي باسم المنفي، ليس بشئ، فهم يجعلون الثبوت مقابلا للنفي أعم من الوجود والعدم أعم من النفي.

ولعلهم إنما وقعوا فيه بما وقع الحكماء في إثبات الوجود الذهني، وهو أنا نحكم حكما إيجابيا بأمور ثبوتية على ما ليس بموجود في الخارج، ومعنى الايجاب الحكم بثبوت أمر لأمر وثبوت شئ لشئ فرع ثبوت المثبت له، فللمثبت له ثبوت وهو معدوم فالمعدوم ثابت. فثبوت الماهيات على وجهين:

أحدهما ثبوتها في حد ذاتها بحيث لا يترتب عليها آثارها المطلوبة منها، والمعدوم ثابت بهذا الوجه من الثبوت، والآخر ثبوتها بحيث يترتب عليها الآثار ويظهر منها الأحكام. فهم يوافقون الحكماء في أن ثبوت الماهيات وتحققها على وجهين، لكنهم ينسبون الوجهين إلى الخارج ويخصون الوجه الأخير من الثبوت باسم الوجود. والحكماء يسمون كلا وجهي الثبوت وجودا، ويقولون: إن الوجه الأول من الثبوت لا يتصور إلا في قوة مدركة ويسمونه بالوجود الذهني. إنتهى ما أردنا من نقل كلامه في المقام، فتدبر في قوله: ولعلهم إنما وقعوا فيه.. الخ، حتى يظهر لك وجه التأييد.

٤٦

أقول: اختلف الناس في هذا المقام، فالمحققون كافة من الحكماء والمتكلمين اتفقوا على مساوقة الوجود الشيئية وتلازمهما حتى أن كل شئ على الإطلاق فهو موجود على الإطلاق، وكل ما ليس بموجود فهو منتف وليس بشئ، وبالجملة لم يثبتوا للمعدوم ذاتا متحققة، فالمعدوم الخارجي لا ذات له في الخارج، والذهني لا ذات له ذهنا.

وقال جماعة من المتكلمين (١): إن للمعدوم الخارجي ذاتا ثابتة في الأعيان متحققة في نفسها ليست ذهنية لا غير، وهؤلاء يكابرون في الضرورة فإن العقل قاض بأنه لا واسطة بين الموجود والمعدوم فإن الثبوت هو الوجود.

(١) إنما قال جماعة: لأن أبا الحسين البصري وأبا هذيل العلاف والكعبي ومن تبعهم من البغداديين خالفوهم وقالوا بالمساوقة.

٤٧

قال: وكيف تتحقق بدونه مع إثبات القدرة وانتفاء الاتصاف (١).

أقول: لما استبعد مقالة هؤلاء القوم ونسبهم إلى الجهل (٢)، شرع في الاستدلال على بطلان قولهم واعلم أن هؤلاء يذهبون إلى أن القدرة لا تأثير لها في الذوات (٣) أنفسها، لأنها ثابتة في العدم، مستغنية عن المؤثر في جعلها ذواتا ولا في الوجود لأنه عندهم حال (٤)، والحال غير مقدورة، وقد ثبت في نفس الأمر أن اتصاف الماهية بالصفة غير ثابت في الأعيان، بل هو أمر اعتباري، وإلا لزم التسلسل، لأن ذلك الاتصاف لو كان ثابتا لكان مشاركا لغيره من الموجودات في الثبوت، وممتازا عنها بخصوصية، وما به الاشتراك مغاير لما به الامتياز، فيكون اتصاف ذلك الاتصاف بالثبوت أمرا زائدا عليه، ويلزم التسلسل.

إذا ثبت هذا فاعلم أن المصنف رحمه الله تسلم مذهبهم، وما ثبت في نفس الأمر وألزمهم المحال، وتقريره: أن الماهيات لو كانت ثابتة في العدم لاستغنت الممكنات في وجودها عن المؤثر، فانتفت القدرة أصلا ورأسا، والتالي باطل.

فالمقدم مثله بيان الشرطية، أن القدرة حينئذ لا تأثير لها في الذوات، ولا في الوجود على مذهبهم، ولا في اتصاف الماهية بالوجود على ما ثبت في نفس الأمر، وذلك يستلزم نفي التأثير أصلا. وأما بطلان التالي فبالإتفاق والبرهان دل عليه على ما يأتي. فلهذا استبعد المصنف رحمه الله هذه المقالة مع إثبات القدرة المؤثرة، والقول بكون الاتصاف أمرا ذهنيا، وأنه منتف في الخارج.

قال: وانحصار الموجود مع عدم تعقل الزائد.

أقول: هذا برهان آخر دال على انتفاء الماهيات في العدم، وتقريره أن

(١) أي اتصاف الماهية بالوجود.

(٢) كما في (م) وذلك لأن المكابر في الضرورة جاهل، وفي نسخ أخرى: نسبهم إلى المكابرة.

(٣) أي في الماهيات.

(٤) يسمون المعاني الانتزاعية والصفات الاعتبارية نفس الأمرية حالا، وسيأتي بيانه في المسألة الثانية عشرة.

٤٨

مذهبهم: أن كل ماهية نوعية فإنه يثبت من أشخاصها في العدم ما لا يتناهى، كالسواد والبياض والجواهر وغيرها من الحقائق، فألزمهم المصنف المحال، وهو القول بعدم انحصار الموجودات، لأن تلك الماهيات ثابتة، وهي غير محصورة في عدد متناه. والثبوت هو الوجود لانتفاء تعقل أمر زائد على الكون في الأعيان، فلزمهم القول بوجود ما لا يتناهى من الماهيات، وهو عندهم باطل (١). فإن جعلوا الوجود أمرا مغايرا للكون في الأعيان، كان نزاعا في عبارة وقولا بإثبات ما لا يعقل، مع أنا نكتفي في إبانة محالية قولهم بالثبوت الذي هو الكون (٢) في الأعيان، وهم يسلمونه لنا. والبراهين الدالة على استحالة ما لا يتناهى، كما تدل على استحالته في الوجود تدل على استحالته في الثبوت، إذ دلالتها أنما هي على انحصار الكائن في الأعيان. وقول المصنف رحمه الله (وانحصار الموجود) عطف على الانتفاء، أي وكيف تتحقق الشيئية بدون الوجود مع إثبات القدرة وانتفاء الاتصاف، ومع انحصار الموجود مع عدم تعقل الزائد هكذا ينبغي أن يفهم كلامه ها هنا.

قال: ولو اقتضى التميز الثبوت عينا لزم منه محالات.

أقول: لما أبطل مذهب المثبتين، شرع في إبطال حججهم، ولهم حجتان رديتان ذكرهما المصنف وأبطلهما، (أما الحجة الأولى) فتقريرها: أن كل معدوم متميز وكل متميز ثابت فكل معدوم ثابت.

أما المقدمة الأولى فيدل عليها أمور ثلاثة:

أحدها: أن المعدوم معلوم، والمعلوم متميز.

الثاني: أن المعدوم مراد، فإنا نريد اللذات، ونكره الآلام، فلا بد وأن يتميز المراد عن المكروه.

(١) أي وجود ما لا يتناهى عندهم باطل، وذلك لأنهم اتفقوا على أن الموجودات منحصرة متناهية. ودليلهم على ذلك إجراء براهين امتناع التسلسل مطلقا من غير اشتراط الاجتماع والترتيب، كما سيأتي البحث عنه في محله.

(٢) صلة لقوله: نكتفي.

٤٩

الثالث: أن المعدوم مقدور، وكل مقدور متميز، فإنا نميز بين الحركة يمنة ويسرة، وبين الحركة إلى السماء، ونحكم بقدرتنا على إحدى الحركتين دون الأخرى، فلولا تميز كل واحدة منهما عن الأخرى، لاستحال هذا الحكم.

وأما المقدمة الثانية فلأن التميز صفة ثابتة للمتميز، وثبوت الصفة يستدعي ثبوت الموصوف لأنه فرع عليه.

والجواب: أن التميز لا يستدعي الثبوت عينا، وإلا لزم منه محالات:

أحدها (١): أن المعلوم قد يكون مستحيل الوجود لذاته، كشريك الباري تعالى، واجتماع الضدين وغيرهما، ويتميز أحدهما عن الآخر. فلو اقتضى التميز الثبوت العيني لزم ثبوت المستحيلات، مع أنهم وافقونا على انتفاء المستحيل.

الثاني: أن المعلوم قد يكون مركبا (٢) ووجودا، وليس بثابت في العدم اتفاقا.

الثالث: أن المقدورية لو استدعت الثبوت لانتفت، إذ لا قدرة على الثابت (٣) وكذا المرادية.

قال: والإمكان اعتباري يعرض لما وافقونا على انتفائه.

أقول: هذه الحجة الثانية لهم على ثبوت المعدوم، وهو أنهم قالوا: إن المعدوم ممكن (٤)، وإمكانه ليس أمرا عدميا، وإلا لم يبق فرق بين نفي الإمكان وبين

(١) هكذا في النسخ كلها، والصواب: إحداها.. الثانية.. الثالثة.

(٢) يعني به المركبات الخيالية كجبل من الياقوت وبحر من الزيبق، وفي بعض النسخ مركبا خياليا، ولكن الصواب أن خياليا تعليقة أدرجت في الكتاب.

ثم إن النسخ كلها متفقة على قوله: (وليس بثابت في العدم اتفاقا)، وفي المطبوعة ليس بثابت في العين اتفاقا، وكان العدم بدل بالعين من ظاهر قوله: ولو اقتضى التمييز الثبوت عينا.

والصواب هو العدم، لأن المثبتين قائلون بثبوت المعدومات في العدم، وقد تقدم كلام الشارح العلامة آنفا: هذا برهان آخر دال على انتفاء الماهيات في العدم.

بل وسيأتي تصريح المحقق الطوسي في ذلك في أول المسألة الثالثة عشرة.

(٣) وقد مرت الإشارة إليه في قوله: وكيف تتحقق الشيئية.. الخ.

(٤) يعني به المعدوم الممكن الذي سموه ثابتا لا المعدوم الممتنع المسمى عندهم بالمنفي.

٥٠

الإمكان المنفي، فيكون أمرا ثبوتيا وليس جوهرا قائما بذاته، فلا بد له من محل ثبوتي هو الممكن لاستحالة قيام الصفة بغير موصوفها، فيكون الممكن العدمي ثابتا وهو المطلوب.

وأجاب المصنف عنه: بأن الإمكان أمر اعتباري ليس شيئا خارجيا، وإلا لزم التسلسل. وأن يكون الثبوتي حالا في محل عدمي (١) وهو باطل قطعا. وأيضا فإن الإمكان يعرض للممكنات العدمية كالمركبات: وهم وافقونا على انتفائها خارجا، فيبطل قولهم كل ممكن ثابت.

المسألة الثانية عشرة
في نفي الحال

قال: وهو يرادف الثبوت، والعدم النفي، فلا واسطة.

أقول: ذهب أبو هاشم (٢) وأتباعه من المعتزلة والقاضي والجويني من

(١) لأن الثابت عندهم ليس بثابت عند المصنف، فأبطل قولهم بالواسطة. وقوله: كالممكنات العدمية، يعني بها المنفي عندهم وهو العدم الممتنع. وقوله: كالمركبات، يعني بها المركبات الخيالية كما مضت الإشارة إليها آنفا.

(٢) هو أبو هاشم عبد السلام بن أبي علي محمد الجبائي، كان هو وأبوه من كبار المعتزلة، ولد أبو هاشم سنة ٢٤٧ من الهجرة، وتوفي سنة ٣٢١ ببغداد، والجبائي بضم الجيم وتشديد الباء الموحدة وهذه النسبة إلى قرية من قرى البصرة (تاريخ ابن خلكان ج ١ ط ١ ص ٣١٧).

والقاضي هو أبو بكر محمد بن الطبيب المعروف بالباقلاني البصري المتكلم المشهور، كان على مذهب الشيخ ابن الحسن الأشعري وناصرا طريقته، توفي ببغداد سنة ٤٠٣ هـ (تاريخ ابن خلكان ج ٢ ط ١ ص ٥٦).

والجويني هو أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله الجويني الشافعي الملقب ضياء الدين المعروف بإمام الحرمين، مات سنة ٤٧٨ هـ (تاريخ ابن خلكان ج ١ ص ٣١٢ ط ١).

وفي معجم ياقوت: جوين (كزبير) اسم كورة جليلة نزهة على طريق القوافل من بسطام إلى نيسابور، يسميها أهل خراسان كويان فعربت فقيل: جوين.. ينسب إلى جوين خلق كثير من الأئمة والعلماء منهم الإمام حقا أبو المعالي عبد الملك بن أبي محمد عبد الله بن يوسف بن عبد الله بن يوسف الجويني إمام الحرمين، أشهر من علم في رأسه نار - إلى أن قال - ومات بنيسابور في شهر ربيع الآخر سنة ٤٧٨ هـ.

٥١

الأشاعرة إلى أن هاهنا واسطة بين الموجود والمعدوم، وهي ثابتة وسموها الحال (١)، وحدوها بأنها صفة لموجود لا توصف بالوجود والعدم، فيكون الثابت

(١) قال ابن الحزم في الفصل: وأما الأحوال التي ادعتها الأشعرية فإنهم قالوا إن ها هنا أحوالا ليست حقا ولا باطلا ولا هي مخلوقة ولا غير مخلوقة ولا هي موجودة ولا معدومة ولا هي معلومة ولا هي مجهولة ولا هي أشياء ولا هي لا أشياء، إنتهى.

واعلم أن القائلين بالأحوال جعلوها واسطة بين الأعيان الموجودة في الخارج بالاستقلال وبين الصور العلمية التي لا توصف بأنها مجعولة، لأنها من حيث هي صور علمية معدومة في الخارج، فالأحوال لكونها صفات للأعيان المجعولة في الخارج وليست ذوات مستقلة وأعيانا جوهرية، بل لها وجود تبعي لا تكون موجودة ولا معدومة، أي لا تكون موجودة جوهرية مستقلة خارجية، ولا هي معدومة لأنها موجودة بالتبع. وهذا صرف اصطلاح، فالتشنيع غير وارد عليهم، كيف والأوحدي من أساطين التحقيق الذين لا يرون إلا الوجود الصمدي والحق الأحدي، قائلون بأن الأعيان من حيث أنها صور علمية أعيان ثابتة، أي لا توصف بأنها مجعولة لأنها حينئذ معدومة في الخارج والمجعول لا يكون إلا موجودا كما لا توصف الصور العلمية والخيالية التي في أذهاننا بأنها مجعولة ما لم توجد في الخارج، ولو كانت كذلك لكانت الممتنعات أيضا مجعولة، لأنها صور علمية فالجعل أنما يتعلق بها بالنسبة إلى الخارج وليس جعلها إلا إيجادها في الخارج، كما في التنبيه الأول من الفصل الثالث من فصول شرح القيصري على فصوص الحكم (ص ٢٠ ط ١).

بل صاحب فصوص الحكم يبحث في الفص الزكراوي منه عن الأحكام التي هي حاكمة حقيقة في الموصوفين بها على غيرهم، وتلك الأحكام كالمناصب التي في أصحابها، فما داموا منصوبين ومتصفين بها كانوا حاكمين كالسلطان والقاضي والوزير وغيرهم، ففي الحقيقة تلك الأحكام حاكمة لا أنفس هؤلاء، وتلك الأحكام هي معان قائمة في محالها وهي واسطة بين الوجود والعدم. بذلك الوجه الذي أشرنا إليه وإنما سميت حالا، إذ بها يتحول الذات فيقول صاحب الفصوص في تلك الأحكام التي هي أحوال ما هذا لفظه:

والحكم لا يتصف بالخلق لأنه أمر توجبه المعاني لذواتها، فالأحوال لا موجودة ولا معدومة، أي لا عين لها في الوجود لأنها نسب، ولا معدومة في الحكم لأن الذي قام به العلم يسمى عالما وهو الحال، فعالم ذات موصوفة بالعلم، فما هو عين الذات ولا عين العلم وما ثم إلا علم وذات قام بها هذا العلم، وكونه عالما حال لهذه الذات باتصافها بهذا المعنى، فحدثت نسبة العلم إليه وهو المسمى عالما.

وقال الشارح المذكور: (فالأحوال والأحكام كلها لا موجودة في الأعيان بمعنى أن لها أعيانا في الخارج ولا معدومة بمعنى أنها معدومة الأثر في الخارج) - إلى قوله: - (وهذا هو المسمى بالحال في مذهب المعتزلة الذي هو واسطة بين الوجود والعدم) (ص ٤٠٨ ط ١).

فعلى ما حققنا يظهر لك مفاد كلامهم المنقول في الشوارق حيث قال: (ذهب أبو هاشم وأتباعه من المعتزلة وإمام الحرمين والقاضي أبو بكر من الأشاعرة إلى أن المعلوم إن لم يكن له ثبوت في الخارج فهو المعدوم، وإن كان له ثبوت في الخارج، فأما باستقلاله وباعتبار ذاته فهو الموجود وأما باعتبار التبعية لغيره فهو حال، فالحال واسطة بين الموجود والمعدوم لأنه عبارة عن صفة للموجود لا تكون موجودة ولا معدومة، مثل العالمية والقادرية ونحو ذلك.

والمراد بالصفة ما لا يعلم ولا يخبر عنه بالاستقلال بل بتبعية الغير والذات تخالفها وهي لا تكون إلا موجودة أو معدومة بل لا معنى للموجود إلا ذات لها صفة الوجود، والصفة لا تكون ذاتا فلا تكون موجودة، فلذا قيدوا بالصفة، وإذا كانت صفة للموجود لا تكون معدومة أيضا لكونها ثابتة في الجملة، فهي واسطة بين الموجود والمعدوم) إنتهى.

فقول الشارح: وهذا المذهب باطل بالضرورة، أو قول الماتن: فلا واسطة، فمما ينبغي التأمل فيه جدا.

ومما هو أصدق شاهد على التحقيق الذي تفردنا به في المقام أن الكون في اصطلاح أهل التوحيد القائلين بالوحدة الشخصية في الوجود الحق اللا بشرط الاطلاقي الصمدي، هو عبارة عن وجود العالم من حيث هو عالم، أي من حيث التعين والماهية لا من حيث أنه حق، أي لا من حيث الوجود، وإن كان الكون مرادفا للوجود المطلق عند أهل النظر.

نعم، لو ذهب القائل بالثبوت إلى الثبوت في الخارج فهو خطأ بلا كلام، كما ذهب إليه المعتزلي على ما صرح به القيصري في فصول شرحه على فصوص الحكم (ص ٢١ ط ١).

٥٢

أعم من الموجود، والمعدوم أعم من المنفي.

وهذا المذهب باطل بالضرورة، فإن العقل قاض بأنه لا واسطة بين الوجود والعدم، وأن الثبوت والوجود مترادفان، وكذا العدم والنفي مترادفان، ولا شئ أظهر عند العقل من هذه القضية، فلا يجوز الاستدلال عليها.

قال: والوجود لا ترد عليه القسمة والكلي ثابت ذهنا ويجوز قيام العرض بالعرض.

أقول: لما أبطل مذهبهم أشار إلى بطلان ما احتجوا به، وهو وجهان: الأول:

٥٣

قالوا قد تبين أن الوجود زائد على الماهية، فإما أن يكون موجودا أو معدوما، أو لا موجودا ولا معدوما، والأولان باطلان، أما الأول فلأنه يلزم التسلسل، وأما الثاني فلأنه يلزم منه اتصاف الشئ بنقيضه، فبقي الثالث.

والجواب: أن الوجود غير قابل لهذه القسمة لاستحالة انقسام الشئ إلى نفسه وإلى غيره، فكما لا يقال السواد إما أن يكون سوادا أو بياضا، كذلك لا يقال الوجود إما أن يكون موجودا أو لا يكون، ولأن المنقسم إلى الشيئين أعم منهما، ويستحيل أن يكون الشئ أعم من نفسه.

الوجه الثاني: أن اللونية أمر ثابت مشترك بين السواد والبياض، فيكون كل واحد من السواد والبياض ممتازا عن الآخر بأمر زائد على ما به الاشتراك، ثم الوجهان إن كانا موجودين (١)، لزم قيام العرض بالعرض، وإن كانا معدومين لزم أن يكون السواد أمرا عدميا وكذلك البياض، وهو باطل بالضرورة فثبتت الواسطة.

والجواب من وجهين: الأول: أن الكلي ثابت في الذهن فلا ترد عليه هذه القسمة.

الثاني: إن العرض قد يقوم بالعرض على ما يأتي (٢). وأيضا فإن قيام الجنس بالفصل ليس هو قيام عرض بعرض.

قال: ونوقضوا بالحال نفسها.

أقول: إعلم أن نفاة الأحوال قالوا: وجدنا ملخص أدلة مثبتي الحال يرجع إلى أن هاهنا حقائق تشترك في بعض ذاتياتها، وتختلف في البعض الآخر، وما به الاشتراك مغاير لما به الامتياز، ثم قالوا: وذلك ليس بموجود ولا معدوم، فوجب القول بالحال. وهذا ينتقض عليهم بالحال نفسها، فإن الأحوال عندهم متعددة

(١) باتفاق النسخ كلها. فالمراد بالوجهين الأمران المذكوران في الوجه الثاني، ولذا بدل في المطبوعة الوجهان بالأمرين.

(٢) وذلك كالسرعة العارضة للحركة العارضة للجسم، ويأتي في المسألة الخامسة من الفصل الأول من المقصد الثاني.

٥٤

متكثرة فلها جهتا اشتراك، هي مطلق الحالية، وامتياز هي خصوصيات تلك الأحوال وجهة الاشتراك مغايرة لجهة الامتياز فيلزم أن تكون للحال حال أخرى ويتسلسل.

قال: والعذر بعدم قبول التماثل والاختلاف والتزام التسلسل باطل.

أقول: اعتذر المثبتون عن إلزام النفاة بوجهين:

الأول: أن الحال لا توصف بالتماثل والاختلاف.

الثاني: القول بالتزام التسلسل.

والعذران باطلان، أما الأول فلأن كل معقول إذا نسب إلى معقول آخر، فإما أن يتحدا في المعقولية ويكون المتصور من أحدهما هو المتصور من الآخر، وإنما يتميزان (١) بعوارض لاحقة لهما، وهما المثلان، أو لا يكون كذلك وهما المختلفان، فلا يتصور نفيهما.

وأما الثاني فلأنه يبطل الاستدلال بوجود الصانع تعالى، وبراهين إبطال التسلسل آتية هاهنا.

أجاب بعض المتأخرين بأن المختلفين إذا اشتركا في أمر ثبوتي، لزم ثبوت أمرين بهما يقع الاختلاف والتماثل، أما إذا اتحدا في أمر سلبي فلا يلزم ذلك، والأحوال وإن اشتركت في الحالية كالسوادية والبياضية، إلا أن ذلك المشترك أمر سلبي، فلا يلزم التسلسل، وهو غير مرضي عندهم، لأن الأحوال عندهم ثابتة.

المسألة الثالثة عشرة
في التفريع على القول بثبوت المعدوم والأحوال

قال: فبطل ما فرعوا عليهما من تحقق الذوات الغير المتناهية في العدم،

(١) كما في (م). والنسخ الأخرى: وإنما يتعددان. وقوله: فلا يتصور نفيهما، أي نفي التماثل والاختلاف في الحال.

٥٥
٥٦

والمراد بصفات الأجناس ما يقع بها الاختلاف والتماثل كصفة الجوهرية في الجوهر والسوادية في السواد إلى غير ذلك من الصفات، فذهب ابن عياش إلى عراء تلك الماهيات عن الصفات في العدم، وأما الجبائيان (١) وعبد الجبار وابن متويه (٢) فإنهم قالوا: صفات الجوهر إما أن تكون عائدة إلى الجملة كالحيية (٣) وما يشترط بها، وإما أن تكون عائدة إلى الأفراد وهي أربعة:

إحداهما: الصفة الحاصلة حالتي الوجود والعدم وهي الجوهرية.

والثانية: الوجود وهي الصفة الحاصلة بالفاعل.

والثالثة: التحيز وهي الصفة التابعة للحدوث الصادرة عن صفة الجوهرية بشرط الوجود.

والرابعة: الحصول في الحيز وهي الصفة المعللة بالمعنى، وليس له صفة زائدة على هذه الأربع فليس له بكونه أسود أو أبيض صفات. وأما الأعراض فلا صفات لها عائدة إلى الجملة، بل لها ثلاث صفات راجعة إلى الأفراد: إحداها: الصفة الحاصلة حالتي الوجود والعدم وهي صفة الجنس. الثانية: الصفة الصادرة عنها بشرط الوجود. الثالثة: صفة الوجود.

الخامس: ذهب أبو يعقوب الشحام وأبو عبد الله البصري وأبو إسحاق بن عياش (٤) إلى أن الجوهرية هي التحيز، ثم قال الشحام والبصري: إن الذات

(١) هما أبو علي محمد بن عبد الوهاب الجبائي المتوفى سنة ٣٠٣ هـ (تاريخ ابن خلكان ج ٢ ص ٥٦ ط ١) وابنه أبو هاشم المذكور آنفا.

(٢) وفي (م): ابن مستويه، والصواب هو الأول وكأن كاتب الثاني قصد المطايبة والمزاح.

(٣) وفي (م): إلى الجمل، وفي (ص ق ش ز د) كما اخترناه في الكتاب، وفي بعض النسخ كالحياة. والجمل جمع الجملة أي مجموع ما يتركب منه البنية، وما يشترط بالحياة كالعلم والقدرة لأن الحياة أمام الأئمة من الأسماء وأم الأمهات من الصفات، فالحياة عائدة إلى مجموع ما يتركب منه البنية وتتصف أجزاؤه بها أيضا، وإذا تفرقت الأجزاء وانتفت البنية انتفت الحياة عنها بخلاف باقي الصفات المعدودة في الكتاب.

(٤) ابن عياش هذا هو غير أبي بكر بن عياش الراوي عن العاصم القارئ المعروف بابن عياش أيضا، وهو أيضا غير أحمد بن محمد بن عبيد الله بن الحسن بن عياش الجوهري المعروف بابن عياش أيضا.

بل هو الذي قال ابن النديم في الفهرست: ومن المعتزلة ممن لا نعرف من أمره غير ذكره أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن عياش.

٥٧

موصوفة بالتحيز كما توصف بالجوهرية، ثم اختلفا فقال الشحام: إن الجوهر حال عدمه حاصل في الحيز، وقال البصري: شرط الحصول في الحيز الوجود، فهو حال العدم موصوف بالتحيز لا الحصول في الحيز، وزعم ابن عياش أنه حال العدم غير موصوف بأحدهما ولا بغيرهما.

السادس: اتفق المثبتون إلا أبا عبد الله البصري على أن المعدوم لا صفة له (١) بكونه معدوما، والبصري أثبت له صفة بذلك.

السابع: اتفقوا إلا أبا الحسين الخياط على أن الذوات المعدومة لا توصف بكونها أجساما وجوزه الخياط.

الثامن: اتفقوا على أن من علم أن للعالم صانعا قادرا حكيما مرسلا للرسل قد يشك في أنه هل هو موجود أم لا، ويحتاج في ذلك إلى دليل بناء منهم على جواز اتصاف المعدوم بالصفات المتغايرة والعقلاء كافة منعوا من ذلك، وأوجبوا وجود الموصوف بالصفة الموجودة لأن ثبوت الشئ لغيره فرع على ثبوت ذلك الغير في نفسه.

قال: وقسمة الحال (٢) إلى المعلل وغيره وتعليل الاختلاف بها وغير ذلك مما لا فائدة بذكره (٣).

أقول: لما ذكر تفاريع القول بثبوت المعدوم شرع في تفاريع القول بثبوت

(١) يعني أن المعدومية هل هي صفة ثابتة للمعدوم ويتصف المعدوم بها في العدم كما ذهب إليه البصري أم لا كما ذهب إليه جمهورهم.

(٢) مجرور عطفا على قوله المتقدم: تحقق الذوات، أي فبطل ما فرعوا عليهما من تحقق الذوات غير المتناهية في العدم، ومن قسمة الحال إلى المعلل وغيره.

(٣) كالصفات العائدة إلى الجملة والأفراد في الجواهر والأعراض مما قد تقدم الكلام فيه.

٥٨

الحال وذكر منها فرعين: الأول: قسمة الحال إلى المعلل وغيره، قالوا: ثبوت الحال للشئ إما أن يكون معللا بموجود قائم بذلك الشئ كالعالمية المعللة بالعلم، أو لا يكون كذلك كسوادية السواد، فقسموا الحال إلى المعلل وغيره.

الثاني: اتفقوا على أن الذوات كلها متساوية في الماهية، وإنما تختلف بأحوال تنضاف إليها.

واتفق أكثر العقلاء على بطلان هذا لوجوب استواء المتماثلين في اللوازم، فيجوز على القديم الانقلاب إلى المحدث وبالعكس، ولأن التخصيص لا بد له من مرجح وليس ذاتا وإلا تسلسل، ولا صفة ذات وإلا تسلسل.

المسألة الرابعة عشرة
في الوجود المطلق والخاص

قال: ثم الوجود قد يؤخذ على الإطلاق فيقابله عدم مثله، وقد يجتمعان لا باعتبار التقابل ويعقلان معا، وقد يؤخذ مقيدا فيقابله مثله (١).

أقول: إعلم أن الوجود عبارة عن الكون في الأعيان (٢)، ثم هذا الكون في الأعيان قد يؤخذ عارضا لماهية ما فيتخصص الوجود حينئذ، وقد يؤخذ مجردا (٣) من غير التفات إلى ماهية خاصة فيكون وجودا مطلقا، إذا عرفت هذا

(١) باتفاق النسخ كلها، أي فيقابله عدم مثله فحذف العدم هنا بقرينة قوله: في المطلق.

(٢) أي باعتبار أنه وجه من وجوه الوجود الحق المطلق الصمدي وشأن من شؤونه المنفطرة منه، كما أنك تبحث عن عين انسان وقواه أو أنوار أغصان مثلا وهي منفطرة من أصولها وهو سبحانه وتعالى فاطر السماوات والأرض.

(٣) ينبغي في المقام التدبر التام في الفرق بين العين والمفهوم، والعين هو الحق الصمدي الذي هو الأول والآخر والظاهر والباطن لا يحيطون به علما والمفهوم وعاؤه الذهن، ثم إن تميز المحيط عن المحاط إنما هو بالتعين الإحاطي لا بالتعين التقابلي، والمبحوث عنه في الكتاب هو مفهوم الوجود المطلق، فافهم.

٥٩

فالوجود العام يقابله عدم مطلق غير متخصص بماهية خاصة، وهذا الوجود المطلق والعدم المطلق قد يجتمعان على الصدق فإن المعدوم في الخارج الموجود في الذهن يصدق عليه أنه معدوم مطلقا وأنه موجود مطلقا (١). نعم إذا نظر إلى وحدة الاعتبار امتنع اجتماعهما في الصدق على شئ واحد، وإنما يجتمعان إذا أخذا لا باعتبار التقابل (٢)، ولهذا كان المعدوم مطلقا متصورا للحكم عليه بالمقابلة للموجود المطلق وكل متصور ثابت في الذهن، والثابت في الذهن أحد أقسام مطلق الثابت، فيكون الثابت المطلق صادقا على المعدوم مطلقا لا باعتبار التقابل، وهذا الوجود المطلق والعدم المطلق أمران معقولان، وإن كان قد نازع (٣) قوم في أن المعدوم مطلقا متصور.

وأما الوجود الخاص وهو وجود الملكات المتخصص (٤) باعتبار تخصصها فإنه يكون مقيدا كوجود الانسان مثلا المقيد بقيد الانسان وغيره من الماهيات، فإنه يقابله عدم مثله خاص.

المسألة الخامسة عشرة
في أن عدم الملكة يفتقر إلى الموضوع

قال: ويفتقر (٥) إلى الموضوع كافتقار ملكته.

(١) أي معدوم باعتباره في الخارج بالحمل الأولي الذاتي، وموجود باعتباره في الذهن بالحمل الشائع الصناعي.

(٢) وذلك كالكلية والجزئية، أي الجزئي الإضافي غير الحقيقي كما تقدم في المسألة العاشرة.

(٣) سيأتي في المسألة السابعة والثلاثين (ص ١٠١) أن الذهن يتصور العدم المطلق.

(٤) صفة للوجود، أي الوجود متخصص باعتبار تخصص تلك الملكات، وفي (م ز) باعتبار تخصيص تلك الملكات الوجود، فيصير الوجود متخصصا بها وهو الوجود الخاص المأخوذ في قبال الوجود المطلق.

(٥) أي ذلك العدم المقيد وهو عدم الملكة، وكذلك ضمير ملكته.

٦٠