×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

كشف المراد في شرح تجريد الإعتقاد / الصفحات: ٦١ - ٨٠

أقول: عدم الملكة ليس عدما مطلقا، بل له حظ ما من الوجود، ويفتقر إلى الموضوع كافتقار الملكة إليه، فإنه عبارة عن عدم شئ عن شئ آخر مع إمكان اتصاف الموضوع بذلك الشئ كالعمي فإنه عدم البصر لا مطلقا ولكن عن شئ من شأنه أن يكون بصيرا فهو يفتقر إلى الموضوع الخاص المستعد للملكة كما تفتقر الملكة إليه، ولهذا لما امتنع البصر على الحائط لعدم استعداده امتنع العمي عليه.

قال: ويؤخذ الموضوع شخصيا ونوعيا وجنسيا.

أقول: لما فسر عدم الملكة بأنه عدم شئ عن موضوع من شأنه أن يكون له وجب عليه أن يبين الموضوع، وقد اختلف الناس في ذلك، فذهب قوم إلى أن ذلك الموضوع موضوع شخصي فعدم اللحية عن الأمرد عدم ملكة وعدمها عن الأثط (١) ليس عدم الملكة.

وقوم جعلوه أعم من ذلك بحيث يدخل فيه الموضوع النوعي، فعدم اللحية عن الأثط إيجاب وعدم ملكة وعدمها عن الحيوان ليس عدم ملكة (٢).

وقوم جعلوه أعم من ذلك بحيث يدخل فيه الموضوع الجنسي أيضا، ولا مشاحة في ذلك لعدم فائدته.

المسألة السادسة عشرة
في أن الوجود بسيط

قال: ولا جنس له بل هو بسيط فلا فصل له (٣).

(١) في منتهى الإرب: رجل أثط مرد كوسه لغت عامي است، ثط بر وزن خط كوسه راگويند.

(٢) مطابق لنسخ (م ص ق ز) والثلاث الأولى أصحها وأقدمها، وأسلوب البحث يقتضي ذلك أيضا. وفي (د): وعدمها عن الحيوانات، وهي تؤيدها، وفي (ش) وحدها: وعدمها عن الحمار. وله وجه أيضا.

(٣) كما يأتي في المسألة الرابعة من الفصل الثاني أن ما لا جنس له فلا فصل له.

٦١

أقول: قد بينا أن الوجود عارض لجميع المعقولات فلا معقول أعم منه فلا جنس له فلا فصل له، لأن الفصل هو المميز لبعض أفراد الجنس عن البعض، فإذا انتفت الجنسية انتفت الفصلية بل هو بسيط.

لا يقال: لم لا يجوز (١) أن يكون مركبا لا من الأجناس والفصول كتركب العدد من الآحاد؟ لأنا نقول: تلك الأجزاء إما أن تكون موجودة أو لا تكون كذلك، وعلى التقدير الأول تكون طبيعة الجزء والمركب واحدة فلا يقع الامتياز إلا بالمقدار وهو منتف، وعلى التقدير الثاني لا يكون الوجود عارضا لجميع المعقولات مع فرضنا إياه كذلك هذا خلف.

المسألة السابعة عشرة
في مقوليته على ما تحته من الجزئيات

قال: ويتكثر بتكثر الموضوعات (٢) ويقال بالتشكيك على عوارضها.

أقول: الوجود طبيعة معقولة كلية واحدة غير متكثرة، فإذا اعتبر عروضه

(١) يعني ما قلتم من أن الوجود بسيط حيث لا جنس له فلا فصل له، لأن ما لا جنس له لا فصل له ممنوع، وذلك لجواز أن يكون الموجود مركبا من أجزاء لا تكون جنسا له ولا فصلا له تركب العدد من الآحاد مثلا أن العشرة مركبة من الآحاد وليس بعض تلك الآحاد جنسا لبعض آخر ولا فصلا له.

(٢) وهذه المسألة وأترابها، موضوعها مفهوم الوجود المطلق كما صرح به الشارح في قوله:

الوجود طبيعة معقولة كلية واحدة غير متكثرة. وحقيقة الأمر أشمخ من ذلك بمراحل إلا أن أمثال هذه المباحث أظلالها وحكايات لها ومجدية النفس في الاعتلاء إليها.

ثم إن هذا التشكيك هو ما تفوه به المشاء وإن كان يمكن بين ما في الكتاب وبين قولهم بيان وجوه من الفرق، ولكن نظرهما ينتهي إلى وجود منزه عن الماهية هو فوق التمام وما سواه زوج تركيبي من الوجود والماهية، فينجر الكلام إلى تنزيه هو عين التشبيه، وهو سبحانه منزه عن هذا التنزيه أيضا.

وتفصيل هذه المباحث وتحقيق الحق فيها يطلب في رسالتنا الفارسية الموسومة ب (وحدت از ديدگاه عارف وحكيم) وسيأتي البحث عنه في المسألة السادسة والثلاثين أيضا.

٦٢

للماهيات يتكثر بحسب تكثرها لاستحالة عروض العرض الشخصي لماهيات متعددة وتكون طبيعته متحققة في كل واحدة من عوارض تلك الماهيات، أعني أن طبيعة الوجود متحققة في وجود الانسان ووجود الفرس وغيرهما من وجودات الحقائق، ويصدق عليها صدق الكلي على جزئياته، وعلى تلك الماهيات صدق العارض على معروضاته، ويقال على تلك الوجودات العارضة للماهيات بالتشكيك وذلك أن الكلي إن كان صدقه على أفراده على السواء كان متواطيا وإن كان لا على السواء، بل يكون بعض تلك الأفراد أولى بالكلي من الآخر أو أقدم منه أو يوجد الكلي في ذلك البعض أشد منه في الآخر كان مشككا والوجود من حيث هو (١) بالنسبة إلى كل وجود خاص كذلك، لأن وجود العلة أولى بطبيعة الوجود من المعلول، والوجود في العلة سابق على الوجود في المعلول وأشد عند بعضهم فيكون مشككا.

قال: فليس جزء من غيره مطلقا.

أقول: هذا نتيجة ما تقدم وذلك لأن المقول بالتشكيك لا يكون جزء مما يقال عليه ولا نفس حقيقته لامتناع التفاوت في الماهية وأجزائها على ما يأتي فيكون البتة عارضا لغيره فلا يكون جزء من غيره على الإطلاق، أما بالنسبة إلى الماهيات فلأنه عارض لها على ما تقدم من امتناع كونه جزء من غيره وأنه زائد على الحقائق، وأما بالنسبة إلى وجوداتها فلأنه مقول عليها بالتشكيك، فلهذا قال رحمه الله: مطلقا.

المسألة الثامنة عشرة
في الشيئية

قال: والشيئية من المعقولات الثانية (٢) وليست متأصلة في الوجود فلا شئ

(١) باتفاق النسخ كلها، أي الوجود المطلق.

(٢) لعل التنصيص بأن الشيئية من المعقولات الثانية لدفع التوهم بأنها جنس الأجناس كما توهمه بعض الناس حتى ذهب بعض من قارب عصرنا إلى ذلك الوهم.

أو الظاهر أن البحث عنها في المقام ناظر إلى قوله في المسألة الحادية عشرة: أن الوجود يساوق الشيئية فلا تتحقق بدونه فهاهنا صرح بأن الشيئية من المعقولات الثانية، وفي المسألة السادسة والثلاثين: بأن الوجود من المعقولات الثانية ثم عد عدة أخرى منها.

والمراد بالوجود هو الوجود المطلق، فتبصر.

واعلم إن المعقول الثاني عند الحكيم أعم منه عند المنطقي، بيان ذلك أن ما يعرض لشئ فهناك ينتزع أمران: عروض واتصاف، أما العروض فمن العارض، وأما الاتصاف فمن الموضوع، مثلا إذا عرض بياض جسما عرض ذلك البياض الجسم واتصف الجسم به بأن صار أبيض، وعروض الشئ في بادئ الرأي يتصور بأحد الوجوه الأربعة:

الأول: أن يكون العروض والاتصاف كلاهما في الخارج كعروض بياض لجسم واتصاف الجسم بذلك البياض.

والثاني: أن يكون كلاهما في الذهن كالكلية والجزئية والذاتية والعرضية والجنسية والفصلية والموضوعية والمحمولية والقياس والقضية والمعرف وغيرها من المعاني التي جعلت موضوعا للمنطق على أحد القولين.

والثالث: أن يكون الاتصاف في الخارج والعروض في الذهن كالشيئية والإمكان والجوهرية والعرضية.

والرابع عكس الثالث: بأن يكون الاتصاف في الذهن والعروض في الخارج.

والأول عند كلا الفريقين ليس من المعقولات الثانية بلا خلاف، والثاني عندهما من المعقولات الثانية كذلك، والثالث عند الحكيم منها وعند المنطقي ليس منها، والرابع لا تحقق له، فالشيئية من المعقولات الثانية عند الحكيم.

وإنما سميت تلك المعقولات بالثانية لأنها مستندة إلى معقولات أولى متقدمة منها، وذلك لأنه يتصور الانسان أولا مثلا ثم تعرضه الكلية، فلما كانت تلك المعقولات متأخرة عن معقولات أخر سميت بالمعقولات الثانية. والمراد بالثانية ما ليست بالأولى أعم من أن تعرض معقولا أولا أو ثانيا. وقد أشبعنا البحث عنها في تعليقاتنا على اللآلي المنظومة في المنطق للمتأله السبزواري.

٦٣

مطلقا ثابت بل هي تعرض لخصوصيات الماهيات.

أقول: قال أبو علي بن سينا (١): الوجود إما ذهني وإما خارجي، والمشترك

(١) الحسين بن عبد الله بن سينا الشيخ الرئيس الحكيم المشهور، اسم أمه (ستارة) كان أبوه من أهل بلخ وانتقل منها إلى بخارى وتوفي سنة ٤٢٨ بهمدان (تاريخ ابن خلكان ج ١ ط ١ ص ١٦٨).

٦٤

بينهما هو الشيئية فإن أراد حمل الشيئية على القدر المشترك وصدقها عليه فهو صواب وإلا فهو ممنوع، إذا عرفت هذا فنقول: الشيئية والذاتية والجزئية وأشباهها من المعقولات الثانية التي تعرض للمعقولات الأولى، لأنها لا تعقل إلا عارضة لغيرها من الماهيات وليست متأصلة في الوجود كتأصل الحيوانية والانسانية فيه، بل هي تابعة لغيرها في الوجود وليس يمكن وجود شيئية مطلقة فلا شئ مطلقا ثابت، إنما الثبوت يعرض للماهيات المخصوصة الشخصية.

المسألة التاسعة عشرة
في تمايز الإعدام

قال: وقد يتمايز الإعدام ولهذا استند عدم المعلول إلى عدم العلة لا غير، ونافى (١) عدم الشرط وجود المشروط وصحح عدم الضد وجود الآخر بخلاف باقي الإعدام.

أقول: لا شك في أن الملكات متمايزة، وأما العدمات فقد منع قوم من تمايزها بناء على أن التميز أنما يكون للثابت خارجا وهو خطأ فإنها تتمايز بتمايز ملكاتها، واستدل المصنف رحمة الله عليه بوجوه ثلاثة:

الأول: أن عدم المعلول يستند إلى عدم العلة ولا يستند إلى عدم غيرها فلولا امتياز عدم العلة من عدم غيرها لم يكن عدم المعلول مستندا إليه دون غيره، وأيضا فإنا نحكم بأن عدم المعلول لعدم علته ولا يجوز العكس، فلولا تمايزهما لما كان كذلك.

الثاني: أن عدم الشرط ينافي وجود المشروط لاستحالة الجمع بينهما، لأن المشروط لا يوجد إلا مع شرطه، وإلا لم يكن الشرط شرطا وعدم غيره لا

(١) فعل ماض من المنافاة، عطف على استند، وعدم الشرط مرفوع على الفاعلية، ووجود المشروط منصوب على المفعولية، وعلى هذا المنوال الجملة التالية.

٦٥

ينافيه (١) فلولا الامتياز لم يكن كذلك.

الثالث: أن عدم الضد عن المحل يصحح وجود الضد الآخر فيه لانتفاء صحة وجود الضد الطارئ مع وجود الضد الباقي، وعدم غيره لا يصحح ذلك فلا بد من التمايز.

قال: ثم العدم قد يعرض لنفسه فيصدق النوعية والتقابل عليه باعتبارين.

أقول: العدم قد يفرض عارضا لغيره وقد يلحظ لا باعتبار عروضه للغير فيكون أمرا معقولا قائما برأسه ويكون له تحقق في الذهن، ثم إن العقل يمكنه فرض عدمه (٢) لأن الذهن يمكنه إلحاق الوجود والعدم بجميع المعقولات حتى بنفسه، فإذا اعتبر العقل للعدم ماهية معقولة وفرضها معدومة كان العدم عارضا لنفسه ويكون العدم العارض للعدم مقابلا لمطلق العدم باعتبار كونه رافعا له وعدما له ونوعا منه، باعتبار أن العدم المعروض أخذ مطلقا على وجه يعم العارض له ولغيره، فيصدق نوعية العدم العارض للمعروض والتقابل بينهما باعتبارين.

قال: وعدم المعلول ليس علة لعدم العلة في الخارج وإن جاز في الذهن على أنه برهان إني وبالعكس لمي.

أقول: لما بين أن الإعدام متمايزة بأن عدم المعلول مستند إلى عدم العلة ذكر ما يصلح جوابا لتوهم من يعكس القول ويجعل عدم المعلول علة لعدم العلة فأزال هذا الوهم وقال: إن عدم المعلول ليس علة بل الأمر بالعكس على ما يأتي (٣)، ثم قيد النفي بالخارج لأن عدم المعلول قد يكون علة لعدم العلة في الذهن كما في برهان إن بأن يكون عدم المعلول أظهر عند العقل من عدم العلة فيستدل العقل

(١) اي عدم غير الشرط لا ينافي المشروط.

(٢) ضمير عدمه راجع إلى العدم الذي لوحظ لا باعتبار عروضه، أعني العدم المطلق الذي يكون معروضا للعدم العارض له.

(٣) يأتي في المسألة الثالثة والأربعين من هذا الفصل، وفي المسألة السادسة عشرة من الفصل الثالث.

٦٦

عليه ويكون علة له باعتبار التعقل لا باعتبار الخارج، ولا يفيد العلية في نفس الأمر بل في الذهن، ولهذا سمي إنيا لأنه لا يفيد إلا الوجود (١)، أما الاستدلال بعدم العلة على عدم المعلول فهو برهان لمي مطابق للأمر نفسه.

المسألة العشرون
في أن عدم الأخص أعم من عدم الأعم

قال: والأشياء المترتبة في العموم والخصوص وجودا تتعاكس عدما.

أقول: إذا فرض أمران أحدهما أعم من الآخر كالحيوان والانسان، ونسب عدم أحدهما إلى الآخر بالعموم والخصوص وجد عدم الأخص أعم من عدم الأعم فإن الحيوان يشمل الانسان وغيره، فغير الانسان لا يصدق عليه أنه انسان بل يصدق عليه عدمه ولا يصدق عليه عدم الحيوان لأنه أحد أنواعه، ويصدق أيضا عدم الانسان على ما ليس بحيوان وهو ظاهر، فعدم الحيوان لا يشمل أفراد عدم الانسان وعدم الانسان شامل لأفراد ما ليس بحيوان فيكون عدم الأخص أعم من عدم الأعم، فإذا ترتب شيئان في العموم والخصوص وجودا ترتبا في العكس عدما، بأن يصير الأخص أعم في طرف العدم.

المسألة الحادية والعشرون
في قسمة الوجود والعدم إلى المحتاج والغني

قال: وقسمة كل منهما إلى الاحتياج والغنى حقيقة.

أقول: كل واحد من الوجود والعدم إما أن يكون محتاجا إلى الغير وإما أن يكون مستغنيا عنه، والأول ممكن والثاني واجب أو ممتنع، وهذه القسمة حقيقية تمنع الجمع لاستحالة كون المستغني عن الغير محتاجا إليه وبالعكس، وأما منع

(١) باتفاق النسخ كلها، أي الوجود في الذهن.

٦٧

الخلو فلأنه لا قسم ثالث لهما، فقد ظهر أن هذه القسمة حقيقية (١).

المسألة الثانية والعشرون
في الوجوب والامكان والامتناع

قال: وإذا حمل الوجود أو جعل رابطة ثبتت مواد ثلاث في أنفسها جهات في التعقل دالة على وثاقة الربط وضعفه هي الوجوب والامتناع والامكان.

أقول: الوجود قد يكون محمولا بنفسه كقولنا: الانسان موجود، وقد يكون رابطة بين الموضوع والمحمول كقولنا: الانسان يوجد حيوانا، وعلى كلا التقديرين لا بد لهذه النسبة، أعني نسبة المحمول فيهما إلى الموضوع من كيفية هي الوجوب والامكان والامتناع، وتلك الكيفية تسمى مادة وجهة باعتبارين، فإنا إن أخذنا الكيفية في نفس الأمر سميت مادة، وإن أخذناها عند العقل وما تدل عليه العبارات سميت جهة، وقد تتحدان كقولنا: الانسان يجب أن يكون حيوانا، وقد تتغايران كقولنا: الانسان يمكن أن يكون حيوانا، فالمادة ضرورية لأن كيفية نسبة الحيوانية إلى الانسانية هي الوجوب، وأما الجهة فهي ممكنة وهذه الكيفيات تدل على وثاقة الربط وضعفه، فإن الوجوب يدل على وثاقة الربط في طرف الثبوت والامتناع على وثاقته في طرف العدم والامكان على ضعف الربط.

قال: وكذلك العدم.

(١) أي منفصلة حقيقية دائرة بين الاثبات والنفي، وفي بعض النسخ منفصلة حقيقية ولكن الزيادة أدرجت في عبارة الكتاب.

وعبارة الشرح كما في (م)، جاءت هكذا: وهذه القسمة حقيقية تمنع الجمع لاستحالة كون المستغني.. الخ. والنسخ الأخرى كلها كانت هكذا: وهذه القسمة حقيقية أي تمنع الجمع والخلو، أما منع الجمع فلاستحالة.. الخ، ونظير ما في هذه النسخ يأتي في المسألة الرابعة والعشرين ومواضع أخرى، ولكن العبارة في المقام هي ما اخترناها، ولا يبعد أن تصرف فيها بقرينة تلك المواضع، والخطب سهل.

٦٨

أقول: إذا جعل العدم محمولا أو رابطة كقولنا: الانسان معدوم أو معدوم عنه الكتابة، تكثرت الجهات التي عند العقل (١) والمواد في نفس الأمر.

المسألة الثالثة والعشرون
في أن هذه القضايا الثلاث لا يمكن تعريفها

قال: والبحث في تعريفها كالوجود.

أقول: إن جماعة من العلماء أخطأوا هاهنا حيث عرفوا الواجب والممكن والممتنع لأن هذه الأشياء معلومة للعقلاء لا تحتاج إلى اكتساب، نعم قد يذكر في تعريف ألفاظها ما يكون شارحا لها لا على أنه حد حقيقي بل لفظي، ومع ذلك فتعريفاتهم دورية لأنهم عرفوا الواجب بأنه الذي يستحيل عدمه أو الذي لا يمكن عدمه، ثم عرفوا المستحيل بأنه الذي لا يمكن وجوده أو الذي يجب عدمه، ثم عرفوا الممكن بأنه الذي لا يجب وجوده ولا يجب عدمه أو الذي لا يستحيل وجوده ولا عدمه فقد أخذ كل واحد منها في تعريف الآخر، وهو دور ظاهر.

المسألة الرابعة والعشرون
في القسمة إلى هذه الثلاث

قال: وقد تؤخذ (٢) ذاتية فتكون القسمة حقيقية لا يمكن انقلابها.

أقول: إذا أخذنا الوجوب والامتناع والامكان على أنها ذاتية لا بالنظر إلى الغير كانت المعقولات منقسمة إليها قسمة حقيقية، أي تمنع الجمع والخلو، وذلك

(١) حرف التعريف في الجهات للعهد ناظر إلى قوله المقدم: جهات في التعقل في الوجود.

والمختار مطابق لنسخة (م)، والنسخ الأخرى: الكتابة حدثت الجهات الثلاث عند التعقل.

(٢) أي تلك الثلاثة من الوجوب والامكان والامتناع، وقرئ أيضا: وقد يؤخذ، أي كل واحد منها. وقوله: لا يمكن انقلابها، بدل من قوله: فتكون القسمة حقيقية، كقوله الآتي: يمكن انقلابها، بدل من قوله: فالقسمة مانعة الجمع بينهما.

٦٩

لأن كل معقول على الإطلاق إما أن يكون واجب الوجود لذاته أو ممتنع الوجود لذاته أو ممكن الوجود لذاته، لا يخلو عنها ولا يجتمع اثنان منها في واحد، لاستحالة أن يكون شئ واحد واجبا لذاته ممتنعا لذاته أو ممكنا لذاته، أو يكون ممتنعا لذاته ممكنا لذاته، فالقسمة حينئذ حقيقية.

واعلم أن القسمة الحقيقية قد تكون لكلي (١) بفصول أو لوازم تميزه وتفصله إلى الأقسام المندرجة تحته، وقد تكون بعوارض مفارقة والقسمة الأولى لا يمكن انقلابها ولا يصير أحد القسمين معروضا لمميز الآخر الذي به وقعت القسمة كقولنا: الحيوان إما ناطق أو صامت، فإن الحيوان بالناطق والصامت قد انقسم إلى طبيعتين ويستحيل انقلاب هذه القسمة، بمعنى أن الحيوان الذي هو ناطق يستحيل زوال النطق عنه وعروض الصمت له، وكذا الحيوان الذي هو صامت. وأما القسمة الثانية فإنه يمكن انقلابها ويصير أحد القسمين معروضا لمميز الآخر الذي به وقعت القسمة: كقولنا: الحيوان إما متحرك أو ساكن، فإن كل واحد من قسمي المتحرك والساكن قد يتصف بعارض الآخر فينقلب المتحرك ساكنا وبالعكس، وقسمة المعقول بالوجوب الذاتي والامتناع الذاتي والامكان الذاتي من قبيل القسم الأول لاستحالة انقلاب الواجب لذاته ممتنعا لذاته أو ممكنا لذاته، وكذا الباقيان.

قال: وقد يؤخذ الأولان (٢) باعتبار بالغير، فالقسمة مانعة الجمع بينهما يمكن انقلابها، ومانعة الخلو بين الثلاثة في الممكنات.

أقول: إذا أخذنا الواجب والممتنع باعتبار الغير لا بالنظر إلى الذات انقسم المعقول إليهما على سبيل منع الجمع لا الخلو، وذلك لأن المعقول حينئذ إما أن يكون واجبا لغيره أو ممتنعا لغيره على سبيل منع الجمع لا الخلو لامتناع الجمع بين الوجوب بالغير والامتناع بالغير، وإمكان الخلو عنهما لا بالنظر إلى وجود

(١) كما في (م) والنسخ الأخرى: قد تكون للكلي.

(٢) أي الوجوب والامتناع، على ما في عبارة المتن.

٧٠

العلة ولا عدمها (١). وهذه القسمة يمكن انقلابها لأن واجب الوجود بالغير قد يعرضه عدم علته فيكون ممتنع الوجود بالغير فينقلب أحدهما إلى الآخر، وإذا لحظنا الإمكان الذاتي في هذه القسمة في الممكنات انقلبت مانعة الخلو لا الجمع لعدم خلو كل معقول ممكن عن الوجوب الغير والامتناع بالغير والإمكان الذاتي، ويجوز الجمع بينها، فإن الممكن (٢) الذاتي واجب أو ممتنع بالغير.

المسألة الخامسة والعشرون
في أقسام الضرورة والإمكان

قال: ويشترك الوجوب والامتناع في اسم الضرورة وإن اختلفا بالسلب والإيجاب.

أقول: الضرورة تطلق على الوجوب والامتناع وتشملهما، فإن كل واحد من الوجوب والامتناع يقال له ضروري، لكنهما يختلفان بالسلب والإيجاب، فالوجوب ضرورة الوجود والامتناع ضرورة السلب، واسم الضرورة شامل لهما.

قال: وكل منهما يصدق على الآخر إذا تقابلا في المضاف إليه.

أقول: كل واحد من الوجوب والامتناع يصدق على الآخر، فإن وجوب الوجود يصدق عليه امتناع العدم ويستلزمه، وبالعكس، وكذلك امتناع الوجود يصدق عليه وجوب العدم ويستلزمه، فالوجوب والامتناع كل واحد منهما يصدق عليه الآخر إذا تقابلا في المضاف إليه، يعني بالمضاف إليه الوجود أو العدم اللذين يضاف الوجود والامتناع إليهما.

وإنما اشترطنا تقابل المضاف إليه لأنه يستحيل صدقهما على مضاف واحد (٣)، فإن وجوب الوجود لا يصدق عليه امتناع الوجود وبالعكس ولا وجوب العدم يصدق عليه امتناع العدم بل إنما يصدق كل واحد منهما على صاحبه

(١) أي بل بالنظر إلى نفس الماهية التي من حيث هي ليست إلا هي.

(٢) وسيأتي في المسألة السابعة والعشرين أن معروض ما بالغير منهما ممكن.

(٣) باتفاق النسخ كلها.

٧١

مع التقابل، كما قلنا: وجوب الوجود يصدق عليه امتناع العدم، فالوجوب أضيف إلى الوجود والامتناع إلى العدم والوجود والعدم متقابلان.

قال: وقد يؤخذ الإمكان بمعنى سلب الضرورة عن أحد الطرفين (١) فيعم الأخرى والخاص.

أقول: القسمة العقلية ثلاثة (٢): واجب وممتنع وممكن ليس بواجب ولا ممتنع، هذا بحسب اصطلاح الخاصة (٣). وقد يؤخذ الإمكان على معنى أعم من ذلك وهو سلب الضرورة عن أحد الطرفين، أعني طرفي الوجود والعدم لا عنهما معا بل عن الطرف المقابل للحكم حتى يكون ممكن الوجود هو ما ليس بممتنع ويكون قد رفعنا فيه ضرورة العدم (٤) وممكن العدم هو ما ليس بواجب ويكون قد رفعنا فيه ضرورة الوجود، فإذا أخذ بهذا المعنى كان أعم من الأول ومن الضرورة الأخرى التي لا تقابله، فإن رفع إحدى الضرورتين يشمل ثبوت الأخرى والامكان الخاص.

قال: وقد يؤخذ بالنسبة إلى الاستقبال.

(١) أي الطرف المخالف فيعم الأخرى، أي ضرورة الجانب الموافق والامكان الخاص.

وقد اتفقت النسخ على نقل قوله: فيعم الأخرى والخاص، بهذه الصورة التي اخترناها.

(٢) هكذا رويت العبارة في النسخ كلها، ولعل تأنيث العدد بلحاظ الواجب والممتنع والممكن، وإلا فالصواب أن يقال: القسمة العقلية ثلاث.

(٣) أي الإمكان بهذا المعنى.

(٤) فإن كان وجوده ضروريا فيشمل الواجب، وإن كان وجوده كعدمه غير ضروري فيشمل الإمكان الخاص، فالمراد من الضرورة الأخرى التي لا تقابله هو ضرورة الجانب الموافق، لأن الضرورة التي تقابله هي ضرورة العدم، وذلك لأن الإمكان بمعنى العام الوجودي فهو يسلب ضرورة العدم فلا محالة تقابله ضرورة العدم. فممكن الوجود بالامكان العام أعم من الواجب وممكن الوجود بالامكان الخاصي، وكذلك ممكن العدم بالامكان العام أعم من الممتنع وممكن العدم بالامكان الخاصي. وقوله: إذا أخذ بهذا المعنى، أي إذا أخذ الإمكان بهذا المعنى. وقوله: والامكان الخاص منصوب معطوف على ثبوت الأخرى.

والعبارة موافقة لنسخ (م ص ق د) والثلاث الأول أصحها وأقدمها، وفي (ز): فإن رفع الضرورتين يستلزم ثبوت الأخرى، وفي (ش): لا يستلزم، وهذه ليست بصواب لأن نفيها منفي.

٧٢
٧٣

أقول: هذه الجهات الثلاث أعني الوجوب والامكان والامتناع أمور اعتبارية يعتبرها العقل عند نسبة الوجود إلى الماهية، وليس لها تحقق في الأعيان لوجوه:

منها ما هو مشترك ومنها ما هو مختص بكل واحد، أما المشترك فأمران:

الأول: أن هذه الأمور تصدق على المعلوم، فإن الممتنع يصدق عليه أنه مستحيل الوجود وأنه واجب العدم، والممكن قبل وجوده يصدق عليه أنه ممكن وهو معدوم، وإذا اتصف المعدوم بها كانت عدمية لاستحالة اتصاف العدمي بالثبوتي.

الثاني: يلزم التسلسل لأن كل متحقق فله وجود يشارك به غيره من الموجودات ويختص بنفس ماهيته وما به الاشتراك مغاير لما به الامتياز، فوجوده غير ماهيته، فاتصاف ماهيته بوجوده لا يخلو عن أحد هذه الأمور الثلاثة، فلو كانت هذه الأمور ثبوتية لزم اتصافها بأحد الثلاثة ويتسلسل، وهو محال.

قال: ولو كان الوجوب ثبوتيا لزم إمكان الواجب.

أقول: لما ذكر الأدلة الشاملة في الدلالة على أن هذه الأمور ليست ثبوتية في الأعيان شرع في الدلالة على كل واحد من الثلاثة، فبدأ بالوجوب الذي هو أقربها إلى الوجود إذ هو تأكده (١)، فبين أنه ليس ثبوتيا، والدليل عليه أنه لو كان موجودا لكان ممكنا وبالتالي باطل فالمقدم مثله بيان الشرطية أنه صفة للغير والصفة مفتقرة إلى الموصوف فالوجوب مفتقر إلى ذات الواجب فيكون الوجوب ممكنا. وأما بطلان التالي فلأنه لو كان الوجوب ممكنا لكان الواجب ممكنا، لأن الواجب أنما هو واجب بهذا الوجوب الممكن، والوجوب الممكن يمكن زواله فيخرج الواجب عن كونه واجبا فيكون ممكنا هذا محال.

قال: ولو كان الامتناع ثبوتيا لزم إمكان الممتنع.

(١) على صيغة المصدر من باب التفعل أي الوجوب هو تأكده الوجود، كما يأتي في المسألة الحادية والثلاثين أن الوجوب تأكد الوجود وقوته، والامكان ضعف فيه.

٧٤

أقول: هذا حكم ضروري وهو أن الامتناع أمر عدمي، وقد نبه هاهنا على طريق التنبيه لا الاستدلال، فإن الامتناع لو كان ثبوتيا لزم إمكان الممتنع، لأن ثبوت الامتناع يستدعي ثبوت موصوفه - أعني الممتنع - فيكون الممتنع ممكنا (١) هذا خلف.

قال: ولو كان الإمكان ثبوتيا لزم سبق وجود كل ممكن على إمكانه.

أقول: اختلف الناس في أن الإمكان الخاص هل هو ثبوتي أم لا؟ وتحرير القول فيه أن الإمكان قد يؤخذ بالنسبة إلى الماهية نفسها لا بالقياس إلى الوجود وهو الإمكان الراجع إلى الماهية، وقد يؤخذ بالنسبة إلى الوجود من حيث القرب والبعد من طرف العدم إليه وهو الإمكان الاستعدادي. أما الأول: فالمحققون كافة على أنه أمر اعتباري لا تحقق له عينا، وأما الثاني: فالأوائل قالوا: إنه من باب الكيف، وهو قابل للشدة والضعف، والحق يأباه (٢)، والدليل على عدمه في الخارج أنه لو كان ثابتا مع أنه إضافة بين أمرين أو ذو إضافة لزم ثبوت مضافيه اللذين هما الماهية والوجود، فيلزم تأخره عن الوجود في الرتبة هذا خلف.

قال: والفرق بين نفي الإمكان والامكان المنفي لا يستلزم ثبوته (٣).

(١) كما في (م) والنسخ الأخرى: فيكون الممتنع ثابتا، والأول هو الحق كما قال في المتن: لزم إمكان الممتنع، والغور في أسلوب الدليل أيضا يحكم بذلك.

(٢) أقول: والحق يأباه لأن الإمكان الاستعدادي صفة حقيقية وجودية كامنة في المركبات قابلة للشدة والضعف والزيادة والنقصان، بل ويعدم ويوجد بخلاف الإمكان الذاتي للممكنات المتصور في العقل لا يمكن زواله عنها، كما يأتي بيان الفرق بينهما في المسألة الثانية والثلاثين، والشارح أنكره هاهنا وأقر به هناك. وأما قوله هاهنا: (والدليل على عدمه..

الخ) فالحق أن الاستعداد أمر وجودي وهو غير إمكانه، كما أفاده المتأله السبزواري بقوله:


قد يوصف الإمكان باستعداديوهو بعرفهم سوى استعداد

والامكان الاستعدادي دال على وحدة الصنع والتدبير في العالم الكياني على نظامه بالعلم العنائي الرباني.

(٣) راجع الأسفار (ط ١ - ج ١ - ص ٣٢ و ٤٢) فإنه في قوله: (في بعض المسطورات الكلامية) ناظر إلى هذا المقام من هذا الكتاب.

٧٥

أقول: هذا جواب عن استدلال الشيخ أبي علي بن سينا على ثبوت الإمكان، فإنه قال: لو كان الإمكان عدميا لما بقي فرق بين نفي الإمكان والامكان المنفي لعدم التمايز في العدمات، والجواب المنع من الملازمة فإن الفرق واقع ولا يستدعي الفرق الثبوت كما في الامتناع.

المسألة السابعة والعشرون
في الوجوب والامكان والامتناع المطلقة

قال: والوجوب شامل للذاتي وغيره وكذا الامتناع.

أقول: الوجوب قد يكون ذاتيا وهو المستند إلى نفس الماهية من غير التفات إلى غيرها، وقد يكون بالغير وهو الذي يحصل باعتبار حصول الغير والنظر إليه، فإن المعلول لولا النظر إلى علته لم يكن واجبا بها، فالوجوب المطلق قد انقسم إلى ما بالذات وإلى ما بالغير وهو شامل لهما، وكذا الامتناع شامل للامتناع الذاتي وللعارض باعتبار الغير، وليس عموم الوجوب عموم الجنسية وإلا تركب الوجوب الذاتي بل عموم عارض ذهني لمعروض ذهني.

قال: ومعروض ما بالغير منهما ممكن.

أقول: الذات التي يصدق عليها أنها واجبة بالغير أو ممتنعة بالغير فإنها تكون ممكنة بالذات، لأن الممكن الذاتي هو الذي يعتوره الوجوب والامتناع ولا يمكن أن يكون الواجب بالغير واجبا بالذات ولا ممتنعا بالذات، وكذا الممتنع بالغير فقد ظهر أن معروض ما بالغير من الوجوب والامتناع ممكن بالذات.

قال: ولا ممكن بالغير لما تقدم (١) في القسمة الحقيقية.

أقول: لا يمكن أن يكون هاهنا ممكن بالغير كما أمكن واجب وممتنع بالغير، لأنه لو كان كذلك لكان المعروض للامكان بالغير إما واجبا لذاته أو ممتنعا لذاته،

(١) تقدم في المسألة الحادية والعشرين.

٧٦

وكل ممكن بالغير ممكن بالذات فيكون ذلك المعروض تارة واجبا لذاته وتارة ممكنا، فيلزم انقلاب القسمة الحقيقية التي فرضنا أنها لا تنقلب هذا خلف.

المسألة الثامنة والعشرون
في عروض الإمكان وقسيميه للماهية

قال: وعروض الإمكان عند عدم اعتبار الوجود والعدم بالنظر إلى الماهية وعلتها.

أقول: الإمكان إنما يعرض للماهية من حيث هي هي، لا باعتبار وجودها ولا باعتبار عدمها ولا باعتبار وجود علتها ولا باعتبار عدم علتها، بل إنما يعرض لها عند عدم اعتبار الوجود والعدم بالنظر إلى الماهية نفسها، وعند عدم اعتبار الوجود والعدم بالنظر إلى علة الممكن، فإن الماهية إذا أخذت موجودة كانت واجبة ما دامت موجودة، وكذا إذا أخذت معدومة تكون ممتنعة ما دامت معدومة، وإذا أخذت باعتبار وجود علتها كانت واجبة ما دامت العلة موجودة، وإذا أخذت باعتبار عدم علتها كانت ممتنعة ما دامت العلة معدومة.

قال: وعند اعتبارهما بالنظر إليهما يثبت ما بالغير.

أقول: إذا اعتبرنا الوجود والعدم بالنظر إلى الماهية أو إلى علتها ثبت الوجوب بالغير والامتناع بالغير، وهو ظاهر مما تقدم.

قال: ولا منافاة بين الإمكان والغيري (١).

أقول: قد بينا أن الممكن باعتبار وجوده أو وجود علته يكون واجبا، وباعتبار عدمه أو عدم علته يكون ممتنعا، لكن الوجوب والامتناع ليسا ذاتيين، بل باعتبار الغير ومعروضهما الممكن فلا منافاة بينهما وبين الإمكان.

(١) أي بين الإمكان والوجوب بالغير والامتناع بالغير، إذ لا معنى للامكان بالغير كما تقدم، والمتن مطابق للنسخ كلها.

٧٧

قال: وكل ممكن العروض ذاتي ولا عكس.

أقول: الممكن قد يكون ممكن الثبوت في نفسه وقد يكون ممكن الثبوت لشئ آخر، وكل ممكن الثبوت لشئ آخر - أعني ممكن العروض - فهو ممكن ذاتي، أي يكون في نفسه ممكن الثبوت لأن إمكان ثبوت الشئ لغيره فرع على إمكانه في نفسه ولا ينعكس، فقد يكون الشئ ممكن الثبوت في نفسه وممتنع الثبوت لغيره كالمفارقات، أو واجب الثبوت لغيره كالأعراض والصفات.

المسألة التاسعة والعشرون
في علة الاحتياج إلى المؤثر

قال: وإذا لحظ الذهن (١) الممكن موجودا طلب العلة وإن لم يتصور غيره وقد

(١) الكلام في أن علة احتياج الأثر إلى مؤثره هي الإمكان لا غير، وهذا هو القول القويم والحكم الحكيم لا يعتريه ريب ولا يشوبه عيب، فالممكن في بقائه محتاج إلى مؤثره كما أنه في حدوثه مفتاق إليه على سواء، والعلة الموجدة هي المبقية بلا مراء. والرأي الآخر بأنها الحدوث أو الإمكان مع الحدوث شطرا أو شرطا فائل جدا.

ثم الحدوث على رأيهم ذلك هو الحدوث الزماني وهما منهم أن الحدوث لو لم يكن زمانيا لزم منه القول بقدم العالم واستغنائه عن المؤثر، لأن العالم قديم وكل قديم مستغن عن المؤثر فالعالم مستغن عن المؤثر، والأوسط لم يكرر في القياس.

لأن الحكيم القائل بقدمه يعني به الزماني لا الذاتي والقديم المستغني عن المؤثر هو الذاتي لا الزماني. والمصنف شنع عليهم بأن الحدوث ليس علة الاحتياج حتى لو قلنا بقدم العالم لم يستغن عن المؤثر، لأن علة الاحتياج هو الإمكان وهذا الفقر لا يفارق الممكن أينما كان وأيما كان، كما قال في المسألة الرابعة والأربعين: والممكن الباقي مفتقر إلى المؤثر لوجود علته والمؤثر يفيد البقاء بعد الإحداث، ولهذا جاز استناد القديم الممكن إلى المؤثر الموجب لو أمكن ولا يمكن استناده إلى المختار.

ثم إن الحدوث لا يكون زمانيا فقط، بل الحدوث الذاتي متحقق كما يأتي في المسألة الرابعة والثلاثين، والحدوث الذاتي لا ينافي القدم الزماني على أن الأمر الحري بالمقام فوق أمثال هذه المسائل بدرجات وهو سبحانه رفيع الدرجات ذو المعارج. وسيأتي قوله في المسألة الخامسة والأربعين بأنه لا قديم سوى الله، فالقديم الذاتي ليس إلا الله، والقديم الذاتي هو الوجود الأحدي والحق الصمدي، أي هو الأول والآخر والظاهر والباطن. والتوحيد الصمدي يطرد كثيرا من المسائل الكلامية بل المشائية أيضا.

ثم اعلم أن أكثر ما احتج به أئمتنا عليهم السلام على الزنادقة لا يشتمل التمسك بالحدوث، ينبئك الجوامع الروائية، وذلك لأن إثبات الواجب تعالى لا يتوقف على إثبات الحدوث للعالم، فتبصر. وسيأتي تمام الكلام في مسألتي الرابعة والأربعين والخامسة والأربعين من هذا الفصل وفي أول الفصل الثالث من هذا المقصد.

٧٨

يتصور وجود الحادث فلا يطلبها، ثم الحدوث كيفية الوجود فليس علة لما يتقدم عليه بمراتب.

أقول: اختلف الناس هنا في علة احتياج الأثر إلى مؤثره، فقال جمهور العقلاء: إنها الإمكان لا غير، وقال آخرون: إنها الحدوث لا غير، وقال آخرون:

هما معا. والحق الأول لوجهين:

الأول: العقل إذا لحظ الماهية الممكنة وأراد حمل الوجود أو العدم عليها افتقر في ذلك إلى العلة وإن لم ينظر شيئا آخر سوى الإمكان والتساوي، إذ حكم العقل بالتساوي الذاتي كاف في الحكم بامتناع الرجحان الذاتي فاحتاج إلى العلة من حيث هو ممكن وإن لم يلحظ غيره، ولو فرضنا حادثا وجب وجوده وإن كان فرضا محالا فإن العقل يحكم بعدم احتياجه إلى المؤثر، فعلم أن علة الحاجة أنما هي الإمكان لا غير.

الثاني: أن الحدوث كيفية للوجود فيتأخر عنه تأخرا ذاتيا والوجود متأخر عن الايجاد والايجاد متأخر عن الاحتياج والاحتياج متأخر عن علة الاحتياج، فلو كان الحدوث علة الحاجة لزم تقدم الشئ على نفسه بمراتب وهو محال.

المسألة الثلاثون
في أن الممكن محتاج إلى المؤثر

قال: والحكم باحتياج الممكن ضروري.

٧٩

أقول: اختلف الناس هنا، فقال قوم: إن هذا الحكم ضروري، أعني أن احتياج الممكن لا يحتاج إلى برهان فإن كل من تصور تساوي طرفي الممكن جزم بالضرورة أن أحدهما لا يترجح من حيث هو متساو أعني من حيث ذاته، بل من حيث إن المرجح ثابت، وهذا الحكم قطعي لا يقع فيه شك.

وقال آخرون: إنه استدلالي، وهو خطأ وسبب غلطهم أنهم لم يتصوروا الممكن على ما هو عليه.

المسألة الحادية والثلاثون
في وجوب الممكن المستفاد من الفاعل

قال: ولا تتصور الأولوية (١) لأحد الطرفين بالنظر إلى ذاته.

أقول: قد بينا أن الممكن من حيث هو هو لا باعتبار وجود علته أو عدمها، فإن وجوده وعدمه متساويان بالنسبة إليه، وإنما يحصل الترجيح من الفاعل الخارجي، فإذا لا يمكن أن تتصور أولوية لأحد الطرفين على الآخر بالنظر إلى ذاته.

قال: ولا تكفي الخارجية لأن فرضها لا يحيل المقابل فلا بد من الانتهاء إلى الوجوب.

أقول: أولوية أحد الطرفين بالنظر إلى وجود العلة أو عدمها هي الأولوية الخارجية، فإن كانت العلة مستجمعة لجميع الشرائط منتفيا عنها جميع الموانع كانت الأولوية وجوبا وإلا كانت أولوية يجوز معها وقوع الطرف الآخر، وهذه الأولوية

(١) سواء كانت الأولوية ذاتية أي بالنظر إلى ذات الممكن، أو خارجية. فعلى رد الأول قال:

ولا يتصور الأولوية لأحد الطرفين بالنظر إلى ذاته أي بالنظر إلى الممكن من حيث هو هو، لأن وجوده وعدمه بالنسبة إليه متساويان فلا يكون أحدهما أولى له من الآخر. وعلى رد الثاني قال: ولا تكفي الخارجية لأن الممكن ما لم يجب وجوده من العلة ولم يطرد جميع أنحاء العدم منه لم يوجد فلا بد من الانتهاء إلى الوجوب أي إلى مرجح يجب به وجوده، وكذا ما لم يجب عدمه من العلة لم يعدم.

٨٠