×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

لقد شيعني الحسين (ع) الإنتقال الصعب في المذهب والمعتقد / الصفحات: ٣٤١ - ٣٦٠

رأسهم الزهراء الطاهرة (ع) ولكي نعرف عائشة ونضعها في الميزان. يجب أن نتوخى الحقيقة، ونكسر في أذهاننا صنم عائشة من أجل الحقيقة الغالية فقط.

أعطى القرآن درسا لنساء النبي صلى الله عليه وآله حتى لا يغتررن، ويظنن أن الرسول صلى الله عليه وآله يخفي عنهن شيئا، فرسول الله صلى الله عليه وآله بعث للبشرية، وهو لم يبعث ليحتكره هوى امرأة. ولطالما حاولت عائشة ذلك. فالتأنيب القرآني، بين أن امرأة النبي صلى الله عليه وآله ليست هي التي تحدد عواطفه وسلوكه، وبأنهن معرضات للطلاق إذا لم يكففن عن أذى الرسول صلى الله عليه وآله وإشغاله بالسفاسف، مما يصرفه عن مهمته النبوية. يقول تعالى:

(يا أيها النبي، قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا. وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما. يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين وكان ذلك على الله يسيرا. ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحا نؤتها أجرها مرتين واعتدنا لها رزقا كريما، يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولا معروفا، وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى) (٨).

والآية تحتوي على مجموعة من الحقائق التي يجب الوقوف على دلالاتها:

١ - تخيير نساء النبي بين إرادة الدنيا وزينتها التي يترتب عليها الطلاق أو إرادة الله ورسوله والدار الآخرة.

وهي حقيقة تبين نوعية الزواج النبوي. أنه زواج يفترض أن يكون في خط الله، ومنقطعا إليه. فإما هذه الوجهة، وإما الطلاق، وهذا حق لهم لم يبخسه القرآن.

(٨) - الأحزاب آية، ٢٨ - ٢٩ - ٣٠ - ٣١ - ٣٢ - ٣٣.
٣٤١
٢ - إن الله أعد للمحسنات منهن أجرا عظيما. ولم يذكر مطلق نسائه.

فالمسألة مشروطة بالإحسان. أي العمل الصالح. وبالتالي يترتب عليه بمقتضى المفهوم بالمخالفة، إنه ليس ثمة أجر عظيم لغير المحسنات منهن.

٣ - وإنه أنذر من تأت منهن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين.

وذلك على الله يسير. وفي هذا دلالات يجب الافصاح عنها. فالإنذار بمضاعفة العذاب، هو مقتضى العدل، لأن الضعف يتسع أيضا للإحسان. وذلك أيضا لمكانتهن من الرسول صلى الله عليه وآله ثم يتحدث القرآن عن الفاحشة. وهذا دليل على أن من بين زوجات النبي صلى الله عليه وآله من قد تأتي بالفاحشة. غير أن الفاحشة هنا لها مدلول خاص. فالفاحشة بالمعنى المسقط للسمعة، كالزنا - والعياذ بالله - غير وارد في حق زيجات النبي صلى الله عليه وآله بإجماع المسلمين شيعة وسنة.

وتشمل كلمة - فاحشة - بالتالي كل المعاني الأخرى التي لا تمس شخصية الرسول صلى الله عليه وآله.

٤ - وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى وهو أمر إلهي لنساء النبي صلى الله عليه وآله للزوم البيوت وحرمة الخروج. وضرب القرآن لهن مثلا، بزوجات الرسل والأنبياء السابقين:

(ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا النار مع الداخلين) (٩).

أما عائشة فماذا؟.

لقد كانت مصدر قلق وإزعاج للرسول صلى الله عليه وآله مزعجة مشاغبة كادت تشيبه قبل المشيب.

روى حمزة بن أبي أسيد الساعدي عن أبيه وكان بدريا قال:

(٩) - التحريم / آية: ١٠.
٣٤٢
تزوج رسول الله أسماء بنت النعمان الجونية، فأرسلني فجئت بها، فقالت حفصة لعائشة: اخضبيها أنت! وأنا أمشطها! ففعلتا. ثم قالت لها أحداهما:

إن النبي صلى الله عليه وآله يعجبه من المرأة إذا دخلت عليه أن تقول:

أعوذ بالله منك! فلما دخلت عليه وأغلق الباب وأرخى الستر مد يده إليها فقالت: أعوذ بالله منك. فقام رسول الله صلى الله عليه وآله وكمه على وجهه فاستتر به، وقال: عذت بمعاذ ثلاث مرات، ثم خرج إلى أبي أسيد فقال يا أبا أسيد ألحقها بأهلها ومتعها برازقيتين يعني كرباسين.

(وطلقها) فكانت تقول:

ادعوني الشقية. قال ابن عمر قال هشام بن محمد فحدثني زهير بن معاوية الجعفي: إنها ماتت كمدا) (١٠).

ومما ورد عنها، من إزعاج الرسول صلى الله عليه وآله ما أخرجه البخاري في تفسير سورة التحريم عن عائشة.

قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وآله يشرب عسلا عند زينب بنت جحش.

ويمكث عندها. فتواطأت أنا وحفصة على أيتنا دخل عليها فلتقل له أكلت مغافير؟ قال: لا ولكن أشرب عسلا عند زينب بنت جحش، فلن أعود له لا تخبري بذلك أحدا " وفي ذلك أنزل الله في القرآن:

(يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك) (١١).

فالله الذي بعث محمدا نبيا، لم يشأ له الشقاء (طه، ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى)، كيف لا يرفع الحرج والعسر على نبيه، وقد فرض على نفسه شيئا ابتغاء مرضات عائشة وتجنبا لإزعاجها.

(١٠) - الحاكم في ترجمة أسماء بنت النعمان من الجزء ٤ من المستدرك. وأورده ابن سعد في الطبقات ج ٨ وكذا أخرجه بن جرير.

(١١) - التحريم، آية ١.

٣٤٣
وذكر صاحب الأحياء قولها للرسول صلى الله عليه وآله (أنت الذي تزعم أنك نبي الله) (١٢).

وخاصمت النبي صلى الله عليه وآله يوما إلى أبي بكر: فقالت: يا رسول الله اقصد - أي اعدل - فلطم أبو بكر خدها وقال: تقولين لرسول الله اقصد. وجعل الدم يسيل من أنفها (١٣).

وما إلى ذلك مما ورد فيها، ويضيق عنه المقام. ككسرها الأواني في بيت الرسول صلى الله عليه وآله أثناء غضبها وما إلى ذلك مما ورد في آثار السنة. وحسبنا ما روته هي عن نفسها قالت:

(كان رسول الله صلى الله عليه وآله لا يكاد يخرج من البيت حتى يذكر خديجة، فيحسن الثناء عليها فذكرها يوما من الأيام فأدركتني الغيرة فقلت: هل كانت إلا عجوز فقد أبدلك الله خيرا منها، فغضب حتى أهتز مقدم شعره من الغضب، ثم قال:

لا والله ما أبدلني خيرا منها، آمنت بي إذ كفر الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس وواستني في مالها إذ حرمني الناس ورزقني الله منها أولادا إذ حرمني أولاد النساء " (١٤).

لقد نزل القرآن موبخا لها في هذا السلوك:

(إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما وإن تظاهرا عليه (أي على النبي صلى الله عليه وآله) فإن الله مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير، عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات ثيبات وأبكارا) (التحريم ٤ - ٥).

ولم تكن هي أفضل زوجات الرسول صلى الله عليه وآله بنص ما سبق. فقد جاء في

(١٢) - إحياء علوم الدين الغزالي، كتاب آداب النكاح.

(١٣) - بإسناد عن عائشة، أورده صاحب الكنز، والغزالي في آداب النكاح.

(١٤) - الإستيعاب لابن عبد البر المالكي، ومسند أحمد بن حنبل، أسد الغابة، الإصابة لابن حجر وكذلك ذكر البخاري بلفظ آخر ومسلم والترمذي.

٣٤٤
الحديث، أوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله أن يبشرها - أي خديجة - ببيت لها في الجنة من قصب " (١٥).

وقوله صلى الله عليه وآله خير نساء العالمين أربع: مريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد " (١٦).

كان الرسول صلى الله عليه وآله يتفرس فيها الفتنة، وعلم أنها ستحدث بعده فقال لهن مرة:

" ليت شعري أيتكن تنبحها كلاب الحوأب " (١٧).

ولقد نبحتها تلك الكلاب - شرف الله قدركم - يوم الجمل.

ولم يكتف الرسول صلى الله عليه وآله بذلك، بل أكد مرارا وتكرارا على خطورتها، وهو لا يزال على قيد الحياة. فلقد وقف صلى الله عليه وآله مرة خطيبا فأشار نحو مسكن عائشة فقال:

هاهنا الفتنة ثلاثا من حيث يطلع قرن الشيطان (١٨).

وفي لفظ مسلم " خرج رسول الله من بيت عائشة فقال: رأس الكفر من هاهنا من حيث يطلع قرن الشيطان ".

غير أن حجب كثيفة منعتنا من الكشف عن الحقيقة هو أن عائشة راوية حديث يكاد حديثها يسود كل أسفار العامة والواقع إن ذلك كله تضخيم للواقع، وقد عمد الأمويون على التكثير من أحاديث عملائهم ورموزهم وأتباعهم مثل أبي هريرة. وكانت عائشة ممن وقف معهم ونادى من بعد ذلك مطالبا بدم عثمان، وممن شاركهم في أذى البيت الهاشمي، ومنعت استجابة لمروان أن يدفن الحسن

(١٥) - صحيح البخاري، صحيح مسلم، صحيح الترمذي، تذكرة الخواص للسبط بن الجوزية.

(١٦) - الإستيعاب لابن عبد البر، أسد الغابة، الإصابة لابن حجر.

(١٧) - الحديث مشهور، ذكره صاحب العقد الفريد، والطبري في التاريخ والإستيعاب لابن عبد البر، وتذكرة الخواص للسبط بن الجوزي.

(١٨) - صحيح البخاري كتاب الجهاد والسير، باب ما جاء في بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وآله.

٣٤٥
قرب جده في بيتها.

التكثير من ذكر عائشة وأخبارها، ليس إلا صناعة اعتادها المؤرخون، من الطريف ما ذكره صاحب شرح الملحمة التترية لأحمد بن منير الطرابلسي.

حيث فند كذبة، كون عائشة روت كل هذا الكم الهائل من الأحاديث، فيذكر أن ما اشتهر عند أهل السير هو أن عائشة بنى عليها الرسول صلى الله عليه وآله وهي " ٩ سنوات، بينما بلغ حديثها " ألف حديث ويزيد فكيف تكون العملية؟.

لقد بنى عليها وهي بنت ٩ سنوات ثم مات عنها وهي بنت ١٨ سنة.

فتكون حياتها مع النبي صلى الله عليه وآله ٩ سنوات.

ومعلوم أن الرسول صلى الله عليه وآله كانت تحته ٨ نساء وهي تاسعتهم، وبمقتضى العدل بين النساء يكون لها يوم كامل من كل ٩ أيام و ٩ سنوات من حياة عائشة مع النبي صلى الله عليه وآله موزعة على (٩) من نسائه.

بالإضافة إلى أنه يقضي معظم نهاره في شؤون المسلمين بالمسجد الجامع وجزءا كبيرا من ليله في التهجد والعبادة، ثم لا بد له من الراحة (كبشر).

وعليه، فلا يمكن أن يتجاوز حديث الرسول صلى الله عليه وآله مع عائشة أكثر من ١٠٠ ساعة، وإذا افترض أنه حدثها خلال كل ساعة (١٠) أحاديث وهذا غير وارد، إذ أن الرسول صلى الله عليه وآله كان طويل الصمت، وصمته أكثر من كلامه، فيكون المجموع عندئذ (١٠٠٠٠) وفي هذا مبالغة.

وإذا أضفنا (١٠٠٠٠) حديث أخرى، بمقتضى إن السنة هي قول وعمل وتقرير، وهي إضافة مبالغة فسيكون المجموع (٢٠٠٠٠) في أقصى الحدود.

فأين هذا العدد من (٤١) ألف حديث لعائشة.

ويلخص صاحب الملحمة، عمليته كالتالي:

(لعائشة ٩ سنوات في بيت الرسول ولها من هذا العدد سنة واحدة فقط) لأنها تعيش مع (٨) ضرات والسنة تساوي ٣٦٥ يوما واليوم يساوي أربعا وعشرين

٣٤٦
ساعة) وحاصل ضرب (٣٦٥ في ٢٤ = ٨٧٦٠ ساعة) ينقص نصفها وهو النهار لوجوده في المسجد.

و (٣ / ٤ ثلاثة أرباع من الليل للعبادة والراحة) فألف ساعة نصيب وافر جدا قد فرضناه لحياتها معه - أي للتحدث معها " (١٩).

هذه هي عائشة أم المؤمنين، كيف نجمع بين النقيضين كيف دخلت المعركة مع يعسوب المؤمنين؟.

لدي وجهة نظر قوية الدلالة، فعائشة زوج النبي صلى الله عليه وآله كانت مخطئة في حربها مع علي (ع) هذا ما لا يشك فيه أحد. لأنها لم تتمالك نفسها أمام فرصة تسنح لها، لتصفية حسابها - كامرأة غيورة - مع عدو لها لدود استبد بأوقاتها مع النبي (ص) الزوج - ودفعه المبدأ الصارم إلى حل مشكلة الإفك باقتراح الطلاق، وذلك من أجل قضية الرسول الرسالية فلم يراع في ذلك شعور عائشة - المرأة - الغيور، وما يمكن أن يتركه هذا التصرف في امرأة خاصمة وكسرت الأواني في البيت وساهمت في خداع نساء النبي صلى الله عليه وآله، ليعرض عنهن.

كل ذلك غيرة! والمؤرخون، هم الذين خلعوا عليها قداسة زائدة، ورأوا في نزوعها ذاك، اجتهادا دينيا أضافوه إلى شريعة محمد صلى الله عليه وآله.

واستمر الإمام علي (ع) في طريق نضاله العقيدي، لا تشغله سفاسف الصغار. في مثل هذه الفرص، تقدم عائشة دليلا على غيرتها الكبرى التي ليس بعدها مبرر أقوى لمحاربة كتلة من المسلمين على رأسهم علي بن أبي طالب (ع) فهذا الأخير إذا حكم، وعائشة موجودة إذا سينفذ النص وسيكون كالنبي صلى الله عليه وآله الذي لم تكن عائشة تقدر على تليينه، لأنه زوجها أولا، وثانيا لأنه مدعوم بالوحي مباشرة، ولأنه ثالثا زجرها بالوحي أكثر من مرة أرادت أن تتظاهر عليه.

(١٩) - رؤوف جمال الدين: شرح الملحمة التترية لأحمد بن منير الطرابلسي؟ مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، لبنان ص. ب ٧١٢٠. أقول: والمرأة التي تكذب على النبي صلى الله عليه وآله حسب ما أوردنا، ونزول القرآن فيها، أليست مستعدة للكذب على الناس الذين هم دونه بلا شك.
٣٤٧
كتاب لقد شيعني الحسين (عليه السلام) للكاتب إدريس الحسيني (ص ٣٤٨ - ص ٣٧٥)
٣٤٨
٣٤٩

أيديولوجيا المنطق السلفي

هناك في الفكر السلفي ما يقمع وما يوجه الأمة وثقافتها، القمع الذي تعززه ب‍ (إذا ذكر صحابي فأمسكوا).

والتوجيه الذي تبرره ب‍: (أصحابي كالنجوم، بأيهم اقتديتم اهتديتم).

والمفهوم النهائي من ذلك كله هو أن تتبع محددات، دون معرفة.

وعندما نفهم الإسلام، بعيدا عن التوجيه الأيديولوجي السلفي. نفهم أن الهدف منه هو إثارة عقل الإنسان. لكي يمارس حياته بوعي، وليقوم بدوره الديني على يقين.

ولا أعتقد أن الإسلام الذي جاء ليعلم الناس الحكمة والعلم، أن يضع الأغلال على المسلمين، ويربطهم بأشخاص مجهولين، ثم يمنع هؤلاء الناس من البحث عن سيرتهم الحقيقية في التاريخ.

وليس في القرآن قدوة، غير الرسول صلى الله عليه وآله ومن نص عليهم. أما الصحابة، فقد كانوا هم موضوع الرسالة.

ونلاحظ أن في الأمر بالإمساك عن ذكر أصحاب الرسول صلى الله عليه وآله - مهما أحدثوا - إيحاء بالعصمة لهم. وهذا خلاف لما جاء به الإسلام، فإذا لم يخضع هؤلاء إلى معادلة الجنة والنار. فمن يخضع لها إذا.

٣٥٠
وليس من المنطقي أيضا، أن يكون كل أصحاب الرسول كالنجوم. وإلا فإن من هدى معاوية أن قاتل عليا (ع) ونهب الأمة، وأحدث فيها ثم جعلها في النهاية ملكا عضوضا. وأن عمرو بن العاص باع دينه ليشتري به دنياه، وأن أبا هريرة لم يكن يجسد سيرة الإسلام، وهو يخالف الحق من أجل إشباع بطنه.

ثم ما حدث بين هؤلاء الصحابة دليل على أنهم ليسوا جميعا نجوما.

وهذا الخطاب، ليس خطابا لنا وحدنا، بل هو بالدرجة الأولى، خطاب موجه لهؤلاء المعاصرين له - الذين أطلق عليهم السنة جميعا، اسم الصحابة - وهذا دليل على أن الصحابة الذين يعنيهم النص - مع افتراض صحته - ليسوا إلا فئة معينة ضمن هذا القطيع الواسع من المعاصرين للرسول صلى الله عليه وآله.

وكنت ألاحظ تلك السطحية في عقلية العامة بخصوص تحديد مفهوم (الصحابي) وكل ما قالوا عنه مجرد تبريرات وهمية لا ترقى إلا سمو الإقناع. يقول (أنور الجندي) في رده على (عبد الرحمن الشرقاوي، في مسرحية الحسين شهيدا) (٢٠): شهد الباحثون الذين راجعوا القصة (..) أن الأصابع الحمراء تشوه حقائق التاريخ الإسلامي وتشهر بالصحابة الأجلاء.

ثم لم يوضح كيف أساء إلى الصحابة. واقتصر على (وتشهر بالصحابة الأجلاء) لاستعطاف الوجدان العامي، من دون اللجوء إلى أساليب إقناع موضوعية. ثم قال:

تردد في المسرحية تشهير بجماعة من أصحاب الرسول صلى الله عليه وآله وهم قدوة لنا وقد نوه الرسول صلى الله عليه وآله بمكانة أصحابه في أكثر من حديث شريف ومن واجبنا أن نبرز مفاخرهم ونركز عليها ونهتم بها وألا نطيل الوقوف أمام ما نسب إليهم من خلاف أو أخطاء).

ولا زلنا ننتظر من مفكر العامة أن يفصح عن كيفية هذا التشهير ولم يبين للذين يكتب لهم، ماذا قال (الشرقاوي) وأين أخطأ بل اقتصر على وجوب إبراز مفاخر

(٢٠) - إعادة النظر في كتابات المصريين في ضوء الإسلام. دار الاعتصام.
٣٥١
الصحابة ونركز عليها ونهتم بها.

- كما لو نركز على أن الرسول أخطأ وأصاب عمر - ولا نطيل الوقوف أمام ما نسب إليهم من خلاف أو أخطاء - كما لو لم نطل الوقوف أمام مقتل الحسين - لسواد عين يزيد والعامة.

واستمر كذلك (الجندي) في كلماته المطاطة التي لا تحتوي مضمونا عقلانيا يحمل مظهرا من مظاهر الإقناع. وهذه الضبابية في تحديد المفاهيم عند العامة، ليست من مسؤولية الجندي، بل هي كانت في صميم البنية المذهبية للعامة.

قصة طريفة:

من القصص التي حدثت لي يوما وعرفت من خلالها مدى تقديس الصحابة عند العامة تقديسا يفوق قدسية الرسول صلى الله عليه وآله نفسه من حيث لا يشعرون. جاءني واحد من المثقفين، والمتوجهين إلى دراسة الفكر السلفي. ورتب معي موعدا للحديث عن ملابسات السقيفة.

وعندما بدأنا حوارنا. كان يحاول أن يفتح لي في كل مرة بابا في النقاش، ليبرر به موقف عمر بن الخطاب، غير أنني كنت أعرف مسبقا - وبحكم التجربة - أي باب يريد أن يفتح، ثم أصده في وجهه. وكان هدفه أن يبرئ عمر من أي خطأ مهما كانت النتيجة. وكنت أحاول أن أوضح له موقف الرسول صلى الله عليه وآله من قضية الإمامة مهما كلفت نتيجة ذلك، ولو بخسران واحد من الصحابة. ولما رأى أن الأبواب كلها انغلقت عليه. وألفى (النص) لدى كل باب يريد فتحه.

قال بكل ابتذال: إذا لو كنت في ذلك الموقف، لاتبعت عمر وتركت الرسول صلى الله عليه وآله لأن عمر رأى المصلحة في ذلك، بدليل أن خلافته كانت كلها عادلة.

قلت له: أنا لا أريد أن استعرض أمامك حقيقة العهد العمري في الخلافة ونقاط الاستفهام المبهمة في فترة خلافته. غير أن الأساسي هنا، هل أنت مستعد

٣٥٢
لاتباع عمر وترك الرسول.

وهل الرسول يقارن بعمر. وهل (رأي) عمر أصوب من (وحي) محمد.

قال: المهم، إن الرسول صلى الله عليه وآله أمر في حديث له أن نتبع عمر.

هذا هو الموقف الذي يحسه كل عامي في نفسه. وكلما صدت في وجوههم الأبواب، كشفوا عن هذه الحقيقة، لأن الفكر الأساسي الذي يقوم عليه اعتقادهم، هو فكر مضبب.

، ليس عند أي (عامي) فكر متناسق عن كل القضايا التي تعرضنا لها، سوى ركام من التبريرات الأدبية، المطرزة بالحوقلات والتهليلات.

٣٥٣

ليس كل الصحابة عدول

تحرم الشريعة الإسلامية (التقليد) في الاعتقاد. ذلك لأن العقيدة لا تورث بل تبحث فهي قناعة واستيعاب.

وإذا أردنا أن نبحث في قضية الاعتقاد نحتاج إلى التاريخ أي إلى الأرضية الزمنية التي تحرك فيها الاعتقاد الإسلامي ككل. وسنضطر حتما إلى بحث الموضوع (الصحابي) فيكون البحث عن الصحابي جزءا لا يتجزأ من بحث الاعتقاد. لأن لهذا وذاك علاقة تاريخية لا بد من فرزها.

وعندما نبحث في الصحابي، كضرورة لبحث الاعتقاد، سنصطدم بمجموعة العورات والانحرافات.

وهذا الانحراف لا يعني تعرضا للصحابي، بقدر ما يعني الوصول إلى الحقيقة، والذي يبحث عن الاعتقاد الصحيح غير الملفق، يلزمه عدم تغطية تلك الانحرافات وعدم تبريرها.

ذلك مثلا. يحاول البعض أن يغطي عن أبي هريرة، ويعتقد بأحاديثه الداعية إلى الجبر ولا يمكن فهم هذا الانحراف إلا بالكشف عن انحراف أبي هريرة).

كما أن وضع الصحابي تحت المجهر التاريخي، لا يعني بالضرورة (سبا) للصحابي.

٣٥٤
وفي حديث (لا تسبوا أصحابي) لفتة يجب الوقوف عندها.

أولا: لا تسبوا أصحابي، لا علاقة له بالبحث التاريخي الموضوعي عن الصحابي.

ثانيا: إن هذا الحديث كما ورد في مرويات السنة، جاء كتوبيخ لخالد بن الوليد لما تعرض لعمار بن ياسر وسبه. فقال الرسول صلى الله عليه وآله لخالد: لا تسبوا أصحابي.

فالكلام موجه لخالد، وهو دليل على أن خالدا ليس صحابيا بمفهوم الحديث.

وأن صحابة الرسول صلى الله عليه وآله ليسوا هم الذين عاصروه وصلوا وراءه. بل هم فئة خاصة.

وإذا تبين أن الصحابة، كانوا أكثر اختلافا في عهد رسول الله وأكثر تمردا عليه في بعض المواقف، سوف نفهم تبعا لذلك طبيعة انحراف بعضهم، بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله.

٣٥٥

بعض الصحابة، سيرتد بالنص

روى الحميدي في الجمع بين الصحيحين في مسند سهل بن سعد، والحديث الثامن والعشرين من المتفق عليه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول (أنا فرطكم على الحوض، من ورد شرب ومن شرب لم يظمأ، وليردن علي أقوام أعرفهم ويعرفونني، ثم يحال بيني وبينهم) (٢١).

وجاء في الصحيحين البخاري ومسلم عن عبد الله بن عباس، قال: ألا إنه سيجاء برجال من أمتي، فيؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول: يا رب أصحابي؟

فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول كما قال العبد الصالح: وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم، فلما توفيتني كنت الرقيب عليهم، وأنت على كل شئ شهيد. إن تعذبهم فإنهم عبادك، قال: فيقال لي: إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم.

وروى البغوي في المصابيح، كما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما:

قال الرسول صلى الله عليه وآله أنا فرطكم على الحوض، من مر علي شرب، ومن شرب لم يظمأ أبدا، وليردن على أقوام أعرفهم ويعرفونني، ثم يحال بيني وبينهم، فأقول:

(٢١) - صحيح البخاري ومسند أحمد.
٣٥٦
إنهم أمتي؟ فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك فأقول:

سحقا سحقا لمن غير بعدي.

وقد روي هذا الحديث بطرق مختلفة وأسانيد شتى، واكتظت به صحاح السنة، وهذا كلام صريح على بطلان مقولة (كلهم عدول) ما دام الكثير منهم بشاهدة النص، سيدخلون النار!.

أما القرآن الكريم وهو المصدر الأول للمعرفة الإسلامية، يعلمنا أن الصحابة ليسوا كلهم عدول بل فيهم من يستحق العذاب.

تحدث القرآن عن الصحابة يوم حنين وإعجابهم بكثرتهم ظانين أنها ستغني عنهم شيئا:

(ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا، وضاقت عليكم الأرض بما رحبت، ثم وليتم مدبرين) (التوبة: ٢٥).

ويذكر صاحب التفسير الكبير والآلوسي وصاحب الدر المنثور. أن الكثير من الصحابة ولوا مدبرين، تاركين الرسول صلى الله عليه وآله وراءهم بين يدي العدو وكل ذلك طمعا في البقاء وهذه الآية ليس فيها (نظر) حتى يحاول العامة تحريفها أو نفيها مع وضوحها وقطعها في انكسار الكثير من الصحابة وفرارهم في الزحف.

وكان من الصحابة من يتهم الرسول صلى الله عليه وآله في الصدقات، كما جاء في صحيح البخاري والدر المنثور: أن أناسا من الأنصار قالوا يوم حنين، حيث أفاء الله على رسوله من أموال هوازن ما أفاء وطفق رسول الله صلى الله عليه وآله يعطي رجالا من قريش المائة من الإبل، فقالوا: يغفر الله لرسول الله، يعطي قريشا، ويتركنا، وسيوفنا تقطر من دمائهم.

وقال تعالى: (ومنهم من يلمزك في الصدقات) (التوبة: ٥٨).

وروى الحميدي في الجمع بين الصحيحين وابن ماجة في سننه عن عائشة عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال:

٣٥٧
إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: إذا فتحت عليكم خزائن فارس والروم أي قوم أنتم؟ قال عبد الرحمن بن عوف: لكن كما أمرنا الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله أو غير ذلك، تتنافسون، ثم تتحاسدون، ثم تتدابرون، ثم تتباغضون).

هؤلاء هم الصحابة كما عرفهم العامة من دون محددات تضبط مفهوميتهم.

ولذا يجب أن نتحلى بروح الشجاعة، جريئة، أي بنفسية مهذبة سليمة غير متشنجة، تقتضي التضحية ببعض التقديسات التي هي في الأصل، عين الأزمة).

غابت الأزمة، وكان من المفروض أن لا تغيب عن المنقب ولكن السبب الرئيس لغيابها وتعسرها، أن المؤرخ المتشنج يبحث عنها بعيدا عن جذورها، في الوقت الذي تكمن المشكلة في ذات الأشخاص الذين تربطه بهم رابطة غيبية مقدسة لها مشروعيتها في نفوسهم أكثر مما هي في (النص)!!.

٣٥٨
٣٥٩

مفهوم الإمامة

سأنطلق هنا من نقطة لدي فيها وجهة نظر تاريخية، هي إن نظرية الإمامة والخلافة، تبلورت بشكل أكثر دقة عند الشيعة منه عند السنة. والسبب في ذلك راجع إلى، أن مواقف الخلفاء تناقضت في ممارسة (الإمامة) وتعاطت، بأشكال مختلفة ومتناقضة، مع مسألة الخلافة.

فالمفهوم الشوري الذي يتسع في المنظور السني إلى مسألة الخلافة، لم لكن ثابتا سواء في فكر السنة أو ممارساتهم.

ففي النص السني، تتوزع مسألة الخلافة بين البعد الشوري والبعد التنصيبي، بالقياس على نص (مروا أبا بكر فليصل بالناس) وكانت هذه الأخيرة هي شعار (السقيفة)!.

بينما ظلت المسألة ثابتة في الفكر الشيعي منذ البداية فهي الخلافة بواسطة (النص) وفي حدود - بني هاشم) وكان لهذا الثبات المفهومي، الفضل في انتصارات الشيعة، الكلامية، على خصومهم، مستفيدين من الشرخ الحاصل لدى العامة في نظرية الإمامة، والتنوع والتناقض الذي حكم قضية الخلافة في الفكر السني.

لقد تبلورت المواقف بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله بشكل سريع. بحيث لم تبق فرصة للهاشميين في إبداء رأيهم.

٣٦٠