×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

لقد شيعني الحسين (ع) الإنتقال الصعب في المذهب والمعتقد / الصفحات: ٣٦١ - ٣٨٠

استغل أصحاب الرأي، غباء العامة في السقيفة - أي الرعاع، وأرهبوا - الخاصة مثل سعد بن عبادة، وعمار و.. والهاشميين - هذا يعني أن الأمر كان معدا سلفا ومسبقا.

والهاشميين كانت لديهم منذ البداية نصوص قاطعة.

والسقيفة، مؤتمر قائم أساسا على مخالفة النص. لأنه لو أطيع أمر الرسول صلى الله عليه وآله في تجهيز. جيش أسامة. لما كانت لهم فرصة في إقامة مثل هذه المؤتمرات. وعندما يقول الرسول (لعن الله من تخلف عن جيش أسامة) يترتب عليه، أن اللعنة على ما قام على لعنة (التخلف عن جيش أسامة). بمعنى أن السقيفة قائمة على (اللعنة). وإذا أردنا أن نخضعها لأسلوب الأحكام. فإن كلمة الرسول صلى الله عليه وآله تثبت أن الأمر واجب، وأن التخلف عنه حرام. وما دامت السقيفة قائمة على حرمة التخلف عن جيش أسامة، ترتب عليه حرمة السقيفة، وذلك من باب أن المبنى على الحرام حرام!.

قلت إن الإمامة عند أهل السنة، خاضعة للمزاج والرأي، ولم تكن لهم فيها نظرية وحتى (قاعدة) الشورى التي تحدثوا عنها لم تكن (مؤسسة) يومها. بل كل ما في الأمر، وضعها اللاحقون. أما المسألة في واقعها التاريخي، كانت تتأرجح بين أشكال من (التنصيب) ونحن هنا سنعرض وجهة نظر كل من الشيعة والسنة في مسألة الخلافة. لنقف على الثغرات التي تحتوي عليها ووجهة النظر العامية حول المسألة:

أهل السنة، والخلافة:

مع أن الخلافة في واقعها التاريخي، لم تكن متبلورة في شكل نظرية عند أهل السنة، إلا أن المتأخرين منهم استطاعوا أن يضعوا لها مبررات فكرية بسيطة ومحدودة.

يعتقد أهل السنة، بأن الخلافة، شأن من شؤون الدنيا، يتحقق بالاتفاق.

وحيثما ورد الاتفاق تجب البيعة. ولم يعتبروها من أصول الذين، فهي إذن من فروعه، وشذت بعض مذاهبهم، إذ جعلتها غير واجبة، وبأن السقيفة كانت نموذجا للشورى. من دون أن يركزوا على ملابساتها. ويستندون إلى قوله تعالى:

٣٦١
(وأمرهم شورى بينهم).

ولم يشترط السنة العصمة في الإمام. بل وجوزوا إمامة الفاسقين. وأوجبوا الطاعة مع الفسق يقول الباقلاني في التمهيد: قال الجمهور من أهل الإثبات.

وأصحاب الحديث: لا ينخلع الإمام بفسقه وظلمه، بغصب الأموال، وضرب الأبشار، وتناول النفوس المحرمة، وتضييع الحقوق وتعطيل الحدود، ولا يجب الخروج عليه.

ولا يشترط السنة (الأفضلية) في الإمام. فقالوا بجواز تقديم المفضول على الأفضل. والواقع، هو أن المفهوم الذي (فبركه) أهل السنة عن الخلافة، إنما كان استقراء لوضع فاسد، هو (السقيفة). فمن الأمر الواقع الذي جرى فيها، استقرأوا مفهوم الشورى وعدم النص... ومن الفساد والفسق الذي أحصاه التاريخ على بعض الخلفاء، أن ارتأى الابقاء على الخليفة الفاسق! وأي عاقل، يملك وجدانا سليما، ووعيا بالدين عميقا. يمكنه هضم هذه المحددات التي وضعها السنة للخلافة.

مبعث الإمام عند الشيعة

لما كانت الإمامة ضرورة لتنظيم حياة المسلمين وفق أحكام الله، حيث بها يستقيم. أمر المسلمين، دنيا وآخرة. عدها الشيعة أصلا من أصول الدين. وعليه فإنها تعتبر من الأمور التوقيفية التي يحددها البارئ جل وعلا. تماما مثلما النبوة.

أمرا توقيفي منوط باختيار الله عز وجل لأنها تشكل ضرورة لهداية الناس. وما دامت الإمامة هي الامتداد الشرعي للنبوة فإنها تبقى خارج دائرة الشؤون التي يبت فيها الناس. والإمامة ليست شأنا من شؤون الدنيا فقط. بل شأن من شؤون الآخرة أيضا وعليه، فإن الإمامة تخضع لمجموعة شروط، تنسجم مع هذا الشأن.

وحيث إن الشأن الأخروي يتطلب الصفات الفاضلة والعليا. فإن البشر عاجزون عن اكتشاف الأجدر في هذا الشأن. أو قد تحول دونهم وذلك عوامل أخرى نفسية وسياسية، كما جرى في التاريخ الإسلامي. ولو كان الأجدر في هذا

٣٦٢
الشأن يدرك مباشرة، لخول الله للبشر اختيار الرسل والأنبياء، والقرآن قد تحدث عن طبيعة المقاييس التي كان يملكها المشركون في اختيار جدارة النبي صلى الله عليه وآله فكانوا يرون مشيه في الأسواق وأكله الطعام، ينافي النبوة. كما رأوا في فقره ويتمه ما ينافي مقام الرسالة، وقالوا لولا ورد علينا رجل من القريتين عظيم، ولو أنزل الله علينا ملكا و. و..

وبسبب قصور المقاييس وضبابية المنظار الذي كان ينظر منه الإنسان إلى النبوة. كان من الطبيعي أن يستأثر الله باختيار أنبيائه. ونفس الشئ لما رأى بنو إسرائيل في اختيار الله للملك طالوت ما لا ينسجم مع مقاييسهم لمفهوم الملك فقالوا: (أنى يكون لنا الملك علينا ونحن أحق بالملك منه)، وهناك أسباب كثيرة، عقلية وشرعية، تجعل من هذا الاختيار أمرا مستحيلا:

١ - إن الدين شأن من شؤون الله. وإن الأجدر دينا، لا يمكن إن يكتشفه من هو دونه. ولذلك يلزم أن يختاره الله.

٢ - إن الناس قد يرفضون الإمام لعدله وتقواه إذا أدركوا عدم ركونه إلى أهدافهم. وقد يختارون من يرون فيه لينا وانكسارا. وقد يميلون مع من يكسرهم إليه بالقوة. وتاريخ الخلافة كما سبق ذكره، كان دليلا قاطعا على ذلك.

٣ - إن رسالة الرسول كما تركها، لا يمكنها حل مشكلات الناس في كل الأزمنة والعصور. وهي تحتاج إلى من يستخرج منها الأحكام، ويوفر لكل مشكلة حلا فقهيا حاسما. ولذلك يلزم أن يعين الله من هو أجدر بهذه المهمة حتى لا تبقى على الله حجة للذين لم يعايشوا الرسل. والمستوعب للأحكام الفقهية اليوم، يدرك أنها تكاد تخلو من الحسم، وليس من العقل، أن يترك الله دينه، لرأي من يختارهم الناس، على قصورهم. ولعل كل هذه التناقضات دليلا على الفراغ الذي تركته الإمامة في حياة المسلمين.

وحيث إن الإمام هو لطف من الله، يوجه الناس إلى طريق الطاعات، وينهاهم عن سلوك المعاصي ويقضي للمظلوم وينتصر من الظالم. ويقيم الحدود والفرائض، ويصدر الأحكام في المفسدين. فلو جاز أن يعصي - لكان هو

٣٦٣
بالأحرى في حاجة إلى إمام يرشده ويوجهه إلى الطاعة ويقيم عليه الحد في الأمور التي قد يعصي فيها. وذلك كله على خلاف أهل السنة الذين لا يرون مانعا من تجويز، إمامة الفاسق كما تقدم. وإذا كان من لطفه أن بعث للناس نبيا معصوما عن الصغائر والكبائر. لا ينطق عن الهوى، يعلمهم الكتاب والحكمة. ويقضي بينهم ويحملهم على الطاعات. كان إذا من لطفه أيضا أن يترك للناس إماما معصوما لا يخطأ في الأحكام، ولا تجوز عليه المعاصي.

وإذا لم يكن الإمام معصوما، جاز له أن يضل الأمة في لحظة جهله وعصيانه، وكان أبو بكر يقول فيما اشتهر عنه: إن لي شيطانا يعتريني.

فإذا احتاجت الأمة إليه في اللحظة التي يعتريه فيها الشيطان. فمن المؤكد أن يضلها، ولم يبق الإمام عندئذ حجة لله على العباد. ولكان هو في تلك اللحظة في حاجة إلى من يحمله على الطاعة، أي إلى إمام آخر. وإذا جاز لهذا الأخير أن يخطأ أيضا، احتاج إلى إمام آخر. ويبقى هذا التسلل ساريا إلى لا نهاية. وهذا يناقض اللطف، لأن في التسلسل، تكرارا لنفس الثغرة، وهي جواز المعصية على الإمام وهذا يأباه البناء العقلائي، والعصمة هي أن يرتفع الإمام عن الدنايا، والامتناع عن إتيان كل القبائح عمدا وسهوا وعلى طول حياته.

لأنه لو جاز عليه أن يعصي الله في الصغيرة كيف يمتنع عن إتيان الكبيرة. وإذا كان يجهل صغيرة في الشريعة، فكيف يتسنى له الحكم في القضية التي تعرض عليه.

وإذا جاز عليه القصور في الأحكام والجهل ببعضها، علما أن الموضوعات والمسائل لا تتحدد بالعدد، ولا بالمكان والزمان. لم يكن بينه والجاهل الذي يعرض عليه المسألة، فرق في إدراك تلك المسألة. فتنتفي الحجة. وقد أورد لنا التاريخ نماذج من المسائل التي عجز الخلفاء عن حلها. واعترفوا بعجزهم. أو قالوا فيها بغير علم وخالفوا الشريعة.

وحيث إن الإمام هو أعلى مستوى في الأمة، من حيث المهمة الشرعية. كان ضروريا أن يكون هو الأفضل على كل المستويات. خلافا للسنة الذين رأوا جواز

٣٦٤
إمامة الفاسق مع وجود الفاضل، وهو تجويز لا سند له من الشرع والعقل، بقدر ما هو تبرير الحالة الاستخلافية التي شهدها التاريخ الإسلامي. فهي فكرة مستوحاة من واقع لا أساس له من النص.

غير أن ضرورة إمامة الأفضل تبقى هي النظرية الموضوعية المنسجمة مع العقل والشرع. فالعقل يستقبح انقياد الأعلم لمن هو دونه، والأشرف إلى من هو دونه ودواليك.

والشرع ينهى في غير موقع عن هذه الفكرة: (هل يستوي الذي يعلمون والذين لا يعلمون، إنما يتذكر أولو الألباب) (الزمر ٩).

وقال: (أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أم من لا يهدي إلا أن يهدى، فما لكم كيف تحكمون) (يونس ٣٥).

وإذا نظرنا في نظرية الإمامة عند الشيعة، وجدناها ترتكز على هذه الأسس الثلاث:.

١ - الإمامة نص.

٢ - عصمة الإمام.

٣ - الأفضلية.

وما دام الشيعة يرون الإمامة لأهل البيت. كان من الضروري البحث في الانسجام بين هذه الأسس الثلاثة للإمامة، وواقع الأئمة من آل البيت وما هو الدليل العقلي والنقلي، على إمامتهم.

١ - النص على الإمامة:

يرى الشيعة أن الإمامة تعينت بالنص. أسواء من الله تعالى أم من النبي صلى الله عليه وآله. ولهم إضافة إلى الأدلة العقلية، أدلة نقلية قوية بهذا الخصوص.

وأريد أن أشير في هذه الفقرة إلى لفتة تكاد تتجاوزها الكتابات التاريخية والعقائدية وهي أن الأساس الذي ركن إليه عمر في بيعة أبي بكر هو النص

٣٦٥
والقرابة. وقد سبق أن أوردنا تفاصيل السقيفة، والمنطق الذي سيطر على المواقف والاختيارات فيها. وقال عمر أن الرسول صلى الله عليه وآله، قال: مروا أبا بكر فليصل بالناس. واستقرأ من خلال ذلك وجوب إمامته. غير أن في اجتهاد عمر بن الخطاب بعض الملاحظات التي تثير الاهتمام.

١ - استند عمر على القياس. وهو قياس ناقص، لأنه لا يبين العلة من وراء الموضوع. فهو بناء على الظن والظن لا يغني عن الحق شيئا.

٢ - طرح عمر إمامة أبي بكر على أساس أنها نص. مع العلم أن عمر أبى على الرسول صلى الله عليه وآله أن يكتب كتابه في أيام وفاته، واكتفى بالقرآن. فلو كان الرسول صلى الله عليه وآله يهجر، - أستغفر الله - فرضا، فأولى أن نأخذ بهجرانه حتى في تأمير أبي بكر للصلاة بالناس. علما أن إمامة الصلاة ليست مهمة أقرب إلى الله من مهمة تولي غسل الرسول والصلاة على جنازته كما فعل الإمام علي (ع) وعلما - أيضا - إن الرسول صلى الله عليه وآله، استخلف في الصلاة في البلدان من ليسوا بالأفضلين. هذا إذا أضفنا إن في رواية أمر الرسول صلى الله عليه وآله بالصلاة، اضطراب، وفساد في المتن والسند.

٣ - عندما استند عمر بن الخطاب على فكرة القرابة. كان يستغل وضعا ليس له. وأوقع نفسه في تناقض كبير، ذلك أن قرابة المهاجرين من الرسول صلى الله عليه وآله يلزم أن يتساوى فيها كل المهاجرين، فكيف يكون استدلال عمر بن الخطاب بالقرابة والهجرة على المهاجرين الأول، مثل عمار، وأبي ذر و.. الذين عارضوا خلافته. ثم لماذا لا يتنازل. وفق هذا المنطق عن الخلافة لعلي بن أبي طالب، وهو جمع بين السابقية والقرابة. فهو سيد المهاجرين، وأقرب الناس إلى الرسول صلى الله عليه وآله وأول من أسلم. ولذلك لما قيل لعلي إن المهاجرين استدلوا بالشجرة، أي أنهم شجرة الرسول: قال: قالوا بالشجرة وتركوا الثمرة. ويعني بها آل البيت (٢٢) ورد على منطق عمر بن الخطاب، في كلمته الشهيرة والتي جاءت على شكل أبيات:

(٢٢) و (٢٣) - نهج البلاغة شرح محمد عبده.
٣٦٦
فإن كنت بالشورى ملكت أمورهم * فكيف هذا والمشيرون غيب
وإن كنت بالقربى حججت خصيمهم * فغيرك أولى بالنبي وأقرب (٢٣)

ويذكر القرآن مجموعة آيات تدل على النص في الاتجاه الذي يؤكد معقولية النص على الإمامة جاء في القرآن: (وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن، قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال. لا ينال عهدي الظالمين) (البقرة).

والآية، تثبت أن الإمامة تثبت بعد اختبار، يسفر عن كفاءة الشخص، وأهليته للإمامة، ثم تأتي مسألة الاختيار اللدني، ثم لما أراد إبراهيم أن يقرب ذريته. قال تعالى: (لا ينال عهدي الظالمين) وهو يوحي بأن الاختيار ليس إلا لله لا محاباة فيه ولا مشورة ولو كان منطق الإمامية في الإمامة، غريبا عن الإسلام. فأولى بإمامة إبراهيم وغيره ممن اختار الله، أن تكون غريبة.

وجاء في القرآن اختيار الله لطالوت، وهو ملك وقال: (وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا، قالوا أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال) (البقرة ٢٤٧).

ولما اعترض عليه القوم قال: (إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤته ملكه من يشاء والله واسع عليم).

وهذا إن دل فإنما يدل على أن مسألة النص والاختيار الإلهي للأوصياء، ليس بدعا في تاريخ العقيدة الإلهية.

هذا بالإضافة إلى ما فاض به الذكر الحكيم من نماذج قرآنية، تثبت هذا المفهوم وثبت أن الإمامة بالنص، لآل البيت. وللإمام علي (ع) بعد الرسول صلى الله عليه وآله وتقول الإمامية، أن الإمامة بالنص. اختصت بإثني عشر إماما كلهم من آل البيت (ع) أولهم الإمام علي بن أبي طالب وآخرهم المهدي بن الحسن العسكري (ع).

ورد في القرآن قوله تعالى: (إنما وليكم الله، ورسوله، والذين آمنوا،

٣٦٧
الذين يقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة وهم راكعون) (المائدة ٥٥).

جاء في الصحاح الستة: وتفاسير العامة إن الآية نزلت في حق علي (ع) وتفاصيل القصة، حسب ما رواه أبو ذر (رض) (٢٤) قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وآله يوما صلاة الظهر، فسأل سائل في المسجد فلم يعطه أحد، فدفع السائل يده إلى السماء وقال:

اللهم اشهد أني سألت في مسجد الرسول صلى الله عليه وآله، فما أعطاني أحد شيئا وعلي (ع) كان راكعا، فأومأ إليه بخنصره اليمنى وكان فيها خاتم، فأقبل السائل حتى أخذ الخاتم بمرأى النبي صلى الله عليه وآله فقال لهم إن أخي موسى سألك فقال: (رب اشرح لي صدري) إلى قوله (وأشركه في أمري) فأنزلت قرآنا ناطقا. (سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا)، اللهم وأنا محمد نبيك وصفيك فاشرح لي صدري ويسر لي أمري واجعل لي وزيرا من أهلي عليا أشدد به ظهري.

قال أبو ذر: فوالله ما أن قال رسول الله صلى الله عليه وآله هذه الكلمة حتى نزل جبريل فقال: يا محمد اقرأ (أنما وليكم الله ورسوله. الآية) وتواتر هذا الحديث، وذكره كبار المحدثين والمفسرين من أهل السنة أنفسهم (٢٥).

وسنحاول القفز على حديث الدار والغدير الذي سبق أن أثرناه، لنستعرض بعض الروايات الأخرى التي تؤكد على إمامة علي.، وآل بيته.

قال تعالى: (إني جاعلك للناس إماما، قال ومن ذريتي) (البقرة ١٢٢).

روى الجمهور عن ابن عباس، قال: قال رسول الله (ص): (انتهت الدعوة إلي وإلى علي، لم يسجد أحدنا قط لصنم، فاتخذني نبيا واتخذ عليا

(٢٤) - التفسير الكبير للفخر الرازي.

(٢٥) - أنظر الخصائص للإمام النسائي، والدر المنثور للسيوطي والطبراني في الأوسط، وفي التفسير ذكره الطبري، والقرطبي والواجدي في أسباب النزول، وتذكرة الخواص للسبط بن الجوزي وأحكام القرآن للجصاص، وابن كثير في التفسير و..

٣٦٨
وصيا) (٢٦).

ولدى قوله تعالى (وقفوهم إنهم مسؤولون) (٢٧).

وذكر ابن عبد البر في قوله (واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا) (الزخرف ٩٤٥) قال: إن النبي صلى الله عليه وآله ليلة أسري به جمع الله بينه وبين الأنبياء، ثم قال، له: سلهم يا محمد، على ماذا بعثتم؟ قالوا: بعثنا على شهادة لا إله إلا الله. وعلى الاقرار بنبوتك، والولاية لعلي بن أبي طالب (٢٨).

وذكر الجمهور عن أبي سعيد الخدري، إن النبي صلى الله عليه وآله دعا الناس إلى علي (ع) في يوم (غدير خم) وأمر بما تحت الشجرة - من الشوك فقام، فدعا عليا، فأخذ بصبعيه فرفعها، حتى نظر الناس إلى بياض إبطي رسول الله صلى الله عليه وآله وعلي (ع) ثم لم يتفرقوا حتى نزلت هذه الآية: (اليوم أكملت لكم دينكم، وأتممت عليكم نعمتي، ورضيت لكم الإسلام دينا) فقال رسول الله صلى الله عليه وآله (الله أكبر على إكمال الدين، وإتمام النعمة، ورضي الرب برسالتي: والولاية لعلي بن أبي طالب من بعدي: ثم قال: من كنت مولاه، فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله) (٢٩).

ويرى الشيعة أن الإمامة ثبتت بالنص في اثنا عشر إماما. أولهم علي وآخرهم المهدي، وأن طريقة تعيينهم تمت عن طريق النص، من الله، ثم نبيه فالإمام، أي أن الإمام علي (ع) بعد أن تسلمها سلمها ابنه الحسن (ع) استجابة للنص.

والواقع التاريخي يثبت أن الأئمة (ع)، كانوا يوصون إلى من بعدهم استنادا من أن نص منصوص والتجربة التاريخية، تفسر عن هذا الواقع، إن الإمام

(٢٦) - رواه ابن المغازلي في المناقب، والكشفي الترمذي في المناقب.

(٢٧) - أخرجه الديلمي، وابن حجر في الصواعق المحرقة.

(٢٨) - رواه الحاكم، والخوارزمي وذكر في كنز العمال.

(٢٩) - الدر المنثور، تفسير ابن كثير، البداية والنهاية، تذكرة الخواص، ابن عساكر، شواهد التنزيل.

٣٦٩
عليا (ع) لم يستشهد حتى أوصى بها إلى ابنه الحسن. والحسن لما عقد وثيقة الصلح، اشترط فيها عودة الخلافة إليه، أو إلى أخيه الحسين (ع) إذا طرأ طارئ على حياة الإمام الحسن (ع).

والإمام علي (ع) الذي عارض تداول الخلافة بين أبي بكر وعمر، وعثمان. لم يكن ليكرر نفس الإجراء فيما لو كان الأمر لا يستند إلى مسوغات عقلية ونقلية، تتحدد بالنص وذكرت النصوص، أن الولاية بعد الرسول صلى الله عليه وآله لأهل البيت (ع) ومن ذلك: ما جاء في المستدرك على الصحيحين للحاكم، عن زيد بن أرقم: لما رجع رسول الله صلى الله عليه وآله من حجة الوداع ونزل غدير خم، أمر بدوحات فقممن فقال:

(كأني قد دعيت فأجبت أني قد تركت فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر كتاب الله تعالى وعترتي فانظروا كيف تخلفوني فيهما. فإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، ثم قال، إن الله عز وجل مولاي وأنا مولى كل مؤمن (ثم أخذ بيد علي فقال: من كنت مولاه فهذا وليه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه).

أما ما ورد في صحيح مسلم عن زيد بن أرقم. فقد قال: قام رسول الله صلى الله عليه وآله يوما فينا خطيبا بماء يدعى خما بين مكة والمدينة، فحمد الله وأثنى عليه، ووعظ وذكر ثم قال:

(أما بعد، ألا أيها الناس، فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم، ثقلين، أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا لكتاب الله واستمسكوا به) فحث على كتاب الله ورغب فيه ثم قال: (وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي).

وفي صحيح الترمذي ورد بهذه الصيغة، عن جابر بن عبد الله قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله في حجته يوم عرفه وهو على ناقته القصواء يخطب فسمعته يقول:

(يا أيها الناس إني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي).

٣٧٠
وورد حديث (الثقلين) بأكثر من سند وصيغة في صحاح الجمهور.

وطبيعي أن يحتاج هذا الحديث إلى نص آخر يحدد عمومه. فحصر الشيعة الإمامة في اثني عشر إماما من آل البيت كما تقدم ذكره والأدلة على ذلك كثيرة بيد إننا نراها على قسمين.

الأولى أدلة اعتبارية سندها الواقع والتجربة. إذ لما ثبت الإمامة لعلي (ع) بالنص فإن وصيته إلى الحسن (ع) تبقى نصا صادرا عن الإمام. وكل إمام أوصى بالآخر، فيكون هذا التسلسل الاثني عشري دليلا على النص. وهذا هو الدليل العقلي على إمامة الاثني عشر.

كما ينضاف إلى تلك الأدلة، كون هؤلاء الاثنا عشر هم رموز آل البيت الكبار، الذين أحصى لهم التاريخ تفوقهم وكرامتهم، ولا تلقى وصية.

أما ما جاء في روايات الجمهور حول الاثني عشر إماما الموصى بهم. فقد ذكر الترمذي في صحيحه بسنده إلى جابر بن سمرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله:

يكون بعدي اثنا عشر أميرا كلهم من قريش) وفي مستدرك الصحيحين للحاكم، عن عون ابن أبي جحيفة عن أبيه قال: كنت مع عمي عند النبي صلى الله عليه وآله فقال:

(لا يزال أمر أمتي صالحا حتى يمضي اثنا عشر خليفة) ثم قال كلمة وخفض بها صوته فقلت لعمي وكان أمامي: ما قال يا عم؟ قال يا بني: (كلهم من قريش).

وحاول بعض أهل السنة، أن يتصنعوا في تأويل هذه الأحاديث، وما شابهها: أنهم يكونون في مدة عزة الخلافة، وقوة الإسلام واستقامة أموره والاجتماع على من يقوم بالخلافة. وقد وجد هذا فيمن اجتمع عليه الناس إلى أن اضطرب أمر بني أمية، ووقعت بينهم الفتنة زمن وليد بن يزيد. وحاول بعضهم مثل ابن كثير وصاحب فتح الباري وصاحب الصواعق أن يؤولوها تأويلا إسقاطيا لا سند له من الموضوعية. فادعوا أن الأئمة الاثنا عشر هم الخلفاء الثلاثة ثم علي، وبعده معاوية فيزيد - ذلك أن الحسن لم يجتمعوا عليه - فعبد الملك وأولاده الأربعة الوليد، وسليمان، فيزيد، فهشام. والثاني عشر: الوليد بن يزيد بن

٣٧١
عبد الملك.

وطبيعي، إن هذا التأويل أكثر تعسفا مما سبق لأنه مجرد إسقاطات تتغذى بالوضع السياسي الجاهز ولا تركن إلى سند من العقل أو النص.

وجاء في الصواعق المحرقة بإخراج البغوي، بسند حسن، عن عبد الله بن عمر، قال:

سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: (يكون خلفي اثنا عشر خليفة، أبو بكر لا يلبث إلا قليلا)، قال الأئمة: صدر هذا الحديث مجمع على صحته.

واعتراف ابن حجر، بالإجماع على صدر هذا الحديث، دليل على أن المحرفين تصرفوا في مؤخرته وهذا دليل على التزوير الذي شهدته مدرسة الجمهور. وترتفع البراءة التي تدعى.

ولهذا وردا على هذا المنطق يقول الحافظ سليمان القندوزي الحنفي في ينابيع المودة:

(قال بعض المحققين! إن الأحاديث الدالة على؟ كون الخلفاء بعده (صلى الله عليه وآله وسلم) اثنا عشر قد اشتهر من طرق كثيرة فبشرح الزمان، وتعرف الكون والمكان: علم أن مراد رسول الله صلى الله عليه وآله من حديثه هذا: الأئمة الاثنا عشر من أهل بيته وعترته، إذ لا يمكن أن يحمل هذا الحديث على الخلفاء بعده من أصحابه، لقلتهم عن اثني عشر (وهم أربعة) ولا يمكن أن يحمل على ملوك الأموية لزيادتهم على أثني عشر (وهم ثلاثة عشر)، ولظلمهم الفاحش، إلا عمر بن عبد العزيز، ولكونهم غير بني هاشم لأن النبي صلى الله عليه وآله قال: كلهم من بني هاشم في رواية عبد الملك عن جابر).

ولم يكن يدعي الاثني عشر، سوى أئمة أهل البيت. فإذا أضفنا إلى كون الاثنا عشر إماما كلهم ذوو كفاءة، وكلهم من قريش وكلهم يدعيها. ترتب أن يكونوا هم الاثنا عشر المشار إليهم بالنص. لأن الواقع لم يأت بما كذب ذلك.

وما دام عجز الجمهور عن تبرير هذا النص، وتقريبه من الواقع، فإن

٣٧٢
الروايات الشيعية أثبتته بالإجماع فقد ورد في منتخب الأثر منقولا عن كفاية الأثر، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: معاشر أصحابي إن مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح وباب حطة في بني إسرائيل، فتمسكوا بأهل بيتي بعدي، والأئمة الراشدين من ذريتي فإنكم لن تضلوا أبدا.

فقيل: يا رسول الله كم الأئمة بعدك؟.

قال: اثنا عشر من أهل بيتي أو قال من عترتي.

وكذلك ذكر القندوزي الحنفي في الينابيع: عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله.

(أنا سيد النبيين وعلي سيد الوصيين، وإن أوصيائي بعدي أثنا عشر أولهم علي وآخرهم القائم المهدي).

وذكر الحمويني الشافعي في فرائد السمطين، عن أبو عباس قال:

قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن خلفائي وأوصيائي وحجج الله على الخلق بعدي، اثنا عشر أولهم أخي وآخرهم ولدي.

ولم يدع الاثني عشر إماما إلا الشيعة الإمامية. فينتفي إذن ما يعارضها.

ويحتاج ردها إلى دليل قاطع نقلي وعقلي، مثلما أثبتوها لأئمتهم عقلا ونقلا.

٣ - عصمة الإمام:

كذلك إذا بحثنا مدى انسجام هذه الطرحة، مع واقع الأئمة الاثني عشر، نجدها أكثر موضوعية فيما لو أسندت إلى الأئمة من آل البيت (ع) والأدلة العقلية والاعتبارية لا تقل عن النصوص المباشرة في هذا الموضوع.

إن غير الأئمة الاثني عشر، لم يدعها صراحة. والعصمة لتقتضي طيب المولد وعدم ارتكاب الفواحش قبل الإسلام أو بعده. وغير الأئمة لم يتوفر على ذلك.

والإمام علي (ع) هو الوحيد الذي لم يعبد الأصنام ولم يرتكب فاحشة في الجاهلية. ومهما كان الأمر والسبب فإن النتيجة واحدة، هي الطهارة والعصمة.

٣٧٣
والباحث في سيرة الأئمة من لدن علي إلى آخرهم. يتبين له مدى استقامتهم على طريق الإسلام، ولم يحصي التاريخ لأحدهم زلة تناقض العصمة.

وكلهم كانوا مصدر علوم ولم يحتاجوا إلى غيرهم في شئ، وورثوا العلم والرئاسة والعصمة بشكل متراتب أبا عن جد، بخلاف من هم دونهم.

أما ما يثبت ذلك نقلا. فإن آل البيت وردت فيهم آيات قرآنية وروايات نبوية تدل دلالة نافذة على ذلك.

آية التطهير: قوله تعالى: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) الأحزاب ٢٣.

ثبت بإجماع الجمهور مفسرين ومحدثين إن الآية نزلت في علي والحسن والحسين وفاطمة - (ع).

ومن ذلك ما أخرج مسلم في صحيحه عن صفية بنت شيبة قالت: قالت عائشة:

خرج النبي (ع) غداة وعليه مرط مرحل من شعر أسود فجاء الحسن بن علي فأدله، ثم قال:

(إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا).

وفي صحيح الترمذي عن أم سلمة، لما نزلت الآية: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) في بيت أم سلمة، فدعا فاطمة وحسنا وحسينا وعليا خلف ظهره فجللهم بكساء ثم قال: اللهم هؤلاء أهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا.

قالت أم سلمة: وأنا معهم يا نبي الله؟.

قال: (أنت على مكانك وأنت على خير).

وفي آية التطهير مجموعة دلالات، يستحسن الوقوف على مضامينها.

فالآية، في البدء منصرفة، حيث حددت (آل البيت) في الرسول صلى الله عليه وآله

٣٧٤
وعلي وفاطمة وحسن وحسين. وبذلك ترتفع الإمامة والعصمة عن غير هؤلاء.

ويصبح لآل البيت مفهوم خاص غير ذلك الذي يتحدد بالنسب، وإلا، فأولى بأزواج النبي صلى الله عليه وآله أن يكن من أهل بيته فيما لو كانت القضية خاضعة لمفهوم عام غير محدد، ولكان صلى الله عليه وآله أدخل في كسائه، أفرادا آخرين من آل البيت غير هؤلاء.

ثم الآية تفيد أن القضية محصورة في نطاق آل البيت، أو بالأحرى فإن الطهارة هي من خصائص آل البيت، يدل على ذلك أداة الحصر إنما في (يريد الله أن يذهب عنكم الرجس).

ثم تحدثت الآية عن قضيتين هما: الرجس ثم الطهارة.

والرجس في اللغة حسب ابن منظور وغيره، تعني الذنوب. وتعني أيضا الأقذار.

والعاقل لا يستطيع تقبل مفهوم الأقذار كتفسير للآية. إذ أن الطهارة من القاذورات، لا تحتاج إلى إرادة إلهية لدنية. وإنما المسألة تتعلق بالقاذورات المعنوية، وهي الذنوب والمعاصي.

أما الطهارة فتعني التنزيه من هذه المعاصي والذنوب.

وحاول البعض أن يتحايل على هذا النص، فيقول بالطهارة التشريعية التي تعتمد الأحكام المنزلة عليهم، أي إن آل البيت يتنزهون عن المعاصي بالأحكام التي نزلت في القرآن، وهذا تأويل ناقص لأن الطهارة التشريعية بهذا المفهوم تستبطن أمرين:

١ - إذا كان الله يريد أن ينزه الدنيا بتشريعه، آل البيت. فيكون هذا ظلما، ولا يجوز في حق الله تعالى، إذ كيف ينزه هؤلاء بإرادته ولا ينزه الناس الآخرين.

٢ - إذا كان الله يقصد تطهيرهم بأحكام الشرع المنزلة عليهم في القرآن. فهذا لا يتطلب آية للحصر في آل البيت. يعم جميع الناس من دون استثناء.

٣٧٥
كتاب لقد شيعني الحسين (عليه السلام) للكاتب إدريس الحسيني (ص ٣٧٦ - ص ٤٠٨)
٣٧٦
حولتهم في سلوكهم إلى إسلام متجسد، ثم بحكم ما كانت لديهم من القدرات على إكمال إرادتهم وفق أحكامه التي استوعبوها علما وحكمة، فقد صح له الإخبار عن ذاته المقدسة بأنه لا يريد لهم بإرادته التكوينية إلا إذهاب الرجس عنهم، لأنه لا يفيض الوجود إلا على هذا النوع من أفعالهم ما داموا هم لا يريدون لأنفسهم إلا إذهاب الرجس والتطهير عنهم) وأهل السنة والجماعة لا يرفضون العصمة إلا في حدود مصطلحها، أما مضمونا فإنهم يقرون بها لجميع الصحابة، ذلك أنهم يرون أنهم جميعا عدول.

وليست العدالة كما هي في مفهوم العامة وذهنيتهم، سوى تلك العصمة التي يراها الشيعة في أئمتهم.

ولا يكلفك أن تكون شيعيا أكثر من أن تتعامل مع أئمة أهل البيت، كما تتعامل مع أبي بكر وعمر.

فالعدالة والعصمة الاعتبارية كما يراها السنة لهؤلاء لا تقل عن تلك التي يراها الشيعة في الأئمة.

والإنسان قد يصل إلى درجة ما من العصمة، فيما لو طبق القرآن. أي يكتسب عصمة معينة.

وهدف الإسلام، هو أن يصنع أناسا قرآنيين أي على قدر من العصمة، وإذا كان متاحا لكل الناس أن يلتمسوا هذا القدر من العصمة عن طريق التربية والمجاهدة، فأولى بآل البيت أن يصلوها. لأنهم جهدوا على أنفسهم بشكل عجز عنه غيرهم.

ومن النصوص المنقولة الدالة على عصمتهم حديث السفينة:

ورد في مستدرك الصحيحين للحاكم عن أبي إسحاق عن حنش الكناني قال:

سمعت أبا ذر يقول وهو آخذ بباب الكعبة: أيها الناس من عرفني فأنا من عرفتم، ومن أنكر فأنا أبو ذر سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول:

(مثل أهل بيتي كسفينة سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق).

٣٧٧
وفي إحياء الميت للسيوطي عن البزار عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله:

(مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح، من ركب فيها نجا ومن تخلف عنها غرق).

وفي لفظ الطبراني، زاد: ومثل باب حطة من بني إسرائيل.

وهذا الحديث، يحمل دلالة قوية على عصمة الأئمة، ذلك لو جاز أن يعصوا الله لما أمر الرسول صلى الله عليه وآله باتباعهم ولما جعلهم نجاة للأمة من الغرق.

وجاء في قوله تعالى: (قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى).

ورد في الصحيحين وأحمد بن حنبل عن ابن عباس قال: لما نزل: (قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى) قالوا: يا رسول الله، من قرابتك الذين وجبت علينا مودتهم؟ قال: علي، فاطمة، الحسن، والحسين.

ولهذا الحديث دلالة أخرى على العصمة، ذلك أن المودة يستتبعها واجب الطاعة، ولا يجوز المودة المطلقة لآل البيت فيما لو جازت عليهم المعصية، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. والذي يبدو من الرواية هو الاطلاق. دليلا على عصمتهم، وروى الحاكم في المستدرك وابن كثير في التفسير وكذا الطبري وتفسير الشوكاني، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله أنا المنذر وعلي الهادي، وبك يا علي يهتدي المهتدون.

ولا يجوز عقلا أن يكون هاديا من جازت في حقه المعصية.

وفي قوله تعالى: (إن الله وملائكته يصلون على النبي: يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما) (الأحزاب ٥٦).

جاء في صحيح مسلم: قلت: يا رسول الله، أما السلام عليك فقد عرفناه وأما الصلاة عليك فكيف هي؟ فقال: قولوا: اللهم صل على محمد وآل محمد، كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم.

٣٧٨
وهذا إنما يدل على عصمتهم. إذ لو جازت فيهم المعاصي لما أمر الله بالصلاة عليهم والتعبد إلى الله بهم، فكيف يتقرب إلى الله بأهل المعصية.

وفي مسند ابن حنبل، وفي الجمع بين الصحيحين، أن النبي صلى الله عليه وآله قال لعلي (ع) لا يحبك إلا مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق).

وإطلاق الحكم على هذا المنوال فيه دلالة على العصمة. إذ لو جاز أن يعصي الله، إذا لكان من الإيمان بغض علي (ع) بل وليس من الإيمان حب على معصية. وإذا، فإن إطلاقها يدل على أنه متواصل الامتناع عن المعصية أي معصوم عنها.

ولا أدل على العصمة من الحديثين التالين:

١ - في الجمع بين الصحاح الستة، عن النبي صلى الله عليه وآله قال: رحم الله عليا اللهم أدر الحق معه حيث دار وفي تاريخ بغداد، والحاكم في المستدرك وكنز العمال روى أحمد بن موسى بن مردويه، عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: (الحق مع على وعلي مع الحق، لن يفترقا حتى يردا علي الحوض).

والتبشير بالإمام علي (ع) والحكم القاطع على أنه لا يفارق الحق، هو شهادة من معصوم على عصمة الإمام.

٢ - ورد في صحيح مسلم، عن زيد بن أرقم: أيها الناس، إنما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب، وإني تارك فيكم الثقلين، أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله، واستمسكوا به، فحث على كتاب الله ورغب فيه ثم قال: وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي.

والحديث بالتواتر الذي ميزه، يعد دليلا على العصمة، لأن الله قرن بين القرآن وآل البيت وفي حديث آخر للترمذي (فإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض) وتلك شهادة على العصمة.

٣٧٩

٣ - أفضلية الإمام.

كنا قد أثبتنا ضرورة إمامة الأفضل على خلاف أهل السنة والجماعة، ذلك أن هؤلاء يجوزون إمامة المفضول وتبعية الفاضل، وهو أمر مخالف للوجدان وعليه فإننا في مقام البحث في الانسجام بين طرحة (أفضلية الإمام) وآل البيت، كانوا هم طلائع الأمة الأول، فالقرآن قال: إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا.

وهذه الآية دليل على خصوصيات آل البيت وأفضليتهم على مستوى الكفاية الروحية والعقلية.

كذلك لما رفعهم الرسول صلى الله عليه وآله إلى مقام القرآن وقرنهم به في حديث الثقلين كما تقدم.

وفي رواية أحمد بن المشد والزمخشري في الكشاف، قال ابن عمر: كان لعلي ثلاثة، لو كان لي واحدة منها كانت أحب إلي من حمر النعم: تزويجه بفاطمة وإعطاء الراية يوم خيبر وأية النجوى.

وفي مسند أحمد والجمع بين الصحاح الستة أن الرسول صلى الله عليه وآله بعث (براءة) مع أبي بكر إلى أهل مكة، فلما بلغ ذا الحليفة بعث إليه عليا، فرده، فرجع أبو بكر إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال:

يا رسول الله أنزل في شئ؟ قال: لا، ولكن جبرائيل جاءني وقال:

لا يؤدي عنك إلا أنت، أو رجل منك:

وفي ذلك تفضيل للإمام علي على أبي بكر، وهو الظاهر والصريح.

وفي حديث المنزلة كما أخرجه البخاري في صحيحه ومسلم من طرق مختلفة: إن النبي صلى الله عليه وآله لما خرج إلى تبوك، استخلف عليا في المدينة، على أهله، فقال علي: ما كنت أوثر أن تخرج في وجه إلا وأنا معك.

فقال: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي

٣٨٠