×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

لقد شيعني الحسين (ع) الإنتقال الصعب في المذهب والمعتقد / الصفحات: ٢١ - ٤٠

الإسلامية، التي جاءت لتعلم الناس قيم السماء، لا قيم الأرض.

فماذا تكون قيمة أبي هريرة مثلا في ميزان الدين، حتى نعطل البحث بسبب التقديس عن الحقيقة التأريخية. وفي سبيل التغطية على فضائحها، نلجأ لتزوير الحقائق كلها، وهل (أبو هريرة) أصل من أصول العقيدة، حتى يحرم علي محاسبته تأريخيا، والاعتراف بأفعاله القباح! أوليس من الإفك أن نسكت من فضائحه، فتختلط بحقائق الدين، ليكون الإسلام ضحية كل تلك المفاسد.

إن أبا هريرة مثلا ليس شخصية قديمة نستغني عن كشف حقيقتها، لأنه حاضر فينا، وهو (كمبيوتر) معاوية الخاص بالرواية، مع أنه آخر من أسلم، ولم يعش مع الرسول صلى الله عليه وآله طويلا. فمن هو هذا الذي وضع نفسه أو وضعوه هم، راوية لسنة رسول الله صلى الله عليه وآله في زمن الإمام علي (ع) وإن أمة تميل إلى أبي هريرة وتقوي مروياته، وتترك الإمام علي (ع) وتضعف أحاديثه، هي في حق التاريخ وحق الإنسانية، أقبح أمة يمكن الانتساب إليها! أليس هذا هو واقعنا، إننا لم نعد نجد الإمام علي (ع) إلا في الكتابات المسيحية (٢) والاستشراقية، وقل أن تجد من الأمة من أنصف هذا العملاق المجهول. وعندنا كتب النسائي وهو أحد شيوخ الحديث المشهورين لدى السنة كتابا أسماه (خصائص الإمام علي) تلقى بذلك عقابا شديدا وأخضع للسياط، واتهمه بعد ذلك (ابن تيمية) بالتشيع، وصنفه هو وابن عبد البر في الذين تشيعوا بالحديث!!؟.

إن التعامل مع التاريخ، هو تعامل مع مشروع ماضوي منتظم في نظرية قائمة. والنظرية هذه ومع امتداد الزمن اكتسبت أنيابا حادة، تمارس بها تهويلا على الباحث. وبهذه الأنياب، بقي التأريخ لغزا إلى أن كسب قدسيته المطلقة.

(٢) أقصد ما كتبه نصري سلهب (في خطى علي ٤٠) وجورج جورداق (الإمام علي صوت العدالة الإنسانية).
٢١
والنظرية التأريخية المتوفرة في كتاباتنا، تحتاج إلى عقلية مسؤولة وجبارة.

مسؤولة حتى لا تزيغ في منعرجات الأحداث وتقف بعيدا عن الحقيقة! وجبارة، لأنها تحتاج إلى آليات الحفر والتفكير التأريخي ولكي نكسر أنياب النظرية التأريخية القائمة، نحتاج إلى معاول هدم علمية.

لقد تحول التاريخ الإسلامي في اللاشعور الفكري إلى (قطعة) معصومة من التاريخ. علما أن هذه النظرة مستحيلة في منطق التاريخ، ومنطق الدين نفسه.

والسياسة التي استطاعت أن توظف الثقافة القشرية للدين في سبيل التغطية الايديولوجية للأحداث التاريخية. ظلت مكشوفة تاريخيا بحكم أن المؤرخين لها، لم يملكوا قدرة مطلقة على تجيير حقائق التاريخ كلها لصالح السياسات المتواترة في تاريخ السلطة الإسلامية.

وكان لهذا التاريخ (المؤدلج) بمفاهيم التيار الأموي، قدرة على التحكم في مسار الفكر والثقافة الإسلامية أيضا. وتوظيف الأرقام الكبرى والأسماء المرموقة في الدين الإسلامي، كان تكتيكا أمويا، لستر التوجه (الهدام) للبلاط الأموي.

والذي يرى فيه بعض المؤرخين، إنه حكم وفق المنطق الأموي البحت. هذا التيار كان لا يجد بدا من أن يتصرف في الجهاز الديني لأغراض خاصة، وذلك انسجاما مع الواقع الإسلامي يومها، الذي كان الدين أحد مكوناته الاجتماعية والحضارية.

هذه بعض الخفايا التي يوصلنا إليها (التاريخ) وبدونها لا نستطيع معرفة سوى ما يقدم إلينا على طبق الايديولوجيا. إن طرح سؤال، من قبيل: لماذا نبحث في التاريخ؟، هو عين التخلف الفكري، لأنه لم يعد يوجد من يشك في أهمية التاريخ!، ومن القرآن تعلمت الأمة، قيمة النظر في التاريخ، وللتاريخ سننه وقوانينه التي تجري على كل البشر. (٣)

(٣) - يقول السيد محمد تقي المدرسي: إن فهم التاريخ ضرورة لفهم الشريعة (التاريخ الإسلامي - دروس وعبر ص ١٣ - دار الجيل - بيروت).
٢٢
يقول تعالى: (كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق وقد أتيناك من لدنا ذكرا) (٤). وإذا كان القرآن الكريم، مصدرا لتعريف الناس، بماضي الأمم، فمن يا ترى يعرفنا بتاريخ أمتنا نحن. أليس هو القرآن والتاريخ، المحررين من كل قمع إيديولوجي، وكل استبداد سياسي؟!.

(٤) سورة طه (الآية ٩٩).
٢٣

لماذا الحديث عن الشيعة والسنة؟

الحديث عن (الشيعة والسنة) (هو حديث عن الإسلام) في محرقة التاريخ، فالذين لم يفهموا الشيعة، وأغلقوا نوافذ الجهل على أنفسهم وأجيالهم، واكتفوا بمذاهبهم، لا يمكنهم إدراك قيمة (الحسم) الاعتقادي. وإن التغيب والتجهيل المستمرين، هما اللذان يولدان الفرقة! والوحدة لا يمكنها أن تأتي من دون فهم وإدراك، للآخر:

إن المسلك (المذهبي) الذي سيطر على وعي الأمة، هو الذي سلبها، قابلية التوحد والتعايش. وهو مسلك نرفضه إطلاقا، وكنت أظن أن الشيعة هم أيضا، يحجبون عامتهم عن أفكار واعتقادات أهل السنة والجماعة، ولكنني وجدت عكس ما كنت أتصور. وفي مكتبات الشيعة وحوزاتهم، كتب لأهل السنة والجماعة، ومراجعهم وكتب استدلالاتهم، بل حتى تلك الكتابات الدعائية السخيفة والتشهيرية الوهابية، في متناول أصغر طالب في حوزاتهم، ولكنني لم أعرف مؤسسة سنية، احتوت على كتاب من كتب الشيعة، وهذا مسلك غير متكافئ في التعاطي مع المذاهب الأخرى.

والصورة التي نقلها الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء النجفي في أصل الشيعة وأصولها) عن التشهيرات الغبية ضد الشيعة ليست باطلة. فأنا السني المنشأ، لم أكن أجد في بيئتنا ما يعرف بالشيعة، تعريفا حقيقا، وكل مذهب من

٢٤
مذاهب الدنيا، نستطيع الإحاطة به في بيئتنا سوى (الشيعة) فإن حصار الوهابية عليهم أقوى من (جدار برلين). نعم، قد كنا نعلم أن الشيعة، أصحاب طريقة غريبة عن كل البشر، وأن أشكالهم، ربما لها أيضا بعض الخصوصيات، وأن يكون تصور الناس للشيعة على أنهم أصحاب أذناب البقر، كما أشار آل كاشف الغطاء، ليس مبالغة منه، وحال الأمة كذلك، لقد تعجب الشامي، وهو يسمع إن عليا (ع) قتل في المحراب، فقال:

(أو علي يصلي)؟!.

وقد ذكر صاحب العقد الفريد في باب كتاب الياقوتة في العلم والأدب:

قال أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ: أخبرني رجل من رؤساء التجار قال:

كان معنا في السفينة شيخ شرس الأخلاق، طويل الاطراق، وكان إذا ذكر له الشيعة غضب وأربد وجهه وروى من حاجبيه، فقلت له يوما: يرحمك الله، ما الذي تكرهه من الشيعة، فإني رأيتك إذا ذكروا غضبت وقبضت؟ قال: ما أكره منهم إلا هذه الشين في أول اسمهم، فإني لم أجدها قط إلا في كل شر وشؤم وشيطان وشعب وشقاء وشنار وشرر وشين وشوك وشكوى وشهوة وشتم وشح.

قال أبو عثمان: فما ثبت لشيعي بعدها قائمة.

هكذا كان يفهم أعداء الشيعة الشيعة. وذلك لأنهم يجهلون حقيقتهم.

وقديما قال الإمام علي (ع) (الإنسان عدو ما جهل)!.

وإذا كرسنا واقع التجهيل والتغييب، فلربما لا سمح الله ورد من يرى في (السين) السنية: سوء، وسم، وسؤر، وسحاق، وسقم، وسخط، وسب، وسقط، وسخب، وسرقة، و... و.. وهذا التجهيل، أمتد اليوم، ليأخذ أشكالا مختلفة، كلها، تنظر إلى المسألة الشيعية بمنظار أسود!.

أقول إن الحديث عن (السنة والشيعة) ضرورة، لأن فيه تفويت للفرصة على تجار الفرقة والطائفية. ليعرف بعضنا بعضا، بكل وضوح وجلاء.

لقد رأيت بأم عيني، حركة التشهير والتجهيل، التي تبعد الناس عن الوعي

٢٥
الصحيح. ومن المضحكات التي لم أكن أعهدها على علماء الأديان السماوية. أن يقوم (تقي الدين الهلالي)، في آخر أيامه، بإعادة توزيع منشوره القديم (مناظرة...) وأعطاه للأميين الذين يحيطون به كحواريي المسيح (ع). لقد جاء لي البعض بهذا المنشور الساذج، وهم يتوخون هدايتي. كانوا يتصورون بأنني مفتون أو قد حل بي جنون. وما أن أطلعت عليه، حتى مزقت حجب الصمت، ورحت أفضح حقائق الكاتب والكتاب. كان أحد من الشيوخ ممن تخرج على يد (تقي الدين الهلالي)، وربما يروى عنه الحديث. سألته عن مصلحة الإسلام وراء نشر مثل هذه المنشورات.

فأجاب: إنها خدمة الإسلام.

قلت له: شيخنا، ألا ترى إن هذا منكر؟!.

قال: أعوذ بالله، اتق الله، إنه تقي الدين الهلالي وما أدراك!.

كنت أعلم إن هذا الشيخ، أكثر (أمية) من جدتي، ولكنني حاولت إقناعه، بأن يجد له صناعة أخرى، غير الفتنة!.

نعم، إن تقي الهلالي، جاء فتانا، ولم يأت ليوحد الصفوف، وهو أكبر مروج للوهابية في المغرب. وكان واجهة سعودية في البلد، ومن انحاز إلى صفه من الشباب، أعطاه تزكية. وبعثه إلى (جدة)!.

في يوم من الأيام قبيل موته - رحت أزوره، وكان قد خرج من المستشفى للتو، وكان في مرضه الأخير، وبينما أنا واقف قدام الباب، إذا بصديق لي، يخرج من البيت، وبدت على وجهه حمرة. ولما سألته عن السبب، قال لي: لقد ندمت على هذه الزيارة، إن الشيخ، لا يزال مستمرا في تكفيره للعلماء المسلمين، لقد كفر مجموعة علماء وخطباء، وكان من بين أولئك الذين أصابتهم شرارة التكفير، الشيخ عبد الحميد كشك، لأنه يكثر من مناداة الرسول صلى الله عليه وآله في خطاباته، والرسول صلى الله عليه وآله ميت، وهذا شرك صريح (٥)!.

(٥) - أعتقد أن الفهم الوهابي التوحيد، ليس إلا قصورا نجديا، بدويا. وبهذا التصور جعلوا من الإسلام دينا راكدا، جامدا، لا يتعدى المسواك، والمسك، واللحي، والتقصير و..
٢٦
وفي نفس المناسبة، قام بتوزيع منشوراته الفتانة!.

كان الحوار والمناظرة التي أجراها الشيخ تقي الدين الهلالي، مع بعض خطباء الشيعة من نوع خاص وإنني لم أعرف من هؤلاء الشيعة الذين ناظرهم، ولم أكن أدري ما السبب الذي جعل تقي الدين الهلالي يستنكف عن مناظرة رجال الشيعة الكبار، مثل السيد الحكيم، والسيد الخوئي، السيد الصدر، والسيد محمد الشيرازي، وعشرات العلماء والمراجع المعاصرين له في العراق ولبنان وقم... وعجبت كيف راح يبحث في القرى عن الأميين، وهؤلاء موجودون طوع البنان. وكيف لا يستحيي من الله ولا من التاريخ أن يقول إنهم من كبار علماء الشيعة، في زمن المراجع الكبار. أليس هذا هو التجهيل؟ إنهم يكتبون للأميين والمغفلين! لذلك تراهم لا يتورعون عن التلفيق!.

لقد أهدوني هذه المناظرة بين (عالم) يخدم آل سعود، وشيعيين مجهولين، لا يعرفهما أحد، وأهديتهم كتاب (المراجعات) الأضخم حجما، والأضبط مضمونا، وهو حوار موضوعي متكافئ وهادئ بين عالمين معروفين للجميع.

الأول، شيعي عاملي، خريج النجف الأشرف، والآخر شيخ للأزهر.

وشتان، شتان (*).

لهذا، كان الحديث عن (الشيعة والسنة) ضرورة، تقتضيها الفتنة والجهل.

لقد انجلت تلك الصورة التي ورثتها عن (الشيعة) وحل محلها المفهوم الموضوعي الذي يتأسس؟ على العمق العلمي المتوفر في الكتابات التأريخية، والذين لم يتحرروا من أصدقائي، من هذه النظرة، هم أولئك الذين اكتفوا بالموروث، وسحقا للموروث!.

بل وإنهم اليوم لهاربون من السؤال. ويتجاهلون الموضوع. حتى لا يتحملوا مسؤولية البحث، ونتائجه!.

(*) - الأول هو السيد شرف الدين الموسوي العاملي والثاني هو الشيخ سليم البشري.
٢٧
ويجب أن يجرى الحديث البناء حول هذه المسألة، لأسباب أخرى لا تحصى.

فبعد أحداث مكة المكرمة، التي راح ضحيتها مسلمون كثر، اهتز الإعلام العربي الرسمي وغير الرسمي. وتحول إلى موجة موحدة ذات إيقاع واحد، موضوعها الرئيسي (الشيعة والتشيع). ويومها كانت (الجدبة) في المغرب غير بسيطة.

قام المستر (مصطفى العلوي) بحملة مسعورة، ومدفوعة الثمن أيضا، واتهم الشيعة فيها بألوان من التهم التقليدية، لم أجد لها مصدقات في واقع التراث الشيعي. وكنت على علم راسخ، بأن مصطفى العلوي، هذا، لم يمسك كتابا واحدا من أمهات الكتب الشيعية. ولم تمض السنوات، حتى يعلن (العلوي المدغري) وزير الأوقاف، في الدروس الرمضانية، عن الحقيقة، ويكذب من اتهموا الشيعة بذلك. وخسئ (مصطفى العلوي).

وفي هذه الأثناء، جاء فخامة (أبو بكر الجزائري) زائرا للمغرب، يحمل في حقيبته أوراقا وهابية جديدة. كان كما بدا لنا مبعوثا رسميا من جهة هو ساكنها.

وتواجد في تلك الأثناء في أحد بيوت الأصدقاء. وكانت كلمته تتمة لما سبق من (هرج ومرج) حول (الشيعة والتشيع) ومحاولا رسم صورة كاذبة وتشهيرية، ضد الشيعة، مستغلا بذلك جهل الناس بحقيقة التأريخ ولكنه ضل الطريق هذه المرة.

فقام أحد الأصدقاء، وقال له: عفوا، هلا حدثتنا عن (الماسونية) ونشاطها في العالم الإسلامي؟ (٦).

لهذا التجهيل، ولهذا التشهير، كان (الحديث عن الشيعة والسنة) ضرورة، لتفويت الفرصة على الصيادين في الماء العكرة. وبذلك يمكننا أن نمنح التقاعد لمثل تلك الشخصيات التي دأبت على طلب الرزق، بوظيفة التفريق والتشتيت!.

(٦) - وكان هذا الشاب للأسف من أهل السنة والجماعة مما أحرج أبا بكر الجزائري.
٢٨
٢٩

مدخل

من هم الشيعة، ومن هم السنة؟.

إن التسمية التي أطلقت على الفريقين، ليست وفية للحقيقة. وهي أسماء سموها من عند أنفسهم، نزاعة للتشويه والتضليل، أكثر من حرصها على الموضوعية. واستخدام الاسمين في الأبعاد التضليلية، كان من دأب التيار الأموي. فالنقطة الحساسة التي توحي بها المفارقة بن الاسمين، هو أن (سنة) الرسول صلى الله عليه وآله لها شمتها في عنوان (السنة والجماعة)، في الوقت الذي لا رائحة لها في عنوان (مذهب الشيعة). هذا يعني إن مذهب الشيعة يقف مقابلا لمذهب (السنة والجماعة) بما هي الممثل الوحيد لسنة الرسول صلى الله عليه وآله!.

وهذا التشويه، والتضليل، قد أوتي أكله على امتداد الأيام التي أردفت عصور المحنة. فلقد أصبح (الشيعة) يفتقدون للمسوغات النفسية والإعلامية في ذهن الجمهور.

والسؤال الصميمي هنا: من هم الشيعة، ومن هم السنة؟.

السنة في اللغة، تعني الطريقة، والمنهاج. وسنة الرسول صلى الله عليه وآله معناها طريقته. وفي لسان العرب لابن منظور، السنة، والتسنن تعني الطريقة المحمودة المستقيمة. ولذلك قيل: فلان من أهل السنة، بمعنى، إنه من أهل الطريقة المستقيمة المحمودة، وهي مأخوذة من السنن وهو الطريقة، ويقال للخط الأسود

٣٠
على متن الحمار: سنة.

وهي اصطلاحا، تعني كل ما صدر عن الرسول صلى الله عليه وآله من قول وفعل وتقرير. ويسمى السنة مذهبهم (أهل السنة والجماعة) ويقصدون بذلك إنهم أصحاب الطريقة المحمودة (٧). واتباع الرسول صلى الله عليه وآله والجماعة، وغيرهم لا يسلك طريق النبي صلى الله عليه وآله وهي الجماعة التي قال عنها الرسول صلى الله عليه وآله (يد الله مع الجماعة).

الشيعة

والشيعة لغة، هم الأتباع والأنصار. وفي لسان العرب (هم القوم الذين يجتمعون على الأمر. وكل قوم اجتمعوا على أمر، فهم شيعة. وكل قوم أمرهم واحد يتبع بعضهم رأي بعض فهم شيع.

وفي القرآن الكريم: (وإن من شيعته لإبراهيم).

وشايع تأتي بمعنى والاه، من التولي..

يقول الكميت:

وما لي إلا آل أحمد شيعة * وما لي إلا مذهب الحق مذهب

و (الشيعة) اصطلاحا يراد بهم أتباع وأنصار آل البيت (ع) وهم الذين ناصروهم في كل محنهم، وسلكوا سبيلهم. ووالوهم!.

يقول ابن خلدون (٨): (إعلم أن الشيعة لغة هم الصحب والاتباع، ويطلق في عرف الفقهاء والمتكلمين من الخلف والسلف على أتباع علي وبنيه (رضي الله عنهم).

(٧) هذا المعنى في الواقع جديد على هذا العنوان. لأنه تاريخيا كان له هدف معين ومعنى آخر، كما سنوضح!.

(٨) تاريخ ابن خلدون، الفصل السابع والعشرون: في مذهب الشيعة في حكم الإمامة (ص ٣٤٨).

٣١
والشيعة حسب تعريف علمائهم، هم الذين يسلكون سنة الرسول صلى الله عليه وآله مأخوذة من عترته الطاهرة.

بيد أن الملابسات السياسية والإيديولوجية التي رافقت حركت الفرقتين أضفت على القضية، مجموعة من الشبهات لا تحصى ولا تعد. وبالتالي يكون من الضروري التعرض إلى المصطلحين. بشكل أعمق، يستمد مرتكزاته من عمق التأريخ الإسلامي ذاته.

وذلك لأن أعداء الشيعة طالما تحاملوا على الشيعة، ملتمسين كل سلبية غريبة وإلصاقها بهم. وفي ذلك يقول طه حسين (٩):

(وما أكثر ما شنع خصوم الشيعة على الشيعة).

(٩) - إسلاميات - طه حسين.
٣٢
٣٣

ثم ماذا؟

إنني ما زلت أتتبع تاريخ المذاهب الإسلامية، حتى انتهيت إلى أن مذهب آل البيت (ع) هو أول مذهب في الإسلام. وهذا لا يعني إنهم انفردوا عن غيرهم بطريقة ابتدعوها، ولكنهم احتفظوا بموقعهم الأصيل الذي عرفوا به، هذا في الوقت الذي شردت فيه جميع الملل والنحل، وتفرقت تبتغي الحق عند غير أهله.

يقول السيد محسن الأمين في الأعيان (١٠): (فما يظهر من فهرست ابن النديم من أن تسمية أتباع علي (ع) باسم الشيعة كان ابتداؤه من يوم الجمل ليس بصواب، بل تسميتهم بذلك من زمن الرسول صلى الله عليه وآله قال ابن النديم في الفهرست ما لفظه: ذكر السبب في تسمية الشيعة بهذا الاسم. قال محمد بن إسحاق لما خالف طلحة والزبير على علي وأبيا إلا الطلب بدم عثمان بن عفان وقصدهما علي (ع) ليقاتلهما حتى يفيئا إلى أمر الله جل أسمه، فسمى من اتبعه على ذلك الشيعة فكان يقول شيعتي).

فالتشيع ليس بدعة في تاريخ الإسلام. ولطالما حاول البعض إلصاقه بالعهود المتأخرة. بل لقد بلغت القسوة ببعضهم فربطه (بالفرس).

وكان لهذه الدعايات أثر علي في البداية، مع أنني لم أستسلم لها بسهولة، فلم

(١٠) أعيان الشيعة، المجلد الأول: (ص ١٩) السيد محسن الأمين.
٣٤
أكن سلسا لتقبل كل فكرة بدون اختبار.

واستقرت قناعتي في النهاية بعد أن تأكدت من تلك الحبكات الخرافية. ففي (فجر الإسلام) لأحمد أمين، وهو من أكبر المناصبين للشيعة، يقول: (كانت البذرة الأولى للشيعة، الجماعة الذين رأوا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله أن أهل بيته أولى الناس أن يخلفوه) (١١).

وفي دحض فكرة (فارسية) التشيع، قال: (والذي أرى - كما يدلنا التاريخ - إن التشيع لعلي بدأ قبل دخول الفرس في الإسلام، ولكن بمعنى ساذج، وهو أن عليا أولى من غيره من وجهتين، كفايته الشخصية وقرابته للنبي) (١٢).

فالذين لا يعلمون - من إخواننا السنة - يجب أن يدركوا، كما أدركت - منذ فتحت قلبي للحقيقة - أن أغلب علمائهم من (فارس).

إنني ما زلت أقتفي آثار علماء السنة الكبار، في البلاغة والنحو والفقه والحديث والتصوف.. فأجد الأغلبية الغالبة منهم، فرسا. ومنهم: البخاري والترمذي والنسائي وابن ماجة القزويني والإمام الرازي والقاضي البيضاوي وأبو زرعمه الرازي، والفيروزآبادي (صاحب القاموس المحيط) والزمخشري والإمام فخر الدين الرازي، والكازروني وأبو القاسم البلخي والقفال المروزي والتفتازاني والراغب الأصفهاني والبيهقي والتبريزي الخطيب، والجرجاني وأبو حامد الغزالي.. وغيرهم مما يعجز عن عدهم اللسان ويضيق عنهم المقام. فأعلام (السنة والجماعة) الفطاحل، وعلماؤهم النحارير ومحدثوهم النقاريس، كانوا من بلاد (فارس).

والتشيع أدخل إلى فارس، من بلاد العرب، وساهم في نشر التشيع في بلاد فارس علماء من العراق، وجبل عامل والأحساء، والمدينة المنورة.

(١١) - فجر الإسلام - أحمد أمين - (ص ٣٦٦).

(١٢) - نفس المصدر (ص ٢٧٧).

٣٥
ليست التسمية - إذا - هي موضوع الإشكال، وإنما الواقع الفعلي للمذهبين هو موضوع النقاش. إذ إننا ونحن ننظر في سنة الرسول صلى الله عليه وآله القولية والفعلية والتقريرية. سوف نتبين أي الفريقين أقرب إليها.

إن الشيعة لم يكونوا يوما مبتدعة، بل إن مذهبهم قائم في الأساس على (النص). وإذا أتيت إن الإسلام الحقيقي بعد الرسول صلى الله عليه وآله تمثل في علي (ع) فإن التشيع لعلي (ع) هو التعبير المرحلي عن التشيع لمحمد صلى الله عليه وآله بالثبات على تعاليمه وتوصياته في حق علي (ع) والذي هو الإسلام)!.

فإسم (السنة) أتى، كأستراق للفرصة، لمحاصرة (الشيعة) اصطلاحيا، لأن التيار السائد يومها لم يكن له من الحجة سوى اللعب على وتر المفاهيم القشرية. وكان اليوم الذي تحولت فيه الخلافة إلى ملك عضود، هو عام الجماعة، ومنها جاء (السنة والجماعة)!.

كان همي أن أبحث عن الإسلام الحق، فأنا لم أكن أبحث عن التمذهب.

وما أن دخلت في لجج التأريخ، حتى تبين لي أن الباحث عن اللامذهبية، كالباحث عن السراب. إن الإسلام، تفرق أهله إلى فرق لا تحصى، وما بقي من إسلام حق، بدا للمتمذهبين، مذهبا. فأي المذاهب، إذا، تمثل الإسلام الصحيح. أو حتى ما يقارب ٩٥ في المائة من الإسلام الصحيح؟

ومن يضمن لي يومها إن هذه الفرقة أو تلك، هي الأقرب إلى (الحقيقة) وأنا في خضم المعترك أبحث عن خشبة نجاة؟ ولكنني لم أشك في القرآن الكريم.

ففيه عثرت على مقومات البحث عن الحقيقة. تعلمت أن من شروط البحث عن الحقيقة، عدم الاستماع إلى القول الواحد، وإلى الفرقة الواحدة. ولكن (والذين يستمعون القول، فيتبعون أحسنه). كما رأيت إن الله، يمدح القلة ويذم الكثرة، حسب معايير الحق والباطل.. حيث يقول (وقليل من عبادي الشكور) كما يقول ذاما الكثرة الجاهلة (بل أكثرهم لا يعقلون).

إن قلبي بدأ ينفتح، شيئا فشيئا على التأريخ، والشيعة الآن أصبحوا جزءا من الإسلام، وهذا ما توصلت إليه حتى تلك اللحظات. لقد كان

٣٦
الرسول صلى الله عليه وآله أول من تكلم في الشيعة، ووصفهم للصحابة. وأول من ربط التشيع بالإمام علي (ع)، وهو يريد بذلك إثارة المستقبل في ذهن الصحابة، ويلفت المسلمين إلى قيمة علي (ع) في الآن وفي المستقبل. ليكونوا في أجوائه حين يقع ما يقع. وإلا ماذا يعني أن يقول: (علي مع الحق والحق مع علي).

أخرج ابن عساكر عن جابر بن عبد الله قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وآله فأقبل علي (ع) فقال النبي صلى الله عليه وآله: (والذي نفسي بيده، إن هذا وشيعته لهم الفائزون يوم القيامة. ونزلت (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية). (١٣).

وأخرج ابن مردويه عن علي (ع) قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله ألم تسمع قول الله تعالى (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات هم خير البرية)؟، هم أنت وشيعتك وموعدي وموعدكم الحوض إذا جاءت الأمم للحساب تدعون غرا محجلين) (١٤).

وروى ابن حجر في الصواعق المحرقة، وهو من أكبر الناقمين على الشيعة عن ابن عباس أنه قال، لما أنزل الله تعالى: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية)، قال رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي (ع): (هم أنت وشيعتك، تأتي أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيين، ويأتي عدوك غضابا مقمحين.

قال: من عدوي؟ قال: من تبرأ منك ولعنك.

وروى الحمويني الشافعي في فرائد السمطين إن الآية الكريمة: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية)، نزلت في علي (ع) فكان أصحاب محمد صلى الله عليه وآله إذا أقبل علي (ع) قالوا قد جاء خير البرية.

وروى ابن المغازلي المالكي في مناقبه عن ابن عباس، قال: سألت رسول

(١٣) - الدر المنثور - السيوطي -.

(١٤) - نفس المصدر السابق.

٣٧
كتاب لقد شيعني الحسين (عليه السلام) للكاتب إدريس الحسيني (ص ٣٨ - ص ٦٧)
٣٨
(كلمة) الشيعة كانت في البداية. إلا أنه لم يحفر في الخلفيات التاريخية، التي أظهرت التشيع كحالة مذهبية، انفردت بأفكار وعقائد خاصة، فأستاذنا، لم يحدثنا عن الآخرين، وهل ثبتت أفكارهم وعقائدهم. لقد ابتعد المسلمون عن الأفكار والعقائد في صفائها الإسلامي الأول، حتى بدت لهم عقائد أهل البيت (ع) وكأنها هي المتحركة. فهم أشبه بمن يعتقد بحركة الجبال والأشجار من رواء نافذة القطار. ثم هل خصوصية هذه الأفكار والعقائد، دليل على أخطائها؟!

كنت متأكدا من أن هؤلاء يجتهدون في دائرة أخطائهم، ويتألقون في فلسفة الباطل.

فالشيعة لغة واصطلاحا، هم أولئك الذين تمحوروا حول الرسول صلى الله عليه وآله ومن بعده على آل البيت (ع) استجابة للنصوص الواردة.

٣٩

الفصل الأول
كيف كان تصوري للتاريخ الإسلامي؟

٤٠