×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

لقد شيعني الحسين (ع) الإنتقال الصعب في المذهب والمعتقد / الصفحات: ٤٠١ - ٤٢٠

ليس البداء في اللغة، سوى الظهور، فنقول بدا الشئ أي ظهر. وكذلك في معاجم اللغة العربية والقرآن يقول (وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون).

وحسب هذا المفهوم رفض السنة (البداء) ولم يجوزوه على الله مع أنهم يؤمنون عمليا بالبداء في مفهومه الاصطلاحي كما يؤمن به الشيعة.

والشيعة أيضا، لا تجوز البداء على الله حسب هذا التعريف إذ أن علم الله مطلق وواسع ظاهر وباطن ولا يغيب عن الله شئ فيبدوا له (وما يخفي على الله من شئ في الأرض ولا في السماء) (سورة إبراهيم الآية ٣٨) ويقول الإمام علي (ع) كل سر عندك علانية وكل غيب عندك شهادة (نهج البلاغة).

وكلام الشيعة في البداء كثير وله أوجه كثيرة كلها ترتكز على أدلة عقلية ونقلية ونحن في هذا المقام المحكوم بالإجمال والإيجاز، نرتئي الاقتصار على بعض من تلك الأوجه، توخيا للإيجاز.

هناك البداء في الأقدار بمعنى التغير الذي يطرأ على قدر الإنسان بالطاعة والعمل الصالح وذلك يقوم على أساس الاعتقاد بنوعين من القدر قدر مطلق لا يتغير كأن يقدر الله على الإنسان الموت إذا انقطع عنه الأوكسجين ويموت إذا هوى من الطائرة على صخرة من الأرض.

وقدر آخر غير مطلق، قيده الله بشرط كأن يقدر عليك طول العمر بشرط صلة الرحم، ويقدر عليك الموت العاجل بشرط الزنا.

وهذا النوع من القدر، هو موضوع البداء أي القدر الذي يتغير بأعمال العباد:

(إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم).

وهو على هذا الضرب أي هذا القدر سيبقى ساري المفعول بشرط ألا لا تغير من أحوالك فإذا غيرت من أحوالك بدا لله فيه الحكم الآخر، الذي هو القدر المشروط بذلك الفعل.

ولعل هذا النوع من البداء يدل على مسألة العدل والاختيار. فمن عدل الله،

٤٠١
أن لا يجبر الإنسان على قدر واحد، حتى ولو غير حالة وما التوبة والاستغفار سوى تعبير عن هذا البداء أي إن الدعاء كما ورد عن أهل السنة أنفسهم يرد القدر.

وما يبدو لله بهذا الخصوص هو داخل في دائرة علم الله المطلق وقدر ناسخ لقدر.

فالإمام علي (ع) لما انزاح عن الحائط المتهاوي وسأله واحد: أهروبا هذا من قدر الله فقال: إن الهرب هو من قدر الله إلى قدره. كما أن في ذلك دلالة قوية على اختيار الإنسان وقدرته على تغيير مصيره بالطاعة والعمل الصالح. وهو أمر ينسجم مع عقيدة العدل في الجزاء والعقاب، الإلهيين.

وإذا كان البداء تعبيرا عن العدل الإلهي والاختيار البشري، كان ذلك اعتقادا سليما، ومن هنا يقول الأئمة: ما عبد الله بشئ مثل البداء.

ولهذا حدد الشيعة البداء فيما كان مشترطا في التقدير يقول الشيخ المفيد:

أقول في معنى البداء ما يقوله المسلمون في النسخ وأمثاله، من الافقار بعد الاغناء والأمراض بعد الاعفاء وبالإماتة بعد الإحياء وما يذهب إليه أهل العدل خاصة من الزيادة في الآجال والأرزاق والنقصان منها بالأعمال (٢٠).

ومن ذلك أيضا النسخ فيقول القرآن (ما ننسخ من آية أو ننسيها نأت بخير منها أو مثلها).

فعملية النسخ هذه هي التعبير عن البداء الذي لا يناقض علم الله المطلق فينسخ الله حكما بحكم، عندما لم يعد في الحكم المنسوخ مصلحة. ويكون عامل الزمن مرتبطا بعملية النسخ هذه، وبالتالي فإن النسخ هذا لا يعدو أن يكون تقييدا لإطلاق الحكم من حيث الزمان (٢١) والنسخ ليس محصورا في الاطار التشريعي فكذلك في الاطار التكويني، فإن الإنسان قد يخضع لمشيئة الله والبداء، فيطول

(٢٠) - أوائل المقالات / باب البداء والمشيئة.

(٢١) - الإلهيات - السبحاني.

٤٠٢
عمره بعد أن كان مكتوبا عليه قصره، أو يقصر إذا كان مكتوبا عليه طوله، وذلك بإتيان شروط ذلك البداء. فيكون البداء هو التقدير الإلهي، لتغيير حكم على الإنسان، وإخضاعه للقدر الإلهي المشروط. فيكون بداء يجري في حدود الأقدار التي خلقها الله، وليس خارجها. تجاوبا مع الإرادة التي من بها الله على الإنسان ليكون مسؤولا عن أفعاله.

وحتى لا أطيل في الكلام العقلي، أود أن أقف على الآيات والمرويات التي تحدث عن البداء وهي كلها آيات قرآنية ظاهرها وباطنها تدل عليه، كما أن المرويات كلها بسند أهل السنة والجماعة.

يقول تعالى: (كل يوم هو في شأن).

ذكر الزمخشري: إن عبد الله بن طاهر دعا الحسين بن فضل وقال له:

أشكلت علي ثلاث آيات دعوتك لتكشفها لي. قوله تعالى كل يوم هو في شأن وقد صح أن القلم جف بما هو كائن إلى يوم القيامة.

فأجاب الحسين بقوله: كل يوم هو في شأن فإنها شؤون يبديها لا شؤون يبتدؤها).

ويقول القرآن: (يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب) (الرعد / ٣٩).

وقوله: (ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض) (الأعراف ٩)

وكان يونس (ع) قد أخبر قومه بعذاب (٢٢) واقع، غير أن الله بدا له في ذلك فلم ينزل عليهم العقاب.

وقال تعالى: (فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين) (يونس ٩٨).

(٢٢) - نفيس الطبري والدر المنثور للسيوطي.
٤٠٣
وهذا البداء يتعلق بالقدر المشروط. والشرط هنا هو الإيمان.

أما الأحاديث فقد كثرت في هذا المجال:

ذكر الحاكم في مستدركه، عن ثوبان قال: قال رسول الله: (لا يرد القدر إلا الدعاء ولا يزيد في العمر إلا البر. وإن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه).

وورد في آثار أهل السنة إن عمر بن الخطاب كان يقول في الدعاء: اللهم إن كنت كتبت لي شقيا فامحه واكتب لي سعيدا (٢٣).

وعلى هذا تكون عقيدة الشيعة في البداء، هي نفسها عند السنة. إلا أن الأولين فهموها، وضبطوا إيقاعها العقائدي. بينما جهلها أهل السنة واعتقدوها من دون وعي.

وخلاصة القول إن قدر الله على قسمين. الأول مطلق لا يطرأ عليه تغيير من الخارج.

وآخر مشروط بأفعال الناس. ومعرض للتغيير. غير أنه ليس تغييرا في العلم والعزيمة، وإنما تغيير يجري بواسطة الأقدار المشروطة بفعل الناس، ويتحولون بواسطتها من قدر إلى آخر والكل في فلك واحد. هو قدر الله الذي لا يلغي إرادة الإنسان في إتيان الأفعال أو تركها. وفي ذلك نلمس عقيدة العدل والاختيار.

(٢٣) - أريد أن أجعلها نكتة للذين لا يضحون بالرجال في سبيل العقيدة التي يرون فيها الصحة، لقد ذكر الرسول في أحد إن الله ما كان ليجعل كبد حمزة في جوف يدخل النار، وهو جوف هند زوج أبي سفيان، ثم يرى السنة أن هندا قد أسلمت وتدخل الجنة. وهند عين البداء، والسنة هنا أمام خيارين: إما أن يؤمنوا بالبداء (وهم يؤمنون به عمليا) أو يكفروا إحدى الصحابيات.
٤٠٤
٤٠٥

وأخيرا

نخلص من هذه الرحلة السريعة، القاسية. في رحاب المعتقد، ومن تلك الجولة التاريخية الطويلة، لنعلن أهمية الرجوع إلى أصل المعتقدات لإعادة بناء القناعة، على أسس علمية دقيقة، بعيدا عن ذوي (التقليد) إنني لم أتذوق حلاوة العقيدة، إلا في ظل هذه الجولة وفي ضوء تلك الرحلة. عندما أوقفني البحث الطويل، المضني، على عتبة آل البيت النبوي، الذين ظلمهم التاريخ - الأموي - ووضع بديلا عنهم، نماذج وهمية، كانت هي حقا، سببا في تشتت الدين ضمن مذاهب متفرقة، أدخلت المسلمين في فتن ضارية.

إن واجب الأمة في اقتفاء آثار آل البيت - الأئمة مطلب شرعي، يستوي فيه الصحابة والتابعون ومن بعدهم، غير أن غيرهم من الأئمة، ليس هناك نص يفرض على الأمة الاقتداء بهم، بل هم أنفسهم يعلنون ذلك. فهل بهذا التفريط، والتسيب الشرعي، تثبت الحجة على الناس. وإذا كان بعض أئمة الجماعة، يعلن تمرده عن السابقين، ويدعي إنهم رجال... فأولى باللاحقين أن يتمردوا على هؤلاء الأئمة. إنني كمسلم أبحث عن تكاليفي الشرعية، ومصادرها تبين لي أني مشدود بالواجب إلى الأئمة من آل البيت (ع) مثلما شد الشرع الصحابة بهم من قبلنا ولكنني لم أر دليلا واحدا ينهض بوجوب اتباع غيرهم.. والأئمة الأربعة هم علماء لأهل السنة بلا شك، ولكن هل وجوب اتباعهم، يستند إلى نص صريح، أو بناء عقلائي متين؟!. وعليه، ما حكم

٤٠٦
الذين أتوا قبل الأئمة الأربعة؟ من يتبعون وممن يأخذون الدين؟!.

ثم لماذا كانوا أربعة وليس أكثر؟ لماذا لا ينفتح باب الاجتهاد لغيرهم ليكونوا أكثر؟ هل ثمة نص محدد لذلك؟.

الأئمة من آل البيت (ع) ثبتوا بالنص، وبالعقل أيضا.

وتوضح لي أن سيف (ديموقليس) هو الذي أنزلها تنزيلا على عقول الناس.

ولما قادني بحثي إلى الإمام الصادق (ع) شعرت بأنني كنت طيلة حياتي مخدوعا بعظماء وهميين. إذ أن هذا العملاق المجهول الذي كان معلما لمئات من علماء هذه الأمة، لم يوفه تاريخ (الجماعة) حقه، بالرغم من أن الأئمة الأربعة أخذوا عنه.

وبالرغم من أن علماء السنة أنفسهم لم يكونوا يتقدمونه لعظيم مقامه. لكن التاريخ المزيف يقلب دائما تلك الصفحات، في حركة بهلوانية مريعة وخاطفة، فيبقى السؤال موجودا في ذهن الباحث، ويخفت شيئا فشيئا، فيتبدد.

لقد بقيت زمانا طويلا، أربي نفسي على شئ واحد، أن أكون شجاعا، أن أكسب نفسية قوة لا تتأثر بمسبقاتها. وإنها - لعمري - أخطر ممارسة واجهتها، لأن مجتمعا بكامله، وبكل ثقله العرفي والثقافي والبشري، كان ضد اتجاهي هذا.

غير أن الدعاء والتصميم والتفاني، جعلني أتجاوز هذا المعوقات فهل تراني إذا طالب فتنة في لجج التاريخ؟ إن هذه هي العبارة التي طوقت ألوف المخلصين، الجوعى إلى الحقيقة المقدسة، في صفائها وشفافيتها التي افتقدناها في فكرنا وتراثنا لقد كنت دوما أتسأل حول ما إذا خرجت بنتيجة من هذه الرحلة المعتقدية!

وخشيت أن أكون مفلسا في ذلك، راجعا بخفي حنين. كانت هذه الأسئلة، جزءا من منهجي في تركيز المعتقدات وتمحيصها. وفي الأخير أثلج صدري، أن أكون قد خرجت بقيم النجاة، وسبل الرشاد، لقد ألفيت نفسي في موكب البيت النبوي، أسير وفق هداه، وأسلك وفق خطاه ورأيت نفسي منفذا، حقيقة لمطالب الإسلام. ووجدت نفسي ممارسا لحديث الثقلين، إذ ما أن أذكر القرآن إلا وأذكرهم، وما أذكرهم إلا وأذكر القرآن.

٤٠٧
أصبح حبلهم بيدي، متصلا بحبل القرآن. ترى، أي زاد كنت سأخسر وأي المعاني كنت سأفقد! وهكذا دارت علي دائرة الشكوك، ورأيتني منسجما مع عقيدة منسجمة، من أولها إلى آخرها. وما أكثر تلك الأسئلة التي غاب عني حلها، فألفيتها قارا في مدرسة آل البيت (ع).

لقد خرجت من الضيق وشدته إلى سعة الحق ورحابته.

ومن غبش المعاني إلى الوضوح والجلاء.

وإنه لجدير أن أكشف عن مدى الفجاجة التي لمستها في كل المذاهب التي انفتحت عليها. لقد قادني التفكير إلى مراجعة كل معتقداتي.

وامتدت محاولاتي في البحث والتنقيب في كل المذاهب بل والديانات بما فيها الديانات الأسطورية. إنني حاكمت يوما نفسي في خلوتها. واشترطت عليها التجرد الكامل في البحث عن الحقيقة العليا.

عن (الله) الحقيقي. وعن وحيه الأخير! لقد انفتحت على الإنجيل باحثا فيه عما ما يشفي غليلي، فرجعت أجر أذيال البؤس ويدي بيضاء من ذل السؤال.

إنني أنعى أن تكون عمتي الباحثة عن الحقيقة قد ضلت طريقها. وأحمل مذهب العامة مسؤولية بؤس عقيدتهم. أنعى أن يقودها (تبرير) مذهب الرأي إلى أن تلوذ ب‍ (شهود يهوه) أكثر انسجاما من مذهب العامة!.

وأنني أحمل مسؤولية الكثير ممن ضل عن الطريق، هذا المذهب الذي ظل معرضا عن تقديم إجابات منطقية لا تناقض البديهة.

وكذلك سارت بي الراحلة، من مذهب إلى آخر، من دين إلى آخر، أنقب، أبحث فراوحت إلى حضيرة الثقلين. منبت الهداية، وموطن الحق...

(١) - إشارة إلى دوريات (شهود يهود)، استيقظوا وبرج المراقبة.
٤٠٨