×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

لماذا اخترت مذهب الشيعة مذهب أهل البيت (ع) / الصفحات: ٢١ - ٤٠

وقوله صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام في حديث المنزلة:

(أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي) (١).

وقوله صلى الله عليه وآله في حديث الغدير:

(من كنت مولاه فهذا علي مولاه) (٢).

وقوله في حديث السفينة، وفي حديث النجوم، وحديث سد الأبواب، وباب حطة، والوصية، والمناجاة، والمؤاخاة، والكساء، والطائر المشوي، والاثني عشر خليفة وووو... وما إلى ذلك من العديد من الأحاديث النبوية الشريفة التي ستأتي في مطاوي هذا الكتاب، والتي تطفح بها كتب العامة فضلا " عن كتب الخاصة، انفتح له بصر الهدى، وتقشعت عنه سحائب العمى، وأميط له اللثام عن حقيقة الشيعة والتشيع، وأن الشيعة إنما سلكوا هذا الصراط السوي بهدي من كلام الله العزيز، واتباعا " لسنن نبيه سيد المرسلين وخاتمهم، فلم يجد بدا " من أن يعلن تشيعه وولاءه لأهل البيت عليهم السلام وأن يتجاوز طريقة الاعتقاد الآلي، منكرا " قول بعضهم (إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون) (٣)، وأن يستخدم منطق العقل، ويتحرر من قيود الجهل، مستفيدا " من سؤال من هو أعلم منه تفقها " لا تعنتا "، وأن يثني عطفه، ويشمر عن ساعد الجد لتدوين ونشر ما أدركه

١ - يأتي ص ٢٢٥.

٢ - يأتي ص ١٤٣.

٣ - إشارة إلى قوله تعالى في سورة الزخرف ٢٣.

٢١
واستوعبه من أمور إحقاقا " للحق، وإزهاقا " للباطل، وتجسيدا " للإنصاف، وإبرازا " للعدل.

ولله در الشاعر المسيحي (بولص سلامة) إذ يقول:

لا تقل شيعة هواة علي * إن في كل منصف شيعيا
وأخيرا " تجدر الإشارة إلى أن مؤسسة بضعة المصطفى صلى الله عليه وآله، التي قامت بمساعي وجهود الخطيب المفوه حجة الإسلام والمسلمين الشيخ عبد الكريم العقلي دام عزه أخذت على نفسها إحياء تراث آل محمد صلوات الله عليهم أجمعين ونشره تحقيقا " كان أم تأليفا "، وقد تصدى لهذه المهمة الخطيرة سماحة الشيخ حفظه الله تعالى يعضده بعض الأخوة الأكارم، رغبة في أن يشملهم قول المعصوم عليه السلام (رحم الله عبدا " أحيا أمرنا) (١) والحمد لله أولا " وأخرا ".

مؤسسة بضعة المصطفى صلى الله عليه وآله قم المقدسة ١٤١٦ ه‍. ق.

١ - رواه في الكافي: ٢ / ١٧٦ بإسناده إلى أبي جعفر الباقر عليه السلام ضمن ح ٢، وفي ج ٨ / ٨٠ ضمن ح ٣٧.

٢٢

كلمة المحقق

الحمد لله حمدا " نسعد به في السعداء، ونصير به في زمرة الشهداء، والصلاة والسلام على النبي وآله صلاة تشحن الهواء وتملأ الأرض والسماء واللعن الدائم على أعدائهم الأشقياء لعنا " بلا عد ولا إحصاء.

وبعد:

فإن من أهم الدعائم التي بني عليها الإسلام ولاية النبي والأئمة من بعده صلوات الله عليهم والإقرار بأنهم أولو الأمر الذين أمر الله عز وجل بطاعتهم، فقال: (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) والتسليم لهم، فإن الدرجات الرفيعة لا تنال إلا بالتسليم.

لذا وانطلاقا " من الشعور بالمسؤولية الكبرى الملقاة على عاتقنا (ثم لتسألن يومئذ عن النعيم) رأينا لزاما " أن نخوض اللجج ونبذل المهج للفوز برضى الأئمة الحجج عليهم السلام، وفي الحقيقة عزيزي القارئ، فإن هذا الكتاب هو ليس من الكتب المدرجة في ورقة عمل مؤسستنا إلا أن الهدف الأقدس الذي من أجله أنشأت المؤسسة، ألا وهو إحياء تراث (آل محمد) صلوات الله عليهم أجمعين ونشره تحقيقا " كان أم تأليفا "، هو الذي دفعنا للالتزام بتحقيقه ونشره بهذه الحلة الجديدة مع قصر الفترة الزمنية التي لا تبلغ أشهرها عدد أصابع اليد الواحدة،

٢٣
ذلك أن أحد الإخوة المؤمنين الذين استهوتهم أحاديث أهل البيت عليهم السلام فانكبوا على مطالعتها بشغف ولهفة قد اتصل بنا، وطلب منا إعادة قراءة هذا الكتاب في أشهر معدودات لضبط نصوصه، وتخريجها على كتب السنة، وتصحيح ما خرجه المؤلف، لأن طباعة الطبعة السابقة غير جيدة، والأخطاء فيها كثيرة، وقد استجبنا له مع إدراكنا المسبق بأن المدة المعينة هي محرجة وغير كافية، وتوكلنا على الحق القوي، وشمرنا عن ساعد الجد، وحسبنا أن نوفق في تقديم خدمة بسيطة لتراثنا الإسلامي الزاهر، وأن نسعف طلب أخ في الله مؤمن لتشجيعه على مواصلة هذا الدرب النير، وما التوفيق إلا من عنده سبحانه وتعالى.

وليس لنا من الفضل في إخراج هذا الكتاب أكثر من جمع ما تفرق مما تناسب واتفق من تخريجات، وإرجاع النصوص الشريفة إلى الكتب المشهورة والمعتبرة التي روتها، مقتصرين على كتب الأعلام من (أهل السنة) ليكون الدليل أقنع لهم، والحجة أقوى، ولما كان المؤلف رحمه الله قد خرج بعضا " منها، ارتأينا إبقاء تلك التخريجات في الهامش ووضعها بين { } لتمييزها عن تخريجاتنا.

وقد تم تقسيم الكتاب إلى ثمانية فصول حسب موضوعاته، وتجدر الإشارة إلى أن السيد العباس الكاشاني حفظه الله قد أتحف المؤسسة بنسخة مصححة مزينة بخط المؤلف (ره) وقد قابلناها على هذا الكتاب.

ونلفت نظر القارئ الفاضل إلى مشكلة واجهتنا، بل وتواجه كل

٢٤
من يسلك هذا السبيل، ألا وهي الطبعات المتعددة للكتاب الواحد، وبالتالي اختلاف أرقام الصفحات، وصعوبة وصول القارئ إلى بغيته بسهولة، وكنا قد عزمنا في بادئ الأمر على اعتماد طبعة واحدة لكل كتاب - مع احتمالنا لعدم توفر تلك الطبعة في البلاد التي يسكنها القارئ - إلا أن كثرة التخريجات والمصادر فيما يتجاوز عددها - المئات، وصعوبة الحصول عليها، والوصول إليها مع قصر المدة المسموحة، اضطرنا إلى الاعتماد - في الأغلب - على طبعات الكتب الجامعة لها كموسوعة إحقاق الحق (التي تشمل أصل الكتاب للشهيد الثالث رحمه الله وما أضيف عليه من استدراكات للفقيد الراحل والمرجع الكبير السيد المرعشي قدس سره) والإشارة إلى بعض الطبعات ما كان إلى ذلك من سبيل.

ونستميحك العذر أخي القارئ لنستوقفك مذكرين بواقع أن الأحاديث المتعلقة بتفسير أو تأويل آية مباركة يسهل الرجوع إليها في بطون الكتب لوحدة أرقام الآيات القرآنية المباركات، وأما باقي الأحاديث فقد سهل الرجوع إليها أيضا " لما أسدته التكنولوجيا الحديثة من خدمات في هذا المضمار ولما يلحق بالكتب الحديثية المحققة من فهارس علمية وموضوعية عديدة تعين القارئ، وتسهل للباحث أن يصل إلى ضالته بسهولة، وهذا ما يطمئن القارئ إذا ساوره التشكيك في لفظ أو معنى أو سند أحدها.

والمؤلف طيب الله نفسه ونور رمسه يورد أحيانا " في الهامش

٢٥
تعليقات لطيفة، تركناها على حالها، وصدرناها بعبارة (قال المؤلف) لفصلها عما قد نورده من تعليق بعدها مبتدئينه بكلمة (أقول).

كما قد أوردنا شروحا " لغوية بسيطة لبعض المفردات، وترجمنا لبعض الأعلام والأماكن الواردة في المتن، وأتمنا بعض النصوص التي اختصرها المؤلف ووضعناه بين [] وكذا الحال بالنسبة للكلمات أو العبارات التي نضيفها، وعلى كل فالمؤلف لم يأل جهدا " - في مؤلفه هذا - في إيراد كل ما من شأنه أن يوضح للقارئ سبب استبصاره بأسلوب بسيط واضح، فهو والحق يقال قد جد واجتهد، وأتعب نفسه لما اعتقد، فجزاه الله خير الجزاء، وجعل كتابه هذا نورا " في قبره وضياء، وحاجزا " بينه وبين لفح جهنم في يوم الجزاء.

نأمل أن نكون قد وفقنا في الوصل إلى ما كان للمؤلف من اهتمام وإعادة طبع الكتاب بما يتناسب وما له من رفعة شأن وعلو مقام.

ويسرنا أخي القارئ أن نخبرك بأن هذا الكتاب بما يحويه من مادة حيوية دسمة، قد استهوانا إلى التوسع في بحوثه، واستدراك أحاديث أخرى عليه ذات صلة بالبحث، مستقصين أسانيدها ومصادرها من كتب السنة فحسب، وإذ لم يتسنى نشرها الآن للعجالة التي ذكرناها، نسأله تعالى أن يعيننا على إعادة طبعه للمرة الخامسة في أكثر من مجلد، قريبا " إن شاء الله، ومنه تعالى نستمد العون والتوفيق.

وأخيرا " وليس آخرا "، فلا نبغي من تصدينا لتحقيق ونشر هذا المؤلف - لا سامح الله - إلى تكريس الخلاف والطائفية بين الشيعة والسنة

٢٦
بقدر ما هو خطوة جادة تتعاضد مع مثيلاتها التي انتهجها كلا الفريقين لردم الهوة وتقريب وجهات النظر وصولا " للأمنية الكبرى وتحققا " للضالة المنشودة في اتحاد المسلمين ووحدة كلمتهم ليكونوا يدا " ضد عدوهم الذي أراد لهم هذا الخلاف...

ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا...

واعف عنا، واغفر لنا، وارحمنا، أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين، إنك أنت المسدد للصواب، وإليك المرجع والمآب.

شكر وتقدير: عرفانا " بجهودهم، وتثمينا " لأتعابهم، أسجل جزيل شكري، وعاطر ثنائي، ووافر امتناني لكل من ساهم في إخراج هذا الكتاب، وأخص بالذكر منهم الأستاذ الكريم أبو علي، والأخ الأستاذ الفاضل جمال التميمي لما بذلوه من جهود صادقة، وما قدموه من أتعاب مشكورة، وإلى كافة الأخوة العاملين في مؤسسة (بضعة المصطفى صلى الله عليه وآله) جزاهم الله عن الإسلام، وعن نبيهم، وعن أئمتهم المعصومين عليهم السلام خير الجزاء، وكان الله شاكرا " عليما ".

المفتاق إلى رحمة ربه الغني عبد الكريم العقيلي عش آل محمد وحرم أهل البيت عليهم السلام قم المقدسة ١٤١٦ ه‍. ق.

٢٧

الفصل الأول





١ - ترجمة المؤلف
٢ - الخلاف بين المذاهب الأربعة
٣ - تشيعه
٤ - رحلاته



٢٨
٢٩
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين خالق الخلق أجمعين، باعث الرسل إلى خلقه لهدايتهم ودلالتهم على معرفة خالقهم، وليرشدوهم إلى العمل بما شرع الله لهم، ونصب لكل أوصياء لتثبيت ما شرع.

والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين محمد وآله الطاهرين، ورضي عن أصحابه الميامين وصحبه المنتجبين.

والعن اللهم أعداء رسولك وآل بيته الميامين الطيبين الطاهرين المعصومين، وأذقهم عذاب الجحيم، وخذهم أخذ عزيز مقتدر.

وبعد:

فلقد هدانا الله تعالى (١) وقدر لنا الأخذ بالمذهب الحق، مذهب أهل البيت عليهم السلام، مذهب حفيد رسوله: الإمام (جعفر بن محمد الصادق عليه السلام) الذي تفرعت منه واستقت عنه جميع المذاهب الأربعة، فهو أصل للمذاهب وهي الفروع.

١ - قال المؤلف: وذلك لأسباب سيأتيك تفصيلها قريبا " إن شاء الله.

٣٠
إذ أول من أخذ عن جعفر بن محمد الصادق عليه السلام (١) هو أبو حنيفة نعمان بن ثابت، لما ثبت عنه حيث يقول:

(لولا السنتان لهلك النعمان) (٢) يريد بذلك السنتين اللتين حضر

١ - قال المؤلف: ولقد أخذ العلوم عن الإمام الصادق عليه السلام كثير من العظماء والنوابغ، وناهيك عن منزله المبارك في المدينة والكوفة والحيرة، وأينما حل كانت كجامعة كبرى تموج بالعلماء والفقهاء والحكماء والنوابغ، يلقي عليهم ويملي لهم من فيض علمه المستقى عن الوحي المحمدي من أحكام التشريع وأسرار الحكم والكون من سائر العلوم، كالفلك والطب والرياضيات والكيمياء والطبيعيات إلى غير ذلك من أنواع العلوم التي لا توجد عند غيره مما يعسر تعدادها، فكانت الشيعة تأخذ منه لاعتقادهم بإمامته وعصمته، وذلك بالنص العام والخاص الوارد في حقه.

وأما سائر الفرق، فتخضع له إكبارا " لقدسيته، وإعظاما " لجلالة قدره، ولما وجدوا عنده من المزايا الفاضلة، والمواهب الإلهية، والمؤهلات والمقدرة والكفاءات، وسيأتيك أقوال العظماء من الشيعة وغيرهم في حقه عليه السلام.

٢ - قال الآلوسي: هذا أبو حنيفة، وهو من أهل السنة يفتخر ويقول بأفصح لسان: (لولا السنتان لهلك النعمان) يعني السنتين اللتين جلس فيهما لأخذ العلم عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام. كتاب التحفة الاثني عشرية: ص ٨.

أقول: وقد اشتهر عن أبي حنيفة قوله: (جعفر بن محمد أفقه من رأيته) ذكره الخوارزمي في جامع مسانيد أبي حنيفة: ١ / ٢٢٢، وفي مناقب أبي حنيفة:

١ / ١٧٣، وفي الجواهر المضيئة: ٢ / ٤٨٦.

وذكر نعيم في الحلية: ٣ / ١٩٨، والشافعي في مطالب السؤول: ٨١، والأفغاني في كتابه أئمة الهدي: ١١٧، والشافعي في الإتحاف بحب الأشراف: ٥٤ =

٣١
فيهما عند الإمام الصادق عليه السلام، وأخذ العلوم عنه.

ثم مالك (١) أخذ العلوم عن كتب أبي حنيفة.

ثم الشافعي أخذ عن مالك ودرس عليه، ولقنه ما أخذه عن كتب أبي حنيفة، عن الصادق عليه السلام.

ثم أحمد بن حنبل كذلك.

إذن جميع المذاهب الأربعة تفرعت عن الإمام (جعفر بن محمد الصادق عليه السلام، كما تقدم، وجميع المصادر التأريخية سنية كانت أم شيعية، متفقة على ذلك.

فما وجد في كتب المذاهب الأربعة موافقا " للمذهب الجعفري، فهو عن (جعفر بن محمد الصادق عليه السلام) وما كان مخالفا " فهو عن اجتهاد منهم.

فلما اعتنقنا هذا المذهب الشريف وأعلنا ذلك، قامت الطامة الكبرى، كما سيأتيك أيضا تفصيل ذلك قريبا ".

فهناك جماعات كثيرة من مختلف البلاد، طلبوا منا أن نذكر الأسباب التي دعتنا إلى الأخذ بمذهب أهل البيت عليهم السلام، مع التطرق إلى

= والدمشقي في الروضة الندية: ١٢، ومحمد بن محمد المخلوف في طبقات المالكية: ٥٢، والمصري في (مالك) حياته وعصره، آراؤه وفقهه:

١٠٤، أهم الأعلام، التي روت عنه عليه السلام، فراجع.

١ - قال مالك بن أنس: ما رأت عين، ولا سمعت أذن، ولا خطر على قلب بشر أفضل من جعفر الصادق فضلا " وعلما " وعبادة وورعا ". (مناقب ابن شهرآشوب: ٤ / ٢٤٨).

٣٢
ذكر نبذة من ترجمة حياتنا، فلبينا طلباتهم، وامتثلنا أوامرهم، وشرعنا بكتابة هذا الاملاء، مع أننا قد كتبنا قبل هذا وبعد الاستبصار، مؤلف عديدة، مفصلة ومختصرة، مطبوعة ومخطوطة، وقد انتشرت المطبوعات منها في البلاد الإسلامية، فأخذت حظها من الشهرة، وقد أثبتنا فيها ما يثبت مدعانا بحجج لا تكابر، كما سيأتي جملة منها في هذا الكتاب أيضا " إن شاء الله
٣٣

[ترجمة المؤلف]

وإليك نبذة من ترجمة حياتي:

كانت ولادتي سنة ١٣١٤ هجرية (١) في قرية من القرى التابعة إلى أنطاكية (٢)، تبعد عنها ما يقرب من أربعة فراسخ تدعى (عنصو) وهي قرية جميلة، لطيف هواؤها، عذب ماؤها، تقع بمكان مرتفع، ذات أشجار كثيرة متنوعة، وأكثرها التين والعنب والزيتون، وفيها الجوز واللوز والرمان وغيرها.

١ - أخبرنا سماحة السيد آية الله العباس الكاشاني دام عزه بأن وفاة الأنطاكي رحمه الله كانت في ذي القعدة الحرام سنة ١٣٨٣ ه‍. ق.

٢ - أنطاكية - بالفتح ثم السكون والياء مخففة -: مدينة، هي قصبة العواصم من الثغور الشامية، من أعيان البلاد وأمهاتها، موصوفة بالنزاهة والطيب والحسن وطيب الهواء وعذوبة الماء وكثرة الفواكه، وسعة الخير، بينها وبين حلب يوم وليلة، لها سور وفصيل، ولسورها ثلاثمائة وستون برجا "، وله خمس أبواب، يصعد إلى السور مع الجبل إلى أعلاه، ثم ينزل من الجهة الأخرى ويحيط بها وبمزارعها، وفي الجبل من داخل السور قلعة كبيرة والجبل يستر عنها الشمس فلا تطلع عليها إلا في الساعة الثانية، وبها كانت مملكة الروم، وبها بيع كثيرة، ومشهد حبيب النجار فيها.

(مراصد الاطلاع: ١ / ١٢٥).

٣٤
وكان فيها شيخ يعلم القرآن والكتابة فقط وذلك للصبيان، فوضعني والدي عنده لأتعلم القرآن والكتابة.

ثم بعد أن انتهيت من القرآن والكتابة ضمني والدي إليه، لأعينه في بعض الأعمال.

ولما بلغت سن الرشد، وقع في نفسي حب أهل العلم والعلماء، فإذا رأيت عالما " قمت في خدمته بحسب وسعي، ثم ألقي في روعي حب طلب العلم، وكان حينئذ شيخ في قرية قرب قريتنا يدعى الشيخ (رجب) وهو من أهل العلم، فبدأت أنا وأخي الشيخ (أحمد) عنده، وبقينا ما يقرب من ثلاث سنين.

ثم انتقلنا إلى أنطاكية ودخلنا المدرسة بواسطة شيخ يدعى الشيخ (نظيف) فأخذنا بالدراسة عنده، وعند والده الشيخ (أحمد أفندي الطويل) وبقينا فيها مدة سبع سنين تقريبا ".

وفي أثناء هذه المدة أتى إلى أنطاكية شيخ عالم جليل يدعى الشيخ (محمد سعيد العرفي) من بلد دير الزور، وكان مبعدا " من قبل الدولة الفرنسية أثناء احتلالها القطر السوري بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى سنة ١٩١٩ م، وقد أخذنا عنه أيضا مدة إقامته في أنطاكية.

في الجامع الأزهر:

ثم ارتحلنا إلى مصر، وكان السابق إليها أخي، ودخلنا الجامع الأزهر للدراسة، وبعد مدة قليلة تقرب من شهر من دخولنا الجامع الأزهر، أتى الشيخ سعيد المذكور إلى مصر، وحصلت لنا منه بذلك فوائد كثيرة، وقد أخذنا في الجامع جل

٣٥
العلوم عن عدة مشايخ من أعلام مصر.

أساتذتي في الأزهر:

١ - العلامة الأكبر الشيخ مصطفى المراغي شيخ الجامع الأزهر ورئيس المجلس الإسلامي الأعلى.

٢ - العلامة الكبير الشيخ محمد أبو طه المهنى.

٣ - العلامة الكبير الشيخ رحيم.

وغير هؤلاء من أعاظم مشيخة الأزهر ممن يطول الكلام بذكر أسمائهم.

حصول الشهادة:

ولما فرغنا من التحصيل، وحصلت لنا شهادات راقية، وأردنا العودة إلى بلادنا، طلب منا بعض أعلام مصر أن نبقى فيها لنكون مدرسا " بالأزهر، غير أنا وجدنا بلادنا أحوج إلينا من بقائنا في مصر إذ أن مصر بلد العلم والفضيلة، وفيها العلماء الفطاحل، فهم في غني عنا، ولكن بلادنا خالية من العلماء المبرزين إلا قليلا "، سيما في الفقه والتفسير والحديث، كدت لا ترى من يتقنها.

عودتنا إلى البلاد:

فعدنا إلى البلاد، وأخذنا نمتهن إمامة الجماعة والجمعة والتدريس والإفتاء والخطابة مدة طويلة، نحو خمسة عشر عاما ".

٣٦

الخلاف بين المذاهب الأربعة

وكنا في هذه المدة نتذاكر في شأن الخلاف بين المذاهب الأربعة:

أنا، وأخي الشيخ (أحمد) ونتعجب منه، وإذ ذاك نجد في المسألة خلافا " في نفس المذهب، وفي كثير من المسائل الخلافية، فضلا " عن الخلاف الواقع بينه وبين المذاهب الثلاثة، حتى رأينا أن بعض المذاهب يحلل مسألة والآخر يحرم، وبعضا " يكره والآخر يسن، وهكذا دواليك.

مثلا ": إن الشافعي يقول:

إن لمس المرأة الأجنبية يوجب الوضوء (١).

والحنفي يقول بخلافه (٢).

ويخالفهما مالك حيث يقول: إن اللمس إذا كان بشهوة، أو عن عمد، وجب الوضوء، وإلا فلا (٣) ! !

أيضا ": الشافعي يجيز نكاح البنت من الزنا، ويخالفه الثلاثة (٤) ! !

١ - الشافعي في كتابه الأم: ج ١ ص ١٥.

٢ - بدائع الصنائع: ج ١ ص ٣٠، حلية العلماء: ج ١ ص ١٨٦.

٣ - مالك في كتابه المدونة الكبرى: ج ١ ص ١٣.

٤ - الشافعي في كتابه الأم: ج ٧ ص ١٥٥.

٣٧
والحنفي يقول بوجوب الوضوء من خروج الدم من البدن، ولو قليلا "، ويخالفه الثلاثة) (١).

أيضا ": الحنفي يجيز الوضوء بالنبيذ واللبن المشوب بالماء، ويخالفه الثلاثة (٢) !

ويقول مالك بجواز أكل لحم الكلاب، ويخالفه الثلاثة (٣) !

والشافعي يجيز أكل لحم الضبع والجري والثعلب (٤).

وأبو حنيفة يحرم أكلها (٥).

والقنافذ يحلها الشافعي، والآخرون يحرمونها (٦) !

إلى كثير من هذا الخلاف الواقع بينهم من أول الفقه إلى آخره (٧).

يا سبحان الله ! أفهل كانت الشريعة ناقصة لم تتم حتى أتوا بما أتوا به من الخلاف الدائر بينهم، فهذا يحلل وذاك يحرم، والآخر يجيز، وذاك بالعكس ؟ !

وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال:

(حلال محمد حلال إلى يوم القيامة، وحرام محمد حرام إلى يوم القيامة) (٨).

أما ترى أن الشافعي نفسه قد ألف (مذهبه القديم) ونشره بين

١ - الحاوي الكبير: ج ١ ص ٢٠٠.

٢ - بدائع الصنائع: ج ١ ص ١٥، حلية العلماء: ج ١ ص ٧٢.

٣ - حلية العلماء: ج ٣ ص ٤٠٧، المجموع: ج ٩ ص ١٦.

٤ - حلية العلماء: ج ٣ ص ٤٠٦، (٥ و ٦) المصدر السابق.

٧ - أقول: راجع كتاب (الخلاف) للشيخ الطوسي، ففيه ما يغني البحث.

٨ - الكافي: ج ١ ص ٥٨ ح ١٩.

٣٨
المسلمين في العراق والحجاز واليمن والشام، ثم ارتحل إلى مصر لأمر ما وخالط المغاربة وأخذ عنهم، فعدل عن مذهبه القديم وألف مذهبا " آخر أسماه (المذهب الجديد) حتى لم يبق من المذهب الأول إلا مسائل ! !

أقول: فإن كان مذهبه الأول صحيحا "، فلماذا أتى بالثاني وبالعكس ؟

وأيضا " نرى أبا حنيفة يأتي بالقول في أحد المسائل مثلا "، ويأتي (أبو يوسف) (١) أو (محمد) (٢) أو (زفر) (٣) وهم ممن أخذوا عنه، وتلمذوا عليه ويخالفونه، فمرة يكون أحدهم معه والآخران عليه، وبالعكس، أو يخالفوه الثلاثة أو يوافقونه !

وهكذا مالك وأحمد والخلاف دائر بينهم في جميع المسائل، وطبعا " هذا مما يوقع في الريب.

الوهابية:

وكنا نسمع عن الوهابية (٤) بأنهم يقيمون الحدود، ويجرون

١ - هو يعقوب بن إبراهيم القاضي، ترجم له في لسان الميزان: ٦ / ٣٦٨.

٢ - هو محمد بن الحسن الشيباني، ترجم له في لسان الميزان: ٥ / ١٣٨.

٣ - هو زفر بن الهذيل العنبري، ترجم له في لسان الميزان: ٢ / ٥٨٨.

٤ - قال المؤلف: الوهابية: هم فئة ضئيلة، وفرقة ضالة مضلة، منسوبة إلى محمد بن عبد الوهاب المتولد عام ١١١١ والمتوفى عام ١٢٠٦ وهو الذي آل أمره إلى اتباع الهوى، والاغترار بالأباطيل والمنى، فاخترع مذهبا " خارجا " عن =

٣٩
الأحكام الشرعية تماما "، فهاجرنا إلى الحجاز وتخللنا بينهم مدة، فوجدنا الأخبار التي وصلتنا من القطر الحجازي كانت خلاف الواقع، فإنهم أضر على الإسلام من كل شئ، وقد شوهوا سمعة الإسلام بأعمالهم وأفعالهم، وبسوء فتاوى علمائهم، وبسوء صنيعهم بالعترة الطاهرة الأئمة الصالحين وغيرهم، وذلك بهدم قبورهم.

ولعمري لقد أرادوا هدم ضريح النبي المقدس صلى الله عليه وآله فعارضهم كثير من المؤمنين من شرق الأرض وغربها، فتركوه خوف الفتنة والإثارة، أنظر إلى غريب فتواهم ! !

= فرق الإسلام، بناه على أنقاض ما أسسه ابن تيمية الحراني، وتلميذه ابن القيم، وقد تبعه حثالة من الناس.

ومن مذهبهم تحريم الاحتفال بالموتى حتى الأنبياء والأئمة عليهم السلام، وتحريم البناء على قبورهم، وزيارتهم والتوسل إلى الله والاستشفاع بهم، وسوق النذور والقرابين التي يتقرب بها إلى الله ويهدى ثوابها لهم، والصلوات في تلكم المراقد الشريفة ووجوب المنع عن جميع ذلك، وهدم البنايات القائمة على القبور المقدسة، كما فعلته أياديهم الأثيمة المأجورة، وأنه يجب اتباع من شهر السيف منهم متسميا " بإمام المسلمين، وأن المتبع هو رأيه حسب مقتضيات الظروف والأحوال، ولا عبرة بقول ميت أبدا "، وقد بلغت به الجرأة حتى قال: (عصاي خير من محمد فإنها تنفع ومحمد لا ينفع) ! !

وهؤلاء يكفرون فرق المسلمين، وينبزونهم بالشرك والإلحاد، ويبيحون دماءهم إلى آخر ما جاء في ص ٣٨٨ من شهداء الفضيلة، ومن الغريب أن الوهابي المجرم ينسب إلى الشيعة أمورا " لا توجد في أصول مذهبهم، وليست في كتبهم.

٤٠