×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

لماذا اخترت مذهب الشيعة مذهب أهل البيت (ع) / الصفحات: ٤٤١ - ٤٦٠

أو غير مختار، فنمت قليلا "، وعند الصباح أتيت أخي، وكنا إذ ذاك في دار واحدة، فطرقت عليه الباب، وقلت له: خذ هذا الكتاب...

إلى آخر ما ذكرناه (١).

ثم رجعت إلى منزلي، وجعلت أفكر في هذا الأمر العظيم الشأن، فبينما كنا نعتقد أن الشيعة فرقة ضالة، وأن غيرها من الفرق على الصواب، وإذا الأمر بالعكس، فعقدت الضمير على التشيع، وهكذا أخي إذ أن الذي صرت إليه صار إليه سواء بسواء، فكان تشيعي ليلا "، وأخي صباحا "، وعند ذلك عزم أخي لمقابلة مؤلف هذا الكتاب العظيم (الإمام شرف الدين - ره -) وفعلا " ذهب إليه، وبقي عند سماحته ضيفا " بضعة أيام مكرما " معززا "، ولما عاد زوده بكتاب (أبي هريرة) وهذا كتاب ثان من كتب الشيعة.

قلت: كيف وجدت هذا الرجل ؟ فأجاب بما معناه أنه فوق ما نتصور، عالم كريم، سمح الخلق، يمت بالنسب إلى موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن زين العابدين بن الحسين بن علي ابن أبي طالب عليهم السلام.

وعندئذ باشرنا في التبليغ، وتشيع معنا ثلة من ذوي الرأي، ثم ثلة وثلل كما تقدم منا قريبا " تفصيل ذلك، وقد ذكرنا أسماء المستبصرين في كتابنا (سبل الأنوار) ولما أخذنا بالمذهب الحق، واشتهر أمرنا أخذ يأتي إلينا الناس

١ - في ص ٥٣.
٤٤١
جماعات وأفرادا "، فمنهم متبسما "، ومنهم متغيظا "، وذلك للاحتجاج والمناظرات وللاستفادة.

وهناك مناظرات عديدة جرت بيننا وبين القوم، سنسجل جملة منها في كتابنا هذا تتميما " للفائدة، راجيا " من الله الثواب، ومن أصحاب العصمة آل بيت الرسول عليهم السلام الشفاعة يوم الحساب.

[مناظراته بعد استبصاره]

مناظرتي مع كبير علماء الشافعية

بعد اشتهار أمرنا بالتشيع، أتاني أحد أعاظم علماء الشافعية المشهورين بالعلم والفضيلة في مدينة حلب الشهباء، وسألني بكل لطف: لماذا أخذتم بمذهب الشيعة، وتركتم مذهبكم ؟

وما هو السبب الداعي لكم، واعتمادكم عليه ؟

وما هو دليلكم على أحقية علي بالخلافة من أبي بكر ؟

فناظرته كثيرا "، وقد وقعت المناظرات فيما بيننا مرارا "، وأخيرا " اقتنع الرجل (١).

ومن جملة المناظرة أنه سألني عن بيان الأحقية في أمر الخلافة.

هل أبو بكر أحق أم علي ؟

فأجبته إن هذا شئ واضح جدا " بأن الخلافة الحقة لأمير المؤمنين

١ - قال المؤلف: استبصر سلمة الله تعالى أيضا "، وأخذ بالمذهب الحق، المذهب الجعفري، وإنما لم نصرح باسمه لأمر ما، والله العالم.
٤٤٢
علي عليه السلام فور وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله ثم من بعده إلى الحسن المجتبى عليه السلام ثم إلى الحسين الشهيد بكربلاء عليه السلام ثم إلى علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام، ثم إلى محمد بن علي الباقر عليه السلام، ثم إلى جعفر بن محمد الصادق عليه السلام (١)، ثم إلى موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام، ثم إلى علي بن موسى الرضا عليه السلام، ثم إلى محمد بن علي الجواد عليه السلام ثم إلى علي بن محمد الهادي عليه السلام، ثم إلى الحسن بن علي العسكري عليه السلام، ثم إلى الحجة ابن الحسن المهدي الإمام الغائب المنتظر (عجل الله فرجه الشريف).

١ - قال المؤلف: وهو الذي شهر المذهب، إذ سنحت له الفرصة يوم تكالبت الدولتان (الأموية والعباسية) على الدنيا، فنهض الإمام الصادق عليه السلام ونشر المذهب حتى كان ما يربو عنده على الأربعة آلاف طالب كلهم ملأ دلوه إلى غربه، فكان كل واحد منهم جدلي لا يمارى، ولا يجارى، لا يدركه الباطل ولا يفوته الحق، وعلى الأقل كان أحدهم يحفظ ستين أو سبعين ألفا " من الحديث، أو أكثر، كهشام بن الحكم، وزرارة، وأبي بصير، وجابر بن حيان، وغيرهم.

وأما أبو حنيفة، وإن كان قد أخذ عن الصادق عليه السلام سنتين كما يدعي هو لكنه انحرف أخيرا "، وألف لنفسه مذهبا " خاصا "، خالف فيه بكثير أستاذه الصادق عليه السلام، وكان بينهما بونا " شاسعا "، وقد غضب عليه الإمام جعفر عليه السلام، ودعا عليه لارتكابه ما لا يرضي الله.

فانصف بربك أيها المسلم واحكم بعدل وإخلاص، ودع العصبية، فإنك سوف تلاقي ربك، أمثل هذا يكون رئيسا " للمذهب ؟ !

فلا حول ولا قوة إلا بالله.

وإن شئت أن تعرف حال أبي حنيفة، فراجع أي كتاب من كتب التواريخ خصوصا " تاريخ بغداد للخطيب البغدادي المجلد الثالث عشر ص ١٨١.

٤٤٣
ودليل الشيعة على ذلك:

الكتاب الكريم، والسنة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وآله من الطرفين وكتبهم مليئة من الحجج والبراهين الرصينة، ويثبتون مدعاهم من كتبكم ومؤلفاتكم إلا أنكم أعرضتم عن الرجوع إلى مؤلفات الشيعة والوقوف على ما فيها، وهذا نوع من التعصب الأعمى.

أما الكتاب فقوله تعالى: (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) (١).

وإن هذه الآية نزلت في ولاية (علي) بلا ريب بإجماع الشيعة، وأكثر علماء السنة في كتب التفسير، كالطبري، والرازي، وابن كثير، وغيرهم فإنهم قالوا بنزولها في علي بن أبي طالب عليه السلام.

ومما لا يخفى على ذي مسكة بأن الله جل وعلا هو الذي يرسل الرسل إلى الأمم، لا يتوقف أمرهم على إرضاء الناس، وكذلك الوصاية تكون من الله لا بالشورى، ولا بأهل الحل والعقد، ولا بالانتخاب أبدا "، لأن الوصاية ركن من أركان الدين، والله جل وعلا لا يدع ركنا " من أركان الدين إلى الأمة تتجاذبه أهواءهم، كل يجر إلى قرصه.

بل لا بد من أن يكون القائم بأمر الله بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله منصوصا " عليه من الله، لا ينقص عن الرسل ولا يزيد، معصوما " عن الخطأ.

١ - قال المؤلف: وقد تقدم القول في تفصيل هذه الآية الكريمة، وأنها نزلت في علي عليه السلام في ص ٨٠.
٤٤٤
فالآية نص صريح في ولاية علي عليه السلام، وقد أجمعت الشيعة وأكثر المفسرين من السنة أيضا " أن الذي أعطى الزكاة حال الركوع هو (علي) بلا خلاف، فتثبت ولايته عليه السلام أي خلافته بعد رسول الله صلى الله عليه وآله بهذه الآية:

فأورد علي حجة يدعي بها تدعيم خلافة أبي بكر، فقال:

إن أبا بكر أحق بالخلافة !

إذا أنه أنفق أموالا " كثيرة قدمها إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وزوجه ابنته، وقام إماما " في الجماعة أيام مرض النبي صلى الله عليه وآله.

فأجبته قائلا ": أما إنفاق أمواله، فدعوى تحتاج إلى دليل يثبتها، ونحن لا نعترف بهذا الإنفاق، ولا نقر به، ثم نقول:

من أين اكتسب هذه الأموال الطائلة ؟ ومن الذي أمره به ؟

ولنا أن نسألك: هل الإنفاق كان في مكة أم بالمدينة ؟

فإن قلت: في مكة، فالنبي صلى الله عليه وآله لم يجهز جيشا "، ولم يبن مسجدا "، ومن يسلم من القوم يهاجره (١) إلى الحبشة، والنبي صلى الله عليه وآله وجميع بني هاشم لا تجوز عليهم الصدقة، ثم إن النبي صلى الله عليه وآله غني بمال خديجة كما يروون (٢).

وإن قلت: بالمدينة، فأبو بكر هاجر ولم يملك من المال سوى

١ - يعني يأمره بالهجرة.

٢ - فإنفاق أبي بكر - على ما يدعيه الخصم - وعدمه سواء بسواء أمام هذا الحديث المشهور، إذ لا أثر له في سير الرسالة المباركة، لا بل هو لا يعد بشئ إذا قيس بسيف علي عليه السلام ناهيك عن بيتوتة علي عليه السلام على فراش رسول الله صلى الله عليه وآله وبذله مهجته وروحه وفاء له صلى الله عليه وآله والجود بالنفس أقصى غاية الجود، فتدبر، وانصف.

٤٤٥
(٦٠٠) درهم، فترك لعياله شيئا "، وحمل معه ما بقي ونزل على الأنصار، فكان هو وكل من يهاجر عالة على الأنصار، ثم إن أبا بكر لم يكن من التجار، بل كان تارة بزازا " يبيع - يوم اجتماع الناس - أمتعة يحملها على كتفه، وتارة معلم الأولاد، وأخرى نجارا " يصلح لمن يحتاج بابا " أو مثله.

وأما تزويجه ابنته لرسول الله صلى الله عليه وآله فهذا لا يلزم منه تولي أمور المسلمين به.

وأما صلاته في الجماعة - إن صحت - فلا يلزم منها تولي الإمامة الكبرى والخلافة العظمى، فصلاة الجماعة غير الخلافة، وقد ورد أن الصحابة كان يؤم بعضهم بعضا "، حضرا " وسفرا "، فلو كانت هذه تثبت دعواكم لصح أن يكون منهم حقيق بالخلافة، ولو صحت لادعاها يوم السقيفة لنفسه لكنها لم تكن آنذاك، بل وجدت أيام الطاغية معاوية لما صار الحديث متجرا "، ثم حديث الجماعة جاء عن ابنته عائشة فقط !

ولا ننسى لما سمع النبي صلى الله عليه وآله تكبيرة الصلاة، قال من يؤم الجماعة ؟ فقالوا: أبو بكر.

قال: احملوني فحملوه - بأبي وأمي - متعصبا " مدثرا "، يتهادى بين رجلين (علي، والفضل) حتى دخل المسجد.

فعزل أبا بكر وأم الجماعة بنفسه، ولم يدع أبا بكر يكمل الصلاة، فلو كانت صلاة أبي بكر بإذن النبي صلى الله عليه وآله أو برضاه، فلماذا خرج بنفسه صلى الله عليه وآله وهو مريض وأم القوم ؟ !

والعجب كل العجب من إخواننا أنهم يقيمون الحجة بهذه الأشياء

٤٤٦
التي لا تنهض بالدليل، ويتناسون ما ورد في علي عليه السلام من الأدلة التي لا يمكن عدها، كحديث يوم الإنذار (١) إذ جمع رسول الله صلى الله عليه وآله عشيرته الأقربين بأمر من الله: (وأنذر عشيرتك الأقربين) فجمعهم الرسول صلى الله عليه وآله وكانوا إذ ذاك أربعين رجلا "، يزيدون رجلا " أو ينقصونه، وصنع لهم طعاما " يكفي الواحد منهم، فأكلوا جميعهم حتى شبعوا، وبعد أن فرغوا، قال النبي صلى الله عليه وآله:

(يا بني هاشم ! من منكم يؤازرني على أمري هذا ؟ فلم يجبه أحد، فقال علي عليه السلام: أنا يا رسول الله، أوازرك، قالها ثلاثا "، وفي كل مرة يجيب علي: أنا يا رسول الله.

فأخذ برقبته، وقال: أنت وصيي، وخليفتي من بعدي، فاسمعوا له وأطيعوا).

وحديث (يوم الغدير) المشهور (٢) وحديث (الثقلين) (٣) وحديث (المنزلة) (٤) وحديث (السفينة) (٥) وحديث (باب حطة) (٦) وحديث (أنا مدينة العلم وعلي بابها) (٧) وحديث (المؤاخاة) وحديث (تبليغ سورة براءة) و (سد الأبواب) (قلع باب خيبر) و (قتل عمرو بن عبد ود) و (زواج بضعة الرسول فاطمة الزهراء عليها السلام) إلى كثير

١ - { تقدم في ص ١٩٣ فراجع }.

٢ - { تقدم في ص ١٤٣ فراجع }.

٣ - { تقدم في ص ٢٠٣ }.

٤ - { تقدم في ص ٢٢٥ }.

٥ - { تقدم في ص ٢٣٢ }.

٦ - { تقدم في ص ٢٣٣ }.

٧ - { تقدم في ص ٢٤٥ }.

٤٤٧
وكثير من ذلك النمط مما لو أردنا جمعها لملأنا المجلدات الضخمة.

أفكل هذه الروايات المتفق عليها لا تثبت خلافة علي عليه السلام وتلك الروايات المختلف فيها، المفتعلة، تثبت لأبي بكر تولي منصب الرسالة ؟ !

وهذا شئ عجاب !

ثم قال لي: أنتم لا تعترفون بخلافة أبي بكر.

قلت: لا، هذا لا نزاع فيه عندنا، ولكن ننازع في الأحقية والأولية، هل كان أبو بكر أحق بها أم أمير المؤمنين عليه السلام ؟ ها هنا النزاع، ولنا عندئذ [أن] ننظر في هذا الأمر العظيم الذي جر على الأمة بلاء، وفرق الأمة ابتداء يوم السقيفة إلى فرقتين بل إلى أربع فرق، فالأنصار انقسموا على أنفسهم قسمين: قسم يريد عليا " - وذلك بعد خراب البصرة - والآخر استسلم وسلم الأمر إلى أبي بكر، وكذلك المهاجرون: منهم من يريد أبا بكر والآخر عليا "، ثم إلى فرق تبلغ الثلاث والسبعين، كل فرقة تحمل على من سواها من الفرق حملة شعواء لا هوادة فيها، فجر الأمة الإسلامية إلى نزاع دائم عنيف، فكفر بعضهم بعضا "، ولا زالت الأمة تمخر في بحور من الدماء، من ذلك اليوم المشؤوم إلى يوم الناس هذا، ثم إلى يوم يأتي الله بالفرج، هذا الذي نحاول فيه.

فالشيعة برمتهم يحكمون بما ثبت عندهم من الأدلة قرآنا وسنة وتاريخا "، ويحتجون من كتب خصومهم السنة، فضلا " عن كتبهم،

٤٤٨
بالخلافة لعلي عليه السلام، ولبنيه الأئمة الأحد عشر عليهم السلام الذين تمسك الشيعة بإمامتهم.

إلى غير ذلك من الأدلة التي أوردتها على فضيلته، فسمع وقنع، وخرج من عندنا وهو في ريب من مذهبه، وشاكرا " لنا على ما قدمناه له من الأدلة، وقد طلب مني بعض كتب الشيعة ومؤلفاتهم، فأعطيته جملة منها، وفيها من كتب الإمام الحجة المجاهد السيد (عبد الحسين شرف الدين).

ولا بأس بأن نطالب في هذا المقام إخواننا السنة أن يقفوا على كتب الشيعة ومؤلفاتهم بلا تعصب، ونرشدهم إلى جل من الكتب كمؤلفات سيدنا الإمام (شرف الدين) وكتاب (الغدير) للعلامة الأميني، وإحقاق الحق) و (الصوارم المهرقة) وكلاهما للشهيد السعيد الإمام (القاضي نور الله) و (عبقات الأنوار) للإمام السيد (حامد حسين الهندي) و (غاية المرام) للإمام (البحراني) و (السقيفة) و (دلائل الصدق) للحجة العلامة (المظفر) و (أصل الشيعة وأصولها) للإمام (كاشف الغطاء) وغيرها فإن فيها ما فيه الكفاية لأولي الألباب المخلصين، المجردين عن العصبية المذهبية، وبالله التوفيق.

شيعي وسنتي يترافعان عندي

دخل علي يوما " في حلب نفران من أهل حمص: أحدهما شيعي مستبصر، والآخر سني مستهتر، وكانت بينهما مناقشة أولوية

٤٤٩
علي عليه السلام بالخلافة، فقال لي الشيعي: يقول صاحبي هذا، وهو من أهل السنة: ليس هناك نص على علي عليه السلام بأنه الخليفة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله بلا فصل !

فسألني السني هل هناك نص صريح ؟

فأجبته: نعم، بل نصوص صريحة في كتبكم ومصادر كم، وأحلته على تاريخ الطبري، وابن الأثير، والتفاسير أجمع، وذكرت له تفسير آية (وأنذر عشيرتك الأقربين) من تاريخ الكامل لابن الأثير، والحديث بطوله، وقد رواه ابن الأثير بزيادة ألفاظ على ما رواه الطبري إلى أن انتهيت إلى قول النبي صلى الله عليه وآله: (أيكم يا بني عبد المطلب يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي ووصيي، وخليفتي من بعدي ؟) وإجابة علي عليه السلام لما لم يجبه أحد منهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله:

(هذا أخي، ووزيري، ووصيي، وخليفتي من بعدي، فاسمعوا له وأطيعوا) (١).

ثم قلت له: أيها المحترم، أتطلب نصا " أصرح من هذا النص ؟

فقال: إذا ما صنعوا ؟ ففهمت من قوله (ما صنعوا) يشير إلى اجتماعهم في السقيفة، وتنازعهم فيمن يخلف رسول الله صلى الله عليه وآله أمهاجرون أم أنصار فقلت له: هذا ما وقع.

فقال: عجبا "، عجبا "، وانتهى الأمر، وقال قولا في هذا المقام، ولا أريد ذكره، ثم استبصر وذهب حامدا " شاكرا ".

١ - تقدم الحديث ص ١٩٣.
٤٥٠
وقد بلغني من بعض الثقات أنه قام بالدعوة إلى المذهب الحق، فاستبصر على يده جماعات.

والحمد لله على هذه النعمة، وهي نعمة الولاء والبراء.

مناظرة مع جماعة من أهل السنة

وفي الليلة الخامسة من شهر رمضان المبارك سنة ١٣٧١ ه‍ بينما أنا مشتغل في مكتبتي بكتابة كتاب: (الشيعة وحجتهم في التشيع) إذ وفد علي جماعة يبلغ عددهم نحو خمسة عشر شخصا "، أو أكثر، وفيهم العلماء وغير العلماء فتلقيتهم بالترحاب، وبصدر رحب، وقلب ملؤه السرور، وما أن اطمأن بهم الجلوس حتى فاتحوني بالبحث العلمي، يريدون الإيضاح عن مذهب الشيعة، وعن اعتقادهم في الخلافة، وما يدور حولها.

فبادرت إلى الجواب، وهم صامتون يصغون إلى ما أورد عليهم من الأدلة الواضحة، والحجج القاطعة، والبراهين الساطعة القائمة لدينا ولديهم حتى مضى علينا أكثر من ثلثي الليل، وبعد انتهائنا من البحث، قاموا: فمنهم الشاكر، ومنهم المنكر، ومن جملة ما أفدت عليهم، قلت:

لا شك في أن النبي صلى الله عليه وآله كان يعلم أن أمته الجديدة القريبة العهد بالإسلام، وما هي عليه من الرغبة في الخلافة، ويعلم أنه سينقلب

٤٥١
الكثير منهم على الأعقاب (١)، ولا يسلم منهم إلا مثل همل النعم (٢) عند ورودهم على الحوض - كما جاء في البخاري في حديث الحوض - ويعلم علم اليقين أن أصحابه كانوا يضمرون الشر لوصيه وخليفته من بعده علي عليه السلام، وأنهم فور موته يحدثون حدثا ".

إذن، فلا بد أن يكون قد وضع للخلافة حلا " لها، يوقف من تدعوه نفسه إلى الخلافة.

ولا يخفى عليه أمر أصحابه، إذ أنه قد سبرهم، وعرف المستقيم منهم والملتوي.

وهو القائل لهم: (ستتبعون سنن من قبلكم شبرا " بشبر، وذراعا " بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه) (٣).

وكان شيخنا العلامة الشيخ (أحمد أفندي الطويل الأنطاكي) يرويه لنا في أثناء الدرس، وعلى المنبر، ويقول في ختام الحديث:

ولو جامع أحدهم امرأته في السوق لفعلتموه ! ! وهو القائل: (من لم يعرف إمام زمانه، مات ميتة جاهلية) أي كفر (٤).

١ - قال تعالى في سورة آل عمران: ١٤٤: (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا " وسيجزي الله الشاكرين) ٢ - قال ابن الأثير في النهاية: ٥ / ٢٧٤: في حديث الحوض:

(فلا يخلص منهم إلا مثل همل النعم) الهمل: ضوال الإبل، واحدها هامل أي إن الناجي منهم قليل في قلة النعم الضالة.

٣ - راجع شرح النهج لابن أبي الحديد: ٩ / ٢٨٦ (منشورات مكتبة المرعشي).

٤ - راجع شرح النهج لابن أبي الحديد: ١٣ / ٢٤٢.

٤٥٢
إذن، فلا بد أن يضع للخلافة حلا " يوقفهم عند حدهم.

ونحن ما دمنا نعتقد أنه نبي مرسل من الله، ويعلم أنه الذي ختم الرسل [وأن رسالته] مستمرة إلى أخر الدنيا، فلا يبقى له أن يترك أمته فوضى مع علمه أنها ستفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة كما في الحديث هذا ودعوى إيكال أمر الخلافة إلى الأمة باطلة لأمور:

أولا: إن أهل الحل والعقد، أو الانتخاب، أو ذوي الشورى لا يتم [الأمر] بما أوكل إليهم إلى مدى الدهر، بل هو عين إيقاع الأمة في الفوضى التي توقع الأمة في هوة ساحقة لا حد لها ولا قرار، لهذا نرى الأمة لا زالت تمخر في بحور من الدماء من ذلك اليوم إلى يومنا هذا، ثم إلى انتهاء حياة البشر يوم البعث والنشور.

ثانيا ": مما لا خفاء فيه أن الناس مختلفون في معتقداتهم، ومتباينون في آرائهم، ونرى أنه لا ينفق اثنان في الرأي، بل الإنسان نفسه لا يتفق له أن يستمر على رأي دائم، بل يتقلب رأيه في كل لحظة، فكيف يمكن أن يكون الأمر موكولا " إلى أهل الحل والعقد ؟ ! وهذا يأباه العقل والوجدان.

ثالثا ": يستحيل أن يحصل الاتفاق بإيكال الأمر إلى أهل الحل والعقد، فلا بد من وقوع اضطرب شديد بين الشعوب والقبائل، ووقوع القتل والسلب والنهب وغيرها، مما هو موجود كما هو موجود في كل عصر ومصر، ولم يمكن لرئيس أن يتم على يده نظام حياة الإنسان إلا بالقوة القاهرة، وهذه مؤقتة زائلة، ومتى زالت رجع كل

٤٥٣
واحد إلى ما كان عليه من الأعمال الضارة بالسكان.

لهذا قلنا مكررا ":

إن الله لا يدع أمرا " من أمور الدين للأمة تتجاذبه أهواءهم، بل لا بد من أن يوكل الأمر إلى أربابه ممن له أهلية، كاملة في العلم الغزير الذي كان عند الرسول صلى الله عليه وآله (١) والشجاعة، والحكم، والكرم، والزهد، والتقى، والفراسة، والإعجاز، وأهمها العصمة.

وغير ذلك مما يكون الوصي الذي يقوم مقام الرسول في حاجة إليه في إدارة دفة الحكم، وهذا لا يمكن أن يتمكن منه أحد إلا الله العالم بما تكنه الصدور، ويعلم السر وأخفى، والرسول قد بين بصراحة في كل مناسبة أن الوصي والخليفة من بعده (علي) عليه السلام.

كما وإن هناك أدلة كثيرة أخرى ترشدك إلى ما تقوم به الحجة، زيادة على ما قدمنا، مما هو ثابت لدنيا معاشر الشيعة، والكتاب والسنة بنيتا على ذلك، ثم استحسن جميعهم ما أفدت عليهم، وطلبوا مني بعض مؤلفات الشيعة، فأعطيتهم بعض ما كانت عندي، فقاموا واستسمحوا الله تعالى على هذه النعمة.

١ - قال المؤلف: كحديث (أنا مدينة العلم وعلي بابها).
٤٥٤

مناظرة لطيفة بيني وبين بعض مشايخ الأزهر

في اليوم السابع من شهر ذي القعدة الحرام عام ١٣٧١ ه‍ قبيل الظهر، أخبرني أحد وجهاء حلب، وهو الأستاذ (شعبان أبو رسول) بأن أحد مشايخ الأزهر، وهو علامة كبير، ومؤلف شهير يقصد زيارتكم، فمتى يأتكم ؟ فقلت: يا أهلا وسهلا، فليشرف في هذا اليوم.

فجاءني بعد العصر، ويعد أن بنا المجلس ورحبت به، سألني قائلا ": إنني قصدتك للاستفسار عن السبب الذي دعاكم على الأخذ بالمذهب الشيعي، وترككم المذهب السني الشافعي ؟

فأجبته بكل لطف: الدواعي كثيرة جدا "، منها:

رأيت اختلاف المذاهب الأربعة فيما بينهم، ومنها، ومنها، وقد أخذت أعدد له الأسباب التي دعتني إلى الأخذ بالمذهب الشيعي، ثم قلت: وأهمها أمر الخلافة العظمى التي هي السبب الأعظم في وقوع الخلاف بين المسلمين إذ لا يعقل أن الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله يدع أمته بلا وصي عليهم يقوم بأمر الشريعة التي جاء بها عن الله كسائر الأنبياء، إذ ما من نبي إلا وله وصي أو أوصياء معصومون يقومون بشريعته، وقد ثبت عندي أن الحق مع الشيعة، إذ معتقدهم أن النبي صلى الله عليه وآله قد أوصى لعلي عليه السلام قبل وفاته، بل من

٤٥٥
كتاب لماذا اخترت مذهب الشيعة للشيخ الأنطاكي (ص ٤٥٦ - ص ٥٠٢)
٤٥٦
المالكي أو الشافعي، أو أحمد بن حنبل مع بعض مزاياهم التي يذكرونها ؟ فلم يجبك بجواب تطمئن إليه النفس.

والسر في ذلك إن كل واحد منهم لم يكن نبي، أو وصي نبي وما كان يوحى إليهم، ولم يكونوا ملهمين، بل إنهم كسائر من ينتسب إلى العلم، وأمثالهم كثير وكثير من العلماء.

ثم إنهم لم يكونوا من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وأكثرهم، أو كلهم، لم يدركوا النبي صلى الله عليه وآله، ولا أصحاب النبي صلى الله عليه وآله فاتخاذ مذهب واحد منهم، وجعله مذهبا " لنفسه، والالتزام به وبآرائه التي يمكن فيها الخطأ والسهو - وكل واحد منهم ذوي آراء متشتتة يخالف بعضها بعضا " - لا يقره العقل ولا البرهان، ولا تصدقه الفطرة السليمة، ولا الكتاب، لا السنة، ولا حجة لأحد على الله في يوم الحساب، بل لله الحجة البالغة عليها، حتى أنه لو سأل الله من التزم بأحد المذاهب الأربعة في يوم القيامة، بأي دليل أخذت بمذهب هذا ؟ لم يكن له جواب سوى قوله:

(إنا وجدنا آبائنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون) (١) !

أو يقول: (إنا أطعنا سادتنا وكبرائنا فأضلونا السبيلا) (٢) !

فبالله عليك يا فضيلة الشيخ، هل يكون لملتزمي أحد المذاهب الأربعة يوم القيامة أمام الله الواحد القاهر جوابا " ؟

فأطرق رأسه مليا "، ثم رفع رأسه، وقال: لا.

فقلت: هل يكون

١ - إشارة إلى قوله تعالى في سورة الزخرف: ٢٣.

٢ - إشارة إلى قوله تعالى في سورة الأحزاب: ٦٧.

٤٥٧
أحد معذورا " بذلك الجواب ؟ أجابني: كلا.

ثم قلت: وأما نحن المتمسكين بولاء العترة الطاهرة - آل بيت رسول صلى الله عليه وآله - العاملين بالفقه الجعفري، فنقول في يوم الحساب عند وقوفنا أمام الله العزيز الجبار:

ربنا إنك أمرتنا بذلك، لأنك قلت في كتابك: (ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) (١).

وقال نبيك محمد صلى الله عليه وآله باتفاق المسلمين: (إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله، وعترتي، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا، وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض) (٢).

وقال صلى الله عليه وآله: (مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق) (٣).

ولا ريب لأحد أن الإمام الصادق جعفر بن محمد عليه السلام من العترة الطاهرة، وعلمه علم أبيه، وعلم أبيه علم جده رسول الله صلى الله عليه وآله وعلم رسول الله من علم الله، هذا مضافا " إلى أن الإمام الصادق عليه السلام قد اتفق جميع المسلمين على صدقه ووثاقته، وهناك طائفة كبيرة من المسلمين من يقول بعصمته وإمامته، وأنه الوصي السادس لرسول الله صلى الله عليه وآله وأنه حجة الله على البرية، وأن الإمام الصادق عليه السلام كان يروي عن آبائه الطيبين الطاهرين،

١ - سورة الحشر: ٧.

٢ - تقدم الحديث بمصادره ص ٢٠٣.

٣ - تقدم الحديث بمصادره ص ٢٣٢.

٤٥٨
ولا يفتي برأيه، ولا يقول بما يستحسنه، فحديثه حديث أبيه وجده (١)، إذ أنهم منابع العلم والحكمة، ومعادن الوحي والتنزيل، فمذهب الإمام الصادق عليه السلام هو مذهب أبيه وجده المأخوذ عن الوحي، لا يحيد عنه قيد شعرة، لا بالاجتهاد كغيره ممن اجتهد.

فالآخذ بمذهب جعفر بن محمد عليه السلام ومذهب أجداده، آخذ بالصواب، ومتمسك بالكتاب والسنة، وبعد أن أوردت عليه ما سمعت من الأدلة أكبرني، وفخم مقامي، وشكرني، فأجبته: إن الشيعة لا يطعنون على الصحابة جميعا "، بل إن الشيعة يعطون لكل منهم حقه، لأن فيهم العدل وغير العدل، وفيهم العالم والجاهل، وفيهم الأخيار والأشرار، وهكذا، ألا ترى ما أحدثوه يوم السقيفة ؟

تركوا نبيهم مسجى على فراشه، وأخذوا يتراكضون على الخلافة، كل يراها لنفسه، كأنها سلعة ينالها من سبق إليها مع ما رأوا بأعينهم، وسمعوا بآذانهم من النصوص الثابتة الصارخة عن الرسول صلى الله عليه وآله من اليوم الذي أعلن فيه الدعوة إلى اليوم الذي احتضر فيه مع أن القيام بتجهيز الرسول صلى الله عليه وآله أهم من أمر الخلافة على فرض أن

١ - روى الكليني في الكافي: ١ / ٥٣ ح ١٤ بإسناده إلى أبي عبد الله عليه السلام قال:

حديثي حديث أبي، وحديث أبي حديث جدي، وحديث جدي حديث الحسين، وحديث الحسين حديث الحسن، وحديث لحسن حديث أمير المؤمنين، وحديث أمير المؤمنين حديث رسول الله صلى الله عليه وآله، وحديث رسول الله صلى الله عليه وآله قول الله عز وجل.

٤٥٩
النبي صلى الله عليه وآله لم يوص، فكان الواجب عليهم أن يقوموا بشأن الرسول، وبعد الفراغ يعزون آله وأنفسهم لو كانوا ذوي إنصاف، فأين العدالة والوجدان ؟ !

وأين مكارم الأخلاق ؟ ! وأين الصدق والمحبة ؟ !

ومما يزيد في النفوس حزازة تهجمهم على بيت بضعته فاطمة الزهراء عليها السلام نحوا " من خمسين رجلا "، وجمعهم الحطب ليحرقوا الدار على من فيها حتى قال قائل لعمر:

إن فيها الحسن والحسين وفاطمة !

قال: وإن ! ! !

ذكر هذا الحادث كثير من مؤرخي السنة (١) فضلا " عن إجماع الشيعة، وقد علم البر والفاجر، وجميع من كتب في التأريخ أن النبي صلى الله عليه وآله قال:

(فاطمة بضعة مني، من آذاها فقد آذاني، ومن أغضبها فقد أغضبني، ومن أغضبني فقد أغضب الله، ومن أغضب الله أكبه الله على منخريه في النار).

ووقائع الصحابة الدالة على عدم القول بعدالة الجميع كثيرة،

١ - قال المؤلف: أنظر في الإمامية والسياسة، والرياض النضرة، ومروج الذهب، وأنساب الأشراف، والإمام علي عليه السلام لعبد الفتاح عبد المقصود، وشرح النهج لابن أبي الحديد، وغيرها من مصادر القوم، تجد أنهم ذكروا هذه الحادثة المؤلمة. =
٤٦٠