×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

لماذا اخترت مذهب الشيعة مذهب أهل البيت (ع) / الصفحات: ٤٦١ - ٤٨٠

راجع البخاري ومسلم فيما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وآله في حديث (الحوض) تعلم صحة ما ذهب إليه الشيعة، ومن نحا نحوهم من السنة، فأي ذنب لهم إذا قالوا بعدم عدالة كثير منهم ؟

وهم الذين دلوا على أنفسهم، وحرب الجمل وصفين أكبر دليل على إثبات مدعاهم، والقرآن الكريم كشف عن سواء أحوال كثير منهم، وكفانا سورة براءة دليلا ".

ونحن ما أتينا شيئا " إدا "، ألا ترى ما أحدثه الطاغية معاوية، وعمرو بن العاص، ومروان، وزياد، وابن زياد، ومغيرة بن شعبة،

= أما الشيعة فبرمتهم ذكروها حتى وقد ذكر المؤرخون أسماء الذين أتوا بهذه الجناية، قالوا، وكان ذلك برئاسة عمر - الشهم البطل المغوار - لكن لا في ساحة القتال.

وبهذا المعنى قال شاعرهم حافظ إبراهيم:

وقولة لعلي قالها عمر * أكرم بسامعها أعظم بملقيها
حرقت دارك لا أبقي عليك بها * إن لم تبايع وبنت المصطفى فيها
ما كان غير أبي حفص يفوه بها * أمام فارس عدنان وحاميها ! !

أقول: استقصينا في كتابنا (ظلامات الزهراء عليها السلام) جل مصادر الفريقين الذين رووا هذا الخبر المؤلم حقا "، وقد أفردنا له بابا " خاصا "، والكتاب الآن تحت، الطبع، وسيصدر قريبا " ضمن منشورات مؤسسة (بضعة المصطفى صلى الله عليه وآله لا حياء تراث أهل البيت عليهم السلام) إن شاء الله.

٤٦١
وعمر بن سعد الذي أبوه من العشرة المبشرة في الجنة على ما زعموا ! !

وطلحة، والزبير اللذان بايعا عليا "، ونقضا البيعة، وحاربا إمامهما مع عائشة في البصرة، وأحدثوا فيها من الجرائم التي لا يأتي بها ذو مروءة ! !

فليت شعري، هل كان وجود النبي صلى الله عليه وآله بينهم موجبا " لنفاق كثير منهم، ثم بعد لحوقه بالرفيق الأعلى - بأبي وأمي - صار كلهم عدولا " ؟ !

ونحن لم نسمع قط بأن نبيا " من الأنبياء أتى قومه، وصاروا كلهم عدولا "، بل الأمر في ذلك بالعكس، والكتاب والسنة بينتا ذلك، فماذا أنت قائل أيها الأخ المحترم ؟

فأجابني: حقا لقد أتيت بما فيه المقنع، فجزاك الله عني خيرا ".

ثم قلت: جاء في كتاب (الجوهرة في العقائد) للشيخ إبراهيم اللوقاني المالكي:

فتابع الصالح ممن سلفا * وجانب البدعة ممن خلفا

قال: نعم هكذا موجود.

قلت: أرشدني من هم السلف الذين يجب علينا اتباعهم ؟ ومن الخلف الذين يجب علينا مخالفتهم ؟

قال: السلف هم صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله.

قلت: إن الصحابة عارض بعضهم بعضا "، وجرى ما جرى بينهم مما لا يخفى على مثلكم.

فتوقف برهة، ثم قال: هم أصحاب القرون الثلاثة.

قلت له:

إذا أنت في جوابك هذا قضيت على المذاهب الأربعة، لأنهم

٤٦٢
خارجون عن القرون الثلاثة !

فتوقف أيضا "، ثم قال: ماذا تريد بهذا السؤال ؟ قلت: الأمر ظاهر، وهو يجب علينا أن نتبع الذين نص عليهم رسول الله صلى الله عليه وآله بأن يكونوا قدوة للأمة.

قال: ومن هم ؟

قلت: علي بن أبي طالب، وبنيه: الحسن والحسين، وأبناء الحسين التسعة عليهم السلام، آخر هم المهدي عجل الله فرجه الشريف، قال:

والخلفاء الثلاثة ؟

قلت: الخلاف واقع فيهم، فالأمة لم تجتمع عليهم، وحدث منهم أعمال توجه عليهم النقد.

قال: عجبا " ! وهذا من رأي الشيعة ؟ قلت: وإن يكن، هل وقع في الصحابة ما ذكرت لكم أم لا ؟ قال: بلى.

قلت: إذا " يجب علينا أن نأخذ بمن اتفقت عليهم الأمة، وندع المختلف فيهم، فالشيعة وهم طائفة كبيرة من الإسلام، يكثر عددهم على مائة مليون، وهم منتشرون في الدنيا كما تقدم، وفيهم العلماء الأعاظم، والفقهاء الأكابر، والمحدثون الأفاضل...

فلم يعترفوا بخلافة الثلاثة، ولكن أهل السنة والجماعة اعترفوا بخلافة أمير المؤمنين عليه السلام، فخلافة أمير المؤمنين مجمع عليه عند المسلمين عامة، وخلافة الثلاثة ليس بمجمع عليه.

والخلافة بعد أمير المؤمنين علي إلى ولده الحسن، ثم إلى الحسين، ثم إلى ولده الأئمة التسعة عليهم السلام، خاتمهم قائمهم عجل الله

٤٦٣
فرجه الشريف والنصوص في ذلك من كتبكم بكثرة (١)، وجاءت الروايات من طرقكم بفضل أهل البيت، وتقدمهم على غيرهم، وأهمها: العصمة.

قال: نحن لا نقول بالعصمة !

قلت: أعلم ذلك، ولكن الدليل قائم عند الشيعة على ما قلت، وسأقدم لك كتابا " يقنعك ويرضيك.

قال إذا ثبت لدي عصمتهم انحل الإشكال بيني وبينك.

فقدمت له الكتاب، وهو كتاب (الألفين) لأحد أعاظم مجتهدي الشيعة الإمام الأعظم (العلامة الحلي ره) فأخذ الكتاب يتصفحه في مجلسه، فأكبره، وأعجبه هذا السفر العظيم، ثم قال لي: هل تعلم أن فضيلتك أدخلت علي الريب في المذاهب الأربعة، وملت إلى مذهب أهل البيت عليهم السلام ؟ لكن أريد منك تزويدي ببعض كتب الشيعة.

فقدمت جملة منها له، ومنها كتاب الإمام شرف الدين، ودلائل الصدق، والغدير، وأمثالهما، وأرشدته إلى سائر كتب الشيعة.

ثم ودعني وقام شاكرا " حامدا "، قاصدا " إلى محلة، وهو متزلزل العقيدة [بمذهبه] وذهب.

ثم بعد أيام أتتني رسالة شكر منه من الأزهر الشريف، وأخبرني فيها، بأنه قد اعتنق مذهب أهل البيت عليهم السلام وصار شيعيا "، ووعدني أن يكتب رسالة في أحقية مذهب الشيعة.

١ - تقدم ذكرها في ص ٢٦٩ في النصوص الواردة في حصر النبي صلى الله عليه وآله خلفاءه في اثني عشر خليفة.
٤٦٤
وهو اليوم - سلمة الله - لا يزال مشغولا " بتأليف هكذا كتاب على ما بلغني أيده الله والمسلمين جميعا " لخدمة الدين والمذهب، إنه سميع الدعاء.

مناظرة بيني وبين بعض الأعلام من أهل السنة والجماعة في شأن التربة الحسينية والتعازي

وفي اليوم الرابع عشر من شهر محرم الحرام سنة ١٣٧٤ ه‍ أتاني جماعة من علماء السنة، وبعضهم زملائي في الأزهر، حاملين علي حقدا " في صدورهم، لأخذي بمذهب أهل البيت، وتركي مذهب السنة.

ودار البحث بيننا طويلا "، يقرب حوالي عشر ساعات تقريبا "، وذلك في كثير من المسائل، ومنها:

انتقادهم على الشيعة بأنهم يسجدون على التربة الحسينية، فهم مشركون، وإجراؤهم التعازي على الإمام الحسين عليه السلام وهو بدعة ! !

فقلت لهم: كلاهما أمر محبوب، محبذ إليه من الشارع المقدس، أما قولكم: إن الشيعة يسجدون على التربة الحسينية، فهم مشركون ! هذا غير صحيح، لأن السجود على التربة لا يكون شركا "، لأن الشيعة تسجد على التربة لا لها، وإن كانت الشيعة تعتقد على حسب مدعاكم وزعمكم - على الفرض المحال - إن التربة هي أو في جوفها شئ يسجدون لأجله، فكان اللازم السجود لها لا السجود

٤٦٥
عليها، لأن الشخص لا يسجد على معبوده، لأن السجود يجب أن يكون للمعبود، وهو الله، يعني تكون الغاية من السجود والخضوع هو الله سبحانه، أما السجود على الله ! فهو كفر محض، فسجود الشيعة على التربة ليس شركا ".

فأجابني أحدهم، وهو أعلمهم قائلا: أحسنت يا فضيلة السيخ على هذا التحليل اللطيف، ولنا أن نسألك ما سبب إصرار الشيعة على السجود على التربة ؟ ولم لا تسجدون على سائر الأشياء كما تسجدون على التربة ؟

فأجبته: ذلك عملا " بالحديث المتفق عليه بإجماع جميع فرق المسلمين، وهو قوله صلى الله عليه وآله:

(جعلت لي الأرض مسجدا " وطهورا ") (١).

فالتراب الخالص هو الذي يجوز السجود عليه باتفاق جميع طوائف على صحة السجود عليه.

فسألني: وكيف اتفق المسلمون عليه ؟ فأجبته: أول ما جاء رسول الله صلى الله عليه وآله إلى المدينة، وأمر ببناء مسجده فيها، هل كان المسجد مفروشا " بفرش ؟ فأجابني: كلا، لم يكن مفروشا ".

قلت: فعلى أي شئ كان يسجد النبي صلى الله عليه وآله والمسلمون ؟

١ - رووه في صحاحهم: البخاري: ١ / ٩١، مسلم ١ / ٣٧١، الترمذي ٢ / ١٣١، النسائي ١ / ٢١٠، وغيرهم.
٤٦٦
أجابني: على أرض المسجد المفروشة بالتراب.

قلت: ومن بعد النبي صلى الله عليه وآله في زمن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وأمير المؤمنين عليه السلام، هل كان المسجد مفروشا " بفرش ؟ فأجابني أيضا ": كلا ".

قلت: فعلى أي شئ كان المسلمون يسجدون في صلاتهم في المسجد ؟ أجابني: على أرض مفروشة بالتراب.

فقلت: إذن جميع صلاة رسول الله صلى الله عليه وآله كانت على الأرض، وكان يسجد على التراب، وكذلك المسلمون في زمانه وبعده كانوا يسجدون على التراب، فالسجود على التراب صحيح قطعا "، ومعاشر الشيعة إذ تسجد على التراب تأسيا " برسول الله صلى الله عليه وآله فتكون صلاتهم صحيحة قطعا ".

فأورد علي بأن الشيعة لم لا تسجد على غير التربة التي يحملونها معهم من سائر مواضع الأرض، أو غيرها من التراب ؟ فأجبته:

أولا: إن الشيعة تجوز السجود على كل أرض، سواء في ذلك المتحجر منها، أو التراب.

ثانيا ": حيث إنه يشترط في محل السجود: الطهارة من النجاسة، فلا يجوز السجود على أرض نجسة، أو التراب غير طاهر، لذلك يحملون معهم قطعة من الطين الجاف الطاهر، تفصيا " على السجود على ما لا يعلم طهارته من من نجاسته، مع العلم إنهم يجوزون السجود على تراب، أو أرض لا يعلم بنجاستها.

فأورد علي: إن كانت الشيعة يريدون بذلك السجود على التراب

٤٦٧
الطاهر الخالص، فلم لا يحملون معهم ترابا " يسجدون عليه ؟ فأجبته:

حيث إن حمل التراب يوجب وسخ الثياب، لأنه أينما وضع من الثوب، فلا بد أن يوسخه، لذلك تمزجه بشئ من الماء، ثم تدعه ليجف حتى لا يوجب حمله وسخ الثوب.

ثم إن السجود على قطعة من الطين الجاف أكثر دلالة على الخضوع والتواضع لله، فإن السجود هو غاية الخضوع، ولذا لا يجوز السجود لغير الله سبحانه، فإذا كان الهدف من السجود هو الخضوع لله، فكلما كان مظهر السجود أكثر في الخضوع، لا شك إنه يكون أحسن، ومن أجل ذلك استحب أن يكون موضع السجود أخفض من موضوع اليدين والرجلين، لأن ذلك أكثر دلالة على الخضوع لله تعالى.

وكذلك يستحب أن يعفر الأنف بالتراب في حال السجدة لأن ذلك أشد دلالة على التواضع والخضوع لله تعالى، ولذلك فالسجود على الأرض، أو على قطعة من الطين الجاف، أحسن من السجود على غيرهما مما يجوز السجود عليه لأن في ذلك وضع أشرف مواضع الجسد - وهو الجبهة - على الأرض خضوعا " لله تعالى وتصاغرا " أمام عظمته.

أما أن يضع الإنسان - في حال السجدة - جبهة على سجاد ثمين، أو على معادن كالذهب والفضة وأمثالهما، أو على ثوب غالي القيمة فذلك مما يقلل من الخضوع والتواضع، وربما أدى إلى عدم التصاغر أمام الله العظيم.

٤٦٨
إذن، فهل يمكن أن يعتبر السجود على ما يزيد من تواضع الإنسان أمام ربه شركا " وكفرا "، والسجود على ما يذهب بالخضوع لله تعالى تقربا " من الله ؟ ! إن ذلك إلا قول زور.

ثم سألني: فما هذه الكلمات المكتوبة على التربة التي تسجد الشيعة عليها ؟

أولا: إنه ليس جميع أقسام التربة مكتوبا " عليها شئ، فإن هناك كثيرا " من التربات ليس عليها حرف واحد.

وثانيا ": المكتوب على بعضها (سبحان ربي الأعلى وبحمده) رمزا " لذكر السجود، وعلى بعضها إن هذه التربة متخذة من تراب أرض كربلاء المقدسة، بالله عليك أسأل من فضيلتك: هل في ذلك بأس ؟

وهل يعد ذلك شركا " ؟ أو هل ذلك يخرج التربة عن كونها ترابا " جائز السجود عليه ؟ فأجابني: كلا.

ثم سألني: ما هذه الخصوصية في تربة أرض كربلاء، حيث إن أكثر الشيعة مقيدون بالسجود عليها، مهمها أمكن ؟

قلت: السر في ذلك أنه ورد في الحديث الشريف (السجود على التربة الحسينية يخرق السماوات السبع... الخ (١) يعني إن السجود

١ - قال المؤلف: ذكره العلامة الكاشاني في (مصابيح الجنان) نقلا " عن (الكامل) لابن قولويه، وهو من أعلام المسلمين في القرن الثالث الهجري.

أقول: روى الشيخ الطوسي في (مصباح المتهجد) ص ٥١١ عن معاوية بن عمار، عن الصادق عليه السلام أنه قال: السجود على تربة الحسين عليه السلام يخرق الحجب السبع. أخرجه في البحار: ٩٨ / ١٣٥ ح ٧٤ عن المصباح.

٤٦٩
عليها يوجب قبول الصلاة، وصعودها إلى السماء، وما ذلك إلا لإدراك أفضلية ليست في تربة غير [تربة] كربلاء المقدسة.

فأورد علي: هل السجود على تربة الحسين تجعل الصلاة مقبولة عند الله تعالى، ولو كانت الصلاة باطلة ؟

فأجبته: إن الشيعة تقول بأن الصلاة الفاقدة لشرط من شرائط قد تكون مقبولة عند الله تعالى، وقد تكون غير مقبولة - أي لا يثاب عليها - فإذا كانت الصلاة الصحيحة على تربة الحسين عليه السلام قبلت ويثاب عليها - فالصحة شئ، والقبول شئ آخر.

فسألني: وهل أرض كربلاء المقدسة أشرف من جميع بقاع الأرض حتى من أرض مكة المعظمة، والمدينة المنورة حتى يكون السجود عليها أفضل ؟

فقلت: وما المانع من ذلك ؟ قال: إن تربة مكة التي لم تزل منذ نزول آدم عليه السلام إلى الأرض كعبة، وأرض المدينة المنورة التي تحتضن جسد الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله تكونان في المنزلة دون منزلة كربلاء ؟ قال:

هذا أمر غريب ! وهل الحسين بن علي أفضل من جده الرسول صلى الله عليه وآله ؟

قلت: كلا، إن عظمة الحسين من عظمة الرسول صلى الله عليه وآله وشرف الحسين من شرف الرسول، ومكانة الحسين عند الله تعالى إنما هي لأجل أنه إمام سار على دين جده الرسول صلى الله عليه وآله حتى استشهد في ذلك، لا، ليست منزلة الحسين إلا جزءا " من منزلة الرسول صلى الله عليه وآله، ولكن حيث

٤٧٠
أن الحسين عليه السلام قتل هو وأهل بيته وأنصاره في سبيل إقامة الإسلام، وإرساء قواعده، وحفظها عن تلاعب متبعي الشهوات، عوضه الله تعالى باستشهاده ثلاثة أمور:

١ - إستجابة الدعاء تحت قبته.

٢ - الأئمة من ذريته.

٣ - الشفاء في تربته.

فعظم الله تعالى تربته لأنه قتل في سبيل الله أفجع قتلة، وقتل معه أولاده، وإخوته، وأصحابه، وسبي حريمه، وغير ذلك من المصائب التي نزلت به من أجل الدين، فهل في ذلك مانع ؟

أم هل في تفصيل تربة كربلاء على سائر بقاع الأرض حتى على أرض المدينة معناه أن الحسين عليه السلام أفضل من جده الرسول صلى الله عليه وآله ؟

بل الأمر بالعكس، فتعظيم تربة الحسين تعظيم للحسين عليه السلام، وتعظيم الحسين عليه السلام تعظيم لله ولجده رسول الله صلى الله عليه وآله.

فقام أحدهم عن مجلسه، وعليه آثار البشاشة والسرور، فحمدني كثيرا "، وطلب مني بعض مؤلفات الشيعة بعد أن قال:

مولاي ! إفاداتك هذه صحيحة، وإني كنت أتخيل أن الشيعة يفضلون الحسين حتى على جده رسول الله صلى الله عليه وآله، والآن عرفت الحقيقة، وأشكرك على هذه المناظرة اللطيفة، والإلفاتات الطيبة التي زودتنا بها، وسوف أحمل معي أبدا " قطعة من أرض كربلاء المقدسة لأسجد عليها أينما صليت، كما أني سأدع السجود على غير التراب،

٤٧١
ومخصوصا " التربة الحسينية (١).

ثم قلت: وأما قولك إجراء الشيعة التعازي على الإمام الحسين عليه السلام هو بدعة ! فهذا كلام باطل فاسد، ولا أدري لماذا تنقمون على الشيعة بإقامتهم التعازي على شهيد الحق والإنسانية، الإمام ابن الإمام، حفيد الرسول صلى الله عليه وآله، وسلالة الزهراء البتول، سيد الشهداء، الإمام أبي عبد الله الحسين عليه السلام في مصابه العظيم الذي زلزلت له أظلة العرش مع أظلة الخلائق، والحادثة المروعة التي لم يسبقها في العالم الإسلامي، ولا في غيره سابق، ولا يلحقها لاحق إذ أنه جلل عم خطبه العظيم جميع الأمة الإسلامية حتى الجن والطير والوحش، راجع كتب (المقاتل) تعرف.

وبعضكم يعترق على الشيعة بأن الحسين عليه السلام قتل منذ زمن بعيد يربو على ١٣ قرنا " فأي فائدة في البكاء عليه، واللطم على الصدور، والضرب بالسلاسل بحيث يسيل الدم ! فاعلموا إن عمل الشيعة هذا هو عين الصواب، أولا ": لو أنهم لم يستمروا على إقامة ذكرى سيد الشهداء لأنكرتموه

١ - أقول: راجع في ذلك كتاب (الأرض والتربة الحسينية) للمجتهد الأكبر محمد الحسين كاشف الغطاء (إصدار مكتبة نينوى الحديثة، طهران، ناصر خسرو).

وكتاب (السجود على التربة، والجمع بين الصلاتين) لمحمد إبراهيم الموحد القزويني (الطبعة الثانية ١٤٠١).

٤٧٢
كما أنكرتم يوم الغدير وحديثه المشهور المعترف به المؤلف والمخالف، فرواه أكثر من مائة وثمانين صحابيا "، فيهم البدري وغير البدري، ومن التابعين أكثر فأكثر، فالشيعة لم يأتوا بشئ إدا ".

ثانيا ": الشيعة اقتفوا أثر أئمتهم في ذكرى (أبي عبد الله الحسين) عليه السلام، فلو وقفتم على كتب الشيعة، لما أوردتم علينا نقدا "، وألفت نظر كم إلى كتاب (مقدمة المجالس الفاخرة) للإمام شرف الدين و (إقناع اللائم على إقامة المآتم) للإمام السيد محسن الأمين العاملي رحمهما الله، ففيهما من الحجج ما يقنع الجميع، وانظروا أيضا " إلى ص ٥٧٦ من (مصابيح الجنان) للحجة السيد الكاشاني إذ قال فيه:

ينبغي للمسلمين إذا دخل شهر المحرم أن يستشعروا الحزن والكآبة، وأن يعقدوا المجالس والمآتم لذكرى ما جرى على سيد الشهداء، وأهل بيته، والصفوة من أصحابه من الظلم والعدوان، وهو أمر مندوب إليه، ومرغب فيه على أن في ذلك تعظيما " لشعائر الله تعالى، وامتثالا " لأمر رسول الله صلى الله عليه وآله واقتداء بالأئمة المعصومين، ويدل عليه ما ورد عن الرضا عليه السلام - وهو الإمام الثامن من أوصياء رسول الله صلى الله عليه وآله - أنه قال: كان أبي - وهو الإمام الكاظم الإمام السابع من أوصياء الرسول صلى الله عليه وآله - إذا دخل شهر المحرم لا يرى ضاحكا "، وكانت كآبته تغلب عليه... الحديث (١) ويستفاد منه رجحان كل ما له دخل في الحزن

١ - رواه الصدوق في أماليه: المجلس ٢٧ بإسناده إلى إبراهيم بن أبي محمود، عن الرضا عليه السلام عنه البحار: ٤٤ / ٢٨٥ ضمن ح ١٧.
٤٧٣
والكآبة من غير أن يشتمل على فعل محرم ثم قال:

ويستحب البكاء، وإجراء التعازي على سيد الشهداء، وإسالة الدموع عليه لا سيما في العشر الأول من المحرم، فإن، البكاء عليه من الأمور الحسنة المندوبة، ومن موجبات السعادة الأبدية، والزلفى إلى المهيمن سبحانه، ويكفي في رجحانه الأحاديث المعتبرة المروية عن الحجج الطاهرة، وهي كثيرة جدا " نحيلك على مظانها.

إلى أن قال:

وأما الذين يعيبون الشيعة بذلك، فلا يعبأ بقولهم، إذ أنهم حائدون عن جادة الإنصاف، وقاسطون عن طريق الصواب، مع هذه النصوص الكثيرة المتواترة الواردة عن الأئمة السلف، خاصة عن أئمة العترة الطاهرة من أهل البيت عليهم السلام وهم أحد الثقلين الذين لا يضل المتمسك، بهما على أن في ذلك من المواساة لرسول الله صلى الله عليه وآله ووصية أمير المؤمنين وابنته الصديقة فاطمة الزهراء.

وقد اتفقت الطوائف الإسلامية على اختلاف مذاهبها على جواز التفجع لفقد الأحبة والعظماء، جرت عليها سيرتهم العملية وإجماعهم، وكان عليه السلف، تشهد بذلك الموسوعات الضخمة المشحونة بأقوالهم وأفعالهم، سواء في ذلك الأئمة من أهل البيت عليهم السلام وغيرهم من سائر المسلمين، فمن راجع كتبهم يجد نصوصهم في هذا المورد بكثرة مدهشة.

فنحن إذ نجد الأدلة النقلية والعقلية متوفرة، نجدد ذكرى مصاب

٤٧٤
سيد الشهداء، وريحانة الرسول: الإمام الحسين عليه السلام غير مكترثين بالتقولات الشاذة التي لا وزن لها، راجين بذلك من الله الثواب، ومن رسوله الشفاعة يوم الحساب.

انتهى ما جاء في مصابيح الجنان للكاشاني.

ثم أيها الإخوان إن الشيعة مقتدون بسلفهم الصالح إذ جاء في حديث معتبر مأثور أن عليا " زين العابدين بن الحسين عليه السلام لما عاد من أسره هو ومن معه من أسارى أهل البيت عليه السلام من دمشق، جعلوا طريقهم على العراق، ولما وصلوا كربلاء أخذ هو ومن معه في البكاء يندبون الحسين عليه السلام.

فأي بأس على الشيعة في أمثال هذه الأعمال المقدسة المحبوبة عند الله ورسوله والصفوة من آله ؟

لكن البأس كل البأس، والنقد الشديد موجه عليكم، وهو إنكم أخذتم ببدعة يزيد بن معاوية الطليق ابن الطليق، إذ أنه جعل في كل سنة في العشر الأول من المحرم عيدا " يقيم فيه الأفراح، وينصب الزينة، وتقام المهرجانات، ويسميه عيد النصر والفوز ! !

وأشفعه ببدعة أخرى تدل على خسته ودناءته ! فإنه قد أتى بمومسة تشبه في صفتها جدته (هند بنت عتبة) فيجمع الأخساء من بني شجرته الملعونة، ويأتي بآلة الطرب والخمر، وكل ما يلزمه من الأشياء، وتعزف الموسيقى، وتقوم تلك المرأة ذات العهر والفجور للرقص...

فأي الفريقين أحق بالأمن يا مسلمون ؟ !

٤٧٥
فدعوا الشيعة وشأنهم، فإنهم هم الفرقة التي عناها رسول الله صلى الله عليه وآله من الثلاث والسبعين فرقة، لذلك اعتنقنا هذا المذهب الشريف، وتركنا المذهب السني.

ولما وصلت إلى هنا شكرني جميع من في المجلس، ثم قالوا:

كنا لا ندري أن مذهب الشيعة هكذا، بل كنا نسمع عنهم بأنهم ليسوا على حق، بل هم كفرة فجرة مشركون !

فقلت: لا، إنما هو كما أخبرتكم، وستعرفون مذهب الشيعة بعد وقوفكم على كتبها، والذنب ذنبكم في تقصيركم عن الوقوف على مؤلفات الشيعة، ولماذا ؟

ثم إني أبين أن هذه التهم الموجهة إلى الشيعة الأبرار تبعة رسول الله صلى الله عليه وآله وخدنه أمير المؤمنين علي وذريته العترة الطاهرة عليهم السلام ليس لها واقع، وإنما هي أكذوبات بحتة اختلفها عليهم الآثمون من أعداء المسلمين المسمين أنفسهم بالمسلمين، فعليكم أن تتحروا الحقيقة دائما "، ولا تعتنوا بكل ما تسمعون ضد الشيعة دون أن تبحثوا عن واقعه وحقيقته، وهذا ما أرجوه منكم.

ثم قاموا وودعوني جميعهم، وذهب كل منهم إلى محله بعد أن جاءوا غضابا "، فرجعوا فرحين مسرورين، وأخيرا " بلغني من بعض من أثق به أن بعضهم اعتنق المذهب الشريف، مذهب أهل البيت، والحمد لله على هذه النعمة الكبرى، وهي ولاية أهل البيت عليهم السلام.

٤٧٦

حادثة الإفتراء

وفي اليوم الخامس من شهر ربيع الأول عام ١٣٧٣ ه‍ - بينما أنا في مكتبتي الواقعة في منزلي، في مدينة حلب الشهباء، فإذا بشخصين قد استأذنا علي، فأذنت لهما، فدخلا علي، وبعد السلام والترحيب وبعد أن استقر بهما الجلوس، رأيت عليهما أثر الكآبة، فقلت: ما شأنكما ؟

فقال أحدهما للآخر: قص على فضيلة الشيخ.

فقال أحدهما: لا يخفى على فضيلتكم أنا تلميذ في الجامعة، وقد أخذت بمذهب أهل البيت منذ سنتين، وذلك عند وقوفي على كتب الشيعة ومؤلفاتهم، خصوصا " كتاب (المراجعات) للإمام الفقيد شرف الدين (ره).

ففي اليوم الماضي كنا نتلقى الدرس من الأستاذ في الجامعة، فأخذ يوجه المطاعن على الشيعة، ويكيل لهم الشتائم، ويوجه إلى مذهب أهل البيت عليهم السلام نقدا "، تنكر على الشيعة بشدة، وحمل عليهم حملة شعواء لا هوادة فيها - وهو لا يعلم أنني شيعي - فمما قال: إن أحاديث الشيعة كلها كذب وافتراء على رسول الله صلى الله عليه وآله !

ورمى الشيعة بالبهتان، فقال:

إن الشيعة يجوزون الجمع بين تسع نسوة، ويستدلون بالآية الشريفة: (فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع)

١ - سورة النساء: ٣.
٤٧٧
ويمسحون على الأرجل في الوضوء بعد الغسل، فصلاتهم باطلة !

ويتهمون عائشة بالزنا ! ويتطاولون على الصحابة جرأة منهم على الله ورسوله !

فأخذتني الدهشة، وأزعجني جدا " هذا النبأ المؤلم، وقلت: يا سبحان الله ! ما هذا التعصب الأعمى من القوم (السنة) ولماذا يوجهون هذه الأكاذيب والافتراءات إلى الشيعة الأبرار، ويفضحون أنفسهم بها ؟ !

ثم أخذت بالرد على هذا الأستاذ الجاهل المعاند، وذلك على سبيل الإيجاز، كتبت:

أيها الأستاذ المرشد المتصدي لتهذيب الجيل الجديد، أهكذا تهذب طلابك، وتعلمهم بالأكاذيب، وتغذيهم بسوء الأخلاق الداعية للتفرقة بين المسلمين ؟ ! بلغني أنك في اليوم الماضي في الجامعة - تعرضت في أثناء محاضراتك على طلبتك - على الشيعة الأبرار تبعة رسول الله صلى الله عليه وآله ووصيه من بعده علي أمير المؤمنين عليه السلام ! وذلك جهلا " منك بالمذهب الشيعي الإمامي الشريف، فقلت:

إن أحاديث الشيعة كلها كذب، وافتراء على رسول الله صلى الله عليه وآله، ورميت الشيعة بالبهتان، فقلت: إن الشيع يجوزون الجميع بين تسع نسوة ! ويستدلون بالآية (فانكحوا ما طاب) الخ ويمسحون على الأرجل في الوضوء بدل الغسل فصلاتهم باطلة ! ويتهمون عائشة بالزنا ! ويتطاولون على الصحابة جرأة منهم على الله ورسوله !

فالعجب كل العجب منك أيها الأستاذ، وأنت تدعي أنك المهذب

٤٧٨
المرشد فما هذا التحامل الأعمى، والتطاول الشنيع على مائة مليون مسلم من أتباع رسول الله وأهل البيت عليه السلام ؟ !

فماذا عذرك عند ربك يوم تلقاه، وتبلغ القلوب الحناجر ؟ ولماذا اغتبت واتهمت المسلمين بالأكاذيب ؟ ولم فضحت نفسك بخرافاتك هذه ؟

فإن العصر عصر نور، والكل يعلم بأنك كذبت وافتريت، فإليك الجواب عن فريتك على سبيل الاختصار.

أما قولك إن أحاديث الشيعة كلها كذب على رسول الله، لا يا أستاذ، ليس الأمر كما تزعم، بل الأمر بالعكس، فإن الشيعة أخذوا العلم واستقوه من نمير صاف زلال عن النبي صلى الله عليه وآله وعترته أئمة أهل البيت عليهم السلام الذين طهرهم الله من الرجس تطهيرا "، ليس في مذهبهم دخيل، فكلما عبتم به عليهم، فهو فيكم، فإن رواتكم حالهم معلوم لدى الجميع كأبي هريرة، و (سمرة بن جندب) و (عمران بن حطان) رئيس الخوارج، و (عمرو بن العاص) (١) و (مروان) (٢) و (المغيرة بن

١ - قال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: ١ / ١١٣: قال شيخنا أبو القاسم البلخي رحمه الله:... وما زال عمرو بن العاص ملحدا "، ما تردد قط في الإلحاد والزندقة، وكان معاوية مثله، ويكفي من تلاعبهما بالإسلام حديث (السرار) المروي، وأن معاوية عض أذن عمرو....

وقال في: ٢ / ١٧٩ وأما معاوية، فكان فاسقا " مشهورا " بقلة الدين، والانحراف عن الإسلام، وكذلك ناصره ومظاهره على أمره عمرو بن العاص... راجع في ترجمته ومصادرها مفصلا " كتاب الغدير: ٢ / ١١٩ وما بعدها.

٢ - أخرج الحاكم في المستدرك: ٤ / ٤٧٩ من طريق عبد الرحمن بن عوف، =

٤٧٩
شعبة) وغير هؤلاء من الكذابين.

راجع كتاب (الغدير) للإمام الحجة المجاهد الشيخ (الأميني) العظيم، فإنه عرف الأمة عن أحوال هؤلاء الوضاعين.

وأما قولك: إن الشيعة يجوزون نكاح تسعة نسوة عملا " بظاهر الآية، فالجواب:

إن الشيعة أجل قدرا "، وأرفع مقاما " من أن يسفوا بعقولهم المنيرة إلى هذه الخرافة، فيعملون بحكم الآية الكريمة التي أباحت للأمة الإسلامية الزواج بأربعة من النساء عند الاستطاعة بالقيام بالعدل بين الزوجات، فإن لم يستطع فلا يجوز له أن يتزوج باثنين، وهكذا إلى الرابعة.

ومعنى الآية: فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى أي اثنين، أو ثلاث أي ثلاثة، أو رباع أي أربعة، فلا يحل له أن يتزوج بالخامسة إلا إذا ماتت إحداهن أو طلق، وذلك بعد انقضاء عدتها، هذا ما عليه إجماع الشيعة.

وأما قولك: بأنهم يمسحون على الأرجل في الوضوء فصحيح،

= وصححه أنه قال: كان لا يولد لأحد بالمدينة ولد إلا أتي به إلى النبي صلى الله عليه وآله، فأدخل عليه مروان بن الحكم، فقال: هو الوزغ بن الوزغ، الملعون بن الملعون.

وقال البلاذري في الأنساب ٥ / ١٢٦ كان مروان يلقب (خيط باطل).

راجع في ترجمته كتاب الغدير ٨ / ٢٦٠.

٤٨٠