×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

لماذا اخترت مذهب الشيعة مذهب أهل البيت (ع) / الصفحات: ٤١ - ٦٠

يقول الوهابي:

إذا وضع الحاج أو أي شخص يده على القبر، فهو مشرك ! !

ويدانيه الشرطي، ويقول: (ارفع يدك يا مشرك) ! !

وإذا قال القائل: (يا رسول الله) فهو مشرك ! !

وإذا أخذ أحد الضرائح، أو قبله، أو تبرك به، فهو مشرك ! !

ويضربه الشرطي ويزجره، ويقول له: (لا تفعل يا مشرك) ! !

إلى غير ذلك من الآراء السخيفة التي لا تنطبق على الشرع الإسلامي الشريف أصلا "، والتي تضحك الثكلى (وشر البلية ما يضحك).

ثم والخطب الأفظع أنهم يوبخونه عن عمله المقدس بكلمة (يا مشرك) ! (يا كافر) ! وذلك في أول مرة، فإن قبل فيها وإلا فهو مباح الدم يجب قتله كما فعله الوهابيون في الحجاز وفي العراق وغيرهما، ولله در القائل:

ومن عجب الدنيا حكيم مصفر * وأعمش كحال وأعمى منجم
وقارئنا تركي وهندي خطيبنا * تعالوا على الإسلام نبكي ونلطم (١)
وما عشت أراك الدهر عجبا (٢) !

١ - راجع كتاب الوهابية في الميزان: ٦.

٢ - مثل يقال في مقام التعجب، والمعنى: أنه ما عشت من أيام عمرك أراك الدهر شيئا " لا يذهب غرابته مدة حياتك، أو ترى كل يوم أمرا " عجبا " يتفرع على الحوادث الغريبة.

٤١
فماذا تقولون يا أيها المسلمون في شرق الأرض وغربها، بهذا المذهب المخترع الحادث القذر، الذي هو كل على الإسلام والمسلمين !

فإليك يا رب المشتكى منهم.

وبالجملة لما رأينا ما رأينا منهم، رجعنا إلى بلادنا، وعدنا إلى ما كنا نمتهن من ذي قبل، وطال بنا الحال، فحتى متى يا رب.

إذ لا نزال في ريب مما نراه من الخلاف الداعي إلى القلق والاضطراب والتشويش إلى أن حدثت أسباب دعت إلى الاتصال بالطائفة الشيعية.

من هم الشيعة ؟

هم الطائفة الحقة المحقة، والخيرة من خلق الله، والفرقة الناجية التي تمسك بولاء الله ورسوله، والأئمة الأطهار من أهل بيته عليهم صلوات الله، وعرفت حق أئمتها حق المعرفة حسب الإمكان، وعرفت من عاداهم، فأعطت كلا منهم حقه.

وهم يعبدون الله وحده لا شريك له ولا مثيل.

ويؤمنون برسالة النبي الأعظم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وبولاية الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام.

وبقية الأئمة الأحد عشر:

الإمام الحسن المجتبى عليه السلام.

الإمام الحسين الشهيد بكربلاء عليه السلام.

الإمام علي بن الحسين السجاد عليه السلام.

٤٢
الإمام محمد بن علي الباقر عليه السلام.

الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام.

الإمام موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام.

الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام.

الإمام محمد بن علي الجواد عليه السلام.

الإمام علي بن محمد الهادي عليه السلام.

الإمام الحسن الزكي العسكري عليه السلام.

الإمام الحجة المنتظر المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف) (١).

وسيظهر في آخر الزمان، ويملأ الأرض عدلا " وقسطا " بعد ما ملئت ظلما " وجورا ".

١ - أقول: إن الاعتقاد بولاية وخلافه هؤلاء الأئمة الاثني عشر عليهم السلام بعد رسول الله صلى الله عليه وآله ليس ببدعة أو وهم، وإنما هو أمر إلهي مفروض، نطق به - من لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى - خاتم الأنبياء وسيد المرسلين، ورواه الجمهور بأسانيد صحيحة مستفيضة تصل حد التواتر بألفاظ مختلفة، وسيأتي ص ٨٠ استقصاء لمصادرها: وتجدر الإشارة إلى أن أسماء الأئمة (الاثني عشر) صلوات الله عليهم قد وردت أيضا " في الكتب المقدسة والقديمة، وعند الشعوب والقبائل بأسماء مختلفة، منها: التوراة، الإنجيل، كتاب زند، كتاب انگليون، كتاب هندوان، إنجيل فرنكان، كتاب دير براهمه، التوراة على لغة الجبل، راجع كتاب (تذكرة الأئمة) للمولى اللاهيجي، نسخته الخطية محفوظة في مكتبة المدرسة الفيضية في قم المقدسة. =
٤٣
كتاب لماذا اخترت مذهب الشيعة للشيخ الأنطاكي (ص ٤٤ - ص ٧٦)
٤٤

الشيعة هم الناجون:

السبب في نجاة هذه الطائفة بالإضافة إلى ما تقدم، هو امتيازها عن سائر الفرق الإسلامية التي جاء بها الحديث المتفق عليه: (ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا فرقة واحدة) (١).

وقد رأينا أن الأمة الإسلامية كلها تأتي بكلمة:

(لا إله إلا الله محمد رسول الله) فإن قلنا بنجاة الكل كذبنا الحديث.

وإن قلنا بهلاك الكل أيضا " كذبنا الحديث.

إذن فالفرقة الناجية هي كما قلنا التي أخذت بولاء آل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله، والدليل على نجاتها قيام الأدلة - كتابا " وسنة - الثابتة عند الطرفين (٢).

إذن فلا بد أن تكون هذه الفرقة التي نجت قد امتازت عن سائر الفرق بشئ لم تأخذ به سائر الفرق وهو: الولاء، والبراء.

وقولهم أيضا " بعصمة أئمتهم وساداتهم وقادتهم وشفعائهم.

فبالله عليك أيها القارئ المنصف الكريم المؤمن، أيقال لمثل هؤلاء: كفرة مشركون، مرتدون، مهدوروا الدم ؟ !.

١ - المستدرك على الصحيحين للحاكم: ١ / ١٢٨، سنن أبي داود: ٤ / ١٩٨، سنن ابن ماجة باب افتراق الأمم: ٢ / ١٣٢١، وأخرجه في البحار:

٢٨ / ٢ - ٣٦، في إحقاق الحق: ٧ / ١٨٥ عن مصادر الفريقين.

٢ - سيأتي في مطاوي هذا الكتاب وتعليقاته ما يبرهن على إثبات هذه الحقيقة.

٤٥
وينسب إليهم أنواع التهم الباطلة، والافتراءات المفتعلة، والأقاويل الكاذبة الشنيعة، كما أتي به ابن تيمية، وابن حجر، والقصيمي، والحفناوي، وموسى جار الله، وأحمد أمين، والجبهاني.

وكالمجرم شيخ نوح الذي أفتى بكفر الشيعة وقتلهم، وسبي نسائهم، ونهب أموالهم، واسترقاق ذراريهم ؟ !

وقد ختم فتواه الطويلة بقوله: تابوا أم لم يتوبوا ! !

أنظر إلى نص فتواه المشؤومة إلى كتاب (الفصول المهمة) للإمام شرف الدين، وذلك في الفصل التاسع، اللهم إليك المشتكى، وأنت المفزع في الملمات.

وهل تعلم أيها القارئ اللبيب، ما هو ذنب الشيعة ؟

هو عدم اعترافهم بالخلافة لغير أئمتهم كائنا " من كان، بل تقول:

(إن الخلافة لهم من أول البعثة إلى آخر الدنيا) فبربك قل:

أهذا ذنب يورث الكفر والارتداد ؟ !

ولا حول ولا قوة إلا بالله.

وبعد الفحص الشديد عرفنا أن عدد الشيعة اليوم أكثر من مائة مليون بالضبط الدقيق، ولولا ما لاقوا من أعدائهم من القتل والعدوان، وما أصيبوا به من ألوان الظلم والاضطهاد خلال القرون الغابرة، لكان يبلغ عددهم اليوم بألف مليون على الأقل.

وهم منتشرون في كل العالم شرقة وغربه، شماله وجنوبه إلا أن

٤٦
معظمهم في الدول الإسلامية، ولهم القدم السابقة، والقدح المعلى في بث الدعوة الإسلامية ونشرها من طريق مذهبهم، ولهم الخدمات الكبرى والمواقف الإسلامية المشكورة، لم يزل ولا يزال يفتخر المسلمون بها، وقد ملأت الدنيا كتبهم، ولا تحصى عددها كثرة، وعليك بمراجعة كتاب الذريعة إلى تصانيف الشيعة (١) تأليف المجتهد الأكبر الشيخ آغا بزرك الطهراني (حفظه الله) فإنه فهرس لما عثر سماحته من مؤلفاتهم ومصنفاتهم، ومع ذلك هي القسم الضئيل القليل جدا " منها.

وفيهم العلماء، والفقهاء، والحكماء، والفلاسفة، والمفكرون، والسلاطين والوزراء، والأدباء والشعراء والكتاب، والمنجمون والرياضيون والفلكيون، والمهندسون والأطباء، وأرباب الصنائع والمخترعات، والنوابغ والجهابذة والمشاهير، وقد ملأوا أرض الله الواسعة علما " وعملا ".

ولهم أيضا " المدارس العلمية، والمعاهد الدينية، والمساجد الضخمة المعمورة بالمصلين جماعات وأفرادا "، وذلك في شرق الأرض وغربها، مدنها وقراها.

١ - وهي موسوعة ببلوغرافية رائعة، نافت مجلداتها على العشرين كتابا "، أودع فيها مؤلفها الآغا بزرك رحمه الله أسماء عشرات الآلاف من المصنفات، ما بين مطبوع ومخلوط مما وقع عليه نظره الشريف، ومثلها أيضا " موسوعة (كشف الأستار) للصفائي الخوانساري، وغيرها.

٤٧
وهذا الإمام الأكبر فقيد الإسلام الراحل العظيم السيد أبو الحسن الموسوي الإصفهاني (١) (ره) فإنه قد أسس المساجد والمعاهد في مختلف مناطق الدنيا.

وهكذا الإمام البروجردي (٢) (رحمه الله) أرسل دعاة مبشرين إلى أقصى بلاد الأرض، وبنى هناك مساجد ضخمة جدا "، ومعابد معمورة، منها في: أمريكا، وألمانيا، ولندن، وباريس.

١ - قال المؤلف: الإمام السيد أبو الحسن رحمه الله هو الزعيم الأكبر، والفقيه الأعظم الذي لم تسمح بمثله الأيام، سيد العلماء الأعلام ومولى فقهاء الإسلام، أعلم العلماء المتبحرين، وإمام المحدثين والمفسرين، علامة دهره وزمانه، وحيد عصره وأوانه، صاحب المقامات العالية، والكرامات الباهرة، يقصر الوصف عن استكناه فضله ونبله، وله أياد ناصعة على الأمة الإسلامية جمعاء، وقد حاز بوقته مرجعية الشيعة الكبرى، توفي ليلة عيد الأضحى عام (١٣٦٥ ه‍) في بغداد، وقد شيع على الأكف إلى النجف الأشرف، ولم يعهد تشييع ضخم مثله في الإسلام، حتى قيل:

إن عدد المشيعين في بغداد بلغ إلى نصف مليون، وفيهم ممثل ملك العراق، وولي عهده، والوزراء ورجال الجيش، وسائر الطبقات باختلاف ومذاهبهم وأديانهم، وقد قال الإمام محمد الحسين آل كاشف الغطاء يوم وفاته مخاطبا " جثمانه:

(رحمك الله يا أبا الحسن، لقد أنسيت الماضيين، أتعبت التالين) ولو أنك أردت تفصيل ترجمة سيدنا المفدى، فعليك بمراجعة كتب التراجم.

٢ - ترجم له المؤلف: ص ٦٥.

٤٨
فهل عرفت الشيعة أيها اللائم ؟

ومع الأسف كله لم نجد لهم في كتب السير والتواريخ عند القوم، سوى المطاعن والشتم المقذع، بل التكفير الصريح، ولماذا ؟

السبب يا رب لأنهم مشركون ! ! هكذا في الصواعق المحرقة لابن حجر، أحرق الله مؤلفه في الآخرة.

وأيضا " أنهم لا يحضرون الجمعة ولا الجماعة) (١) ! وهنا الطامة الكبرى.

أفهل يجوز تكفير المسلم بترك الجمعة والجماعة أيها المسلمون ؟ !

١ - أقول: وهذا افتراء بين، فحضورهم الجمعة والجماعة أمر ساطع لا ينكره إلا من أعمى الله بصيرته، وصلاة الجمعة اليوم في جمهورية إيران الإسلامية تؤمها الملايين من مختلف الأصقاع، والحمد لله.

٤٩

[تشيعه]

الأسباب التي دعتنا إلى الأخذ بمذهب أهل البيت عليهم السلام

هي أمور كثيرة، نذكر منها:

أولا ": رأيت أن العمل بمذهب الشيعة مجز، وتبرأ به الذمة بلا ريب، وقد أفتى به كثير من علماء السنة من السابقين واللاحقين، وأخيرا " منهم الشيخ الأكبر زميلنا الشيخ محمود شلتوت شيخ الجامع الأزهر بفتواه الشهيرة المنتشرة في العالم الإسلامي) (١).

١ - وإليك أخي القارئ نص فتواه - كما ذكرها الشيخ المظفر في عقائد الإمامية - في شأن جواز التعبد بمذهب الشيعة الإمامية:

أولا ": إن الإسلام لا يوجب على أحد من أتباعه اتباع مذهب معين، بل نقول:

إن لكل مسلم الحق في أن يقلد بادئ ذي بدء أي مذهب من المذاهب المنقولة نقالا " صحيحا "، والمدونة أحكامها في كتبها الخاصة.

ولمن قلد مذهبا " من هذه المذاهب أن ينتقل إلى غيره - أي مذهب كان - ولا حرج عليه في شئ من ذلك.

ثانيا ": إن مذهب الجعفرية المعروف بمذهب الشيعة الإمامية الاثني عشرية، مذهب يجوز التعبد به شرعا " كسائر مذاهب أهل السنة.

فينبغي للمسلمين أن يعرفوا ذلك، وأن يتخلصوا من العصبية بغير الحق لمذاهب =

٥٠
ثانيا ": ثبت عندي بالأدلة القوية، والبراهين القاطعة، والحجج الدامغة الرصينة الواضحة التي هي كالشمس الساطعة في ضاحية النهار، ليست دونها سحاب، أحقية مذهب أهل البيت عليهم سلام الله، وأنه هو المذهب الحق الذي أخذه الشيعة عن أئمة أهل البيت عن جدهم رسول الله صلى الله عليه وآله، عن جبرئيل، عن الرب الجليل، وليس فيه دخيل، ولن يرضون عنه بديلا " حتى يلقوا الرب الجليل.

وأخذه الثقاة عن الثقاة من يوم البعثة إلى يوم البعث لا يختلف آخرهم عن أولهم.

ثالثا ": إن الوحي نزل في بيتهم، وأهل البيت أدرى وأعرف بما في البيت من غيرهم.

فجدير بالعاقل المتدبر أن لا يترك ما صح لديه من الأدلة منهم ويأخذ من الأجانب الدخلاء.

رابعا ": كثير من الآيات الواردة في الذكر الحكيم والقرآن المجيد، دالة على مدعانا، وسنبين جملة منها عن قريب إن شاء الله.

= معينة فما كان دين الله وما كانت شريعته بتابعة لمذهب، أم مقصورة على مذهب، فالكل مجتهدون مقبولون عند الله تعالى، يجوز لمن ليس أهلا " للنظر والاجتهاد تقليدهم والعمل بما يقررون في فقههم، ولا فرق في ذلك بين العبادات والمعاملات.

شيخ الجامع الأزهر
محمود شلتوت

٥١
خامسا: كثير من الأحاديث المأثورة، والأخبار عن النبي الأعظم صلى الله عليه وآله دالة على ذلك، وقد ذكرها الفريقان - السنة والشيعة - في كتبهم، وسنتعرض إلى ذكر جملة منها أيضا " قريبا " إن شاء الله، إلى غير ذلك مما لا يسعنا في هذا المختصر الإحاطة بها، وقد أتينا على كثير منها في كتابنا (الشيعة وحجتهم في التشيع) فراجع هناك تجد ما فيه الكفاية، وراجع أيضا " (المراجعات) خصوصا " المراجعة الرابعة، ترى فيه ما يقنعك إن كنت منصفا " وإلا فعذرك جهلك.

مناظرات بيني وبين بعض علماء الشيعة:

أيضا " من جملة الأسباب التي دعتنا إلى التشيع، هي وقوع كثير من المناظرات التي جرت بيني وبين بعض علماء الشيعة، وفي حال المناظرة كنت أجد نفسي محجوجا " معهم، غير أني أتجلد وأدافع دفاع المغلوب، مع ما أنا عليه بحمد الله تعالى من الاطلاع الواسع والعلم الغزير في المذهب السني الشافعي وغيره، إذ أنني تلمذت حوالي ربع قرن على فطاحل العلماء والجهابذة على مشيخة الأزهر حتى حصلت لي شهادات راقية، كما مر عليك قريبا ".

وقد طالت المناظرات بيننا زمنا " طويلا "، لا يقل عن ثلاث سنين تقريبا "، وقد وقع في نفسي شئ من الريب في المذاهب الأربعة، لكثرة الخلاف فيها، وسيأتيك قريبا " جملة منها.

٥٢

الظفر بكتاب المراجعات:

وأخيرا " عثرنا على كتاب جليل لإمام عظيم، وهو كتاب (المراجعات) للمقدس فقيد الأمة الإسلامية آية الله العظمى المجاهد في سبيل الله بقلمه ولسانه طيلة حياته، الإمام الأكبر، والمجتهد الأعظم، سماحة السيد عبد الحسين شرف الدين الموسوي العاملي (١) قدس الله روحه الطاهرة وأسكنه فسيح جنته مع أجداده الطاهرين، فأخذت الكتاب وبدأت أتصفحه، وأتدبر مقالاته بدقة وإمعان، فأدهشتني بلاغته، وسبك جمله، وعذوبة ألفاظه، وحسن معانيه التي قل أن يأتي كاتب بمثلها، فقمت أفكر في هذا الأثر القيم، والسفر العظيم، وما فيه من الحكميات والمحاكمات بين مؤلفه المفدى، وبين

١ - قال المؤلف: الإمام شرف الدين هو فخر الطائفة، وهادي الأمة ونائب الأئمة، وعميد الفرقة الناجية في عصره، وبطلها المجاهد، وإمامها الكبير، الذي كرس حياته الكريمة لخدمة الدين الإسلامي والمذهب الجعفري، وهو صاحب المؤلفات القيمة، والمصنفات الممتعة الرشيقة التي خدم بها مذهب أجداده الطاهرين، وقد يربو عددها على أكثر من مائة مؤلف، إلا أن معظمها حرقها الاستعمار الفرنسي، وفي الباقي الكفاية، جزاه الله عن الإسلام والمسلمين خيرا ".

راجع كتب التراجم تجد عبقرية هذا الإمام العظيم، وعظمته ونبوغه، ومواقفه المشكورة، وخدماته الباسلة في سبيل الدين والمبدأ والعقيدة بكثرة مدهشة، والشمس معروفة بالعين والأثر.

٥٣
الشيخ الأكبر الشيخ (سليم البشري) شيخ الجامع الأزهر، وذلك بأدلته القاطعة، وحججه البالغة، مما يفحم الخصم، ويقطع عليه حجته.

وقد رأيت مؤلفه العظيم لم يعتمد في احتجاجه على الخصم من كتب الشيعة، بل يكون اعتماد على كتب السنة والجماعة، ليكون أبلغ في الرد على الخصم، فبذلك زدت إعجابا " على إعجاب مما جرى به قلمه الشريف.

هذا ولم يمض علي الليل إلا وأنا مقتنع تماما "، بأن الحق والصواب مع الشيعة، وأنهم على المذهب الحق الثابت، عن رسول صلى الله عليه وآله، عن أهل بيته الطاهرين عليهم السلام، ولم يبق لي أدنى شبهة البتة، واعتقدت بأنهم على خلاف ما يقال فيهم من المطاعن والأقاويل المفتعلة الباطلة.

عرض المراجعات على فضيلة الأخ:

ثم في صبيحة تلك الليلة، عرضت الكتاب الشريف (١) على أخي وشقيقي، فضيلة العلامة الفذ الحافظ الشيخ (أحمد أمين الأنطاكي) حفظه الله، فقال لي: ما هذا ؟ قلت: كتاب شيعي، لمؤلف شيعي.

١ - قال المؤلف: إني لأقدم نصيحة خالصة لوجه الله لا يشوبها رياء، لكل واحد من إخواننا السنة، أن يرجع إلى كتاب (المراجعات) وغيره من كتب الشيعة الإمامية، وأن يطالعها بدقة وإمعان، ونظر وإنصاف، من أولها إلى آخرها، فإنه سيجد ما فيه المقنع إن شاء الله، ولا يبقى له أي عذر أو مجال ليتهم شيعة العترة الطاهرة بما هم بريئون منه، براءة ذئب يوسف من يوسف، إن كان حرا " من الأقاويل المفتعلة التي لم ترض الله ورسوله.

٥٤
فقال: أبعده عني، أبعده عني، أبعده عني، ثلاثا " - فإنه من كتب الضلال وليس لي به حاجة، وإني أكره الشيعة وما هم عليه ! !

فقلت: خذه وأقرأه، ولا تعمل به، وماذا يضرك إن قرأته ؟

فأخذ الكتاب ودرسه وطالعه بدقة وإمعان، وحصل له ما حصل لي من الاعتراف بأحقية المذهب الشيعي، وقال:

إن الشيعة على الحق والصواب، وغيرهم خاطئون، ثم تركت أنا وأخي المذهب الشافعي، واعتنقنا المذهب الشيعي الجعفري الإمامي، وذلك لقيام الأدلة الكثيرة الواضحة، والبراهين الرصينة الناصعة، فاستراح ضميري بهذا التمسك بالمذهب الجعفري، وهو مذهب آل بيت النبوة عليهم صلوات الله وسلامه أبدا " ما دام الليل والنهار، لعلمي أني قد حصلت على أقصى غاية ما أريد بأخذ مذهب العترة الطاهرة، وبذلك أعتقد يقينا " لا يشوبه شك أني قد نجوت من عذاب الله تعالى.

وأحمد الله تعالى ثانيا " على نجاة عائلتي كلها، وكثير من أقربائي وأصدقائي وغيرهم، وهذا فضل ونعمة من الله لا يقدر قدرها إلا هو، وهي ولاية آل الرسول، فإنه لا نجاة إلا بولايتهم.

والحديث متفق عليه سنة وشيعة، وهو قول رسول الله صلى الله عليه وآله: (مثل أهل بيتي كسفينة نوح من ركبها نجى، ومن تخلف عنها غرق وهلك) (١).

وأسأل المولى جل وعلا أن يوفقنا لمرضاته بولايتهم وبحبهم إنه أكرم مسؤول، وولي الإجابة.

١ - يأتي الحديث ص ٥٧ و ٢٣٢ بتخريجاته.
٥٥

تشيع جماعات معنا:

وقد تشيع معي، وكذلك مع أخي، خلق كثير جدا " من إخواننا السنة، من سورية ولبنان وتركيا وغيرها من البلاد، والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.

اشتهار أمرنا:

ثم اشتهر أمرنا في البلاد، وذاع وشاع وملأ الأسماع، حتى أخذ الناس يتراكمون علينا، يسألوننا عن السبب الذي دعانا إلى الأخذ بمذهب أهل البيت، مذهب الحق، وترك المذهب الشافعي، وكنا نجيبهم بأن الأدلة قامت لدينا، فمن أراد منكم أن نوضح له المذهب الحق، فليأت إلينا.

مراجعات الناس إلينا:

وفي هذه الفترة القصيرة التي هدانا الله تعالى كانوا يأتون إلينا من كل حدب وصوب، من مختلف الطبقات من العلماء والأساتذة، والوجهاء والتجار، والكسبة والموظفين وغيرهم، فكنا نلقي عليهم الحقائق من المصادر الموثوقة من مصادرهم.

فمنهم من يسمع ويقنع ويأخذ بالمذهب (مذهب أهل البيت عليهم السلام) ويرفض مذهبه السابق، ومنهم من يتعصب ويبقى على مذهبه، وعذره جهله وتعصبه مع العلم أنه غير قادر على الدفاع عن مذهبه.

وهكذا طالت بنا الأيام، ونحن دائبون على هذا السبيل، دعاة

٥٦
للتبليغ ولا نزال، وقد كثر المستبصرون في سوريا، بل امتد إلى تركيا. والحمد لله.

مذاكرة بيني وبين أخي:

هذا ولزيادة الاطمئنان، كنت أنا وأخي نتذاكر في خصوص المذهب الجعفري، فتارة يجعل نفسه من علماء الشيعة وأنا أكون من علماء السنة، ونباشر بالمناظرة.

فألقي عليه مسائل فيجيبني عنها من الكتاب والسنة، بحيث أرى نفسي مغلوبا " معه، وأرى أن الحق مع الشيعة.

وأخرى أجعل نفسي شيعيا " وهو سني، فنتذاكر في مسائل أيضا "، فيضحك ويرى نفسه مغلوبا "، ويقول: الحق الصحيح مع الشيعة.

وهكذا مرارا " تتكرر المذاكرة بيننا بهذا الترتيب، ونجد أن الحق مع الشيعة لأن الحق يعلو ولا يعلى عليه.

مثلا لما يجعل نفسه شيعيا " يطالبني بالدليل على التمسك بأحد المذاهب الأربع قائلا ": ما دليلك على أن تتعبد بالمذهب الشافعي أو الحنفي أو المالكي أو الحنبلي ؟

أفتجد لك دليلا من آية في القرآن المجيد، كقوله تعالى: (وأن هذا صراطي مستقيما " فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله) (١).

فانظر كيف يأمر الله المؤمنين بأن يأخذوا بصراطه المستقيم، وينهانا

١ - سورة الأنعام: ١٥٣.

٥٧
عن الأخذ بطرق عديدة كي لا نضل عن سبيله.

أو تجد حديثا " مأثورا " يدل على تمسك بأحد المذاهب ؟

فأجيبه: الإجماع ! فيردني: لا إجماع البتة، فإنهم يختلفون في المذاهب، فكيف يحصل الاجماع ؟ !.

وإذا سألني وأنا أجعل نفسي جعفريا "، آتي له بأدلة من كتاب الله وسنة رسوله، فأقول: جاء في الحديث، عن الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله:

(إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا من بعدي أبدا "، وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما) (١).

وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: (مثل أهل بيتي فيكم كسفينة نوح من ركبها نجى، ومن تخلف عنها غرق وهوى) (٢) فيسلم ويذعن، ويقول: الحق معكم.

فهكذا رأينا الحق ثابت بجانب أهل بيت رسوله الله صلى الله عليه وآله إلى غير ذلك من الأدلة التي تأخذ بعنق المؤمن فتمنعه عن وجهته.

إعلان التشيع:

قد عرفت مما عليك متكررا " بأن الأدلة القاطعة، والبراهين الساطعة من كلا الطرفين طافحة في كتب الفريقين بأحقية الأخذ

١ - الحديث مشهور وفي مصادر الفريقين مذكور، يأتي ص ٢٠٣.

٢ - تقدم الحديث ص ٥٤ وفيه: غرق وهلك. ويأتي ص ٢٣٢.

٥٨
بالمذهب الجعفري، إذ أنه سلسلة ذهبية متراصة حلقاتها بعضها ببعض لا تنفصم، إذ يقول جل شأنه: (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها) (١).

وقد جاء في حديث معتبر مأثور، عن علي عليه السلام، عن النبي صلى الله عليه وآله، أنه قال (نحن العروة الوثقى) (٢).

وجاءت رواية أخرى: (نحن الصراط المستقيم، نحن السبل إلى الله) (٣) وأمثال ذلك، وهي كثيرة جدا " أوضحت لنا السبيل إلى الدخول في المذهب الشيعي، فاعتنقناه بكل فرح وسرور، إذ لا مناص لنا من الأخذ به طلبا " للنجاة، وفوزا " إلى الرشاد.

هدانا الله وإياك إلى ما فيه رضاه، وهو الموفق والمرشد والهادي، ولله در شاعر أهل البيت الكميت رحمه الله:

وما لي إلا آل أحمد شيعة * وما لي إلا مذهب الحق مذهب (٤)

١ - البقرة: ٢٥٦.

٢ - ينابيع المودة: ٢٥٩ و ٤٤٥، مودة القربى: ٩٩.

٣ - راجع ينابيع المودة: ٢٢ وفيه: نحن الطريق الواضح، ونحن الصراط المستقيم إلى الله... ونحن السبيل لمن اقتدى بنا.

٤ - راجع كتابنا (كرامات الأبرار) ص ٣٧ ففيه ترجمة وافية.

٥٩
وقال الإمام الشافعي:

ولما رأيت الناس قد ذهبت بهم * مذاهبهم في أبحر الغي والجهل
ركبت على اسم الله في سفن النجا * وهم أهل بيت المصطفى خاتم الرسل
وأمسكت حبل الله وهو ولاؤهم * كما قد أمرنا بالتمسك بالحبل
إذا افترقت في الدين سبعون فرقة * ونيف كما قد جاء في محكم النقل
ولم يك ناج منهم غير فرقة * فقل لي بها يا ذا التفكر والعقل
أفي الفرق الهلاك آل محمد * أم الفرق اللائي نجت منهم قل لي
فإن قلت في الناجين فالقول واحد * وإن قلت في الهلاك حدث عن العدل
إذا كان مولى القوم منهم فإنني * رضيت بهم لا زال في ظلهم ظلي
فخلوا عليا " لي وليا ونسله * وأنتم من الباقين في أوسع الحل (١)

١ - قال المؤلف: وسيأتيك نبذة من مناقب العترة الطاهرة نظما " ونثرا " من مصادر إخواننا السنة في هذا الكتاب إن شاء الله.

٦٠