×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

أخيراً أشرقت الروح / الصفحات: ٢١ - ٤٠

الإسلام وعلى المآخذ التي كنت أشنها ورفاقي على صديقتي الشيعية وكل من اتبع هذا المذهب والذين أصبحوا أحبائي من بعد تشيعي وإخوتي في الدين بارك الله فيهم.

لقيت في البداية بعض المعارضة من أهلي - سامحهم الله - ولكن بصبري وتفوقي عليهم وحفظي لكل المسائل التي ربما أتعرض إليها خلال مناقشاتي ومجادلتي مع كل من يسمع بأني قد تشيعت، تفوقت وتفوقت واستطعت أن أشيع اثنتين من أخواتي وذلك بعد اطلاعي على كل كتب الشيعة تقريبا فقد وجدت في عقائدهم وأدعيتهم كنز لا يفنى.

وهكذا كانت مسيرة حياتي مع التشيع بدأتها بشك بيني وبين نفسي عن اختلاف المذاهب وأنهيتها بإعلان التشيع والتمسك بالمذهب الحق مذهب أهل البيت عليهم السلام.

فسلام عليكم يوم ولدتم ويوم استشهدتم ويوم تبعثون، وخاسر خاسر من لا يعرفكم ولا يعرف قدركم.

وأنا متأسفة جدا، وأعتذر إليكم عني وعن المسلمين الذين كانوا يجهلون صلتكم بالنبي وحديثه عنكم وعن حبكم ومودتكم الواجبة علينا وعن بعض من آذاكم وحمل الآخرين على القول فيكم، وفيمن تمسك بكم أقاويل وأكاذيب مغرضة، لعنهم الله وأحرقهم بناره.

وأنت عزيزي القارئ إذا أردت الاستبصار أكثر عليك بقراءة كتب التيجاني والأنطاكي وخليفات... الخ وكل من تشيع لأنها حجة علينا يوم الحساب...

وستجد فيها جوابا لكل مسائلي التي لم أورد لك أجوبتها كي

٢١
تتشجع وتبحث بنفسك على طريق النور والحق...

وبعدها إذا بقيت على حالك ولم تغير رأيك في موروثك فعلى الدنيا السلام، وإلا فأنت إنسان راق قد اتبعت قوله تعالى:

(فبشر عباد * الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب) (١).

٢٢

التمهيد

هذه نبذة مما ورد في حق أحد أزواج النبي المصطفى صلى الله عليه وآله عائشة، وقد أخذتها من الصحاح الستة وغيرها من الكتب المعتبرة عندنا، فجمعتها وأودعتها في هذه الأوراق، وأرجو من الله تعالى أن يجعل مثلها كمثل القرآن الكريم فتكون شفاء ورحمة للمؤمنين وللمؤمنات، وخسارا وغيظا ونكالا للظالمين الذين أبوا العقل والذوق السليم وابتعدوا عن الحق الواضح وضوح الشمس في وضح النهار، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

إليك أيها القارئ الكريم بعض روايات عائشة زوج الرسول وبعض ما روي عنها، بشئ من التفصيل لكي تتعرف على شخصية هذه المرأة التي لعبت أكبر الأدوار في إبعاد عليا عن الخلافة وحاربته بكل ما أوتيت من قوة ودهاء، ولكي تعرف أيضا بأن آية إذهاب الرجس والتطهير بعيدة عنها بعد السماء عن الأرض، وأن أهل السنة أكثرهم ضحايا الدس والتزوير، وهم أتباع بني أمية من حيث لا يشعرون.

قال تعالى في كتابه العزيز: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا).

إن هذه الآية الكريمة بمفهومها الخاص والعام دال على العصمة،

٢٣
وقد نزلت في خمسة وهم: محمد صلى الله عليه وآله وعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام.

إلا أن البعض يزعم أنها نزلت في نساء النبي صلى الله عليه وآله، ويستدلون على ذلك بسياق ما قبلها وما بعدها من الآيات. وعلى حسب زعمهم فإن الله أذهب الرجس عن نساء النبي وطهرهن تطهيرا، على أن أزواج النبي (رضي الله عنهن) عرفن مقصود الآية الكريمة، ولذلك لم تدعي واحدة منهن أنها من أهل البيت، وعلى رأسهن أم سلمة وعائشة.

وقد روت كل واحدة منهن أن الآية خاصة برسول الله وعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام.

وقد أخرج اعترافهن كل من مسلم والترمذي والحاكم والطبري والسيوطي، والذهبي، وابن الأثير، وغيرهم، على أن العقل وحده يحكم بعدم شمول هذه الآية لزوجات النبي صلى الله عليه وآله، فإذا أخذنا مثالا أم المؤمنين عائشة التي تدعي أنها أحب أزواج النبي صلى الله عليه وآله إليه وأقربهن إليه، حتى أن باقي أزواج النبي صلى الله عليه وآله غرن منها وبعثن للنبي صلى الله عليه وآله ينشدنه العدل في ابنة أبي قحافة، لم يتجرأ أحد من أنصارها ومحبيها، لا من السابقين ولا من اللاحقين، أن يقول بأن عائشة كانت تحت الكساء يوم نزول الآية.

فما أعظم محمد صلى الله عليه وآله في أقواله وأفعاله، وما أعظم حكمته عندما حصر أهل بيته معه تحت الكساء، حتى أن أم سلمة أم المؤمنين زوجة النبي صلى الله عليه وآله أرادت الدخول معهم تحت الكساء وطلبت ذلك من زوجها رسول الله صلى الله عليه وآله، ولكنه منعها من ذلك، وقال: (أنت إلى خير).

وتعني العصمة إذهاب الرجس ويشمل كل الذنوب والمعاصي

٢٤
والرذائل صغيرها وكبيرها، وخصوصا إذا أضيف إليها تطهير من رب العزة والجلالة، وإذا كان المسلمون يتطهرون بالماء والتراب طهارة جسدية لا تتعدى ظاهر الجسم، فأهل البيت طهرهم الله طهارة روحية غسلت العقل والقلب والفؤاد، فلم تترك لوساوس الشيطان ولا لارتكاب المعاصي مكانا. فأصبحت قلوبهم صافية نقية خالصة مخلصة لخالقها وبارئها في كل حركاتها وسكناتها.

ولكل ذلك كان هؤلاء المطهرون مثالا للإنسانية جمعاء في الزهد والتقوى والإخلاص والعلم والحلم والشجاعة والمروءة والعفة والنزاهة والعزوف عن الدنيا والقرب منه جل وعلا.

ولم يسجل التاريخ لواحد منهم معصية أو ذنبا طيلة حياته، فإذا كان الأمر كذلك فلنعد إلى المثال الأول لزوجات النبي صلى الله عليه وآله وهي عائشة، وإذا ما تجردنا للحقيقة بدون تعصب ولا انحياز، فهل من المعقول أن يحكم العقل بأنها مطهرة من الذنوب والمعاصي؟ أم أن الله سبحانه رفع عنها حصانته المنيعة بعد موت زوجها رسول الله صلى الله عليه وآله؟.

فلننظر معا إلى الواقع، ولنتعرف عليها سيرة وتاريخا، منذ ولادتها حتى وفاتها، راجين من الله العزيز القدير أن يفتح بصائر المؤمنين الموحدين الذين آمنوا برسالة حبيبه محمد على الحق الذي لا شك فيه، تاركين التعصب والنزعة المذهبية جانبا حتى نهتدي وإياهم إلى الصراط المستقيم.

وصلى الله على محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.

٢٥

الباب الأول
عائشة في حياة النبي صلى الله عليه وآله

٢٦
٢٧

الفصل الأول
زوجات النبي صلى الله عليه وآله وعائشة

ترتيب أزواجه

تزوج بمكة أولا خديجة بنت خويلد (رض) وكانت عذراء (١)، وتزوج سودة بنت زمعة بعد موت خديجة (ض) بسنة، وكانت عند السكران بن عمرو، من مهاجري الحبشة، فتنصر ومات بها، وتزوج عائشة بنت أبي بكر وهي ابنة سبع، قبل الهجرة بسنتين، ويقال كانت ابنة ست ودخل بها بالمدينة في شوال وهي ابنة تسع، وتوفي النبي صلى الله عليه وآله وهي ابنة ثمان عشرة سنة، وبقيت إلى إمارة معاوية، وقد قاربت السبعين.

وتزوج بالمدينة أم سلمة واسمها هند بنت أمية المخزومية، وهي بنت عمته عاتكة بنت عبد المطلب، وكانت عند أبي سلمة بن عبد الأسد، بعد وقعة بدر من سنة اثنتين من التاريخ، وفي هذه السنة تزوج حفصة بنت عمر بن الخطاب، وكانت قبله تحت خنيس بن عبد الله بن

(١) روى ذلك أحمد البلاذري وأبو القاسم الكافي في كتابيهما. والمرتضى في الشافي وأبو جعفر في التلخيص.
٢٨
حذافة السهمي فبقيت إلى آخر خلافة علي عليه السلام وتوفيت بالمدينة، وزينب بنت جحش الأسدية وهي ابنة عمته أمية بنت عبد المطلب، وكانت عند زيد بن حارثة، وهي أول من ماتت من نسائه بعده في أيام عمر بعد سنتين من التاريخ، وجويرية بنت الحارث بن أبي ضرار المصطلقية، ويقال إنه اشتراها فأعتقها فتزوجها، وماتت في سنة خمسين، وكانت عند مالك بن صفوان بن ذي السفرتين، وأم حبيبة بنت أبي سفيان، واسمها رملة، وكانت عند عبيد الله بن جحش، في سنة ست، وبقيت إلى إمارة معاوية، وصفية بنت حيي بن أخطب النضري، وكانت عند سلام بن مشكم، ثم عند كنانة بن الربيع، وكان بنى بها في سنة سبع، وميمونة بنت الحارث الهلالية خالة ابن عباس، وكانت عند عمير بن عمرو الثقفي، ثم عند أبي زيد ابن عبد العامري، خطبها للنبي صلى الله عليه وآله جعفر بن أبي طالب وكان تزويجها وزفافها وموتها وقبرها بسرف، وهو على عشرة أميال من مكة، في سنة سبع، وماتت في سنة ست وثلاثين، وقد دخل صلى الله عليه وآله بهؤلاء.

والمطلقات أو من لم يدخل بهن، أو من خطبها ولم يعقد عليها:

فاطمة بنت شريح، وقيل بنت الضحاك، تزوجها بعد وفاة زينب.

التي يقال أنها ابنته، وسيأتي بيان أن الرسول صلى الله عليه وآله لم يكن لديه من البنات سوى فاطمة سلام الله عليها - وخيرها حين أنزلت عليه آية التخيير، فاختارت الدنيا، ففارقها، فكانت بعد ذلك تلقط البعر وتقول أنا الشقية اخترت الدنيا. وزينب بنت خديجة بن الحارث أم المساكين، من عبد مناف، وكانت عند عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب، وأسماء بنت النعمان، لما دخلت عليه قالت: أعوذ بالله منك، فقال صلى الله عليه وآله: أعذتك، إلحقي

٢٩
بأهلك، وكان بعض أزواجه (عائشة) علمتها (١)، وقالت: إنك تحظين عنده.

وقتيلة أخت الأشعث بن قيس الكندي، ماتت قبل أن يدخل بها، ويقال: طلقها فتزوجها عكرمة بن أبي جهل، وهو الصحيح، وأم شريك، واسمها غزية بنت جابر من بني النجار، وسنا بنت أسماء ابن الصلت من بني سليم، ويقال: خولة بنت حكيم السلمي، ماتت قبل أن يدخل بها، وكذلك اشران أخت دحية الكلبي، ولم يدخل بعمدة الكلابية، وأميمة بنت النعمان الجونية، والعالية بنت ظبيان الكلابية، ومليكة الليية، وأما عمرة بنت يزيد رأى بها بياضا فقال دلستم علي فردها، وليلى ابنة الخطيم الأنصارية ضربت ظهره وقالت: أقلني، فأقالها فأكلها الذئب، وعمرة وصفها أبوها حتى قال: إنها لم تمرض قط، فقال صلى الله عليه وآله: ما لهذه عند الله من خير.

والتسع اللاتي قبض عنهن: أم سلمة، زينب بنت جحش، ميمونة، أم حبيبة، صفية، جويرية، سودة، عائشة، حفصة.

ومات قبل النبي صلى الله عليه وآله: خديجة وأم هاني وزينب بنت خزيمة، وأفضلهن خديجة ثم أم سلمة ثم ميمونة (٢).

هل تزوجت خديجة بأحد قبل النبي صلى الله عليه وآله؟

قيل: إنه صلى الله عليه وآله لم يتزوج بكرا غير عائشة، وأما خديجة، فيقولون:

(١) رواه البخاري: ج ٣ / ص ١٧٧٦.

(٢) أ مناقب آل أبي طالب: ج ١ / ص ١٥٩. هذا الحديث من صحاح السنن المستفيضة فراجعهما في أحوال خديجة الكبرى من الاستيعاب تجدهما بعين اللفظ الذي أوردناه.

وقد أخرجهما البخاري ومسلم في صحيحهما بلفظ يقارب ذلك.

٣٠
كتاب أخيراً أشرقت الروح لـ لمياء حمادة (ص ٣١ - ص ٥١)
٣١
طالب فقيرا، لا مال له؟! فكيف يجوز في نظر أهل الفهم أن تكون خديجة، قد تزوجت أعرابي من تميم، وتمتنع عن سادات قريش وأشرافها على ما وصفناه؟! ألا يعلم ذووا التمييز والنظر أنه من أبين المحال، وأفظع المقال؟!..) (١).

واستبعاد ما ذكر على اعتبار أن لا يمكن أن تبقى امرأة شريفة وجميلة هذه المدة الطويلة بلا زواج لا يدفع كلام صاحب الإستغاثة..

فإن ذلك لا يبرر رفضها لعظماء قريش وقبولها بأعرابي من بني تميم وأما كيف يتركها أبوها أو وليها - علما أن أباها قد قتل في حرب الفجار - وأما وليها، فلم يكن له سلطة الأب ليجبرها على الزواج ممن أراد... وبقاء المرأة الشريفة والجميلة مدة بلا زواج ليس بعزيز... إذا كانت تصبر إلى أن تجد الرجل الفاضل الكامل، الذي كان يعز وجوده في تلك الفترة.

وثالثا: لا بد وأن نشير إلى بعض الكلام حول ما نسب لخديجة من أولاد، من غير النبي صلى الله عليه وآله فنشير إلى:

ألف: ذكروا إن أول شهيد استشهد في الإسلام هو ابن لخديجة، اسمه الحارث بن أبي هالة، حينما جهر رسول الله صلى الله عليه وآله بالدعوة (٢).

ولكن ماذا يصنعون فيما جاء بسند صحيح، عن قتادة: إن أول شهيد في الإسلام هو سمية والدة عمار؟ (٣)، وكذا روي عن مجاهد.

(١) الإستغاثة ج ١ / ص ٧٠.

(٢) الأوائل ج ١ / ص ٣١١، الإصابة ج ١ / ص ٢٩٣.

(٣) الإصابة ج ٤ / ص ٣٣٥، طبقات ابن سعد ج ٨ / ص ١٩٣.

٣٢
باء: لقد روي أنه كانت لخديجة أخت اسمها هالة (١) تزوجها رجل مخزومي، فولدت له بنتا اسمها هالة، ثم خلف عليها رجل تميمي يقال له أبو هند فأولدها ولدا اسمه هند... وكان لهذا التميمي امرأة أخرى قد ولدت له زينب ورقية، فماتت ومات التميمي فلحق ولده هند بقومه وبقيت هالة أخت خديجة والطفلتان اللتان من التميمي وزوجته الأخرى، فضمتهم خديجة إليها وبعد أن تزوجت بالرسول صلى الله عليه وآله، ماتت هالة فبقيت الطفلتان في حجر خديجة والرسول صلى الله عليه وآله.

وكان العرب يزعمون أن الربيبة بنت، ونسبت إليه صلى الله عليه وآله، مع أنهما ابنتا أبي هند زوج أختها وكذلك الحال بالنسبة لهند نفسه (١).

من حياته الزوجية صلى الله عليه وآله

قال تعالى: (يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا، وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما) (٣)، فإنه كان سبب نزولها أنه لما رجع رسول الله صلى الله عليه وآله من غزوة خيبر وأصاب كنز آل أبي الحقيق قلن أزواجه: أعطنا ما أصبت، فقال لهن رسول الله صلى الله عليه وآله: قسمته بين المسلمين على أمر الله فغضبن من ذلك، وقلن: لعلك ترى أنك إن طلقتنا أن لا نجد الأكفاء من قومنا يتزوجون، فأنف الله لرسوله فأمره

(١) نسب قريش ص ١٥٧.

(٢) الإستغاثة ج ١ / ص ٦٨. مكارم الأخلاق ص ٦.

(٣) الأحزاب: آية ٢٩ - ٣٠.

٣٣
أن يعتزلهن فاعتزلهن رسول الله صلى الله عليه وآله في مشربة أم إبراهيم تسعة وعشرين يوما حتى حضن وطهرن، ثم أنزل الله هذه الآية وهي آية التخيير، فقامت أم سلمة أول ما قامت، فقال: قد اخترت الله ورسوله فقمن كلهن فعانقنه وقلن مثل ذلك فأنزل الله (ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء) (١).

ومن آوى فقد نكح، ومن أرجى فقد طلق. وقيل: وكان ممن أرجى منهن سودة وصفية وجويرية وأم حبيب، فكان يقسم لهن ما شاء، وكان ممن آوى إليه أم سلمة وزينب وحفصة وعائشة وميمونة وكان يقسم بينهن على السواء (٢).

وعن أبي الصباح الكناني قال: ذكر أن زينب بنت جحش ويقال حفصة قالت لرسول الله صلى الله عليه وآله: ألا تعدل وأنت رسول الله؟ وقالت حفصة إن طلقنا وجدنا أكفاءنا من قومنا، فاحتبس الوحي عن رسول الله صلى الله عليه وآله عشرين يوما، فأنف الله عز وجل لرسوله فأنزل:

(يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين) إلى قوله: (أجرا عظيما).

فاخترن الله ورسوله، ولو اخترن أنفسهن لبن، وإن اخترن الله ورسوله فليس بشئ.

عائشة نسبها، مولدها وكنيتها

هي بنت أبي بكر الصديق بن أبي قحافة بن عامر بن عمرو بن

(١) الأحزاب: آية ٥١.

(٢) زوجات النبي وأولاده (الخيامي): / ص ٣٨٢.

٣٤
كعب بن سعد بن تميم بن مرة بن كعب بن لؤي، وأمها أم رومان بنت عمير بن عامر بن دهمان بن الحارث بن غنم بن مالك بن كنانة.

ولدت عائشة بمكة في السنة الثامنة قبل الهجرة (١)، وقيل في السنة التاسعة قبل الهجرة (٢).

وكانت تكنى أم عبد الله بن الزبير ابن أختها، فعن عائشة أنها قالت: لما ولد عبد الله بن الزبير أتيت به النبي صلى الله عليه وآله فتفل في فيه، فكان أول شئ دخل جوفه. وقال: هو عبد الله، وأنت أم عبد الله، فما زلت أتكنى بها، وما ولدت قط (٣).

وعنها أنها قالت: يا رسول الله ألا تكنني؟ فقال: تكني بابنك يعني عبد الله بن الزبير.

وعنها قالت: أتيت النبي صلى الله عليه وآله فقلت: يا رسول الله كنيت نساءك فكنني، فقال: تكني بابن أختك أم عبد الله.

وكانت تسمى بأم المؤمنين كسائر زوجات النبي صلى الله عليه وآله وعن فاطمة الخزاعية قالت: سمعت عائشة تقول يوما: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وآله فقلت: أين كنت منذ اليوم؟ قال: يا حميراء، كنت عند أم سلمة.

(١) شرح البخاري للعجلوني وفتح الباري لابن حجر.

(٢) الأعلام للزركلي: ج ٣ / ص ٢٤٠، طبقات ابن سعد: ج ٨ ص ٥٨، قال فيها: وكانت عائشة ولدت السنة ٤ من النبوة في أولها وتزوجها رسول الله صلى الله عليه وآله في السنة العاشرة في شوال وهي يومئذ بنت ست سنين وتزوجها بعد سودة بشهر.

(٣) أخرجه أبو حاتم.

٣٥

زواجها من النبي صلى الله عليه وآله

قال ابن سعد في طبقاته (ج ٨ / ص ٥٨): أخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبي عن أبيه عن أبي صالح عن ابن عباس: قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وآله إلى أبي بكر الصديق عائشة، فقال أبو بكر: يا رسول الله قد كنت وعدت بها، أو ذكرتها لمطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف لابنه جبير، فدعني حتى أسلها منهم ففعل.

فدخل أبو بكر على مطعم بن عدي وعنده امرأته أم ابنه المذكور، فكلمت أبا بكر بما أوجب ذهاب ما كان في نفسه من وعده لمطعم، فإن المطعم لما قال له أبو بكر: ما تقول في أمر هذه الجارية؟ أقبل المطعم على امرأته وقال لها: ما تقولين يا هذه؟

فأقبلت على أبي بكر وقالت: لعنا إن أنكحنا هذا الفتى ابنتك، تصيبه وتدخله في دينك الذي أنت عليه، فأقبل أبو بكر على المطعم وقال له: ماذا تقول أنت؟ فقال: إنها لتقول ما تسمع (١)، فخرج من عنده وقد أذهب الله ما كان في نفسه من عدته التي وعد، ثم تزوجها رسول الله صلى الله عليه وآله، وعائشة يومئذ بنت ست سنين وكانت بكرا.

سنة زواجها وعمرها

تزوج النبي عائشة وهي ابنة ست، وأدخلت عليه وهي ابنة تسع، ومكثت عنده تسعا.

عن عمرة بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة قالت: سمعت عائشة تقول: تزوجني رسول الله صلى الله عليه وآله في شوال سنة عشر من النبوة قبل

(١) السيرة الحلبية، السمط الثمين / ص ٣١. وانظر حياة الصحابة: ج ٢ / ص ٦٥٣ - ٦٥٤.
٣٦
الهجرة لثلاث سنين وأنا ابنة ست سنين، وهاجر رسول الله صلى الله عليه وآله فقدم المدينة يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول، أعرس بي في شوال على رأس ثمانية أشهر من المهاجر، وكنت يوم دخل بي ابنة تسع سنين (١).

ونحن نقول إن ذلك غير صحيح، وإن عمرها كان أزيد من ذلك بكثير، ونستند في ذلك إلى ما يلي:

أولا: إن ابن إسحاق قد عد عائشة في جملة من أسلم أول البعثة، قال: وهي يومئذ صغيرة. وأنها أسلمت بعد ثمانية عشر إنسانا فقط (٢)...

فلو جعلنا عمرها حين البعثة سبع سنين مثلا فإن عمرها حين العقد عليها يكون سبع عشر سنة، وحين الهجرة عشرين سنة.

ثانيا: وفي مقام رفع التنافي بين قوله صلى الله عليه وآله لفاطمة: أنها سيدة نساء العالمين وبين ما نسب إليه صلى الله عليه وآله من أنه لم يكمل من النساء إلا مريم ابنة عمران، وآسية امرأة فرعون، وأن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام...

يقول الطحاوي:

(وقد يحتمل أن يكون ما في هذا الحديث قبل بلوغ فاطمة، واستحقاقها الرتبة التي ذكرها رسول الله صلى الله عليه وآله لها.. إلى أن قال: إن كل فضل ذكر لغير فاطمة، مما قد يحتمل أن تكون فضلت به فاطمة، محتملا لأن يكون وهي صغيرة (عائشة) ثم بلغت بعد ذلك... الخ (٣).

(١) طبقات ابن سعد: ج ٨ / ص ٤٠.

(٢) راجع سيرة ابن هشام ج ١ / ص ٣٧١، تهذيب الأسماء واللغات ج ٢، البدء والتاريخ ج ٤.

(٣) مشكل الآثار ج ١ / ص ٥٢.

٣٧
قال الطحاوي هذا، بعد أن جزم قبل ذلك بقليل، بأن فاطمة (صلوات الله عليها وسلامه) كان عمرها حين توفيت خمسا وعشرين سنة (١).

وهذا يعني أنها قد ولدت قبل البعثة بسنتين، والغرض أن فاطمة كانت صغيرة حينما كانت عائشة بالغة مبلغ النساء...

وقد حمل بعض العلماء حديث فضل عائشة كفضل الثريد... الخ على المزاح منه صلوات الله عليه وآله معها لأن جوها لا ينسجم مع جو التفضيل كما في قوله صلى الله عليه وآله: فاطمة سيدة نساء العالمين، لم يكمل من النساء إلا مريم وآسية الخ... ولا سيما بملاحظة: أن النبي صلى الله عليه وآله لم يكن من المهتمين بأمور الأطعمة، واللذيذ منها ليأتي بها كمثال على تفضيل في أمر حساس كهذا...

ثالثا: يذكر ابن قتيبة أن عائشة قد توفيت سنة ثمان وخمسين هجرية، وعند غيره سنة سبع وخمسين هجرية، وقد قاربت السبعين (٢) فإذا لاحظنا: أن البعض يقول إن خديجة قد توفيت قبل الهجرة بثلاث أو بأربع أو بخمس سنين، وروي عن عائشة قولها: تزوجني رسول الله صلى الله عليه وآله وأنا بنت تسع سنين (٣).

نرى أن هذه الرواية هي الأقرب بقرينة ما قدمناه، ولكثرة الخلط بين كلمتي (سبع) و (تسع) بسبب عدم نقط تلك الكلمات في السابق.. وهذا الرقم أيضا مشكوك فيه لما تقدم، ولأن المرأة تميل إلى تقليل مقدار عمرها عادة... وعلى كل حال... فكلام ابن قتيبة والذي بعده يدل على أنها قد ولدت إما سنة البعثة أو قبلها... وهذا الثاني هو

(١) مشكل الآثار ج ١ / ص ٤٧.

(٢) المعارف لابن قتيبة ص ٥٩.

(٣) راجع حديث الإفك ص ٩٣.

٣٨
الأرجح لما قدمناه...

إذا لاحظنا كل ذلك: فتكون النتيجة هي - أن عمر عائشة كان حين عقد النبي صلى الله عليه وآله عليها سنة عشر من البعثة كانت أكثر من ست سنين بكثير، أي ما بين ثلاثة عشر وسبعة عشر سنة...

رد على مايك

ليس غريبا على المستشرقين أو المسيحيين العاديين أمثال مايك من أمريكا - كما تحدث عنه الدكتور البوطي - ليس غريبا أن يستنكروا أن يتزوج رجل عمره ثلاث وخمسين سنة بطفلة عمرها ست سنوات، وجوابنا له بكل بساطة: وإن عمرها ليس ست سنوات وإنما على الأقل سبع عشرة سنة وأن أحاديث البخاري لا يؤخذ بها كلها لأنها مغلوطة.

وليس لك يا حضرة الدكتور البوطي أن تدافع عن سن عائشة الصغير عند زواجها لأنه بالأصل عمر ملفق ومكذوب.

وأرى أن الحق معه (مايك) وأمثاله لأن يقول هذا وقد قرأه في كتبنا المعتمدة (البخاري وتوابعه...) ولكن الدكتور لم يجرؤ على القول بخطأ البخاري والتشكيك ببعض رواياته.

٣٩

الفصل الثاني: صفات عائشة

أمومة المؤمنين

تجدر الإشارة في أول بحثنا أن يعرف القارئ بأن كل امرأة تزوجها رسول الله صلى الله عليه وآله تحمل هذا اللقب، فيقال لها أم المؤمنين خديجة، وأم المؤمنين حفصة، وأم المؤمنين مارية.. الخ.

وهي أمومة تشريفية لا غير، أقول هذا لأني فوجئت خلال حديثي مع كثير من الناس بأنهم لم يفهموا معنى الأمومة التي لقبت بها أزواج النبي صلى الله عليه وآله، وبما أن حديث أهل السنة أكثره عن عائشة إذا تحدثوا عن أزواج النبي صلى الله عليه وآله، وأغلب الأحاديث النبوية ينقلونها عن عائشة، ونصف الدين يأخذونه عن الحميراء عائشة، فكأنهم فهموا من كلمة (أم المؤمنين) أنها فضيلة تخصها من بين سائر أزواجه صلى الله عليه وآله، والحال أن الله حرم على المؤمنين الزواج من نساء النبي بعد وفاته بقوله تعالى:

(وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم عند الله عظيما) (١).

وقال تعالى: (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم...) (٢).

(١) الأحزاب: آية ٥٣.

(٢) الأحزاب: آية ٦.

٤٠