×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

أخيراً أشرقت الروح / الصفحات: ٤١ - ٦٠

فقد جاء في تفسير ابن كثير وتفسير القرطبي وتفسير الآلوسي وغيرهم: أنه جاءت هذه الآية بحق طلحة بن عبيد الله الذي كان يؤذي رسول الله صلى الله عليه وآله بقوله: إن مات رسول الله تزوجت عائشة فهي بنت عمي، فبلغ رسول الله صلى الله عليه وآله قوله فتأذى من ذلك.

ولما نزلت آية الحجاب واحتجب نساء النبي صلى الله عليه وآله، قال: أيحجبنا محمد عن بنات عمنا ويتزوج نساءنا من بعدنا؟ فإن حدث به حدث لنتزوجن نساءه من بعده. ولما تأذى رسول الله صلى الله عليه وآله من ذلك نزل قول الله تعالى: (وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا)، فأراد الله سبحانه أن يقول للمؤمنين بأن نساء النبي حرام عليكم نكاحهن كحرمة أمهاتكم.

مع العلم أن عائشة كانت عقيما فلم تحمل ولم تخلف.

عائشة في حياة النبي صلى الله عليه وآله

إذا ما بحثنا حياتها مع زوجها رسول الله صلى الله عليه وآله، وجدناها كثيرة الايذاء للنبي صلى الله عليه وآله، فقد جاء في صحيح البخاري (كتاب الطلاق - باب لم تحرم ما أحل الله لك) عن عائشة قالت:

كان رسول الله صلى الله عليه وآله يحب العسل والحلواء، وكان إذا انصرف من العصر دخل على نسائه فيدنو من إحداهن، فدخل على حفصة بنت عمر، فاحتبس أكثر ما كان يحتبس، فغرت، فسألت عن ذلك فقيل لي أهدت لها امرأة من قومها عكة من عسل فسقت النبي صلى الله عليه وآله منه شربة، فقلت: أما والله لنحتالن له، فقلت لسودة بنت زمعة: إنه سيدنو منك، فإذا دنا منك فقولي أكلت مغافير؟، فإنه سيقول لك لا، فقولي

٤١
له ما هذه الريح التي أجد منك، فإنه سيقول سقتني حفصة شربة عسل، فقولي له: جرست نحلة العرفط، وسأقول ذلك، وقولي أنت يا صفية ذلك.

قالت: تقول سودة فوالله ما هو إلا أن قام على الباب فأردت أن أباديه بما أمرتني به فرقا منك (خشية) فلما دنى منها قالت له سودة: يا رسول الله أكلت مغافير، قال: لا، قالت: فما هذه الريح التي أجد منك، قال: سقتني حفصة شربة عسل، فقالت: جرست نحلة العرفط، فلما دار إلي قلت له نحو ذلك، فلما دار إلى صفية قالت له مثل ذلك، فلما دار إلى حفصة قالت: يا رسول الله ألا أسقيك منه، قال لا حاجة لي فيه، قالت سودة: والله لقد حرمناه، قلت لها: اسكتي، فنزل قوله تعالى: (يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك والله غفور رحيم * قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم والله مولاكم وهو العليم الحكيم).

وفي رواية: أن عائشة قد تآمرت مع حفصة على النبي صلى الله عليه وآله وأن العسل كان عند سودة، وكانت هاتين (عائشة وحفصة) متآخيتين فقالت إحداهما للأخرى: أما ترين إلى هذا قد اعتاد هذه، يأتيها في غير نوبتها، يصيب من ذلك العسل، فإذا دخل عليك فخذي بأنفك فإذا قال لك: ما لك؟ فقولي أجد منك ريحا لا أدري ما هو؟.

وفي رواية أن العسل كان من عند زينب بنت جحش وفيه نزل:

(يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك).

أقول: تعددت الروايات والمتهم الأول والمتسبب الرئيسي في آية التحريم واحد هو شخص عائشة.

٤٢
وفي ذكر المرأتين اللتين تظاهرتا على رسول الله صلى الله عليه وآله وتخييره نساءه (١) أخبرنا محمد بن عمر، حدثنا معمر بن راشد عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور عن ابن عباس قال: لم أزل حريصا أن أسأل عمر بن الخطاب عن المرأتين من أزواج النبي صلى الله عليه وآله اللتين قال الله لهما: (إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما) حتى حج عمر وحججت معه، فلما كنا ببعض الطريق عدل عمر وعدلت معه بالإدواة (إناء من جلد يوضع فيه الماء) فتبرز ثم أتاني، فسكبت على يده فتوضأ، فقلت: يا أمير المؤمنين، من المرأتان من أزواج النبي صلى الله عليه وآله اللتان قال الله تعالى فيهما: (إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما)؟ فقال عمر: واعجبا لك يا ابن عباس.

قال الزهري: كره والله ما سأله عنه ولم يكتمه عنه، قال: هما حفصة وعائشة، قال ثم أخذ يسوق الحديث، فقال: كنا معشر قريش قوما نغلب النساء، فلما قدمنا المدينة وجدنا قوما تغلبهم نساؤهم، فطفق نساؤنا يتعلمن من نسائهم، قال: وكان منزلي في بني أمية بن زايد في العوالي (ضيعة بينها وبين المدينة أربعة أميال) قال: فتغضبت يوما على امرأتي، فإذا هي تراجعني، فأنكرت أن تراجعني، فقالت: ما تنكر أن أراجعك وابنتك تؤذي النبي صلى الله عليه وآله (٢)؟.

قال: فانطلقت فدخلت على حفصة، فقلت: أتراجعين رسول الله؟.

قالت: نعم، قلت وتهجره إحداكن اليوم إلى الليل؟ قالت: نعم،

(١) طبقات ابن سعد: ج ٨ / ص ١٨٢.

(٢) رواه مسلم في صحيحه في كتاب الرضاع - باب في الايلاء واعتزال النساء ورواه ابن جرير في تفسيره: ج ٢٨، ورواه أحمد بن حنبل: ج ١ / ص ٤٨ باختلاف في اللفظ.

٤٣
قلت: قد خاب من فعل ذلك منكن وخسر! أفتأمن إحداكن أن يغضب الله عليها لغضب رسوله؟ فإذا هي قد هلكت! لا تراجعي رسول الله ولا تسأليه شيئا وسليني ما بدا لك.

قال عمر: وكان لي جار من الأنصار، وكنا نتناوب النزول إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ينزل يوما وأنزل يوما، فيأتيني بخبر الوحي وغيره، وآتيه بمثل ذلك. قال وكنا نتحدث أن غسان تنعل الخيل (تتهيأ للحرب) لتغزونا، فنزل صاحبي يوما ثم أتاني عشاء فضرب بابي ثم ناداني فخرجت إليه، فقال: حدث أمر عظيم! فقلت: وماذا؟

أجاءت غسان؟.

قال: لا، بل أعظم من ذلك وأطول، طلق الرسول نساءه، فقلت:

فقد خابت حفصة وخسرت! قد كنت أظن هذا كائنا، حتى إذا صليت الصبح شددت علي ثيابي، ثم نزلت فدخلت على حفصة وهي قائمة تلتدم (تضرب الوجه والصدر) فقلت: أطلقكن رسول الله صلى الله عليه وآله؟

فقالت: لا أدري هو هذا معتزل في هذه المشربة (الغرفة) فأتيت غلاما له أسود فقلت: استأذن لعمر، فدخل الغلام ثم خرج إلي فقال: قد ذكرتك له فصمت، فانطلقت حتى أتيت المنبر فإذا عنده رهط جلوس يبكي بعضهم، فجلست قليلا ثم غلبني ما أجد، فأتيت الغلام فقلت:

استأذن لعمر، فدخل ثم خرج إلي فقال: قد ذكرتك له فصمت، فوليت مدبرا فإذا الغلام يدعوني.

فقال: ادخل فقد أذن لك، فدخلت فسلمت على رسول الله صلى الله عليه وآله فإذا هو متكئ على رمل حصير، وقد أثر في جنبه، فقلت: أطلقت يا رسول الله نساءك؟ فرفع رأسه إلي وقال: لا، فجلست فرفعت رأسي في

٤٤
البيت فوالله ما رأيت فيه شيئا يرد البصر إلا آهبة ثلاثة (الآهبة جمع إهاب وهو الجلد)، فقلت: ادع يا رسول الله أن يوسع على أمتك، فقد وسع على فارس والروم وهم لا يعبدون الله، فاستوى جالسا ثم قال:

أفي شك أنت يا ابن الخطاب، أولئك قوم عجلت طيباتهم في الحياة الدنيا. فقلت: استغفر لي يا رسول الله، وكان أقسم أن لا يدخل عليهم شهرا من شدة موجدته (غضبه) عليهن.

فتركهن رسول الله صلى الله عليه وآله تسعا وعشرين ليلة ثم نزل: (عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات ثيبات وأبكارا).

وروي غير ذلك: قال ابن سعد في طبقاته (١)، وابن جرير في تفسيره: ج ٢٨ (روى بسنده) عن ابن عباس قوله: (يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك) إلى قوله (وهو العلي الحكيم)، قال: كانت حفصة وعائشة متحابين وكانتا زوجتي رسول الله صلى الله عليه وآله، فذهبت حفصة إلى أبيها فتحدثت عنده، فأرسل النبي صلى الله عليه وآله إلى جاريته أم إبراهيم مارية القبطية، فظلت معه في بيت حفصة، وكان اليوم الذي يأتي فيه عائشة فرجعت حفصة فوجدتها في بيتها، فجعلت تنتظر خروجها وغارت غيره شديدة فأخرج رسول الله صلى الله عليه وآله مارية ودخلت حفصة، فقالت: رأيت من كانت عندك والله لقد سئتني، فقال النبي صلى الله عليه وآله والله لأرضينك فإني مسر إليك سرا فاحفظيه، قالت: ما هو؟، قال: إني أشهدك أن سريتي هذه علي حرام رضا لك.

وكانت عائشة وحفصة تظاهرت على نساء النبي صلى الله عليه وآله فانطلقت

(١) طبقات ابن سعد: ج ٨ / ص ١٣٥ وابن جرير في تفسير: ج ٢٨، أنظر الصحيح المسند من أسباب النزول: / ص ٦٠.
٤٥
حفصة إلى عائشة فأسرت إليها أن أبشري إن النبي قد حرم فتاته، فلما أخبرت عائشة بسر النبي صلى الله عليه وآله أظهر الله عز وجل ذلك على النبي صلى الله عليه وآله فعرف أن حفصة أفشت سره، فقالت له حفصة: من أنبأك هذا، قال:

أنبأني العليم الخبير.

فأنزل الله (وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا فلما نبأت به وأظهره الله عليه عرف بعضه وأعرض عن بعض فلما نبأها به قالت من أنبأك هذا قال نبأني العليم الخبير * إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهيرا عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات ثيبات وأبكارا)، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما أنا بداخل عليكن شهرا.

ولما مضت تسع وعشرون ليلة دخل على عائشة فبدأ بها، قالت عائشة: يا رسول الله، أما كنت أقسمت ألا تدخل علينا شهرا، وإنما أصبحت من تسع وعشرين أعدها لك عدا، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله:

الشهر تسع وعشرون ليلة. وكان ذلك الشهر تسعا وعشرين، قالت عائشة: ثم أنزل الله آية التخيير فبدأ بي أول نسائه، فقال: إني ذاكر لك أمرا فلا عليك ألا تعجلي حتى تستأمري أبويك.

قالت عائشة: فاعلم أن أبوي لم يكونا ليأمراني بفراقه، قال: قال الله: (يا أيها النبي قل لأزواجك إن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما)، فقلت له: ففي هذا أستأمر أبوي! فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة.

ثم خير نساءه فقبلن جميعا واخترن الله ورسوله غير العامرية اختارت قومها، فكانت بعد تقول: أنا الشقية، وكانت تلقط البعر وتبيعه وتستأذن على أزواج النبي صلى الله عليه وآله، وتسألهن وتقول: أنا الشقية.

٤٦

غيرة عائشة

كانت الغيرة تسيطر على قلب عائشة وعقلها فتتصرف بحضرة النبي تصرفا بغير احترام ولا أدب، فمرة قالت للنبي صلى الله عليه وآله عندما ذكر عندها السيدة خديجة (رض): ما لي ولخديجة، إنها عجوز حمراء الشدقين، أبدلك الله خيرا منها، فغضب لذلك رسول الله صلى الله عليه وآله، حتى اهتز شعره (١).

وروي أنه قالت عائشة معترفة: ما غرت على أحد من نساء النبي صلى الله عليه وآله ما غرت به على خديجة، وما رأيتها، ولكن كان النبي صلى الله عليه وآله يكثر ذكرها، وربما ذبح الشاة ثم يقطعها أعضاء، ثم يبعث في صدائق خديجة (صديقاتها) فقلت: كأن لم يكن في الدنيا إلا خديجة، فيقول:

إنها كانت وكان لي منها الولد (٢).

وعنها قالت: كان رسول الله لا يكاد يخرج من البيت حتى يذكر خديجة، فيحسن الثناء عليها، فذكرها يوما من الأيام فأدركتني الغيرة، فقلت: هل كانت إلا عجوزا، قد أبدلك الله خيرا منها، فغضب حتى اهتز مقدم شعره من الغضب، ثم قال: لا والله ما أبدلني الله خيرا منها، آمنت بي إذ كفر الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني في مالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله منها أولادا إذ حرمني النساء (٣).

ومرة أخرى بعثت أم سلمة عليها السلام بطعام في صحفة لها، إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وأصحابه (وكان في بيتها) فجاءت عائشة مستترة بكساء

(١) صحيح البخاري: ج ٤ باب تزويج النبي صلى الله عليه وآله خديجة وكذلك صحيح مسلم.

(٢) طبقات ابن سعد - صحيح البخاري.

(٣) الإستيعاب لابن عبد البر.

٤٧
ومعها فهر (حجر) فتلقت به الصحنه فكسرتها، فجمع رسول الله صلى الله عليه وآله بين فلقتي الصحفة وهو يقول: (غارت أمكم، غارت أمكم)، ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله صحفة عائشة فبعث بها إلى أم سلمة (رضي الله عنها) (١)...

وعنها أنها قالت: ما رأيت صانعة طعام مثل صفية أهدت إلى النبي صلى الله عليه وآله إناء فيه طعام فما ملكت نفسي أن كسرته، فسألت رسول الله صلى الله عليه وآله: وما كفارته؟ قال: إناء كإناء وطعام كطعام.

وقالت للنبي مرة أخرى: أنت الذي تزعم أنك نبي الله؟ (٢).

وقصة ذلك: أن عائشة خرجت مع رسول الله في حجة الوداع، وخرج معه نساؤه، قالت: وكان متاعي فيه خف، وكان على جمل ناج، وكان متاع صفية بنت حيي فيه ثقل، وكان على جمل تقال بطئ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: حولوا متاع عائشة على جمل صفية وحولوا متاع صفية على جمل عائشة حتى يمضي الركب.

قالت عائشة: فلما رأيت ذلك، قلت: يا لعباد الله، غلبتنا هذه اليهودية على رسول الله صلى الله عليه وآله، قالت: فقال صلى الله عليه وآله: يا أم عبد الله، إن متاعك كان في خف، وكان متاع صفية فيه ثقل فأبطأ بالركب، فحولنا متاعها على بعيرك وحولنا متاعك على بعيرها، قالت: فقلت:

أليس تزعم أنك رسول الله؟، قالت: فتبسم (ونحن نقول إنه غضب) وقال: أو في شك أنت يا أم عبد الله؟، قالت: فقلت: ألست تزعم أنك رسول الله؟.

(١) إحياء علوم الدين للإمام الغزالي: ج ٢.

(٢) السمط الثمين: / ص ٨١.

٤٨
فهلا عدلت، فسمعني أبو بكر وكان فيه عرب أي حدة فأقبل علي ولطم وجهي.

فقال صلى الله عليه وآله: مهلا يا أبا بكر، فقال: يا رسول الله، أو لم تسمع ما قالت؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الغيران لا تبصر أسفل الوادي من أعلاه (١).

ومرة غضبت عنده فقالت له: إعدل وكان أبوها حاضرا فضربها حتى سال دمها (٢).

وبلغ بها الأمر من كثرة الغيرة أن تكذب على أسماء بنت النعمان لما زفت عروسا للنبي صلى الله عليه وآله: فقالت لها: إن النبي صلى الله عليه وآله ليعجبه من المرأة إذا دخل عليها أن تقول له أعوذ بالله منك، وغرضها من وراء ذلك هو تطليق تلك المرأة البريئة الساذجة، والتي كانت أجمل أهل زمانها وأشبه، وقالت عائشة في ذلك: فلما جعل رسول الله صلى الله عليه وآله يتزوج العزائب قلت: قد وضع يده في العزائب، وهن يوشكن أن يصرفن وجهه عنا، وكان قد خطبها - حين وفدت كندة عليه - إلى أبيها، فلما رآها نساء النبي صلى الله عليه وآله حسدنها، فقالت لها عائشة: إن أردت أن تحظي عنده فتعوذي بالله منه إذا دخل عليك، فلما دخل وألقى الستر، مد يده إليها، فقالت: أعوذ بالله منك، فقال: أمن عائذ الله، إلحقي بأهلك.

فطلقها الرسول بسبب هذه المقالة (٣).

وقد بلغ من سوء أدبها مع حضرة الرسول صلى الله عليه وآله أنه كان يصلي وهي باسطة رجليها في قبلته، فإذا سجد غمزها فقبضت رجليها، وإذا

(١) أخرجه الحافظ أبو القاسم الدمشقي.

(٢) كنز العمال: ج ٧، إحياء العلوم للغزالي.

(٣) طبقات ابن سعد: ج ٨، الإصابة لابن حجر: ج ٤، تاريخ اليعقوبي: ج ٢.

٤٩
قام أعادت بسطهما في قبلته (١).

وفي طبقات ابن سعد (ج ٨) (روى بسنده) (٢) عن أبي معشر: قال تزوج النبي صلى الله عليه وآله مليكة بنت كعب، وكانت تذكر بجمال بارع، وكانت بكرا، فدخلت عليها عائشة: فقالت لها: أما تستحين أن تنكحي قاتل أبيك، فاستعاذت من رسول الله صلى الله عليه وآله فطلقها (وكان هذا مراد عائشة) فجاء قومها إلى النبي صلى الله عليه وآله، فقالوا: يا رسول الله، إنها صغيرة، وإنها لا رأي لها، وإنها خدعت فارتجعها، وكان أبوها قتل يوم فتح مكة، قتله خالد بن الوليد.

وعن عائشة أنها قالت: كنت أغار على اللاتي وهبن أنفسهن من رسول الله صلى الله عليه وآله، وكنت أقول: تهب المرأة نفسها؟ ما في امرأة حين تهب نفسها لرجل خير، فلما أنزل الله عز وجل: (ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء) (٣). ما أرى ربك إلا يسارع في هواك.

وكانت عائشة إذا غضبت (وكثيرا ما كانت تغضب) تهجر اسم النبي صلى الله عليه وآله فلا تذكر اسم محمد، وإنما تقول ورب إبراهيم (٤)، ففي طبقات ابن سعد (ج ٨ / ص ٨٩): أخبرنا محمد بن عمر، حدثنا ابن أبي الزناد عن هشام عن أبيه عن عائشة، قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله:

يا عائشة ما يخفى علي حين تغضبين علي وحين ترضين، قلت: بم تعرف ذلك يا رسول الله؟ قال: أما حين ترضين فتقولين لا ورب محمد، وأما حين تغضبين فتقولين لا ورب إبراهيم، قالت: قلت له

(١) صحيح البخاري: ج ١، باب الصلاة على الفراش.

(٢) طبقات ابن سعد: ج ٨ / ص ١٠٥، الإصابة.

(٣) السمط الثمين: / ص ٨١.

(٤) صحيح البخاري: ج ٦ باب غيرة النساء ووجدهن.

٥٠
صدقت يا رسول الله، إنما أهجر اسمك!.

وقد أساءت عائشة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله كثيرا، وجرعته الغصص، ولكن النبي صلى الله عليه وآله رؤوف رحيم، وأخلاقه عالية وصبره عميق، فكان كثيرا ما يقول لها (ألبسك شيطانك يا عائشة)، وكثيرا ما كان يأسى لتهديد الله لها ولحفصة بنت عمر، وكم من مرة ينزل القرآن بسببها، فقد قال تعالى لها ولحفصة (إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما)، أي إنها زاغت عن الحق وانحرفت، وقوله: (إن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح الملائكة بعد ذلك ظهيرا) وهو تهديد صريح من رب العزة لها ولحفصة التي كانت كثيرا ما تنصاع لها وتعمل بأوامرها.

وقال الله لهما: (عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن مسلمات مؤمنات)، وهذه الآيات (كما ذكرنا) نزلت في عائشة وحفصة بشهادة عمر بن الخطاب كما جاء في البخاري، فدلت هذه الآية لوحدها على وجود نساء مؤمنات في المسلمين خير من عائشة.

ومرة بعثها رسول الله صلى الله عليه وآله لما أراد أن يخطب لنفسه شراف أخت دحية الكلبي، وطلب من عائشة أن تذهب وتنظر إليها، ولما رجعت كانت الغيرة قد أكلت قلبها فسألها رسول الله صلى الله عليه وآله: ما رأيت يا عائشة؟

فقالت: ما رأيت طائلا، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله: لقد رأيت طائلا، لقد رأيت خالا بخدها اقشعرت منه كل شعرة منك، فقالت: يا رسول الله ما دونك سر، ومن يستطيع أن يكتمك (١).

وعن فاطمة الخزاعية قالت: سمعت عائشة تقول يوما: دخل علي رسول الله يوما، فقلت: أين كنت منذ اليوم؟ فقال: يا حميراء، كنت

(١) طبقات ابن سعد: ج ٨ / ص ١١٥.
٥١
كتاب أخيراً أشرقت الروح لـ لمياء حمادة (ص ٥٢ - ص ٧٤)
٥٢
النبي)، فقالت: لا والله ما هي كما يقولون، فتلطفت لها حفصة حتى رأتها، فقالت: قد رأيتها، ولا والله ما هي كما تقولين ولا قريب من وصفك، وإنها لجميلة، قالت: فرأيتها بعد، فكانت لعمري كما قالت حفصة، ولكني كنت غيرانة (١).

وجاء في السمط الثمين: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وآله المدينة وهو عروس بصفية جئن نساء الأنصار فأخبرنني عنها، قالت: فتنكرت وتنقبت فذهبت فنظرت، فنظر رسول الله صلى الله عليه وآله إلى عيني فعرفني، فالتفت والتفت، فأسرعت المشي، فأدركني وقال: كيف رأيتها يا عائشة؟

قالت: رأيت يهودية، قال صلى الله عليه وآله: لا تقولي هذا يا عائشة فإنها قد أسلمت فحسن إسلامها (٢).

(أقول: وصلت بك غيرتك يا عائشة أن تسبي امرأة بنسبها لما لم تجدي شئ في جمالها تعيبيها فيه).

وفي طبقات ابن سعد (ج ٨ / ص ١٢٨): أخبرنا معن بن عيسى، حدثنا هشام بن سعد عن زيد بن أسلم أن نبي الله صلى الله عليه وآله، في الوجع الذي توفي فيه اجتمع إليه نساؤه، فقالت صفية بنت حيي: أما والله يا نبي الله لوددت أن الذي بك بي، فغمزتها أزواج النبي (يقصد عائشة) وأبصرهن رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال: مضمضن، فقلن: من أي شئ يا نبي الله؟ قال: من تغامزكن بصاحبتكن، والله إنها لصادقة.

لقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله يعلم ما في قلبها من زيغ وكأنها كانت تنتظر مفارقة الرسول صلى الله عليه وآله الحياة سريعا لتصل إلى بعض مآربها.

(١) طبقات ابن سعد، حياة الصحابة: ج ٢ / ص ٦٣٩.

(٢) أخرجه ابن ماجة والحافظ الدمشقي في الموافقات - وانظر طبقات ابن سعد: ج ٨ / ص ٩٠.

٥٣
وفي صحيح أبو داوود (ج ٣١)، باب ما جاء في المزاح (روى بسنده): عن النعمان بن بشير قال: استأذن أبو بكر مرة على النبي صلى الله عليه وآله فسمع صوت عائشة عاليا فلما دخل تناولها ليلطمها وقال: أراك ترفعين صوتك على رسول الله صلى الله عليه وآله، فجعل النبي صلى الله عليه وآله يحجزه. ورواه أحمد بن حنبل أيضا في مسنده: (ج ٤ / ص ٢٧١)، وقال فيه: فدخل (يعني أبا بكر) فقال: يا بنت أم رومان وتناولها، أترفعين صوتك على رسول الله صلى الله عليه وآله، قال: فحال النبي صلى الله عليه وآله بينه وبينها.

وفي طبقات ابن سعد (ج ٨ / ص ٥٦) روى بسنده عن ابن المسيب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله لأبي بكر: يا أبا بكر ألا تعذرني من عائشة، قال فرفع أبو بكر يده فضرب صدرها ضربة شديدة.

إذن لقد كانت عائشة تتلقى من الأدب لعلها تستقيم. ووصل بها الأمر أن تغار من ابن الرسول صلى الله عليه وآله إبراهيم المولود الرضيع البرئ، ففي مستدرك الحاكم ج ٤ / ص ٣٩: (روى بسنده) عن عائشة، قال: أهديت مارية إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وكانت جميلة من النساء جعدة، قالت: ما غرت على امرأة إلا دون ما غرت على مارية، وقد أعجب بها رسول الله صلى الله عليه وآله وكان أنزلها أول ما قدم بها في بيت لحارثة بن النعمان فكانت جارتنا، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله عامة النهار والليل عندها، حتى فرغنا لها فجزعت، فحولها إلى العالية فكان يختلف إليها هناك، فكان ذلك أشد علينا، ثم رزقه الله منها الولد وحرمناه منه.

وكانت مارية أمه قليلة اللبن فابتاعت لولدها إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وآله ضائنة لبون فكان يغذى بلبنها، فحسن عليه لحمه، قالت عائشة: فدخل به النبي صلى الله عليه وآله ذات يوم، فقال لي: كيف ترين؟ فقلت: من

٥٤
غذي بلحم الضأن يحسن لحمه. قال صلى الله عليه وآله: ولا الشبه؟ قالت: فحملني ما يحمل النساء من الغيرة إن قلت ما أرى شيئا، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ألا ترين إلى بياضه ولحمه؟ (١).

عائشة وحب الدنيا

عن عائشة قالت: رآني رسول الله صلى الله عليه وآله وقد أكلت في اليوم مرتين، فقال: يا عائشة أما تحبين أن يكون لله شغل إلا جوفك؟ الأكل في اليوم مرتين من الاسراف، والله لا يحب المسرفين (٢).

وفي رواية: فقال يا عائشة اتخذت الدنيا بطنك؟ أكثر من أكلة كل يوم سرف، والله لا يحب المسرفين.

وعنها قالت: دخلت على امرأة من الأنصار فرأت فراش رسول الله صلى الله عليه وآله عباة عن عباءة مثنية، فانطلقت فبعثت بفراش حشوة الصوف، فدخل علي رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: ما هذا يا عائشة؟ قالت: فقلت يا رسول الله فلانة أنصارية دخلت علي فرأت فراشك فذهبت فبعثت إلي بهذا. قال صلى الله عليه وآله: رديه يا عائشة، قالت فلم أرده وأعجبني أن يكون في بيتي حتى قال ذلك ثلاث مرات، قالت: فقال رديه يا عائشة، فوالله لو شئت لأجرى الله معي جبال الذهب والفضة (٣).

وعن عائشة قالت: لبست مرة درعا لي جديدا، فجعلت أنظر إليه وأعجبت به، فقال أبو بكر: ما تنظرين؟ إن الله ليس بناظر إليك! قلت:

ومم ذلك؟ قال أما علمت أن العبد إذ دخله العجب بزينة الدنيا مقته

(١) طبقات ابن سعد: ج ٨ / ص ٢١٢. أنساب الأشراف: ج ١ / ص ٤٤٩.

(٢) أخرجه البيهقي، وانظر الترغيب: ج ٣، والمشكاة / ص ٢٧٢.

(٣) أخرجه أبو معاوية. راجع السمط الثمين / ص ٥٩.

٥٥
ربه عز وجل حتى يفارق تلك الزينة. قالت: فنزعته فتصدقت به، فقال أبو بكر: عسى ذلك يكفر عنك سيئاتك (١).

وعن عبد الله بن أبي مليكة قال: رأيت على عائشة ثوبا مضرجا، فقلت: وما المضرج؟ فقال: هذا الذي تسمونه المورد (٢).

(١) أخرجه أبو نعيم في الحلية: ج ١ / ص ٣٧ - وأنظر حياة الصحابة: ج ٢.

(٢) طبقات ابن سعد: ج ٨.

٥٦
٥٧

الفصل الثالث
عبثية منهج عائشة

إساءات عائشة وسخريتها

عن عائشة أنها قالت: دخلت علي امرأة مسكينة ومعها شئ تهديه إلي، فكرهت أن أقبله منها، فقال لي نبي الله صلى الله عليه وآله: فهلا قبلتيه وكافأتيها، فأرى أنك حقرتيها، فتواضعي يا عائشة فإن الله يحب المتواضعين ويبغض المستكبرين (١).

عن عائشة قالت: عثر أسامة على عتبة الباب أو أسكفة الباب، فشج جبهته: فقال: يا عائشة أميطي عنه الدم، فتقذرته. قالت: فجعل رسول الله صلى الله عليه وآله يمص شجته ويقول: لو كان أسامة جارية لكسوته وحليته حتى أنفقه (٢).

وعن عطاء بن يسار قال: كان أسامة بن زيد (رضي الله عنهما) قد أصابه الجدري أول ما قدم المدينة، وهو غلام مخاطه يسيل على فيه، فتقذرته عائشة وحاولت إقصاءه، فدخل رسول الله صلى الله عليه وآله فطفق يغسل

(١) أخرجه أبو نعيم في الحلية. أنظر حياة الصحابة: ج ٢.

(٢) أخرجه ابن سعد: ج ٤، وأخرج ابن أبي شيبة نحوه في المنتخب: ج ٥ / ص ١٣٥.

٥٨
وجهه ويقبله (١).

وكان عند عائشة طبق من عنب فجاءها سائل فدفعت إليه حبة واحدة، فضحكت نساء كن عندها، فقالت: إن فيما ترين مثاقيل ذر كثيرة، فنظر المسكين إليها: وهو يتعجب. (أسخرية أم بخل) (٢).

وأخرج أبو يعلى عن رزينة (رض) مولاة رسول الله صلى الله عليه وآله أن سودة اليمانية جاءت عائشة تزورها وعندها حفصة بنت عمر، فجاءت سودة في هيئة وفي حالة حسنة، عليها برد من دروع اليمن وخمار كذلك، وعليها نقطتان مثل الفرستين من صبر وزعفران إلى موقها (أي عينها)، قالت سودة: وأدركت النساء يتزين به، فقالت حفصة لعائشة: يا أم المؤمنين أيجئ رسول الله صلى الله عليه وآله وهذه بيننا تبرق.

فقالت عائشة: لأفسدن عليها زينتها - وكان في أذن سودة ثقل - قالت لها حفصة: يا سودة خرج الأعور، قالت: نعم، ففزعت فزعا شديدا فجعلت تنتفض.

فقالت: أين أختبئ؟ قالت عائشة: عليك بالخيمة - خيمة من سعف يختبئون فيها - فذهب فاختبأت فيها، وفيها قذر ونسيج العنكبوت، فجاء رسول الله صلى الله عليه وآله وهما تضحكان لا تستطيعان أن تكلماه من كثرة الضحك، فقال صلى الله عليه وآله: ما ذاك الضحك؟ ثلاث مرات، وهما مستمرتان بالضحك إلى أن أومأتا إلى الخيمة بأيديهما، فذهب فإذا سودة ترتعد، فقال لها: يا سودة ما لك؟ قالت: يا رسول الله أخرج الأعور؟.

(١) كذا في المنتخب: ج ٥ / ص ١٣٦.

(٢) موطأ الإمام مالك بن أنس في كتاب الجامع - في الترغيب في الصدقة.

٥٩
قال: ما خرج وليخرجن - ما خرج وليخرجن، فأخرجها فجعل ينفض عنها الغبار ونسيج العنكبوت (١).

وعن سوء تعبيرها للرؤيا وسخريتها جاء في أخبارها.

عن الدارمي في سننه (ج ٢ / ص ١٣٠) (روى) بسنده: عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وآله قالت: كانت امرأة من أهل المدينة لها زوج تاجر تختلف إليه، فكانت ترى رؤيا كلما غاب عنها زوجها، وقلما يغيب إلا تركها حاملا فتأتي رسول الله صلى الله عليه وآله فتقول: إن زوجي خرج تاجرا فتركني حاملا، فرأيت فيما يرى النائم أن سارية بيتي انكسرت وأني ولدت غلاما أعورا. فقال صلى الله عليه وآله: خير، يرجع زوجك عليك إن شاء الله تعالى صالحا وتلدين غلاما برا. فكانت تراها مرتين أو ثلاثا كل ذلك تأتي رسول الله صلى الله عليه وآله فيقول ذلك لها، فيرجع زوجها وتلد غلاما.

فجاءت يوما كما كانت تأتيه ورسول الله صلى الله عليه وآله غائب، وقد رأت تلك الرؤيا، فقلت لها: عم تسألين رسول الله صلى الله عليه وآله يا أمة الله، فقالت:

رؤيا كنت أراها، فآتي رسول الله صلى الله عليه وآله فأسأله عنها فيقول خيرا...

فيكون كما قال، فقلت: فاخبريني ما هي، قالت: حتى يأتي رسول الله صلى الله عليه وآله، فأعرضها عليه كما كنت أعرض.

فوالله ما تركتها حتى أخبرتني فقلت: والله لئن صدقت رؤياك ليموتن زوجك وتلدين غلاما فاجرا، فقعدت تبكي، فقالت: ما لي حين عرضت عليك رؤياي قلت شرا.

فدخل رسول الله صلى الله عليه وآله وهي تبكي، فقال لها: ما لها يا عائشة؟

فأخبرته الخبر وما تأولت لها، فقال صلى الله عليه وآله: ألم أخبرك يا عائشة إذا عبرتم

(١) الهيثمي: ج ٤ / ص ٣١٦.
٦٠