×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

أخيراً أشرقت الروح / الصفحات: ٦١ - ٨٠

للمسلم الرؤيا فاعبروها على الخير، فإن الرؤيا تكون على ما يعبرها صاحبها. تقول عائشة: فمات والله زوجها ولا أراها إلا ولدت غلاما فاجرا.

عائشة مهملة

عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وآله دخل عليها بأسير، أوصاها أن لا يغيب عن عينها، فلهت عنه بنسوة عندها حتى غفلها الأسير وخرج فهرب، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله ما قال ودعا عليها، ثم خرج فأمر الناس بطلبه فلم ينشبوا أن جاؤوا به فدخل رسول الله صلى الله عليه وآله وعائشة تقلب يديها، فقال صلى الله عليه وآله: ما لك؟ قالت: دعوت علي يا رسول الله صلى الله عليه وآله فأنا أنتظر متى يكون (١).

وعن عائشة قالت: دخل رسول الله صلى الله عليه وآله فرأى كسرة خبز ملقاة فمشى، ثم قال: يا عائشة أحسني جوار نعم الله، فإنها قل ما نفرت من أهل بيت فكادت ترجع إليهم.

نفهم مما سبق أن عائشة تهمل أوامر الرسول وتتوانى في تنفيذها.

وكل ما فعلته عائشة مع حضرة النبي صلى الله عليه وآله من مؤامرات كانت في أغلب الأحيان تجر معها حفصة بنت عمر، والغريب أننا نجد تفاهما وانسجاما تاما بين المرأتين عائشة وحفصة كالانسجام والتفاهم بين أبويهما أبو بكر وعمر، غير أنه في النساء كانت عائشة دائما هي الجريئة والقوية وصاحبة المبادرة وهي التي تجر حفصة بنت عمر وراءها في كل شئ، بينما كان أبوها أبو بكر ضعيفا أمام عمر الذي كان هو الجرئ

(١) أخرجه المخلص الذهبي.
٦١
والقوي وصاحب المبادرة في كل شئ، حتى أنه في خلافة أبي بكر كان عمر بن الخطاب هو الحاكم الفعلي.

وقد حدث بعض المؤرخين أن عائشة لما همت بالخروج إلى البصرة لمحاربة الإمام علي عليه السلام فيما سمي بحرب الجمل (على ما سيأتي بيانه) أرسلت إلى أزواج النبي صلى الله عليه وآله أمهات المؤمنين تسألهن الخروج معها فلم يستجب لها منهن إلا حفصة بنت عمر التي تجهزت وهمت بالخروج معها لكن أخاها عبد الله بن عمر هو الذي منعها وعزم عليها فحطت رحلها (١)، ومن أجل ذلك كان الله سبحانه يتهدد عائشة وحفصة معا، في قوله: (وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهيرا)، وكذلك قوله: (إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما).

ولقد ضرب الله لهما مثلا خطيرا في سورة التحريم ليعلمهما وبقية المسلمين أن الزوجية للنبي لا تدخل زوجاته الجنة بلا حساب ولا عقاب، فقد أعلم الله عباده ذكورا وإناثا بأن مجرد الزوجية لا تضر ولا تنفع حتى ولو كان الزوج رسول الله صلى الله عليه وآله، وإنما الذي ينفع ويضر عند الله هو أعمال الإنسان فقط، فقال تعالى: (ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا النار مع الداخلين) (٢).

وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون إذ قالت: (رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين * ومريم التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من

(١) ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة: ج ٢ / ص ٨٠.

(٢) سورة التحريم، آية ١٠.

٦٢
القانتين) (١).

وبهذا يتبين لكل الناس بأن الزوجية والصحبة وإن كانت فيهما فضائل كثيرة إلا أنهما لا يغنيان من عذاب الله إلا إذا اتسمتا بالأعمال الصالحة، وإلا فإن العذاب يكون مضاعفا لأن عدل الله سبحانه يقتضي أن لا يعذب البعيد الذي لم يسمع الوحي، كالقريب الذي ينزل القرآن في بيته والإنسان الذي عرف الحق فعانده كالجاهل الذي لم يعرف الحق.

أم المؤمنين تشهد على نفسها

ولنستمع إلى عائشة تروي عن نفسها وكيف تفقدها الغيرة صوابها، فتتصرف بحضرة النبي صلى الله عليه وآله تصرفا لا أخلاقيا، قالت:

بعثت صفية زوج النبي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله بطعام قد صنعته له، وهو عندي، فلما رأيت الجارية أخذتني رعدة حتى استقلني فأكل، فضربت القصعة ورميت بها، قالت: فنظر إلي رسول الله صلى الله عليه وآله فعرفت الغضب في وجهه، فقلت: أعوذ برسول الله أن يلعنني اليوم، قالت، قال: أولي، قلت: وما كفارته يا رسول الله؟ قال: طعام كطعامها وإناء كإنائها (٢).

ومرة أخرى تروي عن نفسها، قالت: قلت للنبي حسبك من صفية كذا وكذا، فقال لي النبي صلى الله عليه وآله: لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته (٣).

(١) التحريم آية ١١ - ١٣.

(٢) مسند الإمام أحمد بن حنبل: ج ٦ / ص ٢٧٧ - وسنن النسائي: ج ٢ / ص ١٤٨.

(٣) صحيح الترمذي، وقد رواه الزركشي / ص ٧٣.

٦٣
أين أم المؤمنين من الأخلاق وأبسط الحقوق التي فرضها الإسلام في تحريم الغيبة والنميمة؟ ولا شك بأن قولها (حسبك من صفية كذا وكذا) وقول الرسول بأنها كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته، بأن ما قالته عائشة في ضرتها أم المؤمنين صفية أمر عظيم، وخطب جسيم، وأعتقد بأن رواة الحديث استفظعوها واستعظموها فأبدلوها بعبارة كذا وكذا، كما هي عادتهم في مثل هذه القضايا!!.

وتكلمنا عن غيرتها من مارية (أم إبراهيم) وعن تعدي غيرتها دائرة مارية إلى إبراهيم المولود الرضيع البرئ!.

وحتى أن غيرتها تعدت كل الحدود وفاقت كل تعبير عندما وصلت بها الظنون والوساوس إلى الشك في رسول الله صلى الله عليه وآله فكانت كثيرا ما تتظاهر بالنوم عندما يبات عندها رسول الله صلى الله عليه وآله ولكنها ترقب زوجها وتتحسس مكانه في الظلام وتتعقبه أين ما ذهب وإليك الرواية على لسانها والتي أخرجها مسلم في صحيحه والإمام أحمد في مسنده وغيرهم، قالت:

لما كانت ليلتي التي كان النبي صلى الله عليه وآله فيها عندي انقلبت فوضع رداءه وخلع نعليه فوضعهما عند رجليه وبسط طرف إزاره على فراشه فاضطجع فلم يلبث إلا ريثما ظن أن قد رقدت فأخذ رداءه رويدا وانتعل رويدا وفتح الباب فخرج ثم أجافه رويدا، فجعلت درعي في رأسي واختمرت وتقنعت إزاري ثم انطلقت على إثره حتى جاء البقيع فأطال القيام، ثم رفع يديه ثلاث مرات ثم انحرف فانحرفت فأسرع فأسرعت فهرول فهرولت، فأحضر فأحضرت فسبقته فدخلت فليس إلا أن اضطجعت فدخل، فقال: ما لك يا عائشة حشيا رابية؟ قالت: قلت يا

٦٤
رسول الله لا شئ، قال: لتخبريني أو ليخبرني اللطيف الخبير، قالت:

قلت يا رسول الله بأبي أنت وأمي فأخبرته، قال: فأنت السواد الذي رأيت أمامي؟ قلت: نعم، فلهدني في صدري لهدة أوجعتني، ثم قال:

أظننت أن يحيف الله عليك ورسوله (١).

ومرة أخرى قالت: فقد ت رسول الله صلى الله عليه وآله فظننت أنه أتى بعض جواريه فطلبته فإذا هو ساجد، يقول: رب اغفر لي (٢).

وأخرى قالت عائشة: إن رسول الله صلى الله عليه وآله خرج من عندي ليلا، فغرت عليه، قالت فجاء فرأى ما أصنع، فقال: ما لك يا عائشة، أغرت؟ فقلت: وما لي أن لا يغار مثلي على مثلك! فقال صلى الله عليه وآله: أفأخذك شيطانك؟ (٣).

وهذه الرواية تدل دلالة واضحة على أنها عندما تغار تخرج عن أطوارها وتفعل أشياء غريبة، كأن تكسر الأواني وتمزق الملابس مثلا.

ولذلك تقول في هذه الرواية فلما جاء ورأى ما أصنع قال: أفأخذك شيطانك؟.

ولا شك أن شيطان عائشة كان كثيرا ما يأخذها أو يلبسها، وقد وجد لقلبها سبيلا من طريق الغيرة، وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: (الغيرة للرجل إيمان، وللمرأة كفر)، باعتبار أن الرجل يغار على زوجته لأنه لا يجوز شرعا أن يشاركه فيها أحد، أما المرأة فليس من حقها أن تغار على زوجها لأن الله سبحانه أباح له الزواج بأكثر من

(١) صحيح مسلم: ج ٣ / ص ٦٤ باب ما يقال عند دخول القبور، مسند أحمد بن حنبل: ج ٦.

(٢) مسند الإمام أحمد بن حنبل: ج ٦ / ص ١٤٧.

(٣) مسند الإمام أحمد بن حنبل ج ٦ / ص ١١٥.

٦٥
واحدة.

فالمرأة الصالحة المؤمنة التي أذعنت لأحكام الله سبحانه تتقبل ضرتها بنفس رياضية - كما يقال اليوم - وخصوصا إذا كان زوجها عاملا مستقيما يخاف الله، فما بالك بسيد الإنسانية ورمز الكمال والعدل والخلق العظيم؟. على أننا نجد تناقضا واضحا في خصوص حب النبي صلى الله عليه وآله لعائشة، وما يقوله أهل السنة والجماعة من أنها كانت أحب نسائه إليه وأعزهم لديه، حتى أنهم يروون أن بعض نسائه وهبن نوبتهن لعائشة لما علمن أن النبي صلى الله عليه وآله يحبها ولا يصبر عليها.

ففي صحيح البخاري، باب المرأة تهب يومها من زوجها لضرتها:

عن عائشة: أن سودة بنت زمعة وهبت يومها لعائشة.

فهل يمكن والحال هذه أن نجد مبررا وتفسيرا لغيرة عائشة المفرطة؟

والمفروض أن العكس هو الصحيح، أي أن تغار بقية أزواج النبي صلى الله عليه وآله من عائشة لشدة حبه إياها وميله معها كما يروون ويزعمون، وإذا كانت هي المدللة عند الرسول صلى الله عليه وآله فما هو مبرر الغيرة؟

والتاريخ لم يحدث إلا بأحاديثها، وكتب السيرة طافحة بتمجيدها وأنها حبيبة رسول الله صلى الله عليه وآله المدللة التي كان لا يطيق فراقها، وأعتقد بأن كل ذلك من الأمويين الذين أحبوا عائشة وفضلوها لما خدمت مصالحهم وروت لهم ما أحبوا وحاربت عدوهم علي بن أبي طالب.

جمال عائشة وحظوتها

إن أكثر، إن لم يكن كل ما يقال عن جمال عائشة وحظوتها، وحب النبي صلى الله عليه وآله لها مروي عن نفسها، أو عن ابن أختها عروة... ونحن

٦٦
نقطع بعدم صحة ذلك من الأساس، ونحن نذكر هنا بعض التعليلات فنقول:

أولا: إن ذلك - كما قلنا - لم يأت عموما - إلا من طريق عائشة نفسها، كما يظهر من تتبع الروايات!!... والزيت لا يقول عن نفسه أنه عكر.

ثانيا: إننا نجد ابن عباس يواجهها بعد حرب الجمل بحقيقة: أنها لم تكن أحسن نساء النبي صلى الله عليه وآله وجها، ولا بأكرمهن حسبا (١).

كما أن عمر إنما يصف زينب بنت جحش بالحسن دون عائشة عندما قال لابنته: ليس لك حظوة عائشة، ولا حسن زينب (٢)... ونحن نشك في الفقرة الأولى (الحظوة) ونعتقد بأنها من مخيلة الرواة لحاجة في النفس.

ثالثا: قال علي فكري: (... وما رواه ابن بكار: من أن الضحاك بن أبي سفيان الكلابي كان رجلا دميما قبيحا: فلما بايع النبي صلى الله عليه وآله قال:

إن عندي امرأتين أحسن من هذه الحميراء (يريد عائشة، وذلك قبل أن تنزل آية الحجاب) أفلا أنزل لك عن إحداهما فتتزوجها؟ - وعائشة جالسة تسمع، فقالت: أهي أحسن أم أنت؟ فقال: بل أنا أحسن وأكرم.

فضحك رسول الله صلى الله عليه وآله من سؤالها إياه (لأنه كان دميما قبيح الوجه)... (٣) رابعا: إن من يتتبع سيرة زوجات النبي صلى الله عليه وآله يجد: أن عائشة هي

(١) الفتوح لابن أعثم ج ٢ / ص ٣٣٧ طبعة الهند.

(٢) طبقات ابن سعد ج ٨ / ص ١٣٧.

(٣) السمير المهذب ج ٢ / ص ٨.

٦٧
التي كانت تحسد وتغار من كل زوجة له صلى الله عليه وآله.

ويظهر بما لا يبقى مجال للشك: أن أكثرهن - إن لم يكن كلهن - كن أكثر حظوة لدى النبي صلى الله عليه وآله منها، إن لم نقل أنهن أجمل وأضوء منها أيضا، فإن من الطبيعي أن نجد الدميم هو الذي يحسد على الجمال ويغار، أما الجميل فليس من الطبيعي أن يحسد الدميم، وأن يغار منه...

كما أنه ليس من الطبيعي أن يكون الميل لغير ذات الجمال أكثر منه للجميلة الوضيئة، وقد ذكر في حديث الإفك على لسان أم عائشة قولها:

(فوالله لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها، ولها ضرائر إلا كثرن عليها).

ولو صدقنا: أنها كانت هي ذات الحظوة لدى الرسول، وأنه كان يحبها أكثر من غيرها، فلماذا هذه الغيرة، وهذا الحسد منها لهن... فإن الحسد لا بد وأن يكون على شئ يفقده الحاسد، ويتمنى زواله عن المحسود وانتقاله إليه...

هل كان النبي صلى الله عليه وآله يحب عائشة؟

وكما أعتقد بأن رسول الله صلى الله عليه وآله لم يكن يحبها لما فعلته معه كما قدمنا! وكيف يحب رسول الله من تكذب وتغتاب وتمشي بالنميمة وتشك في الله ورسوله، وتظن منهما، كيف؟، كيف يحب رسول الله صلى الله عليه وآله من تتجسس عليه وتخرج من بيتها بدون إذنه لتعلم أين يذهب؟، كيف يحب رسول الله صلى الله عليه وآله من تشتم زوجاته بحضرته ولو كن أمواتا؟، كيف يحب رسول الله صلى الله عليه وآله من تبغض ابنه إبراهيم وترمي

٦٨
أمه مارية بالإفك (١)؟، كيف يحب رسول الله صلى الله عليه وآله من تتدخل بينه وبين زوجاته بالكذب مرة وبإثارة الأحقاد أخرى وتتسبب في طلاقهن؟، كيف يحب رسول الله صلى الله عليه وآله من تبغض ابنته الزهراء وتبغض أخاه وابن عمه علي بن أبي طالب إلى درجة أنها لا تذكر اسمه ولا تطيب له نفسا بخير (٢).

كل هذا وأكثر في حياته أما بعد وفاته، فحدث ولا حرج.

وكل هذه الأفعال يمقتها الله ورسوله صلى الله عليه وآله ولا يحبان فاعلها، لأن الله هو الحق ورسوله صلى الله عليه وآله يمثل الحق، فلا يمكن له أن يحب من كان على غير الحق، وسوف نعرف خلال الأبحاث القادمة بأن رسول الله صلى الله عليه وآله لم يكن يحبها، بل إنه حذر الأمة من فتنتها (٣).

لقد روت عائشة أن حب النبي المفرط لها بالذات دون سواها لأسباب عديدة، ولكن ستعرف أيها القارئ الكريم الواعي بأنها كلها مزيفة:

قالت: لأنها جميلة وصغيرة وهي البكر الوحيدة التي دخل بها ولم يشاركه فيها أحد سواه.

وقالت: لأنها ابنة أحب الخلق إليه أبي بكر الصديق صاحبه في الغار.

وقالت: لأنها حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وآله نصف الدين فهي العالمة الفقيهة.

وقالت: لأن جبرئيل جاء بصورتها، وكان لا يدخل على النبي إلا

(١) يراجع هذا الموضوع في كتاب الإفك للعلامة جعفر مرتضى العاملي.

(٢) صحيح البخاري: ج ٣ / ص ١٣٥ باب هبة الرجل لامرأته من كتاب الهبة وفضلها.

(٣) صحيح البخاري: ج ٤ / ص ٤٦ باب ما جاء في بيوت أزواج النبي - كتاب الجهاد والسير.

٦٩
في بيتها.

وأنت كما ترى أيها القارئ بأن كل هذه الادعاءات لا تقوم على دليل ولا يقبلها العقل، وسوف نأتي على نقضها بالأدلة.

نقض قولها بأن الرسول صلى الله عليه وآله يحبها

يقولون بأن الرسول صلى الله عليه وآله يحبها لأنها جميلة وهي البكر الوحيدة التي دخل بها، فما الذي يمنعه من الزواج بالأبكار والجميلات اللاتي كن بارعات في الحسن والجمال وكن مضرب الأمثال في القبائل العربية، وكن رهن إشارته، على أن المؤرخين يذكرون غيرة عائشة من زينب بنت جحش ومن صفية بنت حيي ومن مارية القبطية لأنهن كن أجمل منها.

وقد أوردت لكم قصة عائشة مع مليكة بنت كعب، التي تزوجها النبي صلى الله عليه وآله وكانت تعرف بجمال بارع، فدخلت عليها عائشة فقالت لها:

أما تستحين أن تنكحي قاتل أبيك؟ فاستعاذت من رسول الله صلى الله عليه وآله فطلقها، فجاء قومها إلى النبي صلى الله عليه وآله فقالوا: يا رسول الله إنها صغيرة، ولا رأي لها، وإنها خدعت فارتجعها، فأبى رسول الله صلى الله عليه وآله، وكان أبوها قد قتل في يوم فتح مكة، قتله خالد بن الوليد بالخندمة (١).

وهذه الرواية تدلنا بوضوح بأن رسول الله صلى الله عليه وآله ما كان همه من الزواج الصغر والجمال، وإلا لما طلق مليكة بنت كعب وهي صغيرة وبارعة في الجمال، كما تدلنا هذه الرواية وأمثالها على الأساليب التي اتبعتها عائشة في خداع المؤمنات البريئات وحرمانهن من الزواج برسول الله صلى الله عليه وآله، وقد سبق لها أن طلقت أسماء بنت النعمان لما غارت

(١) رواه ابن سعد في طبقاته: ج ٨ / ص ١٤٨ - ابن كثير في تاريخ: ج ٥ / ص ٢٩٩.
٧٠
من جمالها وقالت لها: إن النبي صلى الله عليه وآله ليعجبه من المرأة إذا دخل عليها أن تقول له: أعوذ بالله منك، وهذه مليكة تثير فيها حساسية مقتل أبيها وأن قاتله هو رسول الله صلى الله عليه وآله، وتقول لها: أما تستحين أن تنكحي قاتل أبيك، فما كان جواب هذه المسكينة إلا أنها استعاذت من رسول الله صلى الله عليه وآله! وما عساها أن تقول غير ذلك، والناس لا يزالون حديثي عهد بالجاهلية، يأخذون الثأر ويعيرون من لا يثأر لأبيه؟.

بقي لنا أن نتساءل ويحق لنا أن نتساءل: لماذا يطلق رسول الله صلى الله عليه وآله هاتين المرأتين البريئتين واللتين ذهبتا ضحية مكر وخداع عائشة لهن؟.

وقبل كل شئ لا بد لنا أن نضع في حسابنا أن رسول الله صلى الله عليه وآله معصوم ولا يظلم أحدا، ولا يفعل إلا الحق، فلا بد أن يكون في تطليقهن حكمة يعلمها الله ورسوله صلى الله عليه وآله كما أن عدم تطليق عائشة بالرغم من أفعالها فيه أيضا حكمة، ولعلنا نقف على شئ منها في الصفحات المقبلة.

أما بالنسبة للمرأة الأولى وهي أسماء بنت النعمان فقد ظهرت سذاجتها عندما انطلت عليها حيلة عائشة فأول كلمة قابلت بها رسول الله صلى الله عليه وآله عندما مد يده إليها هي (أعوذ بالله منك) وبالرغم من جمالها البارع فلم يبقها رسول الله صلى الله عليه وآله لبلاهتها.

يقول ابن سعد في طبقاته (ج ٨)، ويقول غيره: عن ابن عباس قال: (تزوج رسول الله صلى الله عليه وآله أسماء بنت النعمان وكانت من أجمل أهل زمانها وأتمه) ولعله صلى الله عليه وآله أراد أن يعلمنا أن رجاحة العقل أولى من الجمال، فكم من امرأة جميلة جرها غباؤها للفاحشة.

أما بالنسبة للمرأة الثانية وهي مليكة بنت كعب والتي عيرتها

٧١
عائشة بأن زوجها هو قاتل أبيها، فلم يرد النبي صلى الله عليه وآله أن تعيش هذه المسكينة (والتي هي صغيرة السن، ولا رأي لها كما شهد بذلك قومها) على هواجس ومخاوف قد تسبب مصائب كبرى، خصوصا وأن عائشة سوف لن تتركها ترتاح مع رسول الله صلى الله عليه وآله، ولا شك أن هناك أسبابا أخرى يعلمها رسول الله وغابت عنا.

والمهم أن نعرف أن رسول الله صلى الله عليه وآله لم يكن يجري وراء الجمال والشهوات الجسدية والجنسية كما يتوهمه بعض الجاهلين وبعض المستشرقين، الذين يقولون كان هم محمد هو النساء والحسناوات.

ورأينا كيف طلق رسول الله صلى الله عليه وآله هاتين المرأتين بالرغم من صغرهما وجمالهما فكانتا أجمل أهل زمانهما وأتمه، كما جاء في كتب التاريخ وكتب الحديث، فقول من يدعي أن رسول الله صلى الله عليه وآله يحب عائشة لصغرها وجمالها مردود لا يقبل.

نقض قولها: يحبها لأنها ابنة أبي بكر

أما القائلين بأن حبه إياها لأنها ابنة أبي بكر (وكما قالت هي) فهذا غير صحيح، ولكن يمكننا أن نقول بأنه تزوجها من أجل أبي بكر، لأن رسول الله صلى الله عليه وآله تزوج من قبائل عدة زواجا سياسيا لتأليف القلوب ولتسود المودة والرحمة في تلك القبائل بدلا من التنافر والتباغض، فقد تزوج النبي صلى الله عليه وآله بأم حبيبة أخت معاوية وهي بنت أبي سفيان العدو الأول للنبي صلى الله عليه وآله وذلك لأنه لا يحقد، وهو رحمة للعالمين، وقد تعدى عطفه وحنانه القبائل العربية إلى مصاهرة اليهود والنصارى والأقباط ليقرب أهل الأديان بعضهم من بعض.

وبالخصوص إذا ما عرفنا من خلال ما نقرأه في الصحاح وكتب

٧٢
السيرة بأن أبا بكر هو الذي طلب من النبي صلى الله عليه وآله بأن يتزوج ابنته عائشة، كما طلب عمر من النبي صلى الله عليه وآله بأن يتزوج ابنته حفصة، وقبل رسول الله صلى الله عليه وآله لأن قلبه يسع أهل الأرض كلهم.

قال تعالى: (ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك) (١).

وإذا رجعنا إلى الرواية التي روتها عائشة وقالت فيها بأن رسول الله صلى الله عليه وآله لم يلبث إلا ريثما ظن أن قد رقدت فأخذ رداءه رويدا وفتح الباب فخرج ثم أجافه، عرفنا كذب الزعم بأنه صلى الله عليه وآله لا يصبر عنها (٢).

وهذا الاستنتاج ليس استنتاجا عفويا ألفه الخيال، فإن له أدلة في صحاح السنة، فقد روى مسلم في صحيحه وغيره من صحاح أهل السنة أن عمر بن الخطاب قال: لما اعتزل نبي الله صلى الله عليه وآله نساءه قال: دخلت المسجد فإذا الناس ينكتون الحصى ويقولون طلق رسول الله صلى الله عليه وآله نساءه، وذلك قبل أن يؤمرن بالحجاب، فقال عمر: فقلت لأعلمن ذلك اليوم، قال: فدخلت على عائشة فقلت: يا بنت أبي بكر أقد بلغ من شأنك أن تؤذي رسول الله صلى الله عليه وآله، فقالت: ما لي وما لك يا ابن الخطاب، عليك بعيبتك! قال: فدخلت على حفصة بنت عمر فقلت لها: يا حفصة أقد بلغ من شأنك أن تؤذي رسول الله صلى الله عليه وآله، والله لقد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وآله لا يحبك، ولولا أنا لطلقك رسول الله صلى الله عليه وآله، فبكت أشد البكاء... الحديث (٣).

إن هذه الرواية تدلنا بوضوح لا يقبل الشك في أن زواج النبي صلى الله عليه وآله

(١) آل عمران آية: ١٥٩.

(٢) صحيح مسلم: ج ٣ / ص ٦٤. مسند الإمام أحمد: ج ٦ / ص ٢٢١.

(٣) صحيح مسلم: ج ٤ / ص ١٨٨ في باب الايلاء واعتزال النساء وتخييرهن وقوله تعالى: (وإن تظاهرا عليه).

٧٣
من حفصة بنت عمر لم يكن عن محبة، ولكنه لمصلحة سياسية اقتضتها الظروف، ومما يزيدنا يقينا بصحة ما ذهبنا إليه في هذا الاستنتاج أن عمر بن الخطاب يقسم بالله بأن رسوله لا يحب حفصة ويزيدنا عمر يقينا جديدا بأن ابنته حفصة تعلم هي الأخرى هذه الحقيقة المؤلمة، إذ يقول لها: (والله لقد علمت بأن رسول الله لا يحبك).

ثم لا يبقى لنا أدنى شك في أن الزواج منها كان لمصلحة سياسية عندما قال: (لولا أنا لطلقك رسول الله) صلى الله عليه وآله.

فهذه الرواية تعطينا أيضا فكرة عن زواج النبي صلى الله عليه وآله بعائشة بنت أبي بكر، وأنه صبر وتحمل كل أذاها من أجل أبي بكر أيضا، وإلا فإن حفصة أولى بحب الرسول وتقديره، لأنه لم يصدر منها ما يسئ، للنبي صلى الله عليه وآله عشر معشار ما فعلته عائشة بنت أبي بكر.

لم تكن أفضل أزواج النبي صلى الله عليه وآله، وإنما أفضلهن خديجة

قد يكون لأم المؤمنين عائشة فضلها ومنزلتها، غير أنها ليست بأفضل أزواج النبي صلى الله عليه وآله وكيف تكون أفضلهن مع ما صح عنها إذ قالت: ذكر رسول الله صلى الله عليه وآله خديجة ذات يوم فناولتها، فقلت: عجوز كذا وكذا، قد أبدلك الله خيرا منها، قال: ما أبدلني الله خيرا منها، لقد آمنت بي حين كفر بي الناس، وصدقتني حين كذبني الناس، وأشركتني في مالها حين حرمني الناس، ورزقني الله ولدها وحرمني ولد غيرها، الحديث... (١).

وعن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وآله لا يكاد يخرج من البيت

(١) الإستيعاب - أحوال خديجة الكبرى، كذلك أخرجه البخاري ومسلم في صحيحهما.
٧٤
كتاب أخيراً أشرقت الروح لـ لمياء حمادة (ص ٧٥ - ص ٩٥)
٧٥
لها صلى الله عليه وآله: ما يبكيك؟ قالت: بلغني أن عائشة وحفصة تنالان مني، وتقولان نحن خير من صفية، قال صلى الله عليه وآله: ألا قلت لهن كيف تكن خيرا مني وأبي هارون وعمي موسى وزوجي محمد (١).

وروي في تفسير القمي: كانت عائشة وحفصة تؤذيان صفية زوجة النبي صلى الله عليه وآله، وتقولان لها: يا بنت اليهودية، فشكت ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال لها: ألا تجيبينهما؟ قالت: بماذا يا رسول الله:؟

قال: قولي إن أبي هارون نبي الله، وعمي موسى كليم الله، وزوجي محمد رسول الله، فما تنكران مني؟ فقالت لهما، فقالتا: هذا علمك رسول الله، فأنزل الله في ذلك: (يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم...) (٢).

استسلام عائشة في حديثها عن رسول الله صلى الله عليه وآله إلى العاطفة

إذا دققنا النظر في سيرة أم المؤمنين وبحثنا عن حالها، من تحب، من تبغض؟ بحث إمعان وروية، فهناك نجد العاطفة محركة لها بأجلى مظاهرها.

إن سيرتها مع عثمان قولا وفعلا، ووقائعها مع علي وفاطمة والحسن والحسين سرا وعلانية، وشؤونها مع أمهات المؤمنين بل مع رسول الله صلى الله عليه وآله، يحركها المزاج وتقديم الغرض على الحق.

وحسبكم مثالا لهذا وتأييدا - النزول إلى حكم العاطفة - من إفك أهل الزور إذ قالوا - بهتانا وعدوانا في السيدة مارية وولدها إبراهيم عليه السلام

(١) أخرجه الترمذي - الإستيعاب - ابن حجر في ترجمتها من الإصابة.

(٢) الحجرات: آية ١١.

٧٦
- ما قالوا، حتى برأهما الله عز وجل من ظلمهم - على يد أمير المؤمنين علي عليه السلام - وهو دليل محسوس وملموس، وفي هذا قال تعالى: (ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا) (١)، وتفصيل هذه المصيبة في (ج ٣ / ص ٣٩) من مستدرك الحاكم في أحوال السيدة مارية (رض)، أو من تلخيصه للذهبي. وإن أردتم المزيد، فتذكروا نزولها على حكم العاطفة - فيما أوردناه - إذ قالت لرسول الله صلى الله عليه وآله: إني أجد منك ريح مغافير ليمتنع عن أكل العسل من بيت أم المؤمنين زينب (رض)، وإذا كان هذا الغرض التافه يبيح لها أن تحدث رسول الله صلى الله عليه وآله عن نفسه بمثل هذا الحديث فكيف نركن إلى نفيها الوصاية إلى علي عليه السلام - على ما سيأتي تبيانه - ولا تنسوا نزولها على حكم العاطفة يوم زفت أسماء بنت النعمان عروسا إلى النبي صلى الله عليه وآله فقالت لها: إن النبي ليعجبه من المرأة إذا دخل عليها أن تقول له: أعوذ بالله منك، وغرضها من ذلك تنفير النبي صلى الله عليه وآله من عروسه، وإسقاط هذه المؤمنة البائسة من نفسه، وكانت أم المؤمنين تستبيح مثل هذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله ترويجا لغرضها، حتى لو كان تافها أو حراما.

وكلفها صلى الله عليه وآله مرة الاطلاع على امرأة مخصوصة لتخبره عن حالها فأخبرته بغير ما رأت.

وخاصمته صلى الله عليه وآله يوما إلى أبيها فقالت له: إقصد - أي اعدل -، فلطمها أبوها حتى سال الدم على ثيابها (٢).

وقالت له مرة في كلام غضبت عنده: أنت الذي تزعم أنك نبي

(١) الأحزاب: ٢٥.

(٢) الحديث ١٠٢٠ من أحاديث الكنز - الغزالي الباب الثالث من كتاب آداب النكاح: ج ٢ / ص ٣٥ من إحياء العلوم - الباب ٩٤ من كتاب مكاشفة القلوب: / ص ٢٣٨.

٧٧
إلى كثير من أمثال هذه الشؤون، والاستقصاء يضيق عنه هذا الاملاء، وفيما أوردناه كفاية لما أردناه.

رد دعوى أم المؤمنين عائشة بأن النبي صلى الله عليه وآله قضى وهو على صدرها

عن عائشة أنها قالت: توفي صلى الله عليه وآله بين سحري ونحري.

ودعوى أم المؤمنين هذه بأن النبي صلى الله عليه وآله قضى وهو في صدرها معارضة بصحاح متواترة من طريق العترة الطاهرة، وحسبكم من طريق غيرهم ما أخرجه ابن سعد (ص ٥١) من القسم الثاني من الجزء الثاني من الطبقات، في باب من قال: توفي رسول الله صلى الله عليه وآله وهو في حجر علي، وهو ذاته موجود في الكنز (ج ٤ / ص ٥٥)، بالإسناد إلى علي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله في مرضه: ادعوا لي أخي، فأتيته، فقال: ادن مني، فدنوت منه، فاستند إلي فلم يزل مستندا إلي وإنه ليكلمني حتى أن بعض ريقه ليصيبني، ثم نزل برسول الله صلى الله عليه وآله.

وأخرج أبو نعيم في حليته، وأبو أحمد الفرضي في نسخته وغير واحد من أصحاب السنن، عن علي قال: علمني رسول الله صلى الله عليه وآله - يعني حينئذ - ألف باب، كل باب يفتح ألف باب (١).

وكان عمر بن الخطاب إذا سئل عن شئ يتعلق ببعض هذه الشؤون، لا يقول غير: سلوا عليا، فكونه هو القائم بها، فعن جابر بن عبد الله الأنصاري أن كعب الأحبار سأل عمر فقال: ما كان آخر ما تكلم به رسول الله صلى الله عليه وآله؟ فقال عمر: سل عليا، فسأله كعب، فقال علي:

أسندت رسول الله صلى الله عليه وآله إلى صدري: فوضع رأسه على منكبي فقال:

(١) هذا الحديث ٦٠٠٩ من الكنز: ج ٦ / ص ٣٩٢.
٧٨
الصلاة الصلاة، قال كعب: كذلك آخر عهد الأنبياء، وبه أمروا وعليه يبعثون، قال كعب فمن غسله يا أمير المؤمنين؟ فقال عمر: سل عليا، فسأله، فقال: كنت أنا أغسله، الحديث (١).

وقيل لابن عباس: أرأيت رسول الله صلى الله عليه وآله توفي ورأسه في حجر أحد؟ قال: نعم توفي وإنه لمستند إلى صدر علي، فقيل له: إن عروة يحدث عن عائشة أنها قالت: توفي بين سحري ونحري، فأنكر ابن عباس ذلك قائلا للسائل: أتعقل؟ والله توفي رسول الله صلى الله عليه وآله وإنه لمستند إلى صدر علي، وهو الذي غسله... الحديث (٢).

وأخرج ابن سعد بسنده إلى الإمام أبي محمد علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام، قال: قبض رسول الله صلى الله عليه وآله ورأسه في حجر علي.

والأخبار في ذلك متواترة، عن سائر أئمة العترة الطاهرة، وإن كثيرا من المنحرفين عنهم ليعترفون بهذا، حتى أن ابن سعد أخرج بسنده إلى الشعبي، قال توفي رسول الله صلى الله عليه وآله ورأسه في حجر علي وغسله علي.

وكان أمير المؤمنين عليه السلام يخطب بذلك على رؤوس الأشهاد...

وحسبكم قوله من خطبة له عليه السلام (٣): (ولقد علم المستحفظون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله، أني لم أرد على الله، ولا على رسوله ساعد قط، ولقد واسيته بنفسي في المواطن التي تنكص فيها الأبطال، وتتأخر فيها الأقدام، نجدة أكرمني الله بها، ولقد قبض صلى الله عليه وآله وإن رأسه لعلى صدري، ولقد سالت نفسه في كفي فأمررتها على وجهي، ولقد وليت

(١) أخرجه ابن سعد: ج ٢ من طبقاته: / ص ٥١ - الكنز: ج ٤ / ص ٥٥.

(٢) أخرجه ابن سعد في الصفحة المتقدم ذكرها. الكنز: ج ٤ / ص ٥٥.

(٣) نهج البلاغة: ج ٢ / ص ١٩٦.

٧٩
غسله صلى الله عليه وآله، والملائكة أعواني، فضجت الدار والأفنية، ملأ يهبط، وملأ يعرج، وما فارقت سمعي هنيهة منهم يصلون عليه، حتى واريناه في ضريحه، فمن ذا أحق به مني حيا وميتا).

ومثله يقول: (في الجزء الثاني نفسه من النهج: / ص ٢٠٧) من كلام له عند دفنه سيدة النساء فاطمة عليها السلام: (السلام عليك يا رسول الله عني وعن ابنتك النازلة في جوارك، والسريعة اللحاق بك، قل يا رسول الله عن صفيتك صبري ورق عنه تجلدي، إلا أن لي في التأسي بعظيم فرقتك، وفادح مصيبتك، موضع تعز، فلقد وسدتك في ملحودة قبرك، وفاضت بين نحري وصدري نفسك، فإنا لله وإنا إليه راجعون...).

وصح عن أم سلمة أنها قالت: والذي أحلف به إن كان علي لأقرب الناس عهدا برسول الله صلى الله عليه وآله، عدناه غداة وهو يقول: جاء علي، جاء علي، مرارا، فقالت فاطمة: كأنك بعثته في حاجة؟ قالت: فجاء بعد، فظننت أن له إليه حاجة، فخرجنا من البيت فقعدنا عند الباب، قالت أم سلمة: وكنت من أدناهم إلى الباب، فأكب عليه رسول رسول الله صلى الله عليه وآله، وجعل يساره ويناجيه، ثم قبض صلى الله عليه وآله من يومه ذلك، فكان علي أقرب الناس به عهدا (١).

وعن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال في مرضه: ادعوا لي أخي، فجاء أبو بكر، فأعرض عنه، ثم قال: ادعوا لي أخي، فجاء عثمان: فأعرض عنه، ثم دعي له علي، فستره بثوبه وأكب عليه، فلما خرج من عنده قيل له: ما قال لك؟ قال: علمني ألف باب كل باب

(١) هذا الحديث أخرجه الحاكم: ص ١٣٩ من ج ٣ من المستدرك. الذهبي أورده في التلخيص.

ابن أبي شيبة في السنن - الكنز: ج ٦ / ص ٤٠٠.

٨٠