×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

أخيراً أشرقت الروح / الصفحات: ٨١ - ١٠٠

يفتح له ألف باب (١).

وأنتم تعلمون أنه هو الذي يناسب حال الأنبياء، وذاك إنما يناسب أزيار النساء، ولو أن راعي غنم مات ورأسه بين سحر زوجته ونحرها، أو بين حاقنتها وذاقنتها، أو على فخذها، ولم يعهد برعاية غنمه، لكان مضيعا مسوفا، عفا الله عن أم المؤمنين، ليتها - إذ حاولت صرف هذه الفضيلة عن علي - نسبتها إلى أبيها؟ فإن ذلك أولى بمقام النبي مما ادعت، ولكن أباها كان يومئذ ممن عبأهم رسول الله صلى الله عليه وآله بيده الشريفة في جيش أسامة، وكان حينئذ معسكرا في الجرف، وعلى كل حال فإن القول بوفاته صلى الله عليه وآله وهو في حجرها لم يسند إلا إليها.

والقول بوفاته - بأبي وأمي - وهو في حجر علي، مسند إلى كل من علي، وابن عباس، وأم سلمة، وعبد الله بن عمر والشعبي، وعلي بن الحسين، وسائر أئمة أهل البيت، فهو أرجح سندا وأليق برسول الله صلى الله عليه وآله.

كما أنها حدثت بأن النبي صلى الله عليه وآله قال لها وهو مريض: ادع لي أباك وأخاك لأكتب لهم كتابا عسى أن يدع مدع، ويأبى الله ورسوله والمؤمنون إلا أبا بكر، فهل من سائل يسألها: ما الذي منعها من

(١) فيما أخرجه أبو يعلى عن كامل بن طلحة عن ابن لهيعة عن حي بن عبد المغافري عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو مرفوعا، وأخرجه أبو نعيم في حليته، وأبو أحمد الفرضي في نسخته كما في: ص ٣٩٢ من ج ٦، وأخرجه الطبراني في الكبير أنه لما كانت غزوة الطائف قام النبي مع علي (يناجيه) مليا، ثم مر، فقال له أبو بكر: يا رسول الله لقد طالت مناجاتك عليا من اليوم، فقال صلى الله عليه وآله: ما أنا انتجيته، ولكن الله انتجاه، وهذا الحديث من أحاديث الكنز: ج ٦ / ص ٣٩٩ وكان كثيرا ما يخلو بعلي يناجيه وقد دخلت عائشة عليهما وهما يتناجيان فقال: يا علي ليس لي إلا يوم من تسعة أيام، أفما تدعني يا ابن أبي طالب ويومي؟ فأقبل صلى الله عليه وآله عليها وهو محمر الوجه غضبا. وهذا الحديث يراجع في المجلد الثاني من شرح نهج البلاغة / ص ٧٨.
٨١
دعوتهم؟.

ولكن كما أسلفنا كانوا يومئذ ممن عبأهم الرسول في جيش أسامة، وكل ذلك لتنكر أن يكون النبي صلى الله عليه وآله قد أوصى لعلي.

رد دعوى أم المؤمنين عائشة بأن الملك نزل بصورتها

وأما قولها بأن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يحبها لأن جبرئيل أتاه بصورتها قبل الزواج، وأنه لا يدخل عليه إلا في بيتها (١)، فهذه روايات تضحك المجانين، ولست أدري أكانت الصورة التي جاء بها جبرئيل فوتوغرافية، أم لوحة زيتية، على أن الصحاح المعتمدة تروي بأن أبا بكر بعث بعائشة إلى النبي صلى الله عليه وآله ومعها طبق من التمر لينظر إليها، وهو الذي طلب من النبي صلى الله عليه وآله أن يتزوج ابنته، فهل هناك داع لينزل جبرئيل بصورتها وهي تسكن على بعد بضعة أمتار من مسكن رسول الله صلى الله عليه وآله، وأعتقد أن مارية القبطية التي كانت تسكن مصر وهي بعيدة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وما كان أحد يتصور مجيئها، هي أولى بأن ينزل جبرئيل بصورتها ويبشرها رسول الله صلى الله عليه وآله بأن الله سيرزقه منها إبراهيم.

ولكن هذه الروايات هي من وضع عائشة التي كانت لا تجد شيئا تفتخر به على ضراتها إلا الأساطير التي يخلقها خيالها، أو أنها من وضع بني أمية على لسانها ليرفعوا من شأنها عند بسطاء العقول.

وأما قولها بأن الوحي أتاه صلى الله عليه وآله وهي وإياه في لحاف واحد، ورأت جبرئيل ولم يره من نسائه أحد غيرها، فهو قول أقبح من الأول،

(١) أخرجه ابن أبي شيبة وهو الحديث رقم ١٠١٧ من كنز العمال: ج ٧.
٨٢
والمعلوم من القرآن الكريم أن الله هددها عندما تظاهرت على رسوله، هددها بجبرئيل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهيرا.

فما أقوال شيوخنا وعلمائنا إلا ضرب من الظن والخيال وإن الظن لا يغني من الحق شيئا: (قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون).

أسباب عدة ترجح تقديم حديث أم سلمة على حديث عائشة

ولو لم يعارض حديث عائشة إلا حديث أم سلمة وحده، لكان حديث أم سلمة هو المقدم، لوجوه كثيرة:

إن السيدة أم سلمة (رض) لم يزغ قلبها بخلاف غيرها (١).

ولم تؤمر بالتوبة في محكم الذكر العظيم (٢).

ولا نزل القرآن بتظاهرها على النبي صلى الله عليه وآله ولا تظاهرت بعده على الوصي (٣).

ولا تأهب الله لنصرة نبيه عليها وجبرئيل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهيرا.

ولا توعدها الله بالطلاق، ولا هددها بأن يبدله خيرا منها (٤).

(١) إشارة إلى قوله تعالى في سورة التحريم: [ إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما.. ].

(٢) المصدر نفسه.

(٣) تظاهرها على الوصي كان بإنكارها الوصية إليه وبتحاملها عليه مدة حياته بعد النبي صلى الله عليه وآله، أما تظاهرها على النبي وتأهب الله لنصرة نبيه عليها فمدلول عليهما بقوله تعالى: (وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير).

(٤) هذا والذي قبله إشارة إلى قوله تعالى: (عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن

=>

٨٣
ولا ضرب امرأة نوح وامرأة لوط لها مثلا (١).

ولا شاركت في لعبة عائشة وحفصة لأجل أن يحرم الرسول صلى الله عليه وآله على نفسه ما أحل الله له (٢).

ولا قام النبي صلى الله عليه وآله خطيبا على منبره فأشار نحو مسكنها قائلا: ها هنا الفتنة، ها هنا الفتنة، هاهنا الفتنة، حيث يطلع قرن الشيطان (٣).

ولا بلغت في أدبها أن تمد رجلها في قبلة النبي صلى الله عليه وآله وهو يصلي - كفعل عائشة -، ولا ترفعها عن محل سجوده حتى يغمزها، فإذا غمزها رفعتها حتى يقوم فتمدها ثانية (٤).

- وهكذا كانت، ولا أرجفت بعثمان ولا ألبت عليه ولا نبزته نعثلا، ولا قالت اقتلوا نعثلا فقد كفر (٥).

<=

مسلمات مؤمنات.

(١) إشارة إلى قوله تعالى: (ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط...) إلى آخر السورة.

(٢) إشارة إلى قوله تعالى: (يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك...).

(٣) أخرجه البخاري في باب ما جاء في بيوت أزواج النبي من كتاب الجهاد والسير من صحيحه: ج ٢ / ص ١٢٥ وصحيح مسلم: ج ٢ / ص ٥٠٢.

(٤) راجع من صحيح البخاري باب ما يجوز من العمل في الصلاة: ج ١ / ص ١٤٣.

(٥) إرجافها بعثمان، وإنكارها كثيرا من أفعاله، ونبزها إياه، وقولها: اقتلوا نعثلا فقد كفر، مما لا يخلوا منه كتاب يشتمل على تلك الحوادث والشؤون، وحسبك ما في تاريخ ابن جرير وابن الأثير وغيرهما، وقد أنبها جماعة من معاصريها وعلى ذلك ونددوا به إذ قال أحدهم:

فمنك البداء ومنك الغير * ومنك الرياح ومنك المطر
وأنت أمرت بقتل الإمام * وقلت له إنه قد كفر

إلى آخر الأبيات وهي في: ج ٣: ص ٨٠ من الكامل لابن الأثير حيث ذكر ابتداء أمر

=>

٨٤
ولا خرجت من بيتها الذي أمرها الله عز وجل أن تقر فيه (١)، ولا ركبت العسكر (٢) قعودا من الإبل تهبط واديا وتعلو جبلا، حتى نبحتها كلاب الحوأب، وكان رسول الله أنذرها بذلك (٣)، فلم ترعو ولم تلتو عن قيادة جيشها الذي حشدته لمحاربة الإمام.

- وقولها: مات رسول الله بين سحري ونحري معطوف على قولها: إن رسول الله صلى الله عليه وآله رأى السودان يلعبون في مسجدهم بدرقهم وحرابهم: فقال لها: أتشتهين تنظرين إليهم؟ قالت: نعم، قالت فأقامني وراءه وخدي على خده، وهو يقول: دونكم يا بني ارفدة - إغراء لهم باللعب لتأنس السيدة - قالت: حتى إذا مللت، قال: حسبك؟ قلت:

نعم، قال: فاذهبي (٤).

وإن شئتم فاعطفوه على قولها: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وآله وعندي جاريتان تغنيان بغناء بعاث، فاضطجع على الفراش، ودخل أبو بكر

<=

موقعة الجمل.

(١) حديث قال عز من قائل: (وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى).

(٢) كان الجمل الذي ركبته عائشة يوم البصرة يدعى العسكر، جاءها به يعلى بن أمية وكان عظيم الخلق شديدا، فلما رأته أعجبها، فلما عرفت أن اسمه عسكر، استرجعت وقالت:

ردوه لا حاجة لي فيه. وذكرت أن رسول الله p ذكر لها هذا الاسم ونهاها عن ركوبه.

فغيروه لها بجلال غير جلاله، وقالوا لها أصبنا لك أعظم منه وأشد قوة، فرضيت به، راجع ج ٢ / ص ٨٠ من شرح نهج البلاغة لعلامة المعتزلة.

(٣) والحديث في ذلك مشهور وهو من أعلام النبوة وآيات الإسلام، وقد اختصره الإمام أحمد بن حنبل إذ أخرجه من أحاديث عائشة في مسنده: ج ٦ / ص ٥٢ و ص ٩٧. كذلك فعل الحاكم في: ج ٣ / ص ١٢٠ من صحيحه المستدرك واعترف به الذهبي إذ أورده في تلخيص المستدرك.

(٤) أخرجه الشيخان في صحيحيهما، فراجع من صحيح البخاري أوائل كتاب العيدين: ج ١ / ص ١١٦ - وصحيح مسلم: ج ١ / ص ٣٢٧ - ومسند أحمد: ج ٦ / ص ٥٧.

٨٥
فانتهرني، وقال: مزمارة الشيطان عند رسول الله، قالت: فأقبل عليه رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: دعهما (١).

واعطفوه إن شئتم على قولها: سابقني النبي صلى الله عليه وآله فسبقته، فلبثناه حتى رهقني اللحم، سابقني فسبقني، فقال: هذه بتيك (٢).

أو على قولها: كنت ألعب بالبنات ويجئ صواحبي فيلعبن معي، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يدخلهن علي فيلعبن معي (٣).

أو على قولها (٤): خلال في سبع، لم تكن في أحد من الناس، إلا ما أتى الله مريم بنت عمران، نزل الملك بصورتي، وتزوجني رسول الله بكرا لم يشركه في أحد من الناس، وأتاه وحي وأنا وإياه في لحاف واحد، وكنت من أحب النساء إليه، ونزل في آيات من القرآن كادت الأمة تهلك فيهن، ورأيت جبرئيل ولم يره من نسائه أحد غيري، وقبض في بيتي لم يره أحد غيري أنا والملك (٥)... إلى آخره مما كانت تسترسل فيه من خصائصها وكله من هذا القبيل.

أما أم سلمة فحسبها الموالاة لوليها ووصي نبيها، وكانت موصوفة بالرأي الصائب، والعقل البالغ، والدين المتين، وإشارتها على النبي صلى الله عليه وآله

(١) أخرجه البخاري ومسلم والإمام أحمد من حديث عائشة من نفس المصادر السابقة.

(٢) أخرجه الإمام أحمد من حديث عائشة: ج ٦ / ص ٣٩ من مسنده.

(٣) أخرجه الإمام أحمد عن عائشة: ج ٦ / ص ٧٥ من مسنده.

(٤) أخرجه ابن أبي شيبة وهو الحديث ١٠١٧ من أحاديث كنز العمال: ج ٧.

(٥) وقع الاتفاق على أنه صلى الله عليه وآله مات وعلي حاضر لموته وهو الذي كان يقلبه ويمرضه، وكيف يصح أنه قبض ولم يله أحد غيرها وغير الملك، فأين كان علي والعباس؟ وأين كانت فاطمة وصفية؟ وأين كان أزواج النبي وبنو هاشم كافة؟ وكيف يتركونه كلهم لعائشة وحدها؟! ثم لا يخفى أن مريم عليها السلام، لم يكن فيها شئ من الخلال السبع التي ذكرتها أم المؤمنين، فما الوجه في استثنائها إياه؟.

٨٦
يوم الحديبية تدل على وفور عقلها، وصواب رأيها، وسمو مقامها، رحمة الله وبركاته عليها.

عائشة تحدث الرجال بما جرى بينها وبين النبي صلى الله عليه وآله مما يقبح ذكره

ذكر في صحيح ابن ماجة في أبواب الطهارة، باب ما جاء في وجوب الغسل إذا التقى الختانات (روى بسنده) عن القاسم بن محمد عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وآله قالت: إذا التقى الختانات فقد وجب الغسل، فعلته أنا ورسول الله صلى الله عليه وآله فاغتسلنا.

ورواه أحمد بن حنبل أيضا في مسنده (ج ٦ / ص ١٤١)، والشافعي في مسنده (ص ٩٣) والبيهقي أيضا في سننه (ج ١ / ص ١٤٤) باختلاف في اللفظ، قال: عن عائشة أنها سئلت عن الرجل يجامع أهله ولا ينزل الماء فقالت: فعلته أنا ورسول الله صلى الله عليه وآله فاغتسلنا منه جميعا. والدار قطني ثانيا في (ص ٤١)، ولفظه كالبيهقي غير أنه قال: يجامع المرأة ولا ينزل الماء... الخ.

وفي صحيح أبي داوود (ج ١٥ / ص ٢٣٧) روى بسنده عن مصدع ابن يحيى عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وآله كان يقبلها وهو صائم ويمص لسانها.

ورواه أحمد بن حنبل أيضا في مسنده (ج ٦ / ص ١٢٣ و ٢٣٤).

والبيهقي أيضا في سننه (ج ٤ / ص ٢٣٤).

وفي مسند الإمام أحمد بن حنبل (ج ٦ ص ١٣٤) روى بطرق عديدة، في بعضها عن طلحة، وفي بعضها عن ابن عبد الله بن عثمان، وفي الكل: عن عائشة قالت أهوى إلي رسول الله صلى الله عليه وآله ليقبلني فقلت إني صائمة، قال: وأنا صائم، قالت: فأهوى إلي فقبلني.

٨٧
ثم رواه أيضا في (ص ٢٤٩) عن سعد التميمي عن عائشة، وفي ص (٢٧٠) عن طلحة بن عبد الله عن عثمان وطلحة بن عبد الله بن عوف، ورواه أبو داوود الطيالسي أيضا في مسنده (ج ٧ / ص ٢١٤) عن طلحة بن عبد الله بن عوف عن عائشة.

والبيهقي في سننه (ج ٤ / ص ٢٣٣) روى بسنده عن مسروق عن عائشة قالت: إن كان النبي صلى الله عليه وآله ليظل صائما فيقبل أين شاء من وجهي حتى يفطر. ورواه الشيباني أيضا في الآثار في باب قبلة الصائم باختلاف في اللفظ. وأبو حنيفة أيضا في مسنده (ص ١٩٨) باختلاف في اللفظ.

والدارقطني في سننه في كتاب الطهارة (ص ٤٩) روى بسنده عن أبي سلمة عن عائشة قالت: لقد كان نبي الله صلى الله عليه وآله يقبلني إذا خرج إلى الصلاة وما يتوضأ. وروى في (ص ٥٠) عن عطاء عن عائشة قالت: ربما قبلني رسول الله صلى الله عليه وآله ثم يصلي ولا يتوضأ. وروي في (ص ٥٢) عن مسروق عن عائشة قالت: ربما اغتسل رسول الله صلى الله عليه وآله من الجنابة ولم أغتسل بعد، فجاءني فضممته إلي وأدفيته.

وفي صحيح أبي داود (ج ٢ / ص ٢٧) روى بسنده عن عمارة بن غراب: أن عمة له حدثته أنها سألت عائشة: قالت: إحدانا تحيض وليس لها ولزوجها إلا فراش واحد، قالت: أخبرك بما صنع رسول الله صلى الله عليه وآله:

دخل فمضى إلى مسجده - تعني مسجد بيته - فلم ينصرف حتى غلبتني عيني وأوجعه البرد، فقال: ادن مني، فقلت: إني حائض، فقال: وإن، اكشفي عن فخذيك، فكشفت فخذي، فوضع خده وصدره على فخذي وحنيت عليه حتى دفأ ونام.

وفي صحيح البخاري باب الحيض حديث ٢٩٠ - كما أخرجه

٨٨
مسلم في الحيض ٤٧٤ - ٤٧٥ - ٤٧٩. وكما أخرجه الترمذي في الطهارة - والنسائي في الطهارة ٢٣١ - وأخرجه أحمد في باقي مسند الأنصار ٢٢٨٨٧ وأخرجه الدارمي في الطهارة ٧٤١: حدثنا قبيصة قال حدثنا سفيان عن منصور عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة قالت: كنت أغتسل أنا والنبي صلى الله عليه وآله من إناء واحد كلانا جنب وكان يأمرني فأتزر فيباشرني وأنا حائض وكان يخرج رأسه إلي وهو معتكف فأغسله وأنا حائض.

وفي صحيح البخاري باب الحيض حديث ٢٨٨ روى بسنده عن عائشة إن النبي صلى الله عليه وآله كان يتكئ في حجري وأنا حائض ثم يقرأ القرآن.

أقول: والظاهر أن العلة التي دعت عائشة إلى أن تحدث الرجال بما جرى بينها وبين النبي صلى الله عليه وآله مما يقبح ذكره كالتقبيل ومص اللسان والكشف عن الفخذ ووضع الخد والصدر عليه، والجماع بغير إنزال، ونحو ذلك مما تقدم ذكره، أنها قد زعمت أن كل ذلك فضيلة لها ومنقبة، ولم تدر أن جميع ذلك كله أمور عادية وعادات بشرية تجري بين كل نبي وزوجته من آدم إلى خاتم النبوة، من غير اختصاص له بنبينا محمد صلى الله عليه وآله وزوجته عائشة، ولم يسمع إلى الآن أن أحدا من أزواج الأنبياء السابقين أو أحدا من أزواج نبينا محمد صلى الله عليه وآله غير عائشة يحدث بمثل ما حدثته عائشة بما يقبح ذكره.

ولو كان قصد عائشة من ذكر تلك الأمور التي جرت بينها وبين النبي صلى الله عليه وآله: هو بيان فعل المعصوم نظرا إلى أن فعله حجة قاطعة في المسألة الفقهية على الجواز وعلى نفي الحرمة، لأمكنها بيان فعله بدون أن تذكر أنه قد جرى ذلك الفعل بينها وبين النبي صلى الله عليه وآله، فإذا سئلت مثلا

٨٩
عن التقاء الختانين أو عن المجامعة بغير إنزال أو عن التقبيل في حال الصوم، فكان من الممكن أن تقول: قد فعله النبي صلى الله عليه وآله واغتسل، أو فعله النبي صلى الله عليه وآله وهو صائم، ونحو ذلك من التعبيرات الحسنة من دون لزوم التصريح بالقول: (فعلته أنا ورسول الله صلى الله عليه وآله) وأنه قبلني ومص لساني وأنه قبل أين شاء من وجهي.

إن عائشة كانت تظن أن جميع ما جرى بينها وبين النبي صلى الله عليه وآله مما يجري بين كل رجل وزوجته هو فضيلة لها ومنقبة، ولكن قد أخطأ حدسها وخاب ظنها، فإن المعيار عند الله تعالى في أزواج النبي صلى الله عليه وآله وغيرهن هو التقوى.

قال تعالى في سورة الحجرات: (إن أكرمكم عند الله أتقاكم).

وقال في سورة الأحزاب: (يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن).

إلى أن قال: (وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى)، وقال مخاطبا أزواج النبي صلى الله عليه وآله: (فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين وكان ذلك على الله يسيرا ومن يقنت منكن لله ورسوله، وتعمل صالحا نؤتها أجرها مرتين واعتدنا لها رزقا كريما).

وقد عرفت أيها القارئ الكريم أن عائشة وحفصة هما المرأتان اللتان قال الله تعالى فيهما في أول سورة التحريم: (إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين).

وعن الزمخشري في الكشاف في تفسير قوله تعالى في آخر سورة التحريم: (ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا النار مع

٩٠
الداخلين وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون...) إلى أن قال: (ومريم ابنة عمران) ما هو قوله بلفظه: (وفي طي هذين التمثيلين تعريض بأمي المؤمنين المذكورتين في أول السورة وما فرط منهما من التظاهر على رسول الله صلى الله عليه وآله بما كرهه وتحذير لهما على أغلظ وجه وأشده لما في التمثيل من ذكر الكفر). إلى أن قال: (وأشار إلى أن من حقهما أن تكونا في الإخلاص والكمال كمثل هاتين المؤمنتين - يعني امرأة فرعون ومريم ابنة عمران - قال: وأن لا تتكلا على أنهما زوجا رسول الله صلى الله عليه وآله، فإن ذلك الفضل لا ينفعهما إلا مع كونهما مخلصتين... الخ).

وإذا أردت التحقيق أكثر راجع أيضا تفسير الفخر الرازي، ففيه ما يقرب من ذلك، بل كاد أن يكون عينه تحقيقا.

وماذا عن الأباطيل التي تنسبها عائشة إلى النبي صلى الله عليه وآله؟

ورد في صحيح البخاري في العيدين والتجمل في باب الحراب والدرق يوم العيد، روى بسنده عن عائشة قالت: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وآله وعندي جاريتان تغنيان بغناء بعاث، فاضطجع على الفراش وحول وجهه ودخل أبو بكر فانتهرني وقال: مزمارة الشيطان عند النبي صلى الله عليه وآله.

إلى أن قال: فلما غفل غمزتهما فخرجتا، وكان يوم عيد يلعب السودان بالدراق والحراب فإما سألت النبي صلى الله عليه وآله ولما قال: تشتهين تنظرين؟ فقلت: نعم، فأقامني وراءه، خدي على خده، وهو يقول:

دونكم، حتى إذا مللت قال: حسبك، قلت: نعم، قال: فاذهبي.

ورواه في فضل الجهاد والسير أيضا في باب الدرق، ورواه في

٩١
باب إذا فاته العيد باب قصة الحبش، وقال فيه: تغنيان وتدففان وتضربان، ورواه مسلم أيضا في صحيحه في كتاب صلاة العيدين باب الرخصة في اللعب، بطرق عديدة وبألفاظ مختلفة، ورواه أحمد بن حنبل أيضا في مسنده (ج ٦ / ص ٨٤)، ورواه الطحاوي أيضا في مشكل الآثار (ج ١ / ص ١١٧)، باختلاف في اللفظ، وقد روي عن الترمذي في صحيحه (ج ٢) في باب مناقب عمر حديثا يقرب مضمونه من مضمون هذا الحديث عينا.

وفي صحيح مسلم في كتاب الطهارة باب نسخ الماء من الماء، روى بسنده عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وآله قالت: إن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وآله عن الرجل يجامع أهله ثم يكسل هل عليها الغسل، وعائشة جالسة فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إني لأفعل ذلك أنا وهذه ثم نغتسل. ورواه البيهقي أيضا في سننه (ج ١ / ص ١٦٤)، والطحاوي أيضا في شرح معاني الآثار في كتاب الطهارة (ص ٣٣)، والدارقطني في سننه في كتاب الطهارة في باب وجوب الغسل بالتقاء الختانين وإن لم ينزل.

وفي مسند الإمام أحمد بن حنبل (ج ٦ / ص ٢٦٤)، روى بسنده عن عائشة قالت: خرجت مع النبي صلى الله عليه وآله في بعض أسفاره وأنا جارية لم أحمل اللحم ولم أبدن، فقال للناس فتقدموا، ثم قال لي تعالى حتى أسابقك فسابقته فسبقته، فسكت عني، حتى إذا حملت اللحم وبدنت ونسيت خرجت معه في بعض أسفاره، فقال للناس تقدموا فتقدموا ثم قال تعالى حتى أسابقك فسبقني فجعل يضحك وهو يقول هذه بتلك.

٩٢

أقول:

وهل يعقل أن جاريتين تغنيان وتدففان وتضربان في بيت النبي صلى الله عليه وآله - ولو كان يوم عيد - والنبي صلى الله عليه وآله ساكت لا ينهى عن ذلك، وهل يعقل أن يحس أبو بكر قبح ذلك حتى انتهر عائشة، وقال: مزمارة الشيطان عند النبي صلى الله عليه وآله ولا يحس النبي صلى الله عليه وآله قبحه وركاكته؟.

وهل يعقل أن يقيم النبي صلى الله عليه وآله عائشة من ورائه واضعا خده على خدها لتنظر عائشة إلى لعب السودان بالدراق في يوم العيد؟.

أليس إذا وضع خده على خدها وهما ينظران إلى اللعب يراهما السودان ومن اجتمع حوله من الخلق وهما بتلك الحالة؟ فهل يوجد في المسلمين أحد يحب ويرضى أن يراه الناس وهو واضع خده على خد زوجته الشابة؟.

أفهل يعقل أن يسئل رجل عادي من المسلمين أو من غير المسلمين ممن له عقل وغيرة عن حكم الادخال بغير الانزال فيشير إلى زوجته الشابة الحاضرة في المجلس فيقول أنا أفعل ذلك مع هذه؟.

أفهل يعقل أن رجلا من أهل الفضل والشرف إذا كان في السفر يقول لأصحابه تقدموا ليتسابق هو زوجته الشابة في البيداء؟؟.

حاشا وكلا أن يصدر شئ من هذه الأفعال الركيكة المستهجنة عن رجل عادي من المسلمين، فضلا عن نبي هذه الأمة وأعقلهم وأغيرهم وأوقرهم أجمعين.

ولعمري، ليس العجب من عائشة حيث افترت هذه الأكاذيب الباطلة على النبي صلى الله عليه وآله، وهي تحسب أن كل ذلك فضيلة لها ومنقبة كما

٩٣
تقدم، ولكن العجب كل العجب من أئمة الحديث وحملة أخبار كيف يدونون مثل هذه الأحاديث الكاذبة في كتبهم بلا حياء ولا خجل وهم يزعمون أنها من صحاح الأخبار. إن هذه الروايات هي التي دفعت أغلب المستشرقين للقول بأن النبي صلى الله عليه وآله ليس إلا (رجل دنيا) وليس رجلا أرسله الله عز وجل رحمة للعالمين، إن هذه الروايات هي السبب في ضلالتهم وغوايتهم وعدم رغبتهم في الدخول في الإسلام.

(فهل) ترى جناية أعظم من ذلك ظلما وجريمة أشد منه؟، (ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار).

(بقي) حديث واحد ورد في عائشة خاصة وهو مصيبة عظيمة، فاقرؤوا معي ما سأرويه لكم يرحمكم الله...!

عائشة عليها التأويل ونحن علينا التسديد

أو بعنوان آخر (رضاعة الكبير أو خلاف أزواج النبي مع عائشة)، عن عائشة قالت جاءت سهلة بنت سهيل وهي امرأة أبي حذيفة، وهي من بني عامر إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقالت: يا رسول الله كنا نرى سالما ولدا وكان يدخل علي وأنا فضل وليس لنا إلا بيت واحد، فماذا ترى في شأنه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ارضعيه، قالت: وكيف أرضعه وهو رجل كبير، إنه ذو لحية، فقال ارضعيه يذهب ما في وجه أبي حذيفة (١)..

وما رواه الإمام أحمد بن حنبل (ج ٦ / ص ٢٧) عن عائشة قالت:

(١) صحيح مسلم: ج ٤ / ص ١٦٧ (باب رضاعة الكبير)، موطأ الإمام مالك: ج ٢ / ص ١١٦ (باب ما جاء في الرضاعة بعد الكبر).
٩٤
أتت سهلة بنت سهيل بن عمر - وكانت تحت أبي حذيفة بن عتبة - رسول الله صلى الله عليه وآله فقالت: إن سالما مولى أبي حذيفة يدخل علينا وأنا فضل، (والفضل بضم الفاء والضاد: الثوب الذي يبتذل في الشغل أو النوم أو يتوشح به الإنسان في بيته، ويقال رجل فضل أي متفضل في ثوبه، وكذلك امرأة فضل) وإن كنا نراه ولدا، وكان أبو حذيفة تبناه كما تبنى رسول الله صلى الله عليه وآله زيدا، فأنزل الله: (أدعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله)، - فأمرها رسول الله صلى الله عليه وآله عند ذلك أن ترضع سالما، فأرضعته خمس رضعات وكان بمنزلة ولدها من الرضاعة، فلذلك كانت عائشة تأمر أخواتها وبنات أخواتها أن يرضعن من أحبت عائشة أن يراها ويدخل عليها من الرجال، وإن كان كبيرا خمس رضعات ثم يدخل عليها.

ولكن سائر أزواج النبي صلى الله عليه وآله أمهات المؤمنين أبين ورفضن أن يدخل عليهن بتلك الرضاعة أحدا من الناس حتى يرضع في المهد، وقلن: لا والله ما نرى الذي أمر به رسول الله صلى الله عليه وآله سهلة بنت سهيل إلا رخصة من رسول الله صلى الله عليه وآله في رضاعة سالم وحده، لا والله لا يدخل علينا بهذه الرضاعة أحد.

وعلى هذا كان أزواج النبي صلى الله عليه وآله في رضاعة الكبير

ورواه الإمام مالك بن أنس أيضا في موطأه في كتاب الرضاع في باب ما جاء في الرضاعة بعد الكبر باختلاف في اللفظ وقال فيه: إن عائشة كانت تأمر أختها أم كلثوم بنت أبي بكر وبنات أخيها أن يرضعن من الرجال من أحبت هي أن يدخل عليها.

٩٥
كتاب أخيراً أشرقت الروح لـ لمياء حمادة (ص ٩٦ - ص ١١٩)
٩٦
راجعون.

إن الباحث عندما يقرأ مثل هذه الروايات يكذب عينيه لأول وهلة ولا يصدق ما يرى وما يقرأ، ولكنها الحقيقة المؤلمة التي شوهت عصمة الرسول صلى الله عليه وآله وجعلت منه شخصا مستهترا بالقيم الأخلاقية إلى أبعد الحدود، ويجعل من دين الله أحكاما تضحك المجانين، لا يقرها عقل ولا ذوق ولا مروءة ولا شهامة ولا حياء ولا إيمان، وإلا كيف يقبل المسلم مثل هذه الأحاديث المنكرة عن رسول الله صلى الله عليه وآله الذي جعل الغيرة والحياء من دعائم الإيمان.

وهل يقبل مؤمن أن يسمح لزوجته أن تخرج ثدييها إلى شاب بلغ مبالغ الرجال ليرضعهما وتصبح بعد ذلك أما له؟.

سبحانك إنه بهتان عظيم، فلست أتصور كيف منع رسول الله صلى الله عليه وآله وحرم على الرجال لمس ومصافحة المرأة الأجنبية، وأباح لهم في موضع آخر مص ثدييها، أنا لم أفهم المقصود من وضع مثل هذا الحديث، ولكن المسألة لم تقف عند حد الحديث بل تعداه وأصبح سنة متبعة، فكانت عائشة تبعث بالرجال الذين تحب أن يدخلوا عليها إلى أم كلثوم أختها فترضعهم، وما عليك أيها القارئ إلا أن تعرف بأنه لا بد من خمس رضعات مشبعات حتى تبيح لهم عائشة الدخول عليها، فقد روت عائشة، قالت: كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخن بخمس معلومات، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وآله وهن فيما يقرأ من القرآن (١).

وعلى هذا لا بد أن يتردد الرجل على أم كلثوم خمس مرات،

(١) صحيح مسلم: ج ٤ / ص ١٦٧ (باب التحريم بخمس رضعات).
٩٧
وترضعه في كل مرة حتى يصبح ابن أخت أم المؤمنين، فتستبيح عائشة مقابلته بعدما كان حرام عليها. ولعل هذا هو الذي رغب الناس فيها.

فتسابقوا إليها وأحبوا الدخول عليها وأطروها وعظموها حتى أنزلوها منزلة يقصر عنها عظماء الصحابة، فقالوا بأن عندها نصف الدين، فمن من الرجال - وخصوصا في ذلك العصر - لا يحب التقرب إلى أم المؤمنين زوجة الرسول وابنة أبي بكر وبنات أخيها؟

إنها روايات مخزية تنسب إلى أعظم شخص عرفه تاريخ البشرية، وانظر أيها القارئ - إلى الرواية - كيف تستنكر سهيلة على رسول الله صلى الله عليه وآله عندما قال لها ارضعيه، قالت: وكيف أرضعه وهو رجل ذو لحية، قالت فضحك رسول الله صلى الله عليه وآله وقال: قد علمت أنه رجل كبير (١).

وانظر أيضا أن الرواي لهذه القصة تهيب أن يحدث بها.

قال ابن رافع بعد رواية الحديث: فمكثت سنة أو قريبا منها لا أحدث به، فهبته ثم لقيت القاسم فقلت له: لقد حدثتني حديثا ما حدثته بعد، قال: فما هو؟ فأخبرته: فقال: فحدثه عني، إن عائشة أخبرتنيه (٢).

ولعل أم المؤمنين عائشة كانت تنفرد بهذا الحديث ولذلك أنكر عليها أزواج النبي سائر أمهات المؤمنين وقلن: لا والله لا يدخل علينا بهذه الرضاعة أحد من الناس كما تقدم، وأعتقد أن قولهن: ما نرى الذي أمر به رسول الله صلى الله عليه وآله سهلة إلا رخصة في رضاعة سالم وحده، هذا القول زيادة من المحدثين لأنهم استفظعوا أن يكذب سائر أزواج النبي عائشة ويستنكرون عليها مثل هذا الحديث.

(١) صحيح مسلم: ج ٤ / ص ١٦٨ (باب رضاعة الكبير).

(٢) صحيح مسلم: ج ٤ / ص ١٦٩ (باب رضاعة الكبير).

٩٨
ويحق لهم استنكار ذلك فهن أعلم برسول الله صلى الله عليه وآله من عائشة، لأنهن ثمانية وفيهن أمثال أم سلمة المرأة الصالحة التي كبر سنها وكمل عقلها، ثم هذا هو الذي يتماشى وغيرة الرسول صلى الله عليه وآله وعدم تساهله في المحارم.

ولعل أم المؤمنين عائشة توافق أمهات المؤمنين من أن رسول الله صلى الله عليه وآله لا يتسامح في مثل هذه الأمور، فلنستمع إليها تروي عن نفسها:

قالت دخل علي رسول الله صلى الله عليه وآله وعندي رجل قاعد فاشتد ذلك عليه، ورأيت الغضب في وجهه، قالت فقلت: يا رسول الله إنه أخي من الرضاعة، قالت: فقال صلى الله عليه وآله: انظرن إخوتكن من الرضاعة فإنما الرضاعة من المجاعة (١).

فلعلها كانت تجتهد هي أيضا في حياة النبي صلى الله عليه وآله فكانت ترى صحة رضاعة الكبير، وبهذه الرواية أثبتت أنها كانت تستبيح ذلك في حياة النبي، ولكن الرسول صلى الله عليه وآله لم يوافقها على ذلك وغضب واشتد ذلك عليه، وقال لها: إنما الرضاعة من المجاعة، يعني لا تكون الرضاعة إلا للصبيان الذين لا يتغذون إلا بالرضاعة، فهذا الحديث يبطل رضاعة الكبير كما لا يخفى.

وأنا أذكر قصة تابعة لهذا الحديث، وتخصه، ضجت بها الجرائد وحار بها المشايخ وأصحاب الفتوى.

قدمت امرأة طلبا في المحكمة تطلب فيه الطلاق من زوجها بحجة أنها أصبحت أما له فهي محرم عليه.

(١) صحيح البخاري: ج ٣ / ص ١٥٠ كتاب الشهادات، صحيح مسلم: ج ٤ / ص ١٧٠ باب إنما الرضاعة من المجاعة.
٩٩
ولما سئلت عن كيفية ذلك أخبرتهم أن زوجها كان يحب أن يرضع منها، لما كانت ترضع أطفالها، وهذا غير محرم طبعا، ولكنها عندما قرأت يوما بالصدفة فتوى عائشة وتأويلها في أن الرجل إذا رضع خمس رضعات من المرأة تصبح محرمة عليه، تذكرت أنه رضع منها، وحتى أكثر من ذلك، إذن هي الآن أمه بحسب فتوى عائشة. ولكن كيف سيفتي القاضي الشرعي في هذه المسألة وكيف سيحكم بها؟

فالصحاح لا تكذب وكل أحاديثها صحيحة على حد زعمهم.

فتخيل معي أيها القارئ الكريم هذه المهزلة، والمأساة في الوقت نفسه، وأتذكر في هذه القضية أنها انتهت إلى القول بأن الحديث الثاني الذي يقول بأن الرضاعة من المجاعة أقوى من الأول، وبهذا حكمت المحكمة بأن يرجع الزوج لزوجته مع عدم الحرمية.

ولكن لو أثبت لها ذلك وحصلت على الطلاق بسبب الحرمية لامتلأت المحاكم بدعاوي نساء تطلب الطلاق من أزواجها بحجة إرضاعهم. فتخيل يرعاك الله!.

١٠٠