×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

لماذا أهل البيت وليس غيرهم؟! / الصفحات: ٨١ - ١٠٠

لتفعل بهَْذا شيئا ما رأيناك تفعله بأحد؟ قال المبارك: فذكر شيئا، ثمّ قال: " إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ وَسَيُصْلِحُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالى بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ مِنْ المُسْلِمِينَ." فقال الحسن: فوالله والله بعد أن ولي لم يهرق في خلافته ملء محجمة من دم.(١)

٣٢. حدثنا زيد بن حباب حدثني حسين بن واقد حدثني عبد الله بن بريدة قال: سمعت أبي بريدة يقول: كان رسول الله (ص) يخطبنا فجاء الحسن والحسين عليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران فنزل رسول الله (ص) من المنبر فحملهما فوضعهما بين يديه ثمّ قال: "صَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ نَظَرْتُ إِلى هَذَيْنِ الصَّبِيَّيْنِ يَمْشِيَانِ وَيَعْثُرَانِ فَلمْ أَصْبِرْ حَتَّى قَطَعْتُ حَدِيثِي وَرَفَعْتُهُمَا"(٢).

٣٣. حدثنا عبد الوهاب بن عطاء حدثنا عوف عن أبي المعدل عطية الطفاوي قال: حدثني أبي عن أم سلمة زوج النبي (ص) قالت: بينما رسول الله (ص) في بيتي إذ قالت الخادم إن عليا وفاطمة بالسدة قال: " قُومِي عَنْ أَهْلِ بَيْتِي". قالت: فقمت فتنحّيتُ في ناحية البيت قريباً،

(١) مسند أحمد بن حنبل الكتاب أول مسند البصريين. الباب: حديث أبي بكرة نفيع بن الحارث بن كلدة رقم: ١٩٥٥٠.

(٢) مسند أحمد بن حنبل الكتاب: باقي مسند الأنصار. الباب: حديث بريدة الأسلمي. رقم: ٢١٩١٧.

٨١
فدخل عليٌّ وفاطمة ومعهم الحسن والحسين صبيّان صغيران، فأخذ الصبيين فقبلهما ووضعهما في حجره واعتنق عليا وفاطمة ثم أغدف عليهما ببردة له وقال: " اللٍْهُمَّ إِليْكَ لا إِلى النَّارِ أَنَا وَأَهْلُ بَيْتِي" قالت: فقلت: يا رسول الله وأنا؟ فقال: "وَأَنْتِ".(١)

(١) مسند أحمد بن حنبل. الكتاب: باقي مسند الأنصار. الباب: حديث أم سلمة. رقم: ٢٥٣٨٦.

٨٢
كتاب لماذا أهل البيت وليس غيرهم؟! لـ حسين المدرسي و يحيى صباح (ص ٨٣ - ص ١٠٤)

٨٣


الفصل الثاني
ما هو الخلاف الأساسي بين السنة والشيعة؟




٨٤
٨٥

تمهيد


الخلاف الجذري بين السنة والشيعة هو: من الخليفة بعد رسول الله هل هوأبو بكر أم علي بن أبي طالب؟

ولا شك أن الجميع سعى لإقامة الدليل على صحة ما يعتقده ونحن هنا سنعرض أدلة الفريقين، وتبيين الصواب. معتمدين في ذَْلك على كتب التاريخ المعتمدة، ومصادر الحديث المعتبرة.

٨٦

السنة


بقليل من التأمل في الأحاديث الواردة في كتب السنة نجد أنهم اعتمدوا على دليلين لصحة خلافة أبي بكر.

أولاً: صلاة أبي بكر خلف النبي (ص):

حيث قالوا: إن رسول الله (ص) قدم أبا بكر على جميع أهل بيته وأصحابه، كي يصلي بالمسلمين إماماً، وحيث إن الصلاة عماد الدين(١)، دل ذَْلك على أن أبا بكر إمام الأمة لرضا النبي به في الاقتداء به في الصلاة، فيكون مرضياً عنه لإمامته في أمر الدنيا وهو الخلافة(٢).

وقد أفصح صاحب المواقف وابن حجر في الصواعق عن رأي العامة في خلافة أبي بكر، فقال الأول:

إن النبي (ص) استخلف أبا بكر في الصلاة حال مرضه واقتدى به

(١) كنز العمال ج٧ / ٢٨٤ رقم ١٨٨٨٩، ط / مؤسسة الرسالة ـ بيروت ١٤٢٥هـ.

(٢) شرح التجريد للقوشجي ص٣٧٢ والصواعق المحرقة ص٢٣، ط / مكتبة القاهرة.

٨٧
وما عزله فيبقى إماماً فيها وكذا في غيرها إذ لا قائل بالفصل(١).

وقال الثاني: ووجه ما تقرر من أن الأمر بتقديمه للصلاة كما ذكر فيه الإشارة أو التصريح بأحقيته للخلافة، وأن القصد الذاتي من نصب الإمام العام، إقامة شرائع الدين على الوجه المأمور من أداء الواجبات وترك المحرمات وإحياء السنن وإماتة البدع، وأما الأمور الدنيوية وتدبيرها كاستيفاء الأموال من وجوهها وإيصالها إلى مستحقيها ودفع الظلم ونحو ذَْلك ليس مقصوداً بالذات بل ليتفرغ الناس لأمور دينهم، إذ لا يتم تفرغهم إلا إذا انتظمت أمور معاشهم بنحو الأمر على الأنفس والأموال ووصول كل ذي حق إلى حقه، فلذَْلك رضي النبي لأمر الدين وهو الإمامة العظمى أبا بكر بتقديمه للإمامة في الصلاة ومن ثم أجمعوا على ذَْلك(٢).

يورد عليهما:

١. دعوى أن النبي استخلف أبا بكر في الصلاة بحاجة إلى برهان أو بيان وما نسبوه(٣) إلى النبي من أنه أمر عائشة، قالت: صلى رسول الله

(١) هامش إحقاق الحق ج٢ / ٣٦٠ نقلاً عن شرح المواقف.

(٢) الصواعق المحرقة ص٢٣ـ ٢٤.

(٣) السيرة النبوية لابن هشام ج٤ / ٣٠١، ط / الحلبي ـ مصر ١٣٥٥هـ ١٩٣١م.

٨٨
في مرضه الذي مات فيه خلف أبي بكر قاعداً.

فروى أبو وائل، عن مسروق، عن عائشة، قال: "صلى رسول الله (ص) في مرضه الذي مات فيه خلف أبي بكر قاعداً"(١).

وروى إبراهيم، عن الأسود عن عائشة في حديث: "أن النبي (ص) صلى عن يسار أبي بكر قاعداً، وكان أبو بكر يصلي بالناس قائماً"(٢).

وعن وكيع، عن الأعمش، عن إبراهيم،عن الأسود، عن عائشة، قالت: "صلى رسول الله في مرضه عن يمين أبي بكر جالساً وصلى أبو بكر قائماً بالناس"(٣).

وفي حديث عروة بن الزبير، عن عائشة، قالت: صلى رسول الله بحذاء أبي بكر جالساً، وكان أبو بكر يصلي بصلاة رسول الله، والناس يصلون بصلاة أبي بكر(٤).

ووجه الاضطراب واضح في هذه المرويات، وجميعها مروي عن

(١) السيرة النبوية لابن هشام ج٤ / ٣٠٢،وتاريخ الطبري. ٤٤٠، ط / الأعلمي مصححة على نسخة ليدن ١٨٧٩م والسيرة الحلبية ج٣ / ٤٦٤، ط / دار المعرفة ١٤٠٠هـ.

(٢) السيرة الحلبية ج٣ / ٤٦٤، وصحيح البخاري ج١ / ٢١٧ ح٧١٣، ط / دار الكتب.

(٣) السيرة الحلبية ج٣ / ٤٦٧، وسيرة ابن هشام ج٤ / ٣٠٢ وتاريخ الطبري ج٢ / ٤٣٩.

(٤) السيرة الحلبية ج٣ / ٤٦٤.

٨٩
عائشة، فتارة تقول: كان رسول الله إماماً بأبي بكر، وتارة تقول: كان أبو بكر إماماً، وأخرى تقول: صلى عن يمين أبي بكر، ورابعاً تقول: صلى عن يساره، وخامساً تقول: صلى بحذائه، وهذه أمور متناقضة تدل بظاهرها على الاضطراب والاختلاق مما يستوجب بطلان الحديث المزعوم، والشهادة عليه بأنه من الموضوعات.

٢. كيف يصلي النبي جالساً، والمأمومون قياماً في حين أن عليهم الصلاة جلوس اقتداءً بالنبي (ص)، وهَْذا مضافاً إلى مناقضة هَْذا الحديث لما أمر به النبي ـ حسبما روى القوم في الصحاح ـ عن عروة بن الزبير عن عائشة قالت: صلى رسول الله (ص) في بيته وهو شاك، فصلى جالساً، وصلى وراءه قوم قياماً، فأشار إليهم أن أجلسوا، فلما انصرف قال: "إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا"(١).

وورد عن أنس بن مالك قال: "سقط النبي عن فرس فجحش(٢) شقه الأيمن فدخلنا عليه نعوده، فحضرت الصلاة فصلى بنا قاعداً فصلينا وراءه قعوداً، فلما قضى الصلاة قال: إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا

(١) صحيح البخاري ج٢ / ٣٣٧ حديث رقم ١١١٣، ط / دار الكتب العلمية.

(٢) جحش: انخدش جلده.

٩٠
كبر فكبروا، وإذا سجد فاسجدوا.. وإذا صلى فصلوا قعوداً أجمعون"(١).

وفي رواية أخرى عن عائشة قالت: صلى جالساً فصلوا بصلاته قياماً، فأشار إليهم أن اجلسوا فجلسوا(٢).

وروى مسلم عن أبي الزبير عن جابر قال: اشتكى رسول الله فصلينا وراءه وهو قاعد، وأبو بكر يسمع الناس تكبيره، فالتفت إلينا فرآنا قياماً، فأشار إلينا فقعدنا، فصلينا بصلاته قعوداً، فلما سلم قال: إن كدتم آنفاً لتفعلون فعل فارس والروم، يقومون على ملوكهم وهم قعود، فلا تفعلوا، ائتموا بأئمتكم، إن صلى قائماً فصلوا قائماً، وإن صلى قاعداً فصلوا قعوداً(٣).

فهذه الأحاديث تبطل حديث صلاة أبي بكر، وتدل على اختلاقه، لأنه يتضمن مناقضة ما أمر به ـ كما في هذه المرويات ـ مما يستلزم القول بأن أبا بكر أقدم على الصلاة من دون أمر النبي ومشورته.

٣. إن حديث صلاة أبي بكر ـ الذي تفردت بنقله عائشة ـ يتعارض

(١) صحيح مسلم ج٤ / ١١٢والنوري بهامش صحيح مسلم، والبخاري ج١ / ٢٢١ح٧٣٢.

(٢) شرح النووي بهامش صحيح مسلم ج٤ / ١٢، ط / دار الكتب الإسلامية ١٤١٥هـ.

(٣) صحيح مسلم ج٤ / ١١٢ ح٤١٣.

٩١
بما روي عن ابن عباس قال:

قال رسول الله (ص): ابعثوا إلى علي (عليه السلام) فادعوه، فقالت عائشة: لو بعثت إلى أبي بكر، وقالت حفصة: لو بعثت إلى عمر، فاجتمعوا عنده جميعاً فقال رسول الله: انصرفوا فإن تك لي حاجة أبعث إليكم. فانصرفوا, وقال رسول الله (ص): آن الصلاة؟

قيل: نعم، قال: فأمروا أبا بكر ليصلي بالناس. فقالت عائشة: إنه رجل رقيق، فمر عمر. فقال: مروا عمر. فقال عمر: ما كنت لأتقدم وأبو بكر شاهد. فتقدم أبو بكر ووجد رسول الله خفة فخرج فلما سمع أبو بكر حركته تأخر فجذب رسول الله ثوبه فأقامه مكانه وقعد رسول الله فقرأ من حيث انتهى أبو بكر(١).

والملاحظ في هَْذا الحديث أن النبي وقع في تهافت ـ وحاشاه أن يقع ـ إذ كيف يأمر أبا بكر بن أبي قحافة بالصلاة ثم ينتزعه بثوبه ليصلي مكانه، لولا أنه (ص) أراد أن لا تكون صلاة أبي بكر ممسكاً عليه إلى آخر الدهر، وإلا لو كان النبي راضياً عن أبي بكر لما كان قطعه عن الصلاة، في حين أن العامة أنفسهم رووا على النبي (ص) أنه

(١) تاريخ الطبري ج٢ / ٤٣٩.

٩٢
صلى خلف عبد الرحمن بن عوف الزهري(١)، فليكن أبو بكر ـ على أقل تقدير مساوياً لعبد الرحمن ـ فلا يجذبه النبي بثوبه ليصلي مكانه. وعلى فرض اقتداء النبي بعبد الرحمن أو بأبي بكر فلا يوجب ذَْلك فضلاً على النبي ولا على غيره من المسلمين.

ولو كان الرسول (ص) راضياً عن صلاة أبي بكر لما خرج معصباً رأسه(٢) متكئا على الفضل بن عباس وعلى يد رجل كريم تناست ذكر اسمه عائشة، وقد روى مسلم بذَْلك أخبارا مستفيضة عن عائشة قالت: أول ما اشتكى رسول الله في بيت ميمونة، فاستأذن أزواجه أن يمرض في بيتها، وأذن له، قالت: فخرج ويد له على الفضل بن عباس، ويد له على رجل آخر، وهو يخط برجليه في الأرض، فقال عبيد الله: فحدثت به ابن عباس، فقال: أتدري من الرجل الذي لم تسم عائشة؟ هو عليٌّ (عليه السلام)(٣).

فخروج النبي بهذه الحالة(٤) لينحي أبا بكر عن الصلاة، له دلالاته

(١) لاحظ أسد الغابة في معرفة الصحابة ج٣ / ٤٧٦، ط / دار الكتب العلمية.

(٢) سيرة ابن هشام ج٤ / ٣٠٢.

(٣) صحيح مسلم ج٤ / ١١٧ ح٩١ وصحيح البخاري ج١ / ٢٠٢ ح٦٦٥.

(٤) وكما نقل البخاري في صحيحه ج١ / ٢٠٢ ح٦٦٤ أن النبي خرج يتهادى بين رجلين، ورجلاه تخطان من الوجع. فلاحظ.

٩٣
الهامة، وعلى أقل تقدير كان على النبي (ص) أن يتركه يؤم الصلاة ـ لو كان يحسن الظن به ـ حتى لا يسيء أحد من المسلمين به الظن وأنه غير جدير بإمامة صلاة، فكيف بإمامة العباد والبلاد!!

هَْذا مضافاً إلى أنهم لا يختلفون أنه عليه وآله الصلاة والسلام أمر عمرو بن العاص على أبي بكر وعمر وجماعة من المهاجرين والأنصار، وكان يؤمهم طول زمان إمارته في الصلاة، ولم يدل ذَْلك على فضله عليهم بحسب ما يذهبون إليه من تقديمهما على عمرو بن العاص.

ويروى أن سالم مولى أبي حذيفة كان يؤم المهاجرين قبل مقدم النبي إلى المدينة(١).

٤. إن إمامة أبي بكر للصلاة ليست فضيلة له، ولا توجب أن يكون إماماً على هذه الأمة، وذَْلك لما يروون من أن النبي (ص) قال لأمته: "صلوا خلف كل بر وفاجر"(٢). فأباح لهم النبي بحسب مضمون هَْذا الحديث الصلاة خلف الفجار والفساق، وإذا كان الأمر على ما ذكرناه بطل ما اعتمدوه من فضل أبي بكر في الصلاة.

(١) صحيح البخاري ج١ / ٢١١ ح٦٩٢.

(٢) كنز العمال ج٦ / ٥٤ ح١٤٨١٥ عن سنن البيهقي.

٩٤
هَْذا مضافاً إلى تجويزهم الصلاة خلف كل مفتون ومبتدع، فقد روى البخاري عن أبي التياح أنه سمع أنس بن مالك يقول: قال النبي لأبي ذر: اسمع وأطع ولو لحبشي كأن رأسه زبيبة(١).

بل إن عزل أبي بكر عن الصلاة بعد تقديمه ـ على فرض أن النبي قدمه ـ إنما كان لإظهار نقصه عند ا لأمة وعدم صلاحيته للتقديم في شيء، فإن من لا يصلح أن يكون إماماً للصلاة مع أنه أقل المراتب عند العامة لصحة تقديم الفاسق فيها، فكيف يصلح أن يكون إماماً عاماً ورئيساً مطاعاً لجميع الخلق، فكان قصده صلوات الله عليه وآله إن كان وقع هَْذا الأمر منه إظهار نقص أبي بكر وعدم صلاحيته للتقديم في ذَْلك، فيكون حجة عليهم.

وما أشبه هذه القصة بقصة سورة براءة وعزله عنها، وإنفاذه بالراية في يوم خيبر، فإن ذَْلك كله كان بياناً لإظهار نقصه وعدم صلاحيته لشيء من أمور الدين والدنيا.

٦. لو كان خبر تقديم أبي بكر في الصلاة صحيحاً ـ كما زعموا ـ وكان مع صحته دالاً على أمامته على إمامته لكان ذَْلك نصاً من النبي بالإمامة، ومتى حصل النص لا يحتاج معه غيره، فكيف لم يجعل أبو

(١) صحيح البخاري ج١ / ٢١٢ ح٦٩٦.

٩٥
بكر ونظيره عمر ذَْلك دليلاً على إمامة أبي بكر؟! وكيف لم يحتجوا به على الأنصار؟! وكيف بنوا الخلافة على المبايعة التي حصل فيها الاختلاف والاحتياج إلى إشهار السيوف، وعدلوا عن الاحتجاج بالنص المذكور؟ مع وضوح أن العاقل لايختار الأعسر الصعب مع وجود الأسهل إلا لعجزه عنه، فعلم أن ذَْلك ليس فيه حجة أصلاً.

ثانياً: الشورى وتقريب كلامهم السنة أن النبي حينما رحل عن هذه الحياة ترك أمر الخلافة شورى بين المسلمين يستطيعون من خلالها اختيار خليفة يقوم بشؤون المسلمين(١).

وهنا لا بد من بيان بعض الملاحظات على هَْذا الدليل لتكون معالم على الطريق.

الملاحظة الأولى: عقلاً لا يمكن أن يكون الحل هو الشورى...

ولبيان ذَْلك نضرب المثال الآتي:

نفرض أن هناك شخصاً يدير مؤسسة أو شركة أو مدرسة ما وبفضل إدارة وحنكة وحكمة هَْذا الشخص ـ المدير ـ تطورت وتقدمت

(١) راجع في هذا المضمار.

٩٦
وازدهرت هذه المؤسسة أو الشركة أو المدرسة المدارة تحت يديه، وبعد فترة أراد هَْذا المدير أن يترك إدارته وينتقل الى مكان آخر،ولكن قبل انتقاله وضع برنامجا متكاملا على طاولة الإدارة، وذَْلك لكي يسير عليه من يأتي بعده فيتم الحفاظ على تقدم وازدهار وتطور هذه المؤسسة أو غيرها. وبالفعل وضع برنامجه، ولكن ما إن خرج من هذه المؤسسة إلا ودبت الفوضى وظهر التقهقر والتصدع والتخلف في هذه المؤسسة أو غيرها.

هنا نسأل لماذا حدث ما حدث؟

الجواب: نحن أمام سببين لا ثالث لهما:

١. إما ان يكون هَْذا البرنامج الذي وضعه حضرة المدير المحنك الحكيم برنامجا فاشلا عقيما.

٢. أو أن يكون هَْذا البرنامج محكماً وناجحاً إلا أن من أتى من بعده رفع هَْذا البرنامج من على الطاولة ووضعه في الدرج وأغلق عليه، ثم استخدم اجتهاده وآراءه في الإدارة. اذا فهمت المثال السابق وما هو المقصود منه فإن الكلام هو نفسه في ما هو الحل الذي وضعه الرسول (ص) بعد وفاته.

فنحن المسلمين باتفاق الشيعة والسنة نعلم أنه بمجرد وفاة

٩٧
الرسول (ص) بدأ الانقسام وظهر الحلاف واتسع.. واتسع الى يومنا هَْذا فاذا سألنا عن سبب ما حدث فنحن أمام سببين:

الأول: إما أن يكون الحل الذي وضعه لنا الرسول (ص) فاشلاً وغير صالح.. وهذا لا يمكن أن يصدر عن الرسول.. بل هو مستحيل، ويتنافى مع القرآن والسنة والتاريخ والعقل.

الثاني: وإما أن الرسول (ص) قد وضع لنا برنامجا متكاملا ناجحا، ولكن بعد وفاته أقصي هَْذا البرنامج وتولى على الأمة من استخدم اجتهاداته وآراءه وأفكاره... فتأمل!

الملاحظة الثانية: الأصل في الإمامة هو التعيين(١)

لو أردنا تحديد الأصل الشرعي في مسألة الإمامة،لقلنا: إن الأصل في مسألة الإمامة هو التعيين من قبل الله تعالى، سواء أريد بالأصل، الأصل بلحاظ حكم الله الواقعي، أو الأصل بلحاظ الدليل اللفظي، أما الأصل بلحاظ حكم الله الواقعي بمعنى ما يرافق العادة الجارية والسنة الإلهية المستمرة إلى عصر الرسول (ص) فإن الذي جرت عليه

(١) راجع كتاب "حوار في الإمامة".

٩٨
سنة الله سبحانه على امتداد التاريخ بشهادة القرآن الكريم والنقل المتواتر القطعي هو تعيين الحاكم والقائد من قبل الله سبحانه ولم ينقل ولا مورد واحد أن الله تعالى أوكل الإمامة الى الناس أنفسهم لكي يختاروا من يشاؤون وهذه نماذج من آيات الكتاب العزيز..

قال تعالى ـ بعد ذكره سبحانه لعدد كبير من الأنبياء كنوح وإبراهيم وإسحاق وإسماعيل ويعقوب وموسى وهارون وغيرهم ـ: {أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَـؤُلاء فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُواْ بِهَا بِكَافِرِينَ (٨٩) أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ} الأنعام ٨٩ ـ ٩٠

فان الآية تدل بوضوح على أن هؤلاء الأنبياء قد آتاهم الله الكتاب وهو التشريع، والنبوة وهي الوساطة بين الله وخلقه في تبليغ أحكامه وتعليمها للناس، كما آتاهم الحكم أيضا، أي جعلهم حكاما وكلفهم قيادة الناس في سبيل إقامة حكم الله في الأرض وتطبيق التشريع الإلهي على ساحة الواقع.

وواضح أن جعلهم حكاما من قبل الله لا ينافي عدم تمكنهم ـ في

٩٩
أكثر الأحيان ـ من إقامة الحكم الإلهي فعلاً نتيجة لانقياد الناس لطواغيتهم وإعراضهم عن الأنبياء (عليهم السلام).

وأورد الله تعالى في سورة الشعراء قصص عدد من الأنبياء كنوح وهود وصالح ولوط وشعيب، وأن دعوتهم كانت تتلخص في كلمتين: {فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَطِيعُونِ}. قال تعالى: {إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُون (١٠٦) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٠٧) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٠٨) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠٩) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ}(١).

{إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٢٤) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٢٥) فَاتَّقُوا االلَّهَ وَأَطِيعُونِ}. الشعراء / ١٢٤ ـ ١٢٦

{إِذْ قَال لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٤٢) إنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٤٣) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ}. الشعراء / ١٤٢ ـ ١٤٤

{إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٦١) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٦٢) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ}. الشعراء / ١٦١ ـ ١٦٣

(١) الشعراء / ١٠٨.

١٠٠