×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

لماذا أهل البيت وليس غيرهم؟! / الصفحات: ١٢١ - ١٤٠

٣ ـ التربية النفسية

وفي مجال آخر نشير الى:

أ ـ لقد كان هدف المسلمين أولاً هو الحصول على المال، فأراد الله ورسوله أن يرتفع بهم عن هذا الهدف الدنيوي الى ما هو أغلى وأعلى وأسمى، وإلا فإن قريش أيضاً قد كانت تهدف من وراء جمعها الجموع وإثارة الحرب الى أهداف دنيوية، واقتصادية، واجتماعية، وسياسية أيضاً.

ب ـ لقد كان لحرب بدر أثرها في بث روح الاعتماد على النفس، ومواجهة المسؤوليات بصلابة وشجاعة، حيث لابد من قتل فراعنة قريش، وإفناء صناديدها وأسرهم. {ِّليَقْضِيَ اللّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً}. ثم التهيؤ لحرب العرب والعجم بعد ذَْلك.

٤ ـ نظرة في الآراء حول الحرب

ويلاحظ: أن أكثر المؤرخين قد حذفوا كلام عمر وأبي بكر هنا، واكتفوا بقولهم: قام أبو بكر فأحسن، ثم قام عمر فأحسن، ثم قال المقداد كذا.. وكذا(١). وربما ينسبون الى بعضهم كلاماً آخر لا ربط له

(١) راجع على سبيل المثال البداية والنهاية ج٣،ص: ٢٦٢. والثقات ج١،ص: ١٥٧.

١٢١
بسؤال النبي (ص) أصلاً.

وأما الفقرات التي نقلناها عنهما فلم تعجب الكثيرين من المؤرخين، فضربوا عنها صفحاً بالطريقة المشار إليها آنفاً.

ولكن من الواضح: أن سرور النبي (ص) بكلام المقداد ودعاءه له يدل على أن كليهما (أعني أبا بكر وعمر)، لم يكن منسجماً مع ما كان يهدف إليه النبي (ص) من مشاورته لهم، بل كان مضاداً لما كان يرمي إليه (ص) ولو كان كلامهما لائقاً لذكره محبوهم من المؤرخين والرواة وما أكثرهم.

وأما مشورة المقداد، فكانت هي السليمة والمنسجمة مع المنطق ومع الأهداف السامية التي كان يرمي إليها الرسول الأعظم (ص) وذَْلك هو ما كان يتوقعه (ص) ويرمي إلى الوصول إليه والحصول عليه.ولذَْلك فقد استحق المقداد مدح النبي (ص) ودعاءه له.

بل لقد ورد: أنه حين بلغ النبي (ص) إقبال أبي سفيان شاور أصحابه، فتكلم أبو بكر، فأعرض عنه، ثم تكلم عمر فأعرض عنه(١).

(١) صحيح مسلم باب غزوة بدر ج٥، ص: ١٧٠. مسند أحمد بن حنبل ج٣ص: ٢١٩. البداية والنهايةج٣،ص: ٢٦٣. السيرة النبوية لابن كثيرج٢،ص: ٣٩٤.

١٢٢
فإعراضه (ص) عنهما ليس إلا لتخذيلهما عن النفير الى حرب قريش ومدحهم لها بأنها: ما ذلت منذ عزت وما آمنت منذ كفرت...الخ. لا لأنه يريد من الأنصار أن يجيبوا فحسب. وإلا لماذا سُر من كلام المقداد ودعا له وهو من المهاجرين حتى لقد قال ابن مسعود عن موقف المقداد هذا: لأن أكون صاحبه أحب اليّ مما عدل به(١). وعن أبي أيوب قال في ضمن حديث له: فتمنينا معشر الأنصار لو أنّا قلنا مثل ما قال المقداد أحب إلينا من أن يكون لنا مال عظيم، فأنزل الله تعالى على رسوله:

{َمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ}.

أضف الى ذَْلك أن كلام رسول الله (ص) كان عاماً للجميع، للأنصار والمهاجرين، كما أن المهاجرين كانوا كالأنصار من حيث أنهم لم يبايعوه على الحرب.

(١) صحيح البخاري باب تستغيثون ربكم ج٣،ص: ٣.ط: الميمنية. البداية والنهاية ج٣، ص: ٢٦٢ / ٢٦٣. وسنن النسائي.

١٢٣

٥ ـ سر سروره (ص) بكلام سعد والمقداد

فإن تأملت في كلام سعد والمقداد ترى أنهما لم يشيرا عليه لا بالحرب ولا بالسلام، بل ما زادا على أن أظهرا التسليم والانقياد لأوامر النبي (ص) ونواهيه وما يقضيه في الأمور. إنهما لم يبديا رأياً، ولا قدّما بين يديه الشريفتين أمراً، وهذا هو منتهى الإيمان، وغاية الإخلاص والتسليم،وقمة الوعي لموقعهما ووظائفهما، وما ينبغي لهما.

هما ما كانا يريان لأنفسهما قيمة في مقابل قضاء الله ورسوله، على حد قوله تعالى:

{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ}. الأحزاب/٣٦

وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}. الحجرات/٢

٦ ـ أين رأي علي (عليه السلام)؟

ويُلاحظ هنا: أننا لا نجد علياً في هذا المقام يبدي رأياً، ولا يبادر إلى موقف أو مشورة، مع أنه رجل الحكمة ومعدن العلم، فما هو السر

١٢٤
كتاب لماذا أهل البيت وليس غيرهم؟! لـ حسين المدرسي و يحيى صباح (ص ١٢٥ - ص ١٤٨)

١٢٥
٣ـ إذن، النتيجة: الخلافة شورى بين المسلمين.

والجــواب:

أولاً: إن الآية المباركة إنما تأمر بالمشورة في الأمور المضافة للمؤمنين، وأما أمور الخلافة فهي بالقطع واليقين ـ مستقلة، ولاصلاحية لأحد فيها.

فالاستدلال بالآية، مصادرة واضحة. فعلى السني لكي تكون نتيجته صحيحة بهذا القياس المنطقي، أن يثبت أولاً وقبل كل شيء أن الخلافة من أمور المسلمين ثم يتمسك بهذه الآية.

فالخلاف الرئيس بين الشيعة والسنة حول: هل الأمر شورى أم نص؟

فالتمسك بهذه الآية يجب أن يكون متأخراً رتبة ـ وبعبارة أخيرة ـ ثبِّت العرش، ثم انقش.

ثانياً: إنه بالجمع مع الآية السابقة يجب دخول الحاكم في الآية، إذ إن الحاكم من المؤمنين وبدونه لا تتم عملية الشورى.

وبعد كل هذا نجد أن هناك من يتشدق مستدلاً بآية الشورى القائلة: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} الشورى ٣٨ زاعماً

١٢٦
أنها دليل على وجوب الشورى في شأن الخلافة والإمامة!! غير أن الآية تأبى هذا الكلام جملة وتفصيلاً..

ذَْلك لأن استدلالهم في وادٍ، والآية في وادٍ آخر.

ولكي يتبين الأمر أكثر نسأل:

هل الخلافة امتداد للنبوة أم لا؟

سيكون الرد في جوابين.

أولاً: لا، ليست امتداداً للنبوة.. وهذه مغالطة مفضوحة إذ إن المتكلم يخاطب بقوله: هذا خليفة رسول الله والمفترض أنه يقول هذا خليفة فقط دون ذكر المضافة إليه (رسول الله).

هذا الحديث،وإن كان بحثاً لفظياً أولياً، إلا أنه يكشف عن مدى التناقض بين المضمون والمفهوم.

ولك أن تتصور ـ عزيزي القارئ ـ الحالة السائدة بعد رحيل النبي من حيث التشريعات والقوانين، إنها قاطبة وردت عن النبي.

ثانياً: نعم، الخلافة امتداد للنبوة، فتكون كل تبعات الخلافة سماوية لا أرضية. وبالتالي فإن الخليفة يعينه الله، لا الناس، لا الشورى.

١٢٧
قوانين الخلافة، كقوانين النبوة.. لا فرق..

وهنا لا بد من تبيين أن الآية (آية الشورى) تؤيد هذا الرأي تماماً.

في سياق الآية نجد بدايتها تتحدث عن ضرورة التسليم لأوامر الله عز وجل. أوامر ـ نواهي..الخ.

ثم تلا هذا القسم إقامة الصلاة: حدودها، واجباتها، أحكامها.. الخ نجد بعد هذين القسمين، قسم ثالث وهو الشورى {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} هنا تفهم أن ضمير الجمع في أمرهم ليس المقصود منه أمر الخلافة أو الإمامة كما يدعي أهل السنة..

كلا!! بل هو أمر الناس (إصلاح ذات البين ـ الأمر بالمعروف ـ النهي عن المنكر..الخ) والدليل هو:

لوكان المقصود أمر الخلافة والإمامة لقال تبارك وتعالى: "أمر الله"بدلاً من {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} أليس تفسير {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} بالخلافة تخالف مقتضى الكلام.. وفصاحة القرآن.

ثم لنا أن نسأل من فسر {وَأَمْرُهُمْ شُورَى}.

لماذا انصب تفسيركم على أمر الخلافة ولم تصبوه على أمر آخر؟! وإذا أخذنا بعين الاعتبار حجية الظواهر القرآنية، فإن ظاهر

١٢٨
الآية لا قرينة فيها على تفسير الأمر بالخلافة أو الإمامة.

وللتاريخ كلمته أيضاً:

ولو أننا تنازلنا عن الأدلة السالفة الذكر، فإنه لا يمكن تجاهل التاريخ باعتباره حاضراً لشورى خلافة أبي بكر أو عمر أو عثمان.

فهل كانت طريقة استلامهم للخلافة شورى..؟!

هذا ما سنقرأه في الأسطر القادمة.

أولاً: حديث السقيفة وخلافة أبي بكر:

"لما توفي رسول الله (ص) اجتمع الأنصار في سقيفة بني ساعدة ليبايعوا سعد بن عبادة، فبلغ ذَْلك أبا بكر فأتاهم ومعه عمر وأبو عبيدة بن الجراح، فقال: ما هذا؟ فقالوا: منا أمير ومنكم أمير. فقال أبو بكر: منا الأمراء ومنكم الوزراء، ثم قال أبو بكر: قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين عمر وأبا عبيدة أمير هذه الأمة فقال عمر: أيكم يطيب نفساً أن يخلف قديمين قدمهما النبي (ص) فبايعه عمر وبايعه الناس. فقالت الأنصار ـ أوبعض الأنصار ـ لا نبايع إلا علياً. قال: وتخلف علي وبنو هاشم والزبير وطلحة عن البيعة. وقال الزبير: لا أغمد سيفاً حتى يبايع علي. فقال عمر: خذوا سيفه واضربوا به الحجر،ثم أتاهم عمر

١٢٩
فأخذهم للبيعة.

وقيل: لما اجتمع الناس على بيعة أبي بكر أقبل أبو سفيان وهو يقول: إني لأرى عجاجة لا يطفئها إلا دم،يا آل عبد مناف فيم أبو بكر من أموركم؟ أين المستضعفان؟ أين الأذلان علي والعباس؟ ما بال هذا الأمر في أقل حي من قريش؟ ثم قال لعلي: ابسط يدك أبايعك، فوالله لئن شئت لأملأنها عليه خيلاًورجلاً، فأبى علي (عليه السلام) فتمثل بشعر المتلمس:


ولن يـقـيم على خسف يراد بهإلا الأذلان عير الحي والوتد
هذا على الخسف معكوس برمتهوذا يـشـج فلا يبكي له أحد

فزجره علي وقال: والله إنك ما أردت بهذا إلا الفتنة، وإنك والله طالما بغيت للإسلام شراً! لا حاجة لنا في نصيحتك."

ويضيف صاحب كتاب الكامل ناقلاً رواية أبو عمرة الأنصاري:

"لما قبض النبي (ص)، اجتمعت الأنصار في سقيفة بني ساعدة وأخرجوا سعد بن عبادة ليولوه الأمر، وكان مريضاً،فقال بعد أن حمد الله: يا معشر الأنصار لكم سابقة وفضيلة ليست لأحد من العرب، إن محمداً، (ص) لبث في قومه بضع عشرة سنة يدعوهم فما آمن به إلا القليل، ما كانوا يقدرون على منعه ولا على إعزاز دينه ولا على دفع

١٣٠
ضيم، حتى إذا أراد بكم الفضيلة ساق إليكم الكرامة ورزقكم الإيمان به وبرسوله والمنع له ولأصحابه والإعزاز له ولدينه والجهاد لأعدائه فكنتم أشد الناس على عدوه حتى استقامت العرب لأمر الله طوعاً وكرهاً وأعطى العبيد المقادة صاغراً فدانت لرسوله بأسيافكم العرب، وتوفاه الله وهو عنكم راض قرير العين. استبدوا بهذا الأمر دون الناس، فإنه لكم دونهم.

فأجابوه أجمعهم: أن قد وفقت وأصبت الرأي ونحن نوليك هذا الأمر فإنك مقنع ورضاً للمؤمنين. ثم إنهم ترادوا الكلام فقالوا: وإن أبى المهاجرون من قريش وقالوا نحن المهاجرون وأصحابه الأولون وعشيرته وأولياؤه! فقالت طائفة منهم: فإنا نقول منا أمير ومنكم أمير ولن نرضى بدون هذا أبداً. فقال سعد: هذا أول الوهن.

وسمع عمر الخبر فأتى منزل النبي (ص) وأبو بكر فيه، فأرسل إليه أن اخرج إليّ، فأرسل إليه: إني مشتغل. فقال عمر: قد حدث أمر لا بد لك من حضوره. فخرج إليه، فأعلمه الخبر، فمضيا مسرعين نحوهم ومعهما أبو عبيدة. قال عمر: فأتيناهم وكنت زورت كلاماً أقوله لهم، فلما دنوت أقول أسكتني أبو بكر وتكلم بكل ماأردت أن أقول، فحمد الله وقال: إن الله قد بعث فينا رسولاً شهيداً على أمته ليعبدوه ويوحدوه

١٣١
وهم يعبدون من دونه آلهة شتى من حجر وخشب، فعظم على العرب أن يتركوا دين آبائهم. فخص الله المهاجرين الأولين من قومه بتصديقه والمواساة له والصبر معه على شدة أذى قومهم "لهم"وتكذيبهم إياهم، وكل الناس لهم مخالف زارٍ عليهم، فلم يستوحشوا لقلة عددهم وشنق الناس لهم، فهم أول من عبد الله في هذه الأرض وآمن بالله وبالرسول، وهم أولياؤه وعشيرته وأحق الناس بهذا الأمر من بعده لا ينازعهم إلا ظالم، وأنتم يا معشر الأنصار، من لا ينكر فضلهم في الدين ولا سابقتهم في الإسلام، رضيكم الله أنصاراً لدينه ورسوله وجعل إليكم هجرته فليس بعد المهاجرين الأولين عندنا بمنزلتكم، فنحن الأمراء وأنتم الوزراء، لا تفاوتون بمشورة ولا نقضي دونكم الأمور.

فقام حباب بن المنذر بن الجموح فقال: يا معشر الأنصار أملوا عليكم أمركم فإن الناس في ظلكم ولن يجترئ مجترئ على خلافكم ولا يصدروا إلا عن رأيكم، أنتم أهل العز وأولو العدد والمنة وذوو البأس، وإنما ينظر الناس ما تصنعون، ولا تختلفوا فيفسد عليكم أمركم، أبى هؤلاء إلا ما سمعتم، فمنا أمير ومنكم أمير.

فقال عمر: هيهات لا يجتمع إثنان "فر قربن"! والله لا ترضى العرب

١٣٢
أن تؤمركم ونبينا من غيركم، ولا تمتنع العرب أن تولي أمرها من كانت النبوة فيهم، ولنا بذَْلك الحجة الظاهرة، من ينازعنا سلطان محمد ونحن أولياؤه وعشيرته!

فقال الحباب بن المنذر: يا معشر الأنصار املكوا على أيديكم ولا تسمعوا مقالة هذا وأصحابه فيذهبوا بنصيبكم من هذا الأمر، فإن أبوا عليكم فأجلوهم عن هذه البلاد تولوا عليهم هذه الأمور فأنتم والله أحق بهذا الأمر منهم، فإنه بأسيافكم دان الناس لهذا الدين، أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب! أنا أبو شبل في عرينة الأسد، والله لئن شئتم لنعيدنها جذعة(١).

فقال عمر: إذاً ليقتلك اللهّ.

فقال: بل إياك يقتل.

فقال أبو عبيدة: يا معشر الأنصار إنكم أول من نصر فلا تكونوا أول من بدل وغير!

فقام بشير بن سعد أبو النعمان بن بشير فقال: يا معشر الأنصار إنا لله وإن كنا أولي فضيلة في جهاد المشركين وسابقة في الدين ما أردنا به إلا رضى ربنا وطاعة نبينا والكدح لأنفسنا، فما ينبغي أن نستطيل على

(١) لنعيدها جذعة. والجذعة الفتية.

١٣٣
الناس بذَْلك ولا نبتغي به الدنيا، ألا إن محمداً (ص) من قريش وقومه أولى به، وأيم الله، لا يراني الله أنازعهم هذا الأمر، فاتقوا الله ولا تخالفوهم.

فقال أبو بكر: هذا عمر وأبو عبيدة فإن شئتم فبايعوا. فقالا: والله لانتولى هذا ا لأمر عليك وأنت أفضل المهاجرين وخليفة رسول الله (ص) في الصلاة وهي أفضل دين المسلمين، ابسط يدك نبايعك فلما ذهبا يبايعانه سبقهما بشير بن سعد فبايعه، فناداه الحباب بن المنذر: عقتك عقاق! أنفست على ابن عمك الإمارة؟ فقال: لا والله ولكني كرهت أن أنازع القوم حقهم.

ولما رأت الأوس ما صنع بشير وما تطلب الخزرج من تأمير سعد قال بعضهم لبعض، وفيهم أسيد بن حضير وكان نقيباً: والله لئن وليتها الخزرج مرة لا زالت لهم عليكم بذَْلك الفضيلة ولا جعلوا لكم فيها نصيباً أبداً، فقوموا فبايعوا أبا بكر. فبايعوه، فانكسر على سعد والخزرج ما أجمعوا عليه، وأقبل الناس يبايعون أبا بكر من كل جانب.

ثم تحول سعد بن عبادة إلى داره فبقي أياماً، وأرسل إليه ليبايع فإن الناس قد بايعوا، فقال: لا والله حتى أرميكم بما في كناني، وأخضب

١٣٤
سنان رمحي، وأضرب بسيفي، وأقاتلكم بأهل بيتي ومن أطاعني، ولو اجتمع معكم الجن والإنس ما بايعتكم حتى أعرض على ربي. فقال عمر: لا تدعه حتى يبايع. فقال بشير بن سعد: إنه قد لج وأبى ولا يبايعكم حتى يقتل، وليس بمقتول حتى يقتل معه أهله وطائفة من عشيرته، ولا يضركم تركه، وإنما هو رجل واحد. فتركوه.

وجاءت أسلم فبايعت، فقوي أبو بكر بهم، وبايع الناس بعد.

قال الزهري: بقي علي وبنو هاشم والزبير ستة أشهر لم يبايعوا أبا بكر حتى ماتت فاطمة، رضي الله عنها، فبايعوه(١).

وهنا لا بد من وقفة..

ـ إذا كان الأمر شورى ـ كما يدعي البعض ـ، فلماذا لم يحتج بها أبو بكر أو سعد بن عبادة.. أو الزبير الذي أبى أن يغمد سيفه إلا إذا بايع الناس علياً كما تم بيانه.

ـ وإذا كان الأمر كذَْلك فلماذا قال: أبو عبيدة "منا أمير ومنكم أمير" ثم رد عليه أبو بكر قائلاً: منا الأمراء ومنكم الوزراء.. ولم يذكر أحدهما الشورى..؟!

ـ لماذا لم يحضر كل من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)،

(١) الكامل في التاريخ ج٢ ص٣٢٦.

١٣٥
أو أبو ذر ـ سلمان ـ عمار ـ المقداد.. أليس هؤلاء من أهل الحل والعقد؟ وبالتالي أهل الشورى؟!

ثانياً: استخلاف عمر بن الخطاب

يذكر ابن الأثير "أنه لما نزل بأبي بكر الموت دعا عبد الرحمن بن عوف فقال: أخبرني عن عمر:

فقال: إنه أفضل من رأيك إلا أنه فيه غلظة. فقال أبو بكر: ذَْلك لأنه يراني رقيقاً، ولو أفضى الأمر إليه لترك كثيراً مما هو عليه، وقد رمقته فكنت إذا غضبت على رجل أراني الرضاء عنه، وإذا لنت له أراني الشدة عليه. ودعا عثمان بن عفان وقال له: أخبرني عن عمر.

فقال: سريرته خير من علانيته، وليس فينا مثله.

فقال أبو بكر لهما: لا تذكرا مما قلت لكما شيئاً، ولو تركته ما عدوت عثمان، والخيرة له أن لا يلي من أموركم شيئاً، ولوددت أني كنت من أموركم خلواً وكنت فيمن مضى من سلفكم. ودخل طلحة بن عبيد الله على أبي بكر فقال: استخلفت على الناس عمر وقد رأيت ما يلقى الناس منه وأنت معه، وكيف به إذا خلا بهم وأنت لاقٍ ربك فسائلك عن رعيتك!

١٣٦
فقال أبو بكر: أجلسوني، فأجلسوه، فقال: أبالله تخوفني! إذا لقيت ربي فسألني قلت: استخلفت على أهلك خير أهلك.

ثم إن أبا بكر أحضر عثمان بن عفان خالياً ليكتب عهد عمر، فقال له: اكتب:

"بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما عهد أبو بكر بن أبي قحافة إلى المسلمين، أما بعد. ثم أغمي عليه، فكتب عثمان: أما بعد فإني قد استخلفت عليكم عمر بن الخطاب ولم آلكم خيراً. ثم أفاق أبو بكر فقال: اقرأ علي. فقرأ على أبي بكر، فكبر أبو بكر وقال: أراك خفت أن يختلف الناس إن مت في غشيتي. قال: نعم. قال: جزاك الله خيراً عن الإسلام وأهله".

فلما كتب العهد أمر به أن يقرأ على الناس، فجمعهم وأرسل الكتاب مع مولى له ومعه عمر، فكان عمر يقول للناس: أنصتوا واسمعوا لخليفة رسول الله (ص)، فإنه لم يألكم نصحاً.

فسكن الناس، فلما قرىء عليهم الكتاب سمعوا وأطاعوا، وكان أبو بكر أشرف على الناس وقال: أترضون بمن استخلفت عليكم؟ فإني ما استخلفت عليكم ذا قرابة، وإني قد استخلفت عليكم عمر فاسمعوا له وأطيعوا، فإني والله ما ألوت من جهد الرأي.

١٣٧
فقالوا: سمعنا وأطعنا. ثم أحضر أبو بكر عمر فقال له: إني قد استخلفتك على أصحاب رسول الله (ص)، وأوصاه بتقوى الله ووصايا أخرى..."(١).

ليت شعري هل كان أبو بكر أكثر حرصاً على مصلحة المسلمين من رسول الله (ص)؟ حينما قال لعثمان:

"أراك خفت أن يختلف الناس إن متُّ في غشيتي.

قال: نعم.

قال: جزاك الله خيراً عن الإسلام وأهله"

ثم لماذا لم يلتزم أبو بكر بسياسة النبي حينما رحل عن هذه الحياة وترك الأمر شورى ـ كما يدعي السنة ـ؟

إضافة إلى عدم وجود كبار الصحابة حال كتابة الوصية بالخلافة أمثال: علي ـ عمار ـ طلحة ـ الزبير ـ سعد بن أبي وقاص ـ... الخ فأين كانت الشورى؟ وأين كان أهلها؟ على فرض صحتها؟!

ثالثاً: خلافة عثمان.. ومسرحية الشورى

يذكر المؤرخ الطبري.. حادثة انتقال الخلافة إلى عثمان بن عفان

(١) الكامل في التاريخ ج٢ / ٤٢٥ ـ ٤٢٦ ط بيروت ١٣٥٨هـ ـ ١٩٦٥م.

١٣٨
قائلاً:

"لما طعن عمر بن الخطاب قيل له...

يا أمير المؤمنين لو استخلفت. قال: من أستخلف؟ لو كان أبو عبيدة بن الجراح حياً استخلفته فإن سألني ربي قلت سمعت نبيك يقول إنه أمين هذه الأمة، ولو كان سالم مولى أبى حذيفة حياً استخلفته فإن سألني ربي قلت سمعت نبيك يقول إن سالما شديد الحب لله.

فقال له رجل: أدلك عليه.. عبد الله بن عمر.

فقال: قاتلك الله، والله ما أردت الله لهذا، ويحك كيف أستخلف رجلا عجز عن طلاق امرأته؟ لا أرب لنا في أموركم، ما حمدتها فأرغب فيها لأحد من أهل بيتي، إن كان خيرا فقد أصبنا منه وإن كان شرا فشرعنا إلى عمر، بحسب آل عمر أن يحاسب منهم رجل واحد ويسأل عن أمر أمة محمد، أما لقد جهدت نفسي وحرمت أهلي، وإن نجوت كفانا لا وزر ولا أجر إني لسعيد، وانظر فإن استخلفت فقد استخلف من هو خير مني وإن أترك فقد ترك من هو خير مني ولن يضيع الله دينه.

فخرجوا ثم راحوا فقالوا: يا أمير المؤمنين لو عهدت عهدا.

١٣٩
فقال: قد كنت أجمعت بعد مقالتي لكم أن أنظر فأولي رجلاً أمركم هو أحراكم أن يحملكم على الحق وأشار إلى علي ورهقتني غشية فرأيت رجلا دخل جنة قد غرسها فجعل يقطف كل غضة ويانعة فيضمه إليه ويصيره تحته فعلمت أن الله غالب أمره ومتوف عمر فما أريد أن أتحملها حيا وميتاً عليكم هؤلاء الرهط الذين قال رسول الله (ص) إنهم من أهل الجنة سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل منهم ولست مدخله ولكن السنة على وعلي وعثمان ابنا عبد مناف وعبد الرحمن وسعد خالا رسول الله (ص) والزبير بن العوام حواري رسول الله (ص) وابن عمته وطلحة الخير ابن عبيد الله فليختاروا منهم رجلا فإذا ولوا اليافاً حسنوا مؤازرته وأعينوه إن ائتمن أحدا منكم فليؤد إليه أمانته.

وخرجوا فقال العباس لعلي: لا تدخل معهم.

قال: أكره الخلاف.

قال: إذن ترى ما تكره.

فلما أصبح عمر دعا علياً وعثمان وسعد وعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام فقال: إني نظرت فوجدتكم رؤساء الناس وقادتهم ولا يكون هذا الأمر إلا فيكم وقد قبض رسول الله (ص) وهو عنكم راض

١٤٠