×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

لماذا أهل البيت وليس غيرهم؟! / الصفحات: ١٤١ - ١٦٠

إني لا أخاف الناس عليكم إن استقمتم ولكني أخاف عليكم اختلافكم فيما بينكم فيختلف الناس فانهضوا إلى حجرة عائشة بإذن منها فتشاوروا واختاروا رجلا منكم، ثم قال: لا تدخلوا حجرة عائشة ولكن كونوا قريبا..

ووضع رأسه وقد نزفه الدم فدخلوا فتناجوا ثم ارتفعت أصواتهم فقال عبد الرحمن بن عمر: سبحان الله إن أمير المؤمنين لم يمت بعد. فأسمعه فانتبه فقال: ألا أعرضوا عن هذا أجمعون فإذا مت فتشاوروا ثلاثة أيام وليصل بالناس صهيب ولا يأتين اليوم الرابع إلا وعليكم أمير منكم ويحضر عبد الله بن عمر مشيراً ولا شيء له من الأمر وطلحة شريككم في الأمر فإن قدم في الأيام الثلاثة فأحضروه أمركم وإن مضت الأيام الثلاثة قبل قدومه فاقضوا أمركم. ومن لي بطلحة فقال سعد بن أبي وقاص: أنا لك به ولا يخالف إن شاء الله فقال عمر أرجو أن لا يخالف إن شاء الله..؟؟ أن يلي إلا أحد هذين الرجلين علي أو عثمان فان؟؟؟ فرجل فيه لين وإن ولي علي ففيه دعابة وأحربه أن يحملهم على طريق الحق وإن تولوا سعداً فأهلها هو وإلا فليستعن به الوالي فإني لم أعزله عن خيانة ولا ضعف ونعم ذو الرأي عبد الرحمن بن عوف مدد رشيد له من الله حافظ فاسمعوا منه. وقال لأبي طلحة

١٤١
الأنصاري: يا أبا طلحة إن الله عز وجل طالما أعز الإسلام بكم فاختر خمسين رجلا من الأنصار فاستحث هؤلاء الرهط حتى يختاروا رجلا منهم وقال للمقداد بن الأسود: إذا وضعتموني في حفرتي فاجمع هؤلاء الرهط في بيت حتى يختاروا رجلا منهم.. وقال لصهيب صل بالناس ثلاثة أيام، وأدخل عليا وعثمان والزبير وسعداً وعبد الرحمن بن عوف وطلحة إن قدم، وأحضر عبد الله بن عمر ولا شيء له من الأمر وقم على رؤوسهم فإن اجتمع خمسة ورضوا رجلا وأبى واحد فاشدخ رأسه أو اضرب رأسه بالسيف، وإن اتفق أربعة فرضوا رجلا منهم وأبى اثنان فاضرب رؤسهما فإن رضى ثلاثة رجلا منهم وثلاثة رجلا منهم فحكموا عبد الله بن عمر فأى الفريقين حكم له فليختاروا رجلا منهم فإن لم يرضوا بحكم عبد الله بن عمر فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف واقتلوا الباقين إن رغبوا عما اجتمع عليه الناس. فخرجوا.

فقال علي لقوم كانوا معه من بني هاشم: ان أطيع فيكم قومكم لم تؤمروا أبداً. وتلقاه العباس فقال: عدلت عنا. فقال: وما علمك؟ قال: قرن بي عثمان وقال كونوا مع الأكثر فإن رضى رجلان رجلا ورجلان رجلا فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف فسعد لا يخالف ابن

١٤٢
عمه عبد الرحمن وعبد الرحمن صهر عثمان لا يختلفون فيوليها عبد الرحمَْن عثمان أو يوليها عثمان عبد الرحمَْن فلو كان الآخران معي لم ينفعاني بل إني لأرجو إلا أحدهما فقال له العباس: لم أرفعك في شيء إلا رجعت إلي مستأخراً بما أكره أشرت عليه عند وفاة رسول الله (ص) أن تسأله فيمن هذا الأمر فأبيت وأشرت عليك بعد وفاته أن تعاجل الأمر فأبيت وأشرت عليك حين سماك عمر في الشورى أن لا تدخل معهم فأبيت، احفظ عني واحدة كلما عرض عليك القوم فقل لا إلا ان يولوك واحذر هؤلاء الرهط فانهم لا يبرحون يدفعوننا عن هذا الأمر حتى يقوم لنا به غيرنا وأيم الله لا يناله إلا بشر لا ينفع معه خير.

فقال علي: أما لئن بقي عثمان لأذكرنه ما آتى ولئن مات ليتداولنها بينهم ولئن فعلوا ليجدني حيث يكرهون ثم تمثل:


حلفت برب الرافضات عشيةغدون خفافا فابتدرن المحصبا
ليختلين رهط ابن يعمر مارئانجيعا بنو الشداخ وردا مصلبا

والتفت فرأى أبا طلحة فكره مكانه فقال أبو طلحة: لم ترع أبا الحسن.

فلما مات عمر وأخرجت جنازته وتصدى علي وعثمان أيهما يصلي عليه فقال عبد الرحمن: كلاكما يحب الإمرة لستما من هذا في

١٤٣
شيء هذا إلى صهيب استخلفه عمر يصلي بالناس ثلاثا حتى يجتمع الناس على إمام فصلى عليه صهيب.

فلما دفن عمر جمع المقداد أهل الشورى في بيت المسور بن مخرمة ويقال في بيت المال ويقال في حجرة عائشة بإذنها وهم خمسة معهم ابن عمر وطلحة غائب وأبا طلحة أن يحجبهم وجاء عمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة فجلسا بالباب فحصبهما سعد وأقامهما وقال تريدان أن تقولا حضرنا وكنا في أهل الشورى.

فتنافس القوم في الأمر وكثر بينهم الكلام.

فقال أبو طلحة: أنا كنت لأن تدفعوها أخوف مني لأن تنافسوها لا والذي ذهب بنفس عمر؛ لا أزيدكم على الأيام الثلاثة التي أمرتم ثم أجلس في بيتي فأنظر ما تصنعون.

فقال عبد الرحمن: أيكم يخرج منها نفسه ويتقلدها على أن يوليها أفضلكم؟ فلم يجبه أحد.

فقال: فانا أنخلع منها.

فقال عثمان: أنا أول من رضي فإني سمعت رسول الله (ص) يقول: "أمين في الأرض أمين في السماء".

فقال القوم: قد رضينا. وعلي ساكت.

١٤٤
فقال: ما تقول يا أبا الحسن؟ قال: أعطني موثقا لتؤثرن الحق، ولا تتبع الهوى، ولا تخص ذا رحم، ولا تألو الأمة.

فقال: أعطوني مواثيقكم على أن تكونوا معي على من بدل وغير وأن ترضوا من اخترت لكم على ميثاق الله أن لا أخص ذا رحم لرحمه ولا آلو المسلمين فأخذ منهم ميثاقا وأعطاهم مثله".

وهنا انظر ـ عزيزي القاريء إلى كلام عمر بن الخطاب حينما دعا الإمام علي (عليه السلام)، والزبير بن العوام وعثمان بن عفان وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف وقال لهم:

"إني نظرت فوجدتكم رؤساء الناس وقادتهم، ولا يكون هذا الأمر (الخلافة) إلا فيكم، وقد قبض رسول الله (ص) وهو عنكم راضٍ.

إني لا أخاف الناس عليكم إن استقمتم ولكني أخاف عليكم اختلافكم فيما بينكم فيختلف الناس فانهضوا إلى حجرة عائشة بإذن منها، فتشاوروا واختاروا رجلاً منكم.."(١)

نجد أن الخليفة لم يذكر أنهم (الخمسة) أهل الشورى، ولا ذكر أي حادثة وقصة للشورى!!

نعم قد يستفاد من تعيينه أنه جعلها شورى بينهم؟.

(١) تاريخ الطبري: ج٣ / ص٢٩٢ـ ٢٩٥ ط مصر ١٣٥٧هـ ـ ١٩٣٩م.

١٤٥
لكن السؤال:

لماذا أعطى ابنه (عبد الله بن عمر) صلاحية اختيار الخليفة حال اختلف (أهل الشورى)؟! أليس هذا التفويض نسفاً لمبدأ الشورى المعينة؟!

ثم لماذا رجّح كفة عبد الرحمن بن عوف حيث جعل صوته يرجح أصوات البقية؟ أليس ذَْلك ترجيحاً بلا مرجح؟!

والأدهى والأمر من كل ذَْلك..:

استباحته دم من عارض عبد الرحمن بن عوف بقوله:

"فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف واقتلوا الباقين إن رغبوا عما اجتمع عليه الناس..".

أين ذهب بمن تبقى من أهل الشورى؟

ويأمر عمر بن الخطاب صهيب الرومي أن يشدخ رأس من يخالف عبد الرحمن بن عوف حتى وإن كان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب؟!

لا أعيد التساؤل فالقارئ يعلم أن:

الآمر: عمر بن الخطاب.

المأمور: صهيب الرومي.

١٤٦
من هنا فإن القشة التي قصمت ظهر البعير، هي طريقة أخذ البيعة للخلفاء الثلاثة.

فالأول: في السقيفة بعد شد وجذب، وتخلف كبار الصحابة عن ترشيح الخليفة..

والثاني: أوصى إليه الخليفة الأول.

والثالث: استلمها بعد مسرحية الشورى السالفة الذكر...وبعد كل هذا يُدَّعى بضرورة الشورى وأهميتها..

ولذَْلك لم يخفِ الإمام علي (عليه السلام) اعتراضه على الكل للأسباب المتقدمة، وأسباب أخرى ينظر إليها الإمام كخبير وقائد وإمام.. ولدى اعتراضه في خطبه وكلماته وما أكثرها.. سواءً كانت على المستوى العام، أو مع الخواص.. إلا أن المعروف والمشهور من كلماته هي الخطبة الشقشقية، التي يقول فيها:

أِ مَا وَاللهِ لقَدْ تَقَمَّصَهَا فُلاَنٌ وَإِنَّهُ ليَعْلمُ أَنَّ مَحَلِّي مِنْهَا مَحَلُّ القُطْبِ مِنَ الرَّحَى يَنْحَدِرُ عَنِّي السَّيْلُ وَلاَ يَرْقَى إِليَّ الطَّيْرُ فَسَدَلتُ دُونَهَا ثَوْباً وَطَوَيْتُ عَنْهَا كَشْحاً وَطَفِقْتُ أَرْتَئِي بَيْنَ أَنْ أَصُول بِيَدٍ جَذَّاءَ أَوْ أَصْبِرَ عَلى طَخْيَةٍ عَمْيَاءَ يَهْرَمُ فِيهَا الكَبِيرُ وَيَشِيبُ فِيهَا الصَّغِيرُ وَيَكْدَحُ فِيهَا مُؤْمِنٌ حَتَّى يَلقَى رَبَّهُ فَرَأَيْتُ أَنَّ الصَّبْرَ عَلى هَاتَا أَحْجَى فَصَبَرْتُ وَفِي

١٤٧
العَيْنِ قَذَىً وَفِي الحَلقِ شَجاً أَرَى تُرَاثِي نَهْباً حَتَّى مَضَى الأَوَّلُ لِسَبِيلِهِ فَأَدْلى بِهَا إِلى فُلاَنٍ بَعْدَهُ ثُمَّ تَمَثَّل بِقَوْلِ الأَعْشَى:


شَتَّانَ مَا يَوْمِي عَلى كُورِهَاوَيَوْمُ حَيَّانَ أَخِي جَابِرِ

فَيَا عَجَباً بَيْنَا هُوَ يَسْتَقِيلُهَا فِي حَيَاتِهِ إِذْ عَقَدَهَا لآخَرَ بَعْدَ وَفَاتِهِ لشَدَّ مَا تَشَطَّرَا ضَرْعَيْهَا فَصَيَّرَهَا فِي حَوْزَةٍ خَشْنَاءَ يَغْلُظُ كَلمُهَا وَيَخْشُنُ مَسُّهَا وَيَكْثُرُ العِثَارُ فِيهَا وَالاعْتِذَارُ مِنْهَا فَصَاحِبُهَا كَرَاكِبِ الصَّعْبَةِ إِنْ أَشْنَقَ لهَا خَرَمَ وَإِنْ أَسْلسَ لهَا تَقَحَّمَ فَمُنِيَ النَّاسُ لعَمْرُ اللهِ بِخَبْطٍ وَشِمَاسٍ وَتَلوُّنٍ وَاعْتِرَاضٍ فَصَبَرْتُ عَلى طُول المُدَّةِ وَشِدَّةِ المِحْنَِ حَتَّى إِذَا مَضَى لسَبِيلهِ جَعَلهَا فِي جَمَاعَةٍ زَعَمَ أَنِّي أَحَدُهُمْ فَيَا للهِ وَللشُّورَى مَتَى اعْتَرَضَ الرَّيْبُ فِيَّ مَعَ الأَوَّل مِنْهُمْ حَتَّى صِرْتُ أُقْرَنُ إِلى هَذِهِ النَّظَائِرِ لكِنِّي أَسْفَفْتُ إِذْ أَسَفُّوا وَطِرْتُ إِذْ طَارُوا فَصَغَا رَجُلٌ مِنْهُمْ لضِغْنِهِ وَمَال الآخَرُ لصِهْرِهِ مَعَ هَنٍ وَهَنٍ إِلى أَنْ قَامَ ثَالثُ القَوْمِ نَافِجاً حِضْنَيْهِ بَيْنَ نَثِيلهِ وَمُعْتَلفِهِ وَقَامَ مَعَهُ بَنُو أَبِيهِ يَخْضَمُونَ مَال اللهِ خِضْمَةَ الإِبِل نِبْتَةَ الرَّبِيعِ إِلى أَنِ انْتَكَثَ عَليْهِ فَتْلُهُ وَأَجْهَزَ عَليْهِ عَمَلُهُ وَكَبَتْ بِهِ بِطْنَتُهُ فَمَا رَاعَنِي إِلاَ وَالنَّاسُ كَعُرْفِ الضَّبُعِ إِليَّ يَنْثَالُونَ عَليَّ مِنْ كُل جَانِبٍ حَتَّى لقَدْ وُطِئَ الحَسَنَانِ وَشُقَّ عِطْفَايَ مُجْتَمِعِينَ حَوْلي كَرَبِيضَةِ الغَنَمِ فَلمَّا نَهَضْتُ بِالأَمْرِ نَكَثَتْ طَائِفَةٌ وَمَرَقَتْ أُخْرَى وَقَسَطَ آخَرُونَ

١٤٨
كتاب لماذا أهل البيت وليس غيرهم؟! لـ حسين المدرسي و يحيى صباح (ص ١٤٩ - ص ١٦١)

١٤٩

مؤهلات الإمام لدى الشيعة.. وأدلتهم


مبحث الإمامة شائك وخطير ولأنه الفاصل الرئيس بين المذاهب والملل نجد كل قومٍ حاولوا إشباع هذا الموضوع بحثاً وتنقيباً..

ولأن القرآن هو من يحسم النزاع، لذا كان لا بد من الرجوع إليه، واستنطاقه والتدبر فيه.

موقف القرآن من الإمام

يرى الشيعة أن الإمام هو المثال.. هو النموذج لأنه يمثل الدين، وهو عدل القرآن.. معتمدين في مقولتهم هذه على الآية الكريمة..

{وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ}.

فالظلم في الآية يشمل: (الظلم للنفس والغير.. فالذنب (صغيره وكبيره) ظلم.

ولذَْلك فإن معنى الظالمين في هذه الآية يكون:

١ـ إما أن يكون الإمام ظالماً متلبساً حال طلب إبراهيم (عليه السلام) من الله..

١٥٠
وهذا مستحيل أن يصدر من إبراهيم الخليل.

٢ـ وإما أن يكون الإمام قد تاب من ظلمه ورجع إلى ربه وتاب.

٣ـ واما أن يكون بريئاً من الظلم أبداً..

والـواضح أن الآيـة المباركة أوضحت بـ {لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} فالظالم سواءً كان متلبساً بالظلم أو كان تائباً من ظلمه لا يستحق الإمامة..

إن من يستحق الإمامة هو ذَْلك الإمام المنزه عن الظلم ومن هنا يقول الشيعة بعصمة الإمام.

وهذه هي أهم صفة ينبغي التركيز عليها، ولكي تتضح الصورة اكثر نذكر خطبة الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) والتي بَيَّنَتْ قدر الإمام ومنزلته ومقامه وصفاته..

روى أَبُو مُحَمَّدٍ القَاسِمُ بْنُ العَلاَءِ رَحِمَهُ اللهُ رَفَعَهُ عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ مُسْلمٍ قَال كُنَّا مَعَ الرِّضَا (عليه السلام) بِمَرْوَ فَاجْتَمَعْنَا فِي الجَامِعِ يَوْمَ الجُمُعَةِ فِي بَدْءِ مَقْدَمِنَا فَأَدَارُوا أَمْرَ الإِمَامَةِ وَذَكَرُوا كَثْرَةَ اخْتِلاَفِ النَّاسِ فِيهَا فَدَخَلتُ عَلى سَيِّدِي (عليه السلام) فَأَعْلمْتُهُ خَوْضَ النَّاسِ فِيهِ فَتَبَسَّمَ (عليه السلام) ثُمَّ قَال: "َ يَا عَبْدَ العَزِيزِ جَهِل القَوْمُ وَخُدِعُوا عَنْ آرَائِهِمْ إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَل لمْ

١٥١
يَقْبِضْ نَبِيَّهُ (ص) حَتَّى أَكْمَل لهُ الدِّينَ وَأَنْزَل عَليْهِ القُرْآنَ فِيهِ تِبْيَانُ كُل شَيْ‏ءٍ بَيَّنَ فِيهِ الحَلاَل وَالحَرَامَ وَالحُدُودَ وَالأَحْكَامَ وَجَمِيعَ مَا يَحْتَاجُ إِليْهِ النَّاسُ كَمَلاً فَقَال عَزَّ وَجَل {مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ} وَأَنْزَل فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ وَهِيَ آخِرُ عُمُرِهِ (ص) {الْيَوْمَ َ أ كْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا} وَأَمْرُ الإِمَامَةِ مِنْ تَمَامِ الدِّينِ وَلمْ يَمْضِ (ص) حَتَّى بَيَّنَ لأُمَّتِهِ مَعَالمَ دِينِهِمْ وَأَوْضَحَ لهُمْ سَبِيلهُمْ وَتَرَكَهُمْ عَلى قَصْدِ سَبِيل الحَقِّ وَأَقَامَ لهُمْ عَليّاً (عليه السلام) عَلماً وَإِمَاماً وَمَا تَرَكَ لهُمْ شَيْئاً يَحْتَاجُ إِليْهِ الأُمَّةُ إِلاَ بَيَّنَهُ فَمَنْ زَعَمَ أَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَل لمْ يُكْمِل دِينَهُ فَقَدْ رَدَّ كِتَابَ اللهِ وَمَنْ رَدَّ كِتَابَ اللهِ فَهُوَ كَافِرٌ بِهِ هَل يَعْرِفُونَ قَدْرَ الإِمَامَةِ وَمَحَلهَا مِنَ الأُمَّةِ فَيَجُوزَ فِيهَا اخْتِيَارُهُمْ إِنَّ الإِمَامَةَ أَجَلُّ قَدْراً وَأَعْظَمُ شَأْناً وَأَعْلى مَكَاناً وَأَمْنَعُ جَانِباً وَأَبْعَدُ غَوْراً مِنْ أَنْ يَبْلُغَهَا النَّاسُ بِعُقُولهِمْ أَوْ يَنَالُوهَا بِآرَائِهِمْ أَوْ يُقِيمُوا إِمَاماً بِاخْتِيَارِهِمْ إِنَّ الإِمَامَةَ خَصَّ اللهُ عَزَّ وَجَل بِهَا إِبْرَاهِيمَ الخَليل (عليه السلام) بَعْدَ النُّبُوَّةِ وَالخُلةِ مَرْتَبَةً ثَالثَةً وَفَضِيلةً شَرَّفَهُ بِهَا وَأَشَادَ بِهَا ذِكْرَهُ فَقَال {َ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا} فَقَال الخَليلُ (عليه السلام) سُرُوراً بِهَا {وَمِن ذُرِّيَّتِي} قَال اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالى {لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} فَأَبْطَلتْ هَذِهِ الآيَةُ إِمَامَةَ كُل ظَالمٍ
١٥٢
إِلى يَوْمِ القِيَامَةِ وَصَارَتْ فِي الصَّفْوَةِ ثُمَّ أَكْرَمَهُ اللهُ تَعَالى بِأَنْ جَعَلهَا فِي ذُرِّيَّتِهِ أَهْل الصَّفْوَةِ وَالطَّهَارَةِ فَقَال: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ}. {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ} فَلمْ تَزَل فِي ذُرِّيَّتِهِ يَرِثُهَا بَعْضٌ عَنْ بَعْضٍ قَرْناً فَقَرْناً حَتَّى وَرَّثَهَا اللهُ تَعَالى النَّبِيَّ (ص) فَقَال جَل وَتَعَالى {إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَـذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَاللّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ} فَكَانَتْ لهُ خَاصَّةً فَقَلدَهَا (ص) عَليّاً (عليه السلام) بِأَمْرِ اللهِ تَعَالى عَلى رَسْمِ مَا فَرَضَ اللهُ فَصَارَتْ فِي ذُرِّيَّتِهِ الأَصْفِيَاءِ الذِينَ آتَاهُمُ اللهُ العِلمَ وَالإِيمَانَ بِقَوْلهِ تَعَالى وَقال {الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ} فَهِيَ فِي وُلدِ عَليٍّ (عليه السلام) خَاصَّةً إِلى يَوْمِ القِيَامَةِ إِذْ لاَ نَبِيَّ بَعْدَ مُحَمَّدٍ (ص) فَمِنْ أَيْنَ يَخْتَارُ هَؤُلاَءِ الجُهَّالُ إِنَّ الإِمَامَةَ هِيَ مَنْزِلةُ الأَنْبِيَاءِ وَإِرْثُ الأَوْصِيَاءِ إِنَّ الإِمَامَةَ خِلاَفَةُ اللهِ وَخِلاَفَةُ الرَّسُول (ص) وَمَقَامُ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ (عليه السلام) وَمِيرَاثُ الحَسَنِ وَالحُسَيْنِ (عليهما السلام).

١٥٣
إِنَّ الإِمَامَةَ زِمَامُ الدِّينِ وَنِظَامُ المُسْلمِينَ وَصَلاَحُ الدُّنْيَا وَعِزُّ المُؤْمِنِينَ إِنَّ الإِمَامَةَ أُسُّ الإِسْلاَمِ النَّامِي وَفَرْعُهُ السَّامِي بِالإِمَامِ تَمَامُ الصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ وَالحَجِّ وَالجِهَادِ وَتَوْفِيرُ الفَيْ‏ءِ وَالصَّدَقَاتِ وَإِمْضَاءُ الحُدُودِ وَالأَحْكَامِ وَمَنْعُ الثُّغُورِ وَالأَطْرَافِ الإِمَامُ يُحِلُّ حَلاَل اللهِ وَيُحَرِّمُ حَرَامَ اللهِ وَيُقِيمُ حُدُودَ اللهِ وَيَذُبُّ عَنْ دِينِ اللهِ وَيَدْعُو إِلى سَبِيل رَبِّه ِبِالحِكْمَةِ وَالمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَالحُجَّةِ البَالغَةِ الإِمَامُ كَالشَّمْسِ الطَّالعَةِ المُجَللةِ بِنُورِهَا للعَالمِ وَهِيَ فِي الأُفُقِ بِحَيْثُ لاَ تَنَالُهَا الأَيْدِي وَالأَبْصَارُ الإِمَامُ البَدْرُ المُنِيرُ وَالسِّرَاجُ الزَّاهِرُ وَالنُّورُ السَّاطِعُ وَالنَّجْمُ الهَادِي فِي غَيَاهِبِ الدُّجَى وَأَجْوَازِ البُلدَانِ وَالقِفَارِ وَلُجَجِ البِحَارِ الإِمَامُ المَاءُ العَذْبُ عَلى الظَّمَإِ وَالدَّالُّ عَلى الهُدَى وَالمُنْجِي مِنَ الرَّدَى الإِمَامُ النَّارُ عَلى اليَفَاعِ الحَارُّ لمَنِ اصْطَلى بِهِ وَالدَّليلُ فِي المَهَالكِ مَنْ فَارَقَهُ فَهَالكٌ الإِمَامُ السَّحَابُ المَاطِرُ وَالغَيْثُ الهَاطِلُ وَالشَّمْسُ المُضِيئَةُ وَالسَّمَاءُ الظَّليلةُ وَالأَرْضُ البَسِيطَةُ وَالعَيْنُ الغَزِيرَةُ وَالغَدِيرُ وَالرَّوْضَةُ الإِمَامُ الأَنِيسُ الرَّفِيقُ وَالوَالدُ الشَّفِيقُ وَالأَخُ الشَّقِيقُ وَالأُمُّ البَرَّةُ بِالوَلدِ الصَّغِيرِ وَمَفْزَعُ العِبَادِ فِي الدَّاهِيَةِ النَّآدِ الإِمَامُ أَمِينُ اللهِ فِي خَلقِهِ وَحُجَّتُهُ عَلى عِبَادِهِ وَخَليفَتُهُ فِي بِلاَدِهِ وَالدَّاعِي إِلى اللهِ وَالذَّابُّ عَنْ حُرَمِ اللهِ الإِمَامُ
١٥٤
المُطَهَّرُ مِنَ الذُّنُوبِ وَالمُبَرَّأُ عَنِ العُيُوبِ المَخْصُوصُ بِالعِلمِ المَوْسُومُ بِالحِلمِ نِظَامُ الدِّينِ وَعِزُّ المُسْلمِينَ وَغَيْظُ المُنَافِقِينَ وَبَوَارُ الكَافِرِينَ.

الإِمَامُ وَاحِدُ دَهْرِهِ لاَ يُدَانِيهِ أَحَدٌ وَلاَ يُعَادِلُهُ عَالمٌ وَلاَ يُوجَدُ مِنْهُ بَدَلٌ وَلاَ لهُ مِثْلٌ وَلاَ نَظِيرٌ مَخْصُوصٌ بِالفَضْل كُلهِ مِنْ غَيْرِ طَلبٍ مِنْهُ لهُ وَلاَ اكْتِسَابٍ بَل اخْتِصَاصٌ مِنَ المُفْضِل الوَهَّابِ فَمَنْ ذَا الذِي يَبْلُغُ مَعْرِفَةَ الإِمَامِ أَوْ يُمْكِنُهُ اخْتِيَارُهُ هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ ضَلتِ العُقُولُ وَتَاهَتِ الحُلُومُ وَحَارَتِ الأَلبَابُ وَخَسَأَتِ العُيُونُ وَتَصَاغَرَتِ العُظَمَاءُ وَتَحَيَّرَتِ الحُكَمَاءُ وَتَقَاصَرَتِ الحُلمَاءُ وَحَصِرَتِ الخُطَبَاءُ وَجَهِلتِ الأَلبَّاءُ وَكَلتِ الشُّعَرَاءُ وَعَجَزَتِ الأُدَبَاءُ وَعَيِيَتِ البُلغَاءُ عَنْ وَصْفِ شَأْنٍ مِنْ شَأْنِهِ أَوْ فَضِيلةٍ مِنْ فَضَائِلهِ وَأَقَرَّتْ بِالعَجْزِ وَالتَّقْصِيرِ وَكَيْفَ يُوصَفُ بِكُلهِ أَوْ يُنْعَتُ بِكُنْهِهِ أَوْ يُفْهَمُ شَيْ‏ءٌ مِنْ أَمْرِهِ أَوْ يُوجَدُ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ وَيُغْنِي غِنَاهُ لاَ كَيْفَ وَأَنَّى وَهُوَ بِحَيْثُ النَّجْمِ مِنْ يَدِ المُتَنَاوِلينَ وَوَصْفِ الوَاِفِينَ فَأَيْنَ الاخْتِيَارُ مِنْ هَذَا وَأَيْنَ العُقُولُ عَنْ هَذَا وَأَيْنَ يُوجَدُ مِثْلُ هَذَا أَ تَظُنُّونَ أَنَّ ذَْلك يُوجَدُ فِي غَيْرِ آل الرَّسُول مُحَمَّدٍ (ص) كَذَبَتْهُمْ وَاللهِ أَنْفُسُهُمْ وَمَنَّتْهُمُ الأَبَاطِيل فَارْتَقَوْا مُرْتَقىً صَعْباً دَحْضاً تَزِلُّ عَنْهُ إِلى الحَضِيضِ أَقْدَامُهُمْ رَامُوا إِقَامَةَ الإِمَامِ بِعُقُولٍ حَائِرَةٍ بَائِرَةٍ نَاقِصَةٍ وَآرَاءٍ مُضِلةٍ فَلمْ يَزْدَادُوا مِنْهُ إِلاَ بُعْداً قَاتَلهُمُ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ وَلقَدْ رَامُوا صَعْباً وَقَالُوا إِفْكاً

١٥٥
وَضَلُّوا ضَلاَلاً بَعِيداً وَوَقَعُوا فِي الحَيْرَةِ إِذْ تَرَكُوا الإِمَامَ عَنْ بَصِيرَةٍ وَزَيَّنَ لهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيل وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ رَغِبُوا عَنِ اخْتِيَارِ اللهِ وَاخْتِيَارِ رَسُول اللهِ (ص) وَأَهْل بَيْتِهِ إِلى اخْتِيَارِهِمْ وَالقُرْآنُ يُنَادِيهِمْ {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ}

وَقَال عَزَّ وَجَل {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} الآيَةَ وَقَال {مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٦) أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ (٣٧) إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا يَتَخَيَّرُونَ (٣٨) أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ (٣٩) سَلْهُم أَيُّهُم بِذَلِكَ زَعِيمٌ (٤٠) أ َمْ لَهُمْ شُرَكَاء فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِن كَانُوا صَادِقِينَ} وَقَال عَزَّ وَجَل {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا}

أَمْ طُبِعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ أَمْ قالُوا سَمِعْنا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ

{إِنَّ شَرَّ الدَّوَابَّ عِندَ اللّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ (٢٢) وَلَوْ عَلِمَ اللّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ} أَمْ قالُوا سَمِعْنا وَعَصَيْنا بَل هُوَ {فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو

١٥٦
الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} فَكَيْفَ لهُمْ بِاخْتِيَارِ الإِمَامِ وَالإِمَامُ عَالمٌ لاَ يَجْهَلُ وَرَاعٍ لاَ يَنْكُلُ مَعْدِنُ القُدْسِ وَالطَّهَارَةِ وَالنُّسُكِ وَالزَّهَادَةِ وَالعِلمِ وَالعِبَادَةِ مَخْصُوصٌ بِدَعْوَةِ الرَّسُول (ص) وَنَسْل المُطَهَّرَةِ البَتُول لاَ مَغْمَزَ فِيهِ فِي نَسَبٍ وَلاَ يُدَانِيهِ ذُو حَسَبٍ فِي البَيْتِ مِنْ قُرَيْشٍ وَالذِّرْوَةِ مِنْ هَاشِمٍ وَالعِتْرَةِ مِنَ الرَّسُول (ص) وَالرِّضَا مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَل شَرَفُ الأَشْرَافِ وَالفَرْعُ مِنْ عَبْدِ مَنَافٍ نَامِي العِلمِ كَامِلُ الحِلمِ مُضْطَلعٌ بِالإِمَامَةِ عَالمٌ بِالسِّيَاسَةِ مَفْرُوضُ الطَّاعَةِ قَائِمٌ بِأَمْرِ اللهِ عَزَّ وَجَل نَاصِحٌ لعِبَادِ اللهِ حَافِظٌ لدِينِ اللهِ إِنَّ الأَنْبِيَاءَ وَالأَئِمَّةَ (عليهم السلام) يُوَفِّقُهُمُ اللهُ وَيُؤْتِيهِمْ مِنْ مَخْزُونِ عِلمِهِ وَحِكَمِهِ مَا لاَ يُؤْتِيهِ غَيْرَهُمْ فَيَكُونُ عِلمُهُمْ فَوْقَ عِلمِ أَهْل الزَّمَانِ فِي قَوْلهِ تَعَالى: {أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيَ إِلاَّ أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} وَقَوْلهِ تَبَارَكَ وَتَعَالى {وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا} وَقَوْلهِ فِي طَالُوتَ {إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} وَقَال لنَبِيِّهِ (ص) {وَأَنزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا} وَقَال فِي الأَئِمَّةِ مِنْ أَهْل بَيْتِ نَبِيِّهِ وَعِتْرَتِهِ وَذُرِّيَّتِهِ (ص) {أَمْ
١٥٧
يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا (٥٤) فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُم مَّن صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا} وَإِنَّ العَبْدَ إِذَا اخْتَارَهُ اللهُ عَزَّ وَجَل لأُمُورِ عِبَادِهِ شَرَحَ صَدْرَهُ لذَْلك وَأَوْدَعَ قَلبَهُ يَنَابِيعَ الحِكْمَةِ وَأَلهَمَهُ العِلمَ إِلهَاماً فَلمْ يَعْيَ بَعْدَهُ بِجَوَابٍ وَلاَ يُحَيَّرُ فِيهِ عَنِ الصَّوَابِ فَهُوَ مَعْصُومٌ مُؤَيَّدٌ مُوَفَّقٌ مُسَدَّدٌ قَدْ أَمِنَ مِنَ الخَطَايَا وَالزَّلل وَالعِثَارِ يَخُصُّهُ اللهُ بِذَْلك ليَكُونَ حُجَّتَهُ عَلى عِبَادِهِ وَشَاهِدَهُ عَلى خَلقِهِ وَ {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} فَهَل يَقْدِرُونَ عَلى مِثْل هَذَا فَيَخْتَارُونَهُ أَوْ يَكُونُ مُخْتَارُهُمْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَيُقَدِّمُونَهُ تَعَدَّوْا وَبَيْتِ اللهِ الحَقَّ وَنَبَذُوا {كِتَابَ اللّهِ وَرَاء ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} وَفِي كِتَابِ اللهِ الهُدَى وَالشِّفَاءُ فَنَبَذُوهُ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ فَذَمَّهُمُ اللهُ وَمَقَّتَهُمْ وَأَتْعَسَهُمْ فَقَال جَل وَتَعَالى {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}

وَقَال {فَتَعْسًا لَّهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ} وَقَال {كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ وَعِندَ الَّذِينَ آمَنُوا

١٥٨
كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ} وَصَلى اللهُ عَلى النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ وَآلهِ وَسَلمَ تَسْليماً كَثِيراً"(١)

هذا وقد بينت في بداية الفصل الأول أن الإمام يجب أن يكون مختاراً من قبل الله تعالى في بحثٍ قرآنيٍ مفصل لا داعي لذكره هنا..

ـ الدليل على أن الإمام بعد رسول الله هو الإمام علي (عليه السلام)..

قبل ذكر الدليل وبيانه أقول ملاحظة..

لقد كثرت الأدلة حول أحقية أهل البيت بالأمر دون غيرهم. إلا أن الإشكالية تكمن في العناد، وعدم الانصياع للدليل والبرهان، وهذه في الحقيقة هي مشكلة نفسية قبل أن تكون عقدية، ولأنها حساسة ركز عليها القرآن، وخاطب قريش المعاندين: {فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُونَ}.

أما الدليل على أحقية الإمام علي بالخلافة دون غيره فهي أكثر من يحصيها كراس كهذا، إلا أننا سنكتفي بذكر ثلاثة أدلة، وما ذكرناه من فضائلهم في الفصل الأول كافٍ لمن ألقى السمع وهو شهيد..

(١) أصول الكافي (ج١) باب نادر جامع في فضل الإمام وصفاته.

١٥٩

أولاً: حديث الغدير

وهذا الحديث سبق ذكره في بداية الفصل الأول وإليك نصه..:

حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة أخبرنا علي بن زيد عن عدي بن ثابت عن البراء بن عازب قال: كنا مع رسول الله (ص) في سفر، فنزلنا بغدير خمّ، فنودي فينا الصلاة جامعة. وكُسح لرسول الله (ص) تحت شجرتين، فصلّى الظهر وأخذ بيد عليٍّ (رضي الله عنه)، فقال: " أَلسْتُمْ تَعْلمُونَ أَنِّي أَوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ؟"

قالوا: بلى.

قال: "أَلسْتُمْ تَعْلمُونَ أَنِّي أَوْلى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ؟"

قالوا: بلى.

قال: فأخذ بِيَد عليٍّ، فقال: "مَنْ كُنْتُ مَوْلاهُ، فَعَلِيٌّ مَوْلاهُ، اللٍْهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ."

قال: فلقيهُ عُمَرُ بعد ذَْلك، فقال: هنيئاً يا ابن أبي طالب، أصبحتَ وأمسيتَ مولى كلِّ مؤمن ومؤمنة.

قال أبو عبد الرحمن: حدثنا هُدبةُ بن خالد، حدثنا حماد بن سلمة عن عليّ بن زيد عن عديّ بن ثابت عن البراء بن عازب عن النبيِّ (ص)

١٦٠